رواية كلاشينكوف الفصل الاول 1 بقلم ملكة الروايات


 رواية كلاشينكوف الفصل الاول 

كانت الليلة عاصفة كأن السماء تمزّق أحشاءها فوق المدينة،
 والمطر يقرع زجاج النافذة بضربات متتالية كأنه يطالب بدمٍ قديم تأخر سداده. في عتمة الغرفة التي تملؤها رائحة الأدوية واقتراب الموت، كان ممدوح يتمدد على الفراش متهالك، يلفظ أنفاسه الأخيرة بصعوبة وصدره يعلو ويهبط بحشرجة مخيفة. بجانبه، جثا أسامة على ركبتيه، يمسك بيده الباردة العرقانه، وعيناه المثقلتان بالذهول تحدقان في وجه أبيه الذي يذوب رويداً رويداً. أسامة، الضابط الشديد في المباحث الذي اعتاد مواجهة أعتى المجرمين دون أن ترمش له عين، وجد نفسه لأول مرة في حياته عاجزاً وأمام خصم لا يستطيع اعتقاله.. إنه الموت.
​شد ممدوح على يد ابنه بقوة غير متوقعة، قوة زفرة الحياة الأخيرة، ثم انحنى أسامة برأسه حتى كادت أذنه تلامس شفتي أبيه الذابلتين. قال الأب بصوت متقطع كأنه يخرج من بئر سحيق:
 "انزل يا أسامة يا بني.. اقترب واسمع ما سأقوله جيداً، فلن تشهد عيناي شروق شمس غد.. أنت كان لك أخ أصغر منك.. كنا نقول لك إنه مات وماتت أمك بحسرتها عليه.. لكن  لم تكن تلك هي الحقيقة..."
​تسمر أسامة في مكانه، وزادت دقات قلبه اضطراباً وهو يرصد علامات الهذيان في وجه أبيه، إلا أن نبرة ممدوح كانت حادة وصافية بشكل مرعب. استطرد الأب والدموع تتجمع في طرفي عينيه المحتضرتين:
 "الحقيقة أن أخاك لم يمت.. أخوك سليمان مخطوف منذ أربع وعشرين سنة.. يوم أن كنت شاباً طائشاً واشتغلت مع شبكة من شبكات المافيا السوداء.. وعندما قررت التوبة والنفاذ بجلدي، غدروا بي.. خطفوا سليمان وهو طفل في مهده، وهددوني إن نطقت بكلمه أو بلّغت الشرطة، سيرسلون لي جثته مذبوحة في طرد .. عشت طوال عمري ميتاً من الخوف يا بني، وجعلتك تتطوع في المباحث وترتقي في رتبك ليس فخراً فحسب، بل لتكون اليد التي تحفر الأرض وتستعيده.. ابحث عن سليمان يا أسامة.. استرجع أخاك من الجحيم..."
​انفلتت يد ممدوح فجأة وسقطت بجانب الفراش، وغارت عينان شاخصتان نحو السقف ليعلن السكون التام رحيل الرجل ورحيل أسراره معه. انهمرت دموع أسامة صامتة، لكنها سريعان ما جفت لتتحول في عينيه إلى جمر يغلي.
​بعد انقضاء أيام العزاء، لم يجد أسامة راحة. كان يذرع البيت جيئة وذهاباً، وصوت أبيه يتردد في أذنيه كالصاعقة. اتجه إلى غرفة والده المغلقة، وبدأ يقلب في أوراق القديمة، محطماً أدراج المكتب حتى عثر تحت إحدى بلاطات الأرضية المخلوعة على صندوق حديدي صغير صدئ. فتح القفل عنوة، فوجد بداخل الصندوق رصاصة فارغة لنقش كلاشينكوف قديم، ومذكرة جيب صغيرة تضم أسماء مشفرة، ورسمة لوشم غريب يتكون من ثعبان يلتف حول بندقية.
​وفي ذات الليلة، وفي العتمة الذاتية على الطرف الآخر من المدينة، داخل مخزن مهجور يعبق برائحة البارود والشحوم، كان هناك شاب في الثلاثين من عمره، ذو ملامح حادة وقاسية كالفولاذ، يدعى "الصارم". كان يقف وسط بقعة ضوء ناصعة، يعيد تجميع بندقية كلاشينكوف ببراعة فائقة وهو مغمض العينين، حتى أطلق صوت اعشاش أجزائها في السكون. الصارم لم يكن سوى سليمان، الطفل الذي انتُزع من حضن أمه، ليربّيه زعيم منظمة "الظلام" لتهريب السلاح على القسوة والدم، زارعين في عقله أن الشرطة هم أعداؤه الأذلياء الذين قتلوا عائلته الحقيقية.
​جلس الصارم وأمامه أحد رجاله المذعورين الذي فشل في تأمين شحنة السلاح الأخيرة، فنظر إليه بعينين فارغتين من أي رحمة، وعلى زنده يرسم تماماً ذات الوشم: ثعبان يلتف حول بندقية. وضع الصارم سبابته على الزناد، وقبل أن يطلق النار، كان القرار قد صدر في أروقة مديرية الأمن؛ حيث وقف أسامة أمام ملف قضية شحنة أسلحة ضخمة دخلت البلاد، مكتوب على غلافها بخط أحمر عريض: "المتهم الرئيسي: رجل المافيا المجهول.. الملقب بالصارم".


تعليقات