رواية عازف الظلال الفصل الاول
في دار الأوبرا العريقة بفيينا، وتحت أضواء الثريات الكريستالية، كان سليم يعزف مقطوعته الأخيرة وكأن أصابعه ترسم قدراً لا مفر منه. كانت وفاء تجلس في الصف الأول، تراقبه بعينين ثاقبتين تخفيان خلف بريقهما أجهزة رصد دقيقة تابعة للإنتربول. لم يكن سليم بالنسبة لها مجرد عازف عبقري، بل كان الهدف الأثمن في عملية "الوتر المقطوع".
انتهى الحفل، وتوجه سليم إلى غرفته ليجد "الرصاصة الذهبية" بانتظاره. التقطها ببرود، وفي تلك اللحظة اقتحمت وفاء الغرفة تحت مسمى معجبة ثرية، لكن سليم لم يلتفت إليها، بل قال وهو ينظر لانعكاسها في المرآة: "الرصاص الذهب لا يُرسل للمعجبين يا وفاء، إنه يُرسل للورثة الذين تأخروا عن استلام عروشهم الملطخة بالدماء. والدي قُتل الليلة، أليس كذلك؟"
صُدمت وفاء من بروده ومن معرفته بهويتها، لكنها حافظت على قناعها: "إذا كنت تعلم، فمن الغباء أن تعود لبيروت. الدون كاستيلو ينتظر رأسك ليغلق ملف عائلة السيوفي للأبد". ابتسم سليم بمرارة وهو يغلق علبة البيانو: "كاستيلو يظن أنني فنان رقيق، لكنه نسي أن والدي علمني كيف أقرأ وجوه البشر كما أقرأ النوتة الموسيقية. سأعود، وأنتِ ستأتين معي بصفتكِ حارستي الشخصية.. أو جاسوسة سأستمتع بمراقبتها".
في بيروت، كان القصر يعج برائحة البارود والمؤامرات. اجتمع زعماء المافيا في قاعة الاجتماعات الكبرى، يتصدرهم كاستيلو الذي كان يضع قدمه فوق طاولة والده. دخل سليم بخطوات هادئة، وخلفه وفاء التي كانت تشعر بمسدسها المحشو بالرصاص يتحفز تحت معطفها.
"أهلاً بالعازف"، قال كاستيلو بسخرية، "هل جئت لتعزف لنا مرثية جنازتك؟". لم يرد سليم، بل جلس خلف البيانو الكبير الموجود في زاوية القاعة. بدأ يعزف نغمات حزينة، بطيئة، أثارت توتراً غريباً في الغرفة. وفاء لاحظت أن أصابع سليم كانت تضغط على مفاتيح معينة بتوقيت غريب، وفجأة أدركت الحقيقة: البيانو موصول بجهاز تفجير وترددات لاسلكية.
بينما كان سليم يصل لذروة المعزوفة، بدأت أضواء القصر تخفت وتومض بشكل متسارع. صرخ كاستيلو: "توقف عن هذا العبث!"، لكن سليم نظر إليه بعينين كالجمر وقال: "هذه النغمة تسمى 'رحيل الخونة'". في تلك اللحظة، دوى انفجار هائل في المخزن الخلفي للقصر حيث كانت تتركز شحنة السلاح الكبرى لكاستيلو.
عمت الفوضى، وسحب سليم مسدساً مخفياً تحت مقعد البيانو بلمحة بصر، مديراً ظهره لوفاء التي كانت تصوبس سلاحها نحو كاستيلو. وجد سليم نفسه بين نارين: نار المافيا التي تريد رأسه، ونار وفاء التي تريد اعتقاله. لكن وفاء، في لحظة مفصلية، أطلقت الرصاص على القناص الذي كان يحاول اصطياد سليم من الشرفة، مضحيةً بمهمتها الرسمية من أجل الرجل الذي اخترق ألحانه قلبها.
تحولت القاعة إلى ساحة حرب. سليم يطلق النار بدقة الجراح، ووفاء تغطي ظهره بمهارة قتالية فائقة. وسط الرصاص المتطاير، صرخ سليم: "لماذا فعلتِ ذلك يا وفاء؟ لقد أفسدتِ مستقبلكِ المهني!". ردت وهي تبدل مخزن الرصاص ببراعة: "الموسيقى الجميلة لا تستحق أن تنتهي برصاصة غادرة من خلف الظهر، يا سليم. والآن، لننهِ مقطوعة كاستيلو للأبد!".
انقض سليم على كاستيلو وسط الدخان، ممسكاً برقبته أمام عيون من تبقى من الحراس المذعورين. لم يقتله فوراً، بل همس في أذنه: "والدي كان يحب القوة، لكنني أحب الإيقاع.. وإيقاعك اليوم كان خارج السرب". ضغط سليم على الزناد، لتسكت آخر أنفاس المافيا الإيطالية في الشرق.
وقف سليم ووفاء وسط الركام، الدخان يتصاعد من حولهما، وصوت صفارات الإنذار يقترب. نظر إليها وقال: "الآن، لا أنا عازف ولا أنتِ محققة.. نحن مطاردان من الجميع. هل أنتِ جاهزة لتعزفي معي في الظلال؟". وضعت وفاء يدها في يده، ونظرت إلى الأفق الذي بدأ يشتعل بنور الفجر: "طالما أنك من يكتب اللحن، فأنا معك حتى آخر نوتة".
أمسك سليم يدها وانطلقا بسيارتهما السوداء نحو الميناء، تاركين خلفهما حطام إمبراطورية قديمة، ليبدأا معاً كتابة تاريخ جديد للمافيا، تاريخ لا يحكمه الرصاص وحده، بل يحكمه العقل والولاء.. والحب الذي ولد من رحم الموت.
لم ينتظر سليم ووفاء طويلاً أمام حطام القصر؛ فصوت مروحيات الشرطة بدأ يقترب. انطلقا بسيارة "جاكوار" سوداء مخفية في نفق سري تحت القبو. كانت يد وفاء لا تزال ترتجف قليلاً وهي تمسك بلفافة جرح في ذراع سليم.
"إلى أين نحن ذاهبون؟" سألت وفاء وهي تراقب مرايا السيارة، "الإنتربول سيعمم اسمي وصورتي في كل مطارات العالم خلال ساعة".
لم ينظر سليم إليها، بل كان يضغط على دواسة السرعة بقوة: "المطارات للناس العاديين يا وفاء. نحن الآن نتحرك في 'عالم الظلال'. هناك ميناء صغير في الشمال، تنتظرنا فيه سفينة شحن لا تظهر على الرادارات".
عند وصولهما للميناء، كان بانتظارهما رجل عجوز ذو وجه مجعد يُدعى "الريس صقر"، وهو أحد المخلصين القدامى لوالد سليم. "أهلاً بعازفنا"، قال صقر وهو يشير لهما بالصعود، "كل شيء جاهز، الوجهة هي الجزر اليونانية المهجورة".
داخل السفينة، وفي غرفة صغيرة مضاءة بمصباح خافت، جلست وفاء أمام سليم. كانت لحظة صدق نادرة. سألها سليم بهدوء: "لماذا اخترتِ جانبي؟ كان بإمكانك تسلميني والحصول على ترقية".
نظرت وفاء إلى يديه، اليدين اللتين كانتا منذ ساعات تداعبان مفاتيح البيانو والآن تلطختا بالدماء، وقالت: "لأن العالم الذي جئتُ منه مليء بالقوانين التي لا تحقق العدالة دائماً.. أما عالمك، فرغم قسوته، إلا أنه يمتلك صدقاً لا أجده عند رؤسائي. لقد رأيتُ في عينيك عازفاً يريد السلام، لا قاتلاً يحب الدماء".
ابتسم سليم، ولأول مرة، لم تكن ابتسامة سخرية، بل كانت امتنانًا. أخرج من جيبه "مفتاحاً ذهبياً" صغيراً وضعه في يدها: "هذا مفتاح لخزنة في سويسرا. تحتوي على تاريخ المافيا الأوروبية كاملاً. إذا حدث لي شيء، هذا المفتاح هو نجاتكِ.. وهو أيضاً سلاحكِ لتدمير كل من يطاردنا".
فجأة، اهتزت السفينة بقوة. صوت انفجار بعيد هز المياه. ركض سليم نحو السطح ليرى زوارق سريعة تابعة للإنتربول تطاردهم، وعلى رأسهم "المفتش كمال"، الرجل الذي كان يوماً معلماً لوفاء.
نظرت وفاء عبر المنظار وقالت بمرارة: "لقد وجدونا بسرعة.. كمال لا يترك فريسته أبداً".
أمسك سليم بقطعة حديدية وثبتها على حافة السفينة، ثم نظر لوفاء وقال بلهجة آمرة: "وفاء، تذكري ما قلتِهِ.. نحن الآن نكتب لحننا الخاص. اذهبي إلى غرفة المحركات وقومي بتحويل مسار الوقود، سأجعل هذه السفينة تختفي وسط الضباب بطريقة فنية".
انتقلت وفاء نحو غرفة المحركات كالبرق، بينما وقف سليم على سطح السفينة يراقب الزوارق التي تقترب كالقروش الجائعة. لم يكن يملك مدفعيه ثقيله لكن يملك عقل مدبر
كان المفتش كمال يقف على مقدمة الزورق السريع، يمسك بمكبر الصوت وصوته يتردد عبر الأمواج: "وفاء! هذا هو التحذير الأخير.. سلمي سليم السيوفي والملفات التي معكِ، وسأعتبر أنكِ كنتِ في مهمة سرية لتفكيك المنظمة من الداخل. لا تضيعي حياتكِ من أجل عازف!"
سمعت وفاء صوته وهي بالأسفل، غص قلبها للحظة، لكنها تذكرت نظرة سليم الواثقة. قامت بفتح صمامات الوقود ليتسرب الزيت فوق سطح الماء خلف السفينة، ثم صرخت عبر اللاسلكي: "لقد انتهت مهمتي يا كمال.. أنا الآن لا أتبع أحداً!
في تلك اللحظة، أخرج سليم من جعبته مجموعة من "قنابل الإشارة الضوئية" (Flares) التي تُستخدم في حالات الطوارئ. انتظر حتى صار زيت المحركات يحيط بزوارق الإنتربول تماماً، ثم أطلق الشعلة الأولى نحو الماء.
تحول البحر خلف السفينة إلى جدار من النار المشتعلة، مما أجبر الزوارق على التوقف فجأة أو الانحراف بعيداً عن ألسنة اللهب. وسط هذا الدخان الكثيف والنيران، استخدم سليم "نظام التشويش" اللاسلكي الذي منحه إياه والده يوماً، ليختفي أثر السفينة تماماً من رادارات المفتش كمال.
بعد ساعات من الإبحار في صمت مطبق، بدا الأفق هادئاً، وظهرت من بعيد صخور "جزيرة الملح" المهجورة. كانت الجزيرة تبدو من الخارج مجرد صخور قاحلة، لكن سليم ضغط على زر في جهاز تحكم صغير، لتنفتح بوابة صخرية مموهة ببراعة تحت مستوى الماء، مدخلةً السفينة إلى قاعدة سرية بنيت في قلب الجبل.
ترجل سليم ووفاء من السفينة، وكان المكان مجهزاً بأحدث التقنيات والشاشات. نظرت وفاء حولها بذهول: "ما هذا المكان؟"
أجاب سليم وهو يخلع معطفه الملطخ بالبارود: "هذا هو 'الاستوديو' الخاص بي يا وفاء. هنا سنقوم بتأليف أكبر سيمفونية في تاريخ العالم السفلي. سنجمع كل المظلومين من المافيا، وكل من خانه القانون، لنشكل 'منظمة الظلال'. لن نكون عصابة تقتل من أجل المال، بل سنكون القوة التي توازن الكفة."
اقتربت منه وفاء، وقفت أمام الشاشات التي بدأت تعرض بيانات زعماء المافيا حول العالم، وقالت بابتسامة غامضة: "إذن، سليم السيوفي لم يعد مجرد عازف بيانو.. لقد أصبح القائد."
وضع سليم يده على كتفها ونظر إلى الشاشات: "وأنتِ لستِ مجرد هاربة.. أنتِ العقل المدبر لعملياتنا. اليوم نبدأ أول نغمة في تغيير وجه العالم."
