رواية دكة السادة الفصل التاسع عشر بقلم فطمة محمد علي النعيمي
ليلة طويلة جداً
((قد يعيش الانسان عمرا كاملاً وسنين متعاقبة لايشعر بساعة منها.....
وقد يعيش أعماراً كثيرة في ليلة واحدة
فالزمن مانعيش احداثه بكل مشاعرنا هو الزمن الحقيقي الذي عشناه فقط))
حين فتحت ام حمدان الباب والفانوس بيدها
وجدت السيد عبدالله
قالت مستغربة
-خير يبو خديجة
ابتسم بوجهها ليطمأنها وقال
-عندي بشراوية لچا.....
جاني ضيف اليوم وجاب خبر من حمدان
ابتسمت وضربت صدرها وقد رق صوتها وغدا يتهدج وهي تردد
-يمة يمية صحيح؟ بالله عليك سيد صحيح؟
وينو وين راح؟
يمة يحمدان گلبي انمرد على شوفتك يأميييي
واش كال الضيف؟
-ماگال شي غير انو يجوز يجي حمدان اليوم يمچن يصل بعد ساعة هشكل
فگلت أجي ابشرچ
وهم حتى لاتنامين وتخلينو ايدگ الباب بهل مطر وانتي ماتفتحيلو،
-يبوووووه والله لأگعد اهينا يم الباب بنص المطر الا يصل ،
يايمة يحمدان الحمد لله انو بخير عفية يخوية عليك،
زين سويت جيت بشرتني....
بس والله يخوي اخاف من هاي العجيز حسنة العبد إذا شافتك واگف يم الباب الا تسويلنا سالفة
ضحك عبدالله وقال
-اشحدها اول شي نحنا السادة مابينا ذاربة★
وثاني شي آني واگف مع وليچ ورجل بيتج
تعال يابا يحمدان تعال وآني رايح فيمان الله،
ودخل حمدان والقى نفسه بحضن امه التي احتضنته وانطلقت تقبله من كل مكان
وهي تسأل وتسأل
-وين چنت ليش رحت ماتدري اني ماليا غيرك
ليش يمة رحت اش صار معاك احجيلي احچيلي
كان يطبطب على يدها ويردد
-لاتخافين يمة آني بخير آني بخير
بس شوية جوعان،
-يمة يمة وليدي جوعان اش تريد اش مشتهي
ماريد شي يمة غير شوية خبز ولبن
عندچ لبن أوووف يايمة اشكد مشتاگ لطعم لبنچ،
دخلا للبيت يركضان من شدة المطر
وهو يتراقص على الاسطح الطينية فينزل الماء من اطراف السطوح المحدبة ساحباً معه الطبقة الخفيفة من الطين
اعدت امه له طعام الفطور
أكل وهو يحكي قصة أخرى لأمه
قصة تجعلها فخورة به دون ذكر ما مر به من صعاب
حكى لها عن دير الزور
وعن الكهرباء
قالت له
-اعرف الكهربا لمن جنت زقير يمچن عمرك سنتين
صار بيا وجع بصفحتي ماينحمل
وخليتك عند حسنة العبد ورحت مع حجيت وضحى وعبروني بيت السيد بالبلم لغزيل ومن هناك ودوني للموصل ودخلوني بالمستشفى الملكي.
وسولي عملية كالو مدري شنو عندي زايد وگصوه وصرت زينة.ياباه يحمدان اشلون شفت شي
حسيت روحي طلعت من الدنيا
عود يجن هذني البنات حاطات على روسهن مدري شنو
هيچ ابيض وهدومهن بيييض ويمشن چنهن حوريات مدري اش يسموهن ها ها تذكرت
سندر يمچن مدري يحمدان چنهن زبدة من گد ماهن بيض
أمك طالعة يابا وشايفة دنيا بس ماعمر صارت كعدة بينا تا اسولفلك،
كان حمدان يستمع وهو مبتسم مرتاح لأول مرة في حياته يشعر أنه يحب هذه المرأة حباً لايمكن أن يماثله حب في العالم ،
كان يسمعها بقلبه وعقله وكل مشاعره صوتها
غسل من قلبه ذلك الرعب الذي دمره وهو ممد على الارض وماهر يصوب نحوه طلقات الموت،
*********
اما عبدالله حين رجع
ودخل غرفة الضيوف ليطمأن على راحة الشابين
وجد دخيل في فراشه لم ينم بعد وزعيتر يجلس على الفراش الثاني يتحدث مع دخيل
قال دخيل ضاحكاً:
-جواد رد طفل زغير وراح ينام بحضن أمو
ثم قال زعيتر،
-مو بس جواد بحض أمو حت حمدان هسع تلگيه بحضن أمو هنيالهم عدهم أمهات،
تذكر عبدالله أنه ربما يكون الشباب قد جاعوا قال لهم
-أصبرو لاتنامون خلي نفلة تسويلكم تريوگة أكلو وبعدين اغفولكم شوية
حين دخل عبدالله غرفة نفلة
وجدها تصلي وجواد جالس ينظر اليها
فساله همساً
-توضيت؟
-لا
-ليش انت ماتصلي؟
-لا معرف أصلي
بعمري ما مصلي
شايف شباب معايا يصلون بس ماعمر فكرت اصلي
-گوم كوم حتى اعلمك عالصلاة،
لم يصلي جواد بيوم من ايام حياته ولم يتعلم القراءة والكتابة
فماهر لم يكن أب يسعى. ان يصل أبنه للكمال
كان يربي الولدين كي يصبحا كعبدين يعملان لصالحه تحت قيد الأبوة
نهض جواد وذهب مع والده الى حمام البيت
ووقف يشاهد ابيه وهو يعلمه كيف يتوضى
حين انهى ابوه الوضوء
جلس مكانه على تلك الصخرة التي جلبها عبدالله ذات يوم لتكون مقعدا للوضوء
وانطلق يتوضأ
أمسك جواد إبريق النحاس، كان الماء باردا كالثلج.
حين صب الماء على كفيه،
شعر بجسده يتكهرب؛ لم تكن برودة الماء وحدها، بل هيبة الطقس نفسه. أخذ كف من الماء ومسح على وجهه ومسح به عينيه المحمرتين من السهر والبكاء، وكأن تلك القطرات تغسل عن ملامحه هموم العشرين عاماً التي عاشها باسم وهمي وحياة وهمية.
حين وقف خلف أبيه على السجادة المنسوجة من صوف الغنم الرمادي، كان يسترق النظر إلى حركة يدين عبد الله كيف يرفعهما عند التكبير، يقلده بحذر كطفل يتعلم المشي.
وفي السجود، حين وضع جبهته على السجادة، شم رائحة الصوف القديم الذي يحمل رائحة أمه التي يعرفها جيداً، شعر ولأول مرة في حياته بـ 'انعدام الوزن'؛ كأن الأرض تحت جبهته انفتحت لتستقبل كل الخوف والمقت الذي تراكم في صدره من قسوة ماهر كل تلك السنين
صلى به أبوه أماماً وصلى أبنه مؤتماً
كان يشعر جواد بحالة عجيبة من السكينة وهو يسمع
صوت أبوه الشجي يقرأ القرآن في الحضرة الألهية
غمره الهدوء كأن الله يمد يده من السموات
على قلبه يداوي تلك الشقوق التي تفجرت في قلبه بهذه الليلة الطويلة جدا
شعر بحب عارم تجاه هذا الرجل حباً
جعله يبكي بصمت ليس بكاء
اعتراض
او ندم
أو ذل واستسلام
او حسرة
بل بكاء قلباً رق برحمة الله لهذا الرجل الذي يشدو
بأيات الله وهو يقرأ
(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ٢٣)
الى آخر أيات الوصايا العظيمة
التي تختصر كل أوامر الله لعبده
فتجعله انساناً صالحاً في ذاته نافعاً لمجتمعه،
لم يكن جواد يفهم مايقوله ابوه بشكل كامل
لكنه كان يعرف ان مايسمعه شيء عظيم
حين اكملا صلاتهما كانت نفلة جالسة تسبح وتدعو الله أن يرجع لها حسن (سليمان) كما ارجع لها جواد
أما جواد ورغم اقتناعه التام أنه أبن هذا الرجل وهذه المراة
لكن.....
كان هناك قيداً يقيد مشاعره
ذلك القيد الذي تربطه الحياة بلطف حول ارادة الانسان يوما بعد يوم الا وهو التعود،
التعود على أنه أبن ماهر فخلال سنين عمره كلها لم يكن يتخيل مجرد خيال
ان ماحصل في هذه الليلة سيحصل مطلقاً
لهذا كان يشعر أن هناك حاجزا عمره عشرون عاما بينه وبين أمه وابيه
حين نهض واراد الخروج ليذهب الى غرفة الضيوف
قالت نفلة
-وين رايح يبوية؟
-أروح أنام شوية كبل مايطلع الضو
-حسين آني فرشتلك يمي هينا بيني وبين ابوك،
التفت حسين الى الفراش
ووقف ينظر اليه بعمق ثم مشى
ووقف عند اللحاف ينظر اليه
ثم ذهب الى الجدار ونزع الفانوس من المسمار ورجع وقرفص عند حافة الفراش ونظر الى (صرة اللحاف)★
ورفع نظره الى أمه وقال
-عمة....يمة هذا القماش چان فستان مالچ مو؟
قالت وهي مبتسمة بحنان
-أي والله يبعد أبوي
لمن أبوگ طلگني بسبب ضياعكم كل هدومي مالات العرس فلشتهن وسويتهن فراش
وحلفت يمين ما ألبس غير الاسود
وگبل ثلت شهور لمن رجعت لأبوك جبت فراشي معايا
هذا فستان كلبدون اشتراه أبوية من القچقچي لمن چنت بنت وخيطتو و ضميتو لعرسي،
قال:
أتذكرو زين وچان عندچ شامة بصدرج چبيرة مو؟
فتحت صدرها ورأها
بكى جواد من أعماق قلبه
وقال
-اتذكر وآني زغير لمن چنت اريد انام احط ايدي بزيج أمي خضيرة
وچنت ادور بصدرها عالشامة واعرف أمي عدها شامة بس معرف ليش ضاعت الشامة،
كان عبدالله قد انهى صلاته
والتفت وهو يحوقل
وكلماته تغص بالدموع
سالته امه
-حسين يمة انتم لمن رحتو چان عمركم فوك الثلث سنين أشلون ماتتذكرون ديرتكم اهلكم؟
أجاب بحزن
-تدرين يمة لمن چان ارمضان يسولف
حسيت أني اتذكر بس أبد گبل هاليوم
ماتذكرت شي من ذيچ الايام بس چنت اشوف احلام
مالها أي تفسير
بس لمن سولف الملعون اليوم
تذكرت يوم فات علينا ماهر وضربنا آني وأخوية وأمي خضيرة وأتذكر لمن نامت فوگنا
حتى تحامينا وآني چنت خاتل جواها حت رجلي چانت برا لشتها سحبتها وخليتها جوايا
كان عبدالله يبكي بصمت
وقال لنفلة
-كومي سوي ريوك لحسين وربعو
أكيد هما هم جوعانين والله ولاتذكرت الأچل الا حمدان گال لأمو آني جوعان
وزين ماخليتو زعيتر يرد لخربوشو
خطية هم مطر وهم چثير صارت باردة
ونهضت مسرعة
وهي تقول
-عگب ماطلعت هو راد يروح حسين ماگبل
كلو ضل بات هينا
وخديجة وسورية راحن نامن گلت لحسين انت تعال نام عندي وخلي فراشك لزعيتر ،
خرجت نفلة وجلس الأب وأبنه يتحدثان
وساله جواد عن معنى الأيات
وجلس عبدالله يشرح له بطريقة مبسطة
كان الفرح يغمر قلب عبدالله وهو يلقن ابنه الدين
گانه كان يُقبل الكلمات التي يهبها لأبنه
فترسخ في قلب جواد كأنها بذور سحرية ما ان تغرز في روحه حتى تنبت بسرعة مذهلة وتصبح أشجاراً
وارفة
كان يقول لنفسه
-لو ماچنت ابن هالرجل لتمنيت اكون أبنو،
دخلت نفلة المطبخ
كانت تشعر أنها في احد تلك الأمنيات التي تمنتها طوال
سنين العذاب ،
كان جسدها خفيفيا حتى انها لاتشعر بوزنها على الارض
واعدت لولدها وضيفيها من تلك الخبايا
التي تحتفظ بها أم البيت الريفية
لعمل بعض الأفطارات المميزة لاسرتها
وايضاً للضيوف
اخرجت الدهن الحر من ضرف الدهن الذي
كانت تخبئه في (الواوي)★
وقلت بيض وتمر ووضعت الكثير من الزبدة
واللبن وقدمته لولدها وزوجها ولدخيل وزعيتر
في غرفة الضيوف
حين اكلو نهض جواد وذهب يحمل سفرة الطعام للمطبخ وامه تمشي معه تغطي السفرة من المطر
حين وضع السفرة في المطبخ غطتها
ب(مچبة الصواصي)★
ولحقا الاثنان بعبدالله الذي قال لهما
-يلا أنام شوية كبل ماتلتم الجرية علينا
وتمدد الثلاثة جواد في الوسط وأبوه وأمه قربه والاثنان وضعا يديهما فوق صدر جواد او حسين
و جواد يضع يديه فوق يد أمه وأبيه
ولأول مرة في حياته يشعر بالأمان المطلق
فلا أمان مطلق في غير هذا المكان بين قلبين
يتمنيان لك الأمان من كل خلية في قلبيهما
كان ينظر للسقف وهو يستعيد براسه كل مايمكن من ذكريات اخفاها عقله بصورة جيدة كل تلك السنين
وغفى الجميع وهم يحلمون بحل شافي لكل ما مر بهما خلال تلك السنين المريرة
وكذلك فعلت أم حمدان لم تترك حمدان بل نامت قربه وقد وضعت يدها فوق صدره لتشعر بنبضات قلبه الهادئة
التي جعلت ضربات قلبها منتظمة بشكل مذهل
***************
أما دمدم أو رمضان
فاستمر يركض تحت المطر حتى وصل بيته عند الضهر في قرية الصاجعة
وأستقبلته زوجته ودخل وأبدل ثيابه المبللة تماما
وأمر زوجته واولاده
ان يستعدوا للرحيل ريثما ينام ولو ساعتين!!!!!
نعم لقد كان رمضان يكذب،
ولم يأتي وقت كشف الحقيقة بعد
لكنه اتقن الكذب حتى صدق الجميع الا جواد،
رغم رعب زوجته من رؤياه بتلك الثياب المهلهلة
لكنها اعتادت منذ سنين أن لاتسأله عن شيء مهما
ضأل حجمه
فعاقبة كل سؤال كانت وخيمة
************
بعد ساعتين فقط من نومهم صحت نفلة ولبست ثيابها ووضعت جلد خاروف مدبوغ كانت تجلس عليه في غرفتها فوق راسها وذهبت الى والدها تركض والمطر ينزل كأنه
شلال ينزل من السماء فتضرب قطراته المنهمرة الارض الطينية وتدفع الطين الى ساقيها المكشوفتان
بعد أن وضعت اطراف ثوبها وصايتها في حزامها كي لا تتبلل ثيابها شأن اهل القرى في مثل هذا الجو،
وصلت بيت والدها ودفعت الباب ودخلت وركضت الى غرفة والدها وقفت عند الباب وانزلت ثيابها
ودفعت الباب ودخلت
كان أخوها وابوها يفطران حين وقفت امام الباب تنظر اليهما كان أبوها يمسك بيده لقمة خبز يريد غمسها بصحن اللبن امامه
وتوقف ورفع راسه اليها وقال
-خيرج ينفلو جاية بهلصباح الي ماتطلع بيه البزونة ادور على جيرواتها
كانت نفلة مبتسمة قالت بهدوء
-يا يابا يحسين جا ابني حسين
البارحة باليل
هب حسين واقفاً وهو يضحك ويقول
- جا سميي يلا حيو اشلونو واشلون جا؟
وين چان؟ واشلون وصلكم؟
اما زيد فقد القى الخبز ونهض وسحب عصاه وخرج وهو يجر فروته على راسه وركض الثلاثة الى بيت عبدالله النمر
حين وصلوا
ودخل زيد غرفة الضيوف
ونفلة انطلقت الى غرفتها لتصحي جواد
كان جواد مايزال نائما في غرفة أمه
اما زيد حين دخل غرفة الضيوف
وجد رجلين ينامان في الغرفة نظر الى احدهما عرفه زعيتر فركض الى الثاني يحتضنه
صحى دخيل مرعوباً وشيخ كبير يحتضنه
وشاباً يقف في وسط الغرفة وهو يبكي
قال دخيل وهو يفرك عينيه المحمرتين
-يالربع يمچنكم متوهمين آني مو جواد
أمسك زيد يمين دخيل ونظر لها وقال
-آي بالله منت حسين
والتفت الى ابنه حسين وقال
-راحت دموعك خسارة وضحك الجميع
مع دخول حسين ونفلة
نهض زيد
ووقف أمام حسين
قال له
-جيت يابا يحسين بس گلي طلعلك اصبع لمن كبرت لو لا؟
لا يعرف حسين في تلك اللحظة من أين هبطت هذه الذكرى الى ذاكرته تذكر وهو جالس في حضن رجل كبير يشكو له ان اصبعه أكله الكلب
فيقول له الرجل الكبير باچر تكبر ويطلعلك اصبع
امبدالو وأذا تريد أصبعين هم راح يطلعلك
فالقى نفسه في حضن جده وهو يقبله
ويقول له تذكرتك اشلون مدري
بس والله تذكرتك وماطلعلي لا اصبع ولا أصبعين
في ضحى ذلك اليوم ورغم المطر الشديد
صعد عبدالله النمر فوق سطح بيته واطلق ثلاث رصاصات
كي يجتمع الناس عنده ويخبرهم برجوع جواد
بعد أن اتفق مع الجميع
ان لايخبروا احدا بما دار ليلة امس
وتوافد الرجال يركضون وبلحظات شاع الخبر في القرية كلها
أن حمدان ارجع حسين لوالديه
حينها دخلت خديجة الى غرفة امها وقالت لها:
-يمة آني ماريد حمدان خوما تجبروني عليه
ردت امها مستغربة وقالت:
-ليش يمة اخاف من ورا ذاك الجرح الي بوجهو
ردت خديجة بقولها:
-لايمة لا والله بس آني من زمان نفسي ماتريد حمدان
ماريد أخذ رجل باچر واليدي ايتعيرون بيه
حمدان جبان يمة والجبان مايكدر يحامي مرتو
ردت نفلة عليها:
- يخديجة حمدان سوا الي مايسويه رجال سباع
ميخالف بنتي بيدچ وكت فكري زين
واذا ضليتي ماتريديه عود نفكلو مرا من الجرية ونزوجو
لم تستطع خديجة ان تقول لأمها أن قلبها رجف لدخيل وانه دخل عقلها وقلبها بقوة وأنها لاتريد غيره زوجاً لها رغم تنازله عنها لحمدان الذي كشف جانب جميل من شخصية دخيل فهي التي يتمناها الجميع لايمكن لرجل ان يتنازل عنها لو لم يكن هذا الرجل اشجع من ان يغريه شيء وأن عقله وشهامته أكبر من رغباته
وفهمت ان حمدان قد باح لدخيل برغبته بها
لكنها عكس كل أمراة اخرى وجدت أن هذا الامر من اعظم
دواعي الحب
سكتت وخرجت.
بعد خروج خديجة دخلت سورية وقالت :
-ينفلة اطلعي حتى نبلش بالطبخ عبد ارحمان بلش يذبح وانتي خاتلة جوا
وانطلق الجميع يعمل اخذت خديجة طشت من الطحين لجارتها جورية وطلبت منها عجنه وخبزه وكذلك
اخذت طشت لجارتها الاخرة وأخرة
اما زوجات اعمامها وبناتهم فقد جئن جميعا وقد رفعن اطراف ثيابهن ووضعنها في احزمتهن وهن يخضن بالوحل كي يساهمن بالطبخ
كان المطر يخض طين الأرض في فناء دار خضاً، لكن ثياب النساء المرفوعة والمربوطة بالحزام
حول الخصور كانت تتحرك في الفناء بكبرياء. وصوت وقع السواطير على خشب التوت لتقطيع اللحم، ودخان الحطب الندى الذي يخرج من باب 'دام الحلال' متصاعداً مع رائحة الزفر وصوف الغنم المبلل... كل شيء في القرية كان يتحرك بإيقاع فرح معاند للمطر.
كان الشباب يذبحون الحملان ويعلقونها في قنطرة البيت
أمام غرفة الضيوف
ويسلخونها ويقطعونها ويضعون اللحم في اواني ينقلونها الى دام الحلال الذي اصبح مطبخ طواريء من شدة نزول المطر ورغم سوء الوضع ونقل الماء من النهر يصبح معضلة في المطر
لكنهم جميعا كانو فرحين كأنهم شعروا أن السماء تشاركهم الفرح
اجتمع الرجال وانطلق عبدالله يعرف حسين على اعمامه
والاعمام والاقارب والجيران كانو يدخلون ويجلسون بحضن بعض حتى لم يعد المضيف يتسع فتنازل الاقارب عن اماكنهم كي يجلس من هم أبعد
وحين أكتمل الطعام
قال عبدالله
-يالربع نريدكم تعاونونا كل واحد منكم يشيل صينية ويروح لهلو عبن ماكو مكان يكفي بهل مطر
وبلحظات قليلة انطلق الرجال كل واحد يأخذ صينية تكفي اسرته يغطيها بفروته وياخذها ويذهب الى بيته يتغدا مع اسرته
ولم يتبقى الا اسرة حازم وعبدالله وأسرة الملا محمد عمهم
جلسوا جميعاً
حتى حمدان وأمه جائو
وحرص حمدان على عدم نزع شماغه امام أمه حتى يجد الوقت المناسب ليخبرها بما حصل
******
أما في قرية الصاجعة عصر ذلك اليوم
خرج رمضان واسرته بذلك الجو الممطر
على البغال والخيول
وانطلقوا الى جهة مجهولة،
*********
انتهى ذلك اليوم البهيج
وفي المساء بعد ان غادر الناس الى بيوتهم وكان يريد زعيتر ايضا الذهاب طلب منه جواد ان يبقى
وجلسوا سوية حمدان وجواد ودخيل وزعيتر
وعبدالله وحازم عم جواد وأبنه عبد الرحمان وزيد وابنه حسين وعبد المجيد،
في وسط المضيف، كانت منقلة النحاس المربعة تتربع كقلب دافئ للبيت، يتوهج في جوفها جمر الغضى والبلوط بجمال متقد،
يكسوه بين الحين والآخر رداء خفيف من الرماد الناعم الأشهب. كانت الدلال الأربع المصنوعة من النحاس المسبوك، المتباينة في الأحجام من
(الگمگم التخدير والمصب) تصطف على طرف الجمر بوقار.
وكلما تحرك الفحم أو هبت نسيم المطر من فتحة الباب، ارتفعت زغردة القهوة وهي تغلي في بطن الدلة، مخالطة رائحة الهال الخشن المسحوق للتو
كان صرير الحديد أثناء تقليب الجمر بـ (الماشة) بيد زعيتر
يقطعان صمت الرجال المخيم، ويضفيان على الجلسة ثقلاً، حيث يمتزج صفير الدلال برائحة صوف الفراء المبلل بالمطر.
قطع ذلك الهدوء اللذيذ صوت العم حازم
بعد أن شرح لهم عبدالله اغلب ماجرى أمس
حين قال:
-هسع اشراح نسوي واشلون نرجع حسن واشلون ناخذ حگنا من الشوام
أجاب عبدالله قائلا:
-نحنا السادة ماناخذ الكل بجريرة خايس بيهم
الشوام صارلهم حفنة سنين عايشين بينا ماشفنا منهم شي
وصحيح راح نحاسبهم على جية خالد عليهم سكتاوي
بس غريمنا خالد بس
أنفعل حازم وقال:
-يعبدالله راس البلا عطا ولازم ينطرد هو وعيلتو من الجرية ومايضللهم ذچر بيها ولا عبنهم نسابتك ماتگبل عليهم
ترى دم محمد ما انتنازل عنو،
رد عبدالله :
-لابالله مو عبنهم نسابتي بس دمدم براهم گال مالهم علم بشي
قال جواد
-اني متوكد ارمضان چان يچذب وأشكد ردت أبوية مايخليه يروح بس مافعل يسمع مني،
اجاب عبدالله:
-آني انطيتو الأمان وما ارجع بكلمتي
هنا تدخل زيد وقال لحازم
-شوف يخوي آني ادري عطا بيه نص عيوب الشرع
بس عطا يحبني وما أظن يگبل أحد يضرني
ولو يدري بفعايل أبنو فلا يگبل
خلنا هسع نفكر اشلون نرجع حسن واشلون نجيب خالد
والما يجي ذاك اليوم عود نسولف بطرد گوم عطا،
قال جواد
-آني أشوف نروح لبيت عاشور ونعرف منو الاخبار
ونحاول نصل سليمان لازم أول شي نفهم سليمان السالفة
ونجرو من خالد النجس هشكل خالد راح يصير وحيد ماعندو احد
ونشوف اشلون نكدر نفوت عليه نگضبو ونربطو ونجيبو
رد عبدالله وقال
-ليش تروح لعاشور ليش ماتروح كبل للخان ترى خالد مايكدر يذبحكم كلكم كل سوالفو غدر.
اجاب جواد وقال:
بيت عاشور صاير بطارف الجرية الغربية
ودرب الخان للجرية صاير من جدام بيتو هاي وحدة
والثانية كل أهل الجرية يروحون عليه يداويهم
ولهل سبب اي خبر تلگيه عندو،
رد عبدالله قائلا:
-أول شي أنت ماتروح أبد
كلنا نروح وانت تضل عند أمك،
رد جواد
-مايصير يابا أشگد فكرت أشوفها ماتصير لسببين
أول شي آني لازم اروح حتى أجيب أمي خضيرة
ثاني شي سليمان ماراح يصدگ احد غيري
يابا أذا آني لسعني معرف اصدگ سالفة أني ابنكم أشلون تريد سليمان يصدگ
رد دخيل وقال :
-يعمي لو أنك بس ماتارك ارمضان يروح
هسع أكيد راح يصل ماهر اگصد خالد ويبلغو
وهشكل راح ياخذ حذرو ومو بعيدة ماينهزم
رد زيد وقال
-آني أشوف مادام عفتو دمدم يولي لاتستعجلون
اول شي خل جواد يروح يجيب أمو ويجي
ونختل الى أول الربيع ونبدي نشتغل
قال عبدالله
-ابد ما اصبر ولا ساعة آني مع روحة جواد حتى يجيب أمو بس يعم زيد نفلة چثير شافت ضيم وآني معد أكدر أوجعها أكثر
أذا لازم يروح جواد
أنت الي لازم تحجي مع نفلة متخبلة والله ماتعوف جواد من الصبح لي هسع حت لمن يروح للمراحيض تگفلو بالحوش بنص المطر متخبلة فرد مرة
رد حازم وقال:
-حگها والله محد يلومها نفلة الي شافتو مو جليل
رد عبد ارحمان وقال:
آني أشوف نروح آني وجواد ودخيل وزعيتر ونجيب أم جواد ونشمشم الاخبار ولمن نرجع نكعد نخطط ونحنا عدنا علم بكل شي
أما حسين أخو نفلة فقال
-ياجماعة لو انكم بس متلبين بالخايس دمدم حتى هو يعاونا ويعلمنا اشلون نگضب النجس خالد
التفت جواد اليه وقال
-ماراح اناديك بيوم من الايام خالي وراح اناديك باسمك
حسين بس عبن كلمة خالي صرت احسها تنجس كل واحد تنگال له من ورا ارمضان
ويحسين ارمضان جان يچذب ومدري ليش ابوية عافو
يخوي ارمضان او دمدم چان عندو الف فرصة ينهزم من
ماهر ليش ما انهزم ومدري ليش حسيت وآني اسمعو يسولف أش سوا بينا چان متونس وهو يشوفنا انتگلى عالجمر
مرتين لمحت طرف أثمو ايتبوسم
سأل عبدالله مستغرباً
-أش تگصد
رد جواد وقال
-يعم..... يا يابا ماكو بشر بالدنيا يگعد يعترف بجرايمو مثلما سوا أرمضان
يعني يسولف أش سوا بالتفاصيل الي توجعنا
ارمضان چان متونس وهو يسولف اشلون خنگ أخوية واشلون زوع جوا ايدو
لو أنو صحيح مجبور وسواها وهو جاهل بوكتها ومايعرف
أشلون ايتخلص من حكم ماهر وراد يعترف لنا الي سواه
ماراح يكعد يسولف السالفة بكل تفصيلة توجع
چان گال آني خنكت الطفل وسكت
أنتم يمچن ماچنتم مركزين عليه بس آني شفتو زين
رد دخيل مؤيدا وقال:
-صحيح آني هم گلت لروحي نفس هذا الكلام
اظن يعم عبدالله ارمضان چان يچذب
چان يسولف وهو يدحج بعيونكم ولمن يشوفكم تبچون چان ايتبوسم أني هم شفتو
لم يستطع أحد منهم أن يفهم السبب الحقيقي لما جرى
فلو أن خالد هو الذي قد تنكر وفعل مافعل
كان ربما سيكون فعله مبرر
فنفلة تسببت بطرده والأكبر من ذلك أنه لم يستطع
الوصول الى مبتغاه منها.
أما رجلا غريب ليس لهم أي علاقة به ولم يكن فقيرا معدما كي يقولوا أنه جاء بسبب المال الذي اغراه به خالد
بل هو صاحب المال
لم يقتنع أحد أن دمدم كان مجبرا
لكنهم عجزوا تماماً عن فهم السبب،
يتبع......
★ذاربة=صفة سيئة يقصد أننا نحن السادة ليس فينا صفة سيئة
★صرة اللحاف=في ريف الموصل تضع النساء قطعتين كغلاف للحاف الغلاف الكبير غالبا يكون من الكتان او الخزنة البيضاء وفي الوسط تضع قطعة قماش ملونة يسمونها صرة حين تطوي اللحاف وتضعه فوق الكوارة يكون الظاهر القطعة الملونة فتصبح نضائد المنام في غرفهن ملونة مبهجة
★الواوي =صندوق من الطين المعجون مع التبن يتم بنائه كما يبنى تنورالطين له أربعة ارجل وغطاء من طين
تضع أم البيت ضرف الدهن الحر فيه وتغلق الغطاء وتلحمه بالوحل الطري حين يجف يعزل عن الضرف النمل والحشرات والغبار والضوء
ولا تكسر أم البيت قفل الواوي الا لضيف غاليعلى قلبها
★مچبة الصواصي أو المچبة= هي قفص محاك من عودان الطرفة المرنة يكون على شكل مخروطي
حين تفق البيوض وتخرج الفراخ الصغيرة تكون عرضة للأفتراس من القطط فتربي أم البيت فراخها الصغيرة تحت المچبة حتى يكبر قليلا ويصبح في امكانها الهروب من القطط
