رواية كلاشينكوف الفصل الثاني 2 بقلم ملكة الروايات


 رواية كلاشينكوف الفصل الثاني 

​انطلقت صافرات الإنذار داخل مديرية الأمن كأنها تستنهض الحرب. كان أسامة يقف أمام لوحة التحقيقات، يحدق في صورة التقطتها كاميرات المراقبة لشخص ملثم يحمل على زنده وشم الثعبان والبندقية. كل شيء في الملف يدين هذا السفاك الملقب بـ "الصارم"، لكن قلبه كان يتخبط بين واجبه كضابط يسعى للقصاص، ووعده لأبيه تحت الاحتضار.
​دخلت "حنين" مكتبه بخطوات ثقيلة، ممسكة ببطنها المترامي في شهور حملها الأخيرة، وتحمل له بعض الطعام. ما إن رآها أسامة حتى اندفع نحوها برعب مكتوم، أخذ من يدها حقيبتها وأجلسها على الكرسي بحرص شديد:
​"حنين! إيه اللي جابك المديرية في وقت زي ده؟ الجو بره مش أمان، والقضية دي مش زي أي قضية مسكتها قبل كده!"
​ابتسمت حنين بوهن ومسحت على يده:
​"قلبي مكنش يقدر يعيش في البيت وأنت غايب بقالك يومين يا أسامة.. مالك؟ عينيك فيها خوف عمري ما شفته قبل كده."
​احتضن أسامة وجهها بين كفيه، ونظرات الخوف تلتهم ملامحه. لم يكن يخشى المافيا على نفسه، بل كان يرعبه أن تطال نيران هذه العصابة زوجته وطفله المنتظر. قال بنبرة حادة تحاول إخفاء ضعفه:
​"أنتِ وبطنك دي كل حياتي.. المافيا دي مابترحمش، ومن النهاردة حراسة مشددة هتكون قدام بيتنا.. ومش عايزك تخرجي خطوة واحدة من غير ما أعرف، فاهمة؟"
​في الطرف الآخر من المدينة، داخل وكر مظلم يعبق برائحة الزيت والبارود، كان الصارم يقف أمام خريطة عمليات نُشرت عليها خطوط إمداد الأسلحة. دخل عليه أحد كبار رجاله الملقب بـ "الضبع" وهو يلهث:
​"يا صارم.. الضابط أسامة حاطط عينه على شحنة السلاح اللي داخلة من الميناء.. ده ضابط مجنون ومش هيرجع ورا."
​سحب الصارم أجزاء بندقيته الكلاشينكوف بصوت ميكانيكي حاد، وجفف زيتها بقطعة قماش دون أن يطرف له جفن. قال بصوت كالجليد:
​"الشرطة كلهم مجرد حشرات.. هم اللي حرقوا عيلتي زمان، والنهاردة الشحنة دي هتوصل فوق جثثهم. جهزوا الكمين."
​حل الليل، وانطلقت الشاحنات الضخمة المحملة بالأسلحة في طريق صحراوي مظلم. كانت سيارات المباحث بقيادة أسامة تترصد الشحنة، متخفية في ظلال التلال. حبس أسامة أنفاسه وهو يوجه المنظار نحو الشاحنة الرئيسية، وفجأة، اندلعت الشرر!
​انفجرت عبوة ناسفة زلزلت الأرض تحت سيارات الشرطة، وبدأ إطلاق نار كثيف ومجنون من كل الاتجاهات. صرخ أسامة في جهازه:
​"قوة.. انتشروووو! محاصرة المكان فوراً!"
​خرج الصارم من سيارته الدفع الرباعي وهو يحمل الكلاشينكوف، يطلق الرصاص ببراعة فائقة ودقة مرعبة. دخل أسامة في وسط جحيم الرصاص، يتبادل إطلاق النار بكفاءة ضابط تمرس على الموت. وسط الدخان والبارود، التقت نظرات أسامة والصارم لثوانٍ معدودة عبر قطرات المطر والدخان المشتعل..
​لم يتعرف أحدهما على الآخر؛ كان الصارم يرى مجرد ضابط آخر يود القضاء عليه، وكان أسامة يرى مجرماً خطيراً يجب القبض عليه حياً ليصل منه إلى سر أخيه المفقود.
​استطاع الصارم توجيه رصاصة أصابت كتف أسامة لتسقطه أرضاً، وفي لحظة تقدمه للإجهاز عليه، انطلقت سيارات الدعم التابعة للشرطة بصافراتها العالية، مما أجبر الصارم على الانسحاب بسرعة داخل شاحنته مع رجاله، تاركاً أسامة ينزف 
​في المستشفى، استيقظ أسامة على صوت بكاء حنين الهستيري وهي تمسك بيده المضمذة. نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع والرعب، بينما زرع أسامة عينيه في السقف، يدرك أن عدوه ليس مجرد مجرم عادي، بل شبح يهدد كل ما يحب.. دون أن يدري أن الدم الذي ينزفه هو نفس الدم الذي يجري في عروق خصمه. 
​مسح أسامة على رأس حنين بيده السليمة، يحاول تهدئة روعها، لكن عقله كان يعمل كالمحرك المشتعل. كيف لهذا المجرم أن يمتلك هذه الجرأة والتخطيط الحاد؟ الدقة التي أطلق بها النار، والبرود الذي انسحب به، يعكسان تدريباً عسكرياً متقدماً. لم يكن مجرد مهرب سلاح، بل كان آلة قتل مدربة.
​أدخل أسامة يده تحت وسادته وسحب هاتفاً خفياً، اتصل برئيس غرفة العمليات ونبرته يملؤها الإصرار رغم الألم:
​"اسمعني كويس يا فندم.. القوة اللي ضربتنا النهاردة كانت عارفة تحركاتنا بالثانية. في خيط موصل بين المافيا وديوان المديرية.. والشخص اللي اسمه الصارم ده، أنا مش هسيب القضية دي حتى لو كانت آخر حاجة أعملها في حياتي."
​على الجانب الآخر، وفي إحدى المزارع النائية بالطريق الصحراوي، كان الصارم يقف أمام طاولة خشبية عتيقة، ينظف بقع الدم عن ذراعه بعد أن تلقى خدشاً طفيفاً أثناء الاشتباك. اقترب منه "الضبع" وعلى وجهه علامات القلق:
​"العملية اتكشفت يا صارم.. والضابط أسامة ده مش هيسكت، ده معروف إنه أعتى ضابط في المباحث ومش بيكسر عقيدته أي شيء."
​توقف الصارم عن تنظيف سلاحه، واستدار ببطء ونظراته الثاقبة كالحديد. لمس الوشم المطبوع على زنده — الثعبان والبندقية — وقال بصوت هادئ يسبق العاصفة:
​"الشرطة فاكرين إنهم أصحاب الأرض.. نسوا إننا احنا اللي بنشكل القانون في الضلمة. الضابط ده اتجرأ وشاف وشي.. ودي كانت أخر غلطة يعملها في حياته."
​أخرج الصارم من جيبه صورة صغيرة سرية تم التقاطها لأسامة وزوجته حنين أثناء خروجهما من منزلها قبل أيام، ألقاها على الطاولة أمام الضبع وتابع ببرود:
​"ضعف أي راجل هو بيته.. اعثروا على نقطة ضعفه، وحولوا حياته لقصة رعب."
​في تلك اللحظات، كانت حنين تتجول في حديقة المنزل تحت حراسة مشددة، تضع يدها على بطنها وتدعوا لزوجها بالسلامة، غير مدركة أن الشبح الذي يطارده زوجها قد بدأ بالفعل في غزل شباكه حول حلمهما الصغير، وأن المواجهة القادمة لن تكون في ساحات السلاح فحسب، بل في قلب بيتهما.
​في خيمة التحقيقات الميدانية القريبة من موقع الاشتباك، كان أسامة يرفض الانصياع لأوامر الأطباء بالراحة. خرج يسحب قدميه بصعوبة، يرتدي معطفه فوق جرحه المضمّد، وعلى وجهه إصرار حديدي. كان يدرك أن "الصارم" ليس مجرد هدف شرطي، بل هو الخيط الوحيد الوصول لأخيه المفقود "سليمان".
​وقف أسامة أمام بقايا الشاحنة المحترقة، يبحث بعينين ثاقبتين وسط الركام. فجأة، التقطت عيناه شيئاً يلمع تحت الإطار المشتعل. جثا على ركبته وصحّح وضعيته برفق، ليلتقط غلاف رصاصة فارغة. طبعت عليها ذات النقوش القديمة التي وجدها في صندوق والده الحديدي!
​شعر أسامة برعشة تسري في جسده. أغمض عينيه وصرخ في سِرّه:
​"الصارم.. هو المفتاح. هو اللي يقدر يوصلني لسليمان.. أو يكون هو العائق الأخير بيني وبين حقيقته!"
​في هذه الأثناء، كان أحد رجال الصارم يتسلل عبر الأشجار المحيطة ببيت أسامة. راقب سيارات الحراسة، والتقط بهاتفه المحمول صوراً متتالية لـ "حنين" وهي تقف عند النافذة، تبكي بقلب محترق وتدعو لزوجها.
​أُرسلت الصور فوراً إلى هاتف الصارم.
​في الوكر المظلم، أضاءت شاشة الهاتف. فتح الصارم الصور، وظل يحدق في وجه حنين وملامح حملها الواضح. لم تتحرك في قلبه أي شفقة، فقد غُرِس فيه منذ الصغر أن الرحمة هي أول درجات الخيانة.
​رفع الصارم هاتفه واتصل بالضبع، وقال بنبرة قاطعة:
​"الضابط ده فاكر إن درعه هو القانون.. هخليه يعرف إن درعه هش. بكرة قبل شروق الشمس، عايز الرسالة توصل لقلب بيته.. مش عايز دم دلوقتي، عايز خوف يقتله وهو حي."
​في منتصف الليل، استيقظت حنين على صوت حركة غريبة مصدرها شرفة الغرفة. حبست أنفاسها وركضت نحو النافذة بالخوف والدوار يملآن رأسها. لم تجد أحداً، لكنها وجدت رسالة مغروسة بخنجر في إطار النافذة الخشبي.
​سحبت الورقة بأسنان ترتعد، وقرأت الكلمات المكتوبة بمداد أحمر قانٍ:
"زوجك يلعب مع الموت.. والطفل الذي في بطنك سيرث كفنه قبل أن يرى النور، إن لم يبتعد الضابط عن طريق الصارم."
​صرخت حنين صرخة هزت أركان البيت، وسقطت مغشياً عليها على الأرض، بينما كانت صافرات سيارات الحراسة تنطلق في الخارج متأخرة. واتصال لاسامه ان يصل البيت"

​وصل أسامة إلى البيت كالمجنون، ليجد زوجته في حالة هستيرية تحت طبابة الطبيب المحيط بها. جثا عند قدميها يرجوها أن تسامحه، بينما كانت حنين تمسك بلياقه معطفه وتبكي بحرقة:
​"علشان خاطر ابننا اللي جاي يا أسامة.. سيب القضية دي! المافيا دي مش هترحمنا!"
​نظر أسامة إلى خنجر الرسالة الملقى على الطاولة، ثم إلى وجه زوجته الخائفة. كان يتعصر ألماً؛ فبين خوفه الجارف على أسرته، ووصية أبيه للوصول إلى أخيه سليمان، وجد نفسه بين نكبتين أحلاهما مرّ.
​وفي صمت الليل، كان الصارم يقف على قمة تلة تطل على المدينة، يمسك بيده بندقية الكلاشينكوف، ويحدق نحو أضواء أجهزة الشرطة، غير مدرك أن النار التي يشعلها ستلتهم قريباً السر الأكبر في حياته


تعليقات