رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الاول 1 بقلم جمانة جي


 رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الاول 

(مساءً)

- عاد "زياد "  إلى القاهرة بعدما قضى أسبوعًا كاملًا في مدينة دبي مشاركًا في احدى مسابقات الطهي العالمية التي اعتاد أن يعود منها محمّلًا بالجوائز والإرهاق معًا.

- كانت حقيبته لا تزال تحمل بطاقات السفر، بينما التصقت بثيابه رائحة الزبدة المحروقة والتوابل الأجنبية والمطابخ الواسعة التي لا تنام ، غير أن التعب الذي أثقل كتفيه طوال الرحلة كان يذوب شيئًا فشيئًا كلما اقترب من بيته.

- أوقف سيارته أمام الفيلا الصغيرة المحاطة بالأشجار، ثم التقط حقيبته وصعد الدرج الحجري المؤدي إلى الباب وما إن أدخل المفتاح حتى انفتح الباب فجأة.

ووجد طفله  الصغير ينطلق نحوه :  بااااااابي

- اتسعت ابتسامة " زياد "  تلقائيًا، وانحنى يحمل ابنه بين ذراعيه.

- تشبث " زين "  بعنقه بحماس وهو يردف إليها بنبرة محبة : وحشتني أوي يا بابي .

ضحك " زياد "  وهو يقبّل رأسه واخبره بنبرة سعيده : 
وأنا كمان يا سي زين  ، عامل إيه؟
رفع " زين "   و أجاب بنبرة فخر : 
 جبت امتياز في الـ project  و ماما قالت نستناك عشان أوريهولك.

ربت " زياد "  على شعره بحنان ثم أخبرته : 
طب ده أنا لازم أشوفه حالًا.

- وفي اللحظة ذاتها ومن خلف "زين "  ظهرت زوجته " نيللي " و كانت ترتدي ثوبًا منزليًا بسيطًا، وقد جمعت شعرها الاحمر سريعًا ورغم بساطة مظهرها، بدت في عينيه مألوفة على نحو يبعث الراحة.

- تقدمت نحوه بابتسامة هادئة فتنهد " زياد "  كمن وصل أخيرًا إلى برّ الأمان.
- فأنزل الصغير نحو الأرض و اقترب منها وقبّل جبينها وهو يخبرها بنبرة مُحبة : 
بحب البيت علشانكوا ومن غيركوا  مايتطاقش  .

- ابتسمت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وأخبرته :
و الله؟ افتكرت إن عندك بيت أصلًا بعد دبي والمسابقات دي؟
- ضحك و أردف إليها : ده  اعتراض رسمي؟
_ و اعتراض شديد كمان. اردفت إليه بنبرة مازحة فـ اقترب منها و احتضن كتفيها بيديه وهو يقول :
 طيب نتصالح بعد الأكل.

- جلسوا إلى المائدة، وامتلأ البيت بأحاديث " زين "  المتلاحقة عن المدرسة وأصدقائه ومشروعه الدراسي، بينما كانت "نيللي"  تراقب زوجها بصمت خفيف و بدت سعيدة بعودته لكن شيئًا من التوتر كان يختبئ خلف هدوئها و لم يلحظه " زياد "  في البداية.

- حتى وقعت عيناه على حقيبة نسائية موضوعة  نحو  الدرج فـ اخفض كوب الماء الذي بيده ثم تسائل بداخله عن صاحبة الحقيبة فهذه ليست لـ زوجته " نيللي " .

- رفع عينيه نحو الحقيبه ثم الي " نيللي " و سألها : 
 عندنا ضيوف؟
تبادلت " نيللي "  نظرة سريعة مع  " زين " ، ثم قالت بهدوء متردد:  في الحقيقة آه 
- عقد حاجبيه ثم تسائل :
 مين؟
- وضعت الملعقة جانبًا و مسحت يدها بالمناديل الورقي ثم أخبرته :  هو حصلت حاجة النهارده.  
- اعتدل " زياد "  في جلسته فورًا ثم سألها : 
 حاجة إيه؟ إنتِ كويسة؟
_أنا كويسة بس كان فيه حادثة بسيطة.
-تجمدت ملامحه وهو يتسائل بنبرة قلقة :  حادثة !!
أسرعت تطمئنه فقالت : 
 والله بسيطة ما تقلقش.
ثم بدأت تسرد له ما حدث :( فلاش باااك)

- كانت عائدة بسيارتها عصرًا من المول بعدما قامت بالتسوق وشراء بعض الملابس لها و لـ زين 
- كانت تعبر  الطريق الجانبي المؤدي للفيلا، حين ظهرت أمامها فتاة شابة بصورة مفاجئة. لم تكن السرعة كبيرة، والاصطدام كان خفيفًا، لكن الفتاة سقطت وأغمي عليها.

- استمع " زياد "  بصمت متوتر و تسائل :  وبعدين؟

_ خفت بصراحة والدكتور " سامح " جارنا اللي جنبنا جه و كشف عليها هنا.

- نظر إليها بدهشة ثم سأل : 
 هنا؟ يعني ماخدتِهاش المستشفى ليه ؟
اخفضت عينيها قليلًا واجابته: 
 اتوترت يا زياد  وخفت من حوارات البوليس والأسئلة، والدكتور قال إنها كويسة، مجرد إغماء وكدمة بسيطة.

- ظل صامتًا لثوانٍ و لم يكن مقتنعًا تمامًا لكنه رأى القلق القديم في عينيها  القلق الذي يجعلها تتصرف بدافع الخوف لا العقل أحيانًا فزفر بهدوء واردف بنبرة متسائلة : 
 والبنت دي فين دلوقتي؟
_ فوق… كانت نايمة من بعد الكشف. اجابته بنبرة هادئة 
وقبل أن يكمل حديثه ، انساب صوت خطوات خافتة من أعلى الدرج فـ التفت الجميع و كانت فتاة تنزل ببطء فـ تأملها فوجد أنها بدت في منتصف العشرينات تقريبًا وكان 
وجهها شاحب من أثر الإرهاق، وشعر بني كستنائي مبعثر حول كتفيها بعشوائية .
- كانت  تتشبث بالدرابزين كأن الدوار لم يغادرها تمامًا بعد فـ وقفت " نيللي "  سريعًا و تحركت نحوها و اردفت إليها: 
 الحمد لله إنك فوقتي ، عاملة ايه دلوقتي؟

- أجابت الفتاة بصوت واهن:
 أحسن آسفة إني تعبتك .. أنا لازم أمشي ،  لو سمحتِ، هي  محطة القطر بعيدة من هنا؟

- أمسكت يدها برفق ثم أخبرتها : 
 لا استني . ارتاحي النهارده و اوصلك بكرا لو عاوزه .

- هزت رأسها بلطف وقالت : 
 لا،  معلش مالوش لزوم انا لازم أمشي .

- كان " زياد "  يراقبها بصمت لم يعرف لماذا لكن شيئًا غريبًا مر داخله للحظة إحساس خاطف وغير مفهوم.
ليس معرفة ولا تذكرًا  بل مجرد اضطراب عابر سرعان ما تجاهله.

- هبطت الفتاة الدرج ببطء، ثم رفعت عينيها نحوه للمرة الأولى وفي اللحظة ذاتها و توقفت خطواتها واتسعت عيناها بصورة مفاجئة وشحب وجهها أكثر ظلت تحدق فيه كأنها ترى شبحًا عاد من الموت.

- أما " زياد "  فبادلها النظرة بارتباك صامت فوجد عيناها قد امتلأت بالدموع دفعة واحدة  وثم حدث ما لم يتوقعه أحد و قبل أن يستوعب أحد ما يجري، اندفعت نحوه بسرعة وتشبثت به بقوة وهي تهمس له قائلة :  ماجد .

- تجمد جسد " زياد "  تمامًا وشهقتها خرجت ممزقة وهي تقول : 
 ماجد انت عايش؟؟

- اتسعت عينا " نيللي "  بصدمة أما الفتاة فكانت تبكي بانهيار حقيقي وهي تحتضنه و تهمس له : 
 يا حبيبي أنا كنت فاكرة إنك . ( وقبل أن تُكمل حديثها  انتفض زياد  بعنف غريزي وأبعدها عنه وهو يصيح بها  :
 ايه .
- رفعت إليه وجههًا الغارقً بالدموع وهي تسأله : 
 ليه… ليه سبتني؟!
- ساد صمت ثقيل هبط فوق البيت كله واقتربت " نيللي "  بخطوات مرتبكة، ونظرت بينهما بعدم تصديق ثم قالت : 
 سابك؟!
- ثم أمسكت بذراع الفتاة لتبعدها عن زوجها. و هي تسألها : 
 لو سمحتي انتِ  بتقولي ايه؟

- نظرت الفتاة إليها بعينين مرتجفتين ثم قالت بصوت مكسور: ده جوزي.

- شحب وجه "نيللي " وهي تهمس بخفوت : نعم؟

- أشارت الفتاة نحو " زياد "  و هي تقول : 
 ده ماجد  جوزي.

- نظر " زياد "  إليها كما لو أنها تتحدث عن شخص آخر فقد كان مذهولًا بحق فـ لا تمثيل في ملامحه ولا معرفة فقط ارتباك حقيقي بدأ يتحول إلى توتر ثم قال لها بحدة مرتبكة : انتِ أكيد غلطانة، أنا معرفكيش أصلًا.

- هزت رأسها بعنف والدموع تنهمر على وجنتيها وهي تردد قائلة : 
 لا.. مستحيل.
- ثم تقدمت خطوة نحوه وهي تحاوط وجهُ بكفيها : 
 بُص  لي كويس أنا مُني حبيبتك .

- ارتبك زياد  أكثر فذلك الاسم لا يعني له شيئًا ومع ذلك…
شعر بوخزة غريبة في صدره خاطفة و مؤلمة كأن شيئًا مجهولًا تحرك داخله ثم اختفى.

- ابتلع ريقه ثم انزل يديها برفق وقال ببرود دفاعي:
 أنا اسمي زياد … ومش فاهم انتِ بتتكلمي عن إيه.

- تراجعت " مُني " خطوة، كأن الكلمات صفعتها ونظرت إليه بذهول حقيقي لا يقل عن ذهوله بينما وقفت " نيللي "  بينهما، وقلبها يدق بعنف لم تختبره من قبل لم تكن تعرف أيهما تصدق فـالفتاة الباكية التي تنظر إلى زوجها كالعائد من قبرأم الرجل الذي عاش معها سنوات ولم تره يومًا بهذه الحيرة وانتهى المساء على سؤال واحد معلق في الهواء.
من يكون الكاذب هنا؟ المرأة التي تدّعي أنها وجدت زوجها الميت أم الرجل الذي ينكرها بعينين تبدوان صادقتين؟


تعليقات