رواية ناب الافعي الفصل الاول
أمام إحدى أكبر الشركات في البلاد، "شركة فهد الأسواني"، كان مبنىً شاهقاً يضم المئات من الموظفين، جميعهم يعملون تحت إمرة صوفيان الفهد، الابن الأكبر لفهد الأسواني. شابٌ في الثلاثين من عمره، وسيمٌ بملامح جامدة لا تعرف اللين، والكل يهابه ويحسب له ألف حساب.
توقفت سيارته السوداء الفخمة أمام بوابة الشركة، ترجل منها وهو يضع نظارته السوداء على عينيه كعادته، ويرتدي بدلة فورمال زادت من هيبته وقاراً. اجتاز الردهة بخطوات واثقة نحو مكتبه، فيحييه الجميع باحترام. فرغم شبابه، كان بارعاً في عمله إلى حد الكمال، ولا يتساهل مع الخطأ أبداً.
بعد هنيهة، ولجت سكرتيرته سعاد حاملة قهوته المعتادة، ترتسم على وجهها ابتسامة ترحيب.
سعاد بابتسامة: صباح الخير يا فندم.
صوفيان: صباح النور يا سعاد. النهاردة عندنا إيه؟
سعاد: حضرتك كنت طالب تفضي اليوم عشان تقابل المتدربين الجدد، وبعدها في ميتنج مهم مع شركة "الأسود" للعقارات.
صوفيان: تمام، هما وصلوا؟
سعاد: المفروض كمان ساعة، بس في بنت مستنية برا من دلوقتي.
صوفيان: عاجبني الحماس ده بتاع أول يوم شغل. دخليها، خلينا نشوف الـ CV بتاعها بيقول إيه.
خرجت سعاد، وعادت برفقة فتاة. كانت رزان.
فتاة في الخامسة والعشرين، مختمرة، بعين لونهما كالبندق، ملامحها هادئة لا تصنع فيها. يظهر الطموح جلياً في نظراتها، فتاة تحمل حلماً كبيراً.
طرقت رزان الباب بخفة، فأذن لها بالدخول. ألقت السلام، فرد عليها وأشار لها أن تجلس.
صوفيان: الناس بتيجي متأخرة، وانتِ جاية بدري ساعة بحالها.
رزان: حضرتك، الوقت حاجة مقدسة. وأبويا دايماً يقول: "إنك تيجي بدري وتستنى، أحسن ما تيجي متأخر".
صوفيان: كلام موزون. والـ CV بتاعك كمان موزون. تعتبري كده بقيتي واحدة من الشركة. شهر تدريب، وبناءً عليه هنقرر تكملي معانا ولا لأ.
رزان: شكراً لحضرتك، ويا رب أكون عند حسن ظنك.
صوفيان: بس مش شايفة إن الخمار ده ممكن يعملك مشكلة هنا؟
ارتجفت يد رزان للحظة، لكنها تماسكت وردت بصوت هادئ ثابت:
رزان: الخمار ده جزء مني، وماينفعش أتخلى عنه. لو حضرتك شايف إنه عائق بيني وبين حلمي... فأنا مستعدة أسيب الحلم، بس عمري ما هسيب خماري.
في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ زمن، شعر صوفيان بشيء غريب يتحرك في صدره نحوها. شيء من الإعجاب، من الاحترام.
صوفيان: تقدري تيجي من بكرة.
رزان: لو حضرتك موافق، أقدر أبدأ من دلوقتي.
ابتسم صوفيان ابتسامة خفيفة لم يلحظها، ونادى على سعاد لتأخذها وتعرفها على طبيعة العمل. ورغم ذلك، كانت رزان أهلاً لذلك وأكثر، فخبرتها التي اكتسبتها من العمل مع والدها كانت تؤهلها لإدارة الشركة كلها.
سعاد: لو احتاجتي أي حاجة قوليلي، بس شكلك مش محتاجة مساعدة أصلاً. ما شاء الله عليكي.
رزان: جزانا وإياكِ يا رب. معلش تعبتك معايا.
سعاد: تعبك راحة يا بنتي. أنا ارتحتلك أوي. الحمد لله إن في ناس عدلة لسه، مش كلهم فيلر وبوتكس.
ابتسمت رزان لخفة دمها، وقد ارتحت لها هي الأخرى. كانت سعاد تبدو في الأربعين، إلا أن ملامحها تشع شباباً. تركتها سعاد، وجلست رزان تبدأ عملها فوراً، وهي لا تدري ما الذي تخبئه لها الأقدار. أهي قصة حب ستولد من بين الأوراق؟ أم انتقام ينتظر في الظل؟ لا أحد يعلم...
