رواية تل حوين الفصل الأول بقلم شهيرة عبدالحميد
سمعتوا عن الست الـ ظهرت في محافظة البحيرة بتصرخ في الشوارع وتقول ابني.. ابني.. خطف ابني!
الناس وقتها اعتبروها يا مجذوبة يا مجنونة لأن شكلها مش طبيعي،
عيونها كلها سودة من أثر كحل كتير سايح على وشها،
وشعرها منكوش وهدومها عليها دم!
الكل كان بيخاف يقربلها،
لحد ما شافتها طبيبة نفسية في مرة،
وسألت عنها أهل القرية، قالوا إن محدش يعرفها وأنها ظهرت في يوم وليلة والكل بيخاف منها كبير قبل الصغير.
الطبيبة دي كان اسمها "جهاد"،
قررت أنها تعرف قصة الست دي لما شافتها متبهدلة في الشوارع وبتنام على الرصيف.
في البداية جهاد راحت تتكلم معاها وهي بتحاول تخفي رهبتها منها على أمل أن الست تتكلم،
لكن الـ حصل كان مرعب ومسكت الست دي في الدكتورة جهاد وقعدت تصرخ بنفس الكلمة "ابني.. ابني".
شدة ضغطها على الدكتور كانت قربت تموت في أيديها،
لولا تدخل أهل القرية كانت هتروح فيها.
لكن الدكتورة جهاد ميأستش ولا فقدت الأمل،
وبعد كام يوم جهزت عربية وأدوية مهدئة،
واستغلت أن الست نايمة في الشارع كعادتها ع الرصيف،
وادتها حقنة منومة علشان تقدر تنقلها المستشفى معاها.
وهناك في المستشفى قدروا يستخدموا معاها أدوية مهدئة لحد ما بدأت تستعيد وعيها وتبطل هجوم.
ودخلت الدكتورة جهاد أوضتها بعد ما تأكدت من تحسن حالتها الصحية، وبدأت معاها بالكلام "مساء الخير.. اعذريني لو كنت جبتك هنا بالقوة.. أنا كنت بحاول انقذك من تشرد الشارع ليكي.. حسيت أنك مش مجنونة وان وراكي قصة ظلم كبيرة هي السبب في الـ حصلك".
جهاد كانت متوقعة أن الست تهجم عليها أو تعمل أي ردة فعل مش طبيعية،
لكن تفاجئت برد الست ليها لما قالت بكل هدوء "اسمي صابرين".
الدكتورة جهاد ابتسمت وهي حاسة بذرة أمل اخيرّا وقالتلها "حمدالله على سلامتك يا صابرين.. قادرة تتكلمي ولا اسيبك ترتاحي يوم كمان؟؟".
نظرات صابرين كانت مُريبة،
وأسلوبها يدل أنها واعية لكن لدرجة الحذر.
وبدأت تتكلم بشكل طبيعي وقالتلها "هحكيلك.. بس متخافيش وعد؟؟".
الدكتورة جهاد أطرافها تلجت للحظات بسبب نظرات صابرين ليها، لكن أخفت ده جواها وقالتلها "وعد".
بدأت صابرين تحكي حكايتها بهدوء وقالت:
"أنا اتجوزت من شخص ميعرفش في دينه غير أنه اتولد لقى نفسه مسلم وبس،
ولاني بنت الأرياف الـ لازم تتحمل وتصبر ومفيش حاجة اسمها طلاق رضيت بكل عيوبه،
عارفة جوزي كان شغال إيه ؟؟
كان شغال دجال،
بتاع أعمال واذى للناس،
ورغم شره ده كله، إلا أن الناس كانت بتحبه وتحترمه، إلا أنا.. ماكنتش قادرة اشوفه غير كافر.
بس مش دي المشكلة، أنا مشكلتي معاه كانت أكبر بكتير..
كل مرة جبت عيل منه وقولت يمكن ينصلح حاله، ربنا كان غضبان على ذريته، ومفيش عيل بيتولد سليم ولا بيعيش اكتر من تلت سنين.
نفسيتي اتكسرت بسبب موت عيالي، واترجيته مليون مرة يشتغل زي الناس ويعيش بالحلال،
لكنه كان شيطان مبيفهمش غير لغة الفلوس وبس.
واخر مرة حملت فيها،
كنت فرحانة وبدعي ربنا يمكن يكون العيل ده مختلف عن كل اخواته الـ سبقوه.
لكن عرفت أبشع خبر ممكن تعرفه ست لما كنت بولد...!!
الدكتور اكتشف ورم سرطاني في الرحم، وعملولي العملية بعد الولادة علشان يلحقوني قبل ما ينتشر في جسمي، وشالوا الرحم نهائي.
وبقا ابني ده أخر فرصي في الحياة علشان أكون أم،
لكن للأسف.. اتولد زي اخوات بمرض في رجله ميقدرش يمشي عليهم.
وقتها روحت لجوزي الـ مش دريان بأي حاجة في حياته وقولتله "نعمان احنا لازم نعالج ابننا.. ارجوك ده اخر فرصة ليا في حياتي.. خليني اعالجه يمكن يعيش غير اخواته".
وكان رده عليا "انتي عايزة تروحي لدكتور علشان الناس يعرفوا إني بحل مشاكلهم ومش قادر أحل مشكلة ابني؟؟".
وكالعادة علشان سمعته قصاد شوية جهلة بيأمنوا بقدرات وهمية، رفض يخليني اعالج الواد.
لكن المرادي كانت غير كل مرة،
ابني بالنسبالي كان هو كل حياتي ومعنديش اغلى منه علشان اتمسك بيه.
وقولت لجوزي "بكرا الصبح أنا همشي من القرية كلها واروح اعالج ابني.. ولو مش عاجبك تقدر تطلقني.. أنا مش هتنازل عنه زي باقي اخواته لحد ما ماتوا مني".
وسيبته ودخلت الاوضة احضن في ابني "كمال" واتشبع من ريحته ودفاه.
كان مختلف عن كل اخواته،
جميل.. هادي.. وشه لوحده تنسي الدنيا والـ فيها،
كنت بحس بإحساس جميل كله امان وهو في حضني.
في الليلة دي كنت بحضنه بشدة وبهمسله كلام أنا عارفة أنه مش فاهمني وقولتله "أنا عمري ما هتخلى عنك.. لاخر نفس فيا هفضل جنبك".
ولقيت نُعمان جوزي داخل عليا الاوضة،
الدموع على وشه وبيقولي أنه ندمان ومقهور على باقي عيالنا الـ راحوا،
وان علاج كمال محتاج فلوس كتير اوي علشان يرجع حلو زي أي طفل.
وطلب مني اصبر عليه شوية يجمع شوية فلوس وبعدين نسيب البلد كلها ويسفرني مصر اعالج كمال.
وأنا بغبائي صدقته،
لأني رغم تمسكي بكمال فأنا بردو معنديش أي قدرات مادية تخليني اعالج الواد لوحدي.
فات سنة،
واتنين،
وتلاتة...
كمال كبر وبقا عنده خمس سنين،
وانا لسه منتظرة وعد أبوه ليا في علاجه.
ماكنتش اعرف ان نُعمان بيشتغل سذاجتي كل السنين دي كلها علشان يهرب بالواد وياخده مني.
نعمان كان منتظر فرصة تخليه يقدر يتخلص مني ويهرب بكمال بعيد،
وبالفعل الفرصة دي جت له من خلال "شمعون" القزم الـ بيجبله زباين من القرية.
شمعون في يوم راح لـ نُعمان وقاله أن في قرية كلها ناس ملعونة بذنب قديم عملوه،
وعايزين ساحر موثوق فيه يعالجهم.
وطبعًا نُعمان دي بالنسباله كانت فرصة العُمر،
قرية ملعونة، يعني فلوس كتير مبتنتهيش.
وفي يوم لقيته داخل عليا بأبتسامة على غير عادته وبيقولي "أنا بحبك يا صابرين.. انتي صبرتي معايا كتير اوي".
وقتها كنت حاسة أن قلبي مقبوض،
لأن أسلوبه غريب عليا،
كأن وراه مصيبة.
ولقيته بيبوس راسي وبيقولي "بحبك يا صابرين يا غبية"؟!
مفهمتش هو ليه قالي غبية،
إلا من بعد ما دخل خطف كمال أبني وهرب"...
الدكتورة جهاد استعجبت حكايتها وسألتها "طب وهو لما خطف ابنك؟ انتي كنتي فين ومدافعتيش عنه ليه؟؟"
ردت صابرين رد في غير متوقع وقالت "مهو قتلني قبل ما يهرب".. !!
