رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثاني
- لم يهدأ البيت بعد تلك الصدمة و ظل الصمت معلقًا في الهواء بينما وقفت " مُني " في منتصف الصالة تلتقط أنفاسها ، وعيناها لا تغادران وجه " زياد " أما هو فـ بدا و كأنه خرج لتوه من حادث غير مرئي و كانت عضلات فكه مشدودة ونظراته مضطربة على نحو لم تألفه " نيللي " .
- تكلم" زياد " أخيرًا بصوت حاد حاول أن يبدو ثابتًا:
لو سمحتِ أنا معرفكيش و انتِ لازم تمشي دلوقتي .
_ امشي؟ بعد كل ده؟! اردفت إليه " مُنى " و حدقت فيه بعدم تصديق فاقتربت " نيللي " خطوة وهي لا تزال تحت تأثير الصدمة نفسها.
_هو ايه اللي بعد كل ده؟ انتِ مين أصلًا . أردفت " نيللي " إليها و نظرت " مُنى " إليها بوجع واضح واخبرتها بنبرة عالية : أنا مــــراااااتـــه .
فـ اشتعلت عينا " نيللي " و اردفت إليها بنبرة غاضبة قائلة :
مراته ايه انتِ اتجننتي؟
- لكن " منى " لم تنظر إليها، بل ظلت تحدق في " زياد " وحده كأن العالم كله اختفى ولم يبقَ سواه و اقتربت منه و حاوطت يده بيدها و قالت بنبرة حزينة : ماجد بُص لي كويس .
- اشتد توتر " زياد " وهو يتردد في عقله ذلك الاسم
و يضغط على أعصابه بصورة لم يفهمها فـ قال لها بحدة أكبر أثناء ما كان يجذب يده من يدها :
اسمي زياد .
- نظرت إلي يده التي جذبها منها و رددت إليه : لااااء
- نظر داخل عينيها وهو يقول بكل ثبات :
انا اسمي زياد ودي مراتي. ثم أشار إلي " نيللي " وده ابني و أشار إلي " زين " ثم اكمل باقي حديثه قائلا : انا مش فاهم انتِ بتعملي كده ليه ؟؟
- امتلأت عينا " مُنى " بالدموع من جديد و سألته قائلة :
انت بجد مش فاكرني؟
- تدخلت " نيللي " بسرعة، وقد بدأ غضبها يغلب ذهولها فأخبرتها :
كفاية بقى يا حبيبتي واضح إن فيه سوء تفاهم .
- رفعت " مُنى" رأسها إليها و أجابت :
مفيش سوء تفاهم
- صرخت بها " نيللي " قائلة : أومال ايه؟
- خرج صوت " مُنى " مبحوحًا بنبرة حزينة وهي تقول :
الراجل ده كان جوزي .
- ساد صمت ثقيل ثم فقد " زياد " أعصابه و صرخ بكلمة واحده
_ بـــــس
- ارتفع صوته بصورة أفزعت " زين " الجالس قرب المائدة فـ التفت إليه فورًا، فوجد ابنه ينظر إليه بخوف فـ تحرك ناحيته و اخفض صوته مباشرة و اقترب منه وربت على كتفه و أخبره بنبرة هادئة :
روح علي أوضتك يا زين .
- تردد الصغير و قال :
بس يا بابا
_روح دلوقتي.
- نظر " زين " إلى أمه ثم صعد الدرج ببطء، بينما ظلت " نيللي " تتابعه بعين قلقة وحين اختفى، عاد " زياد " يواجه " مُنى " لكن شيئًا في نظرتها أربكه لم تكن نظرة امرأة تحاول الاحتيال بل نظرة شخص رأى حلمه ينهار أمامه ورغم ذلك، قال ببرود :
لو عندك مشكلة أو حد شبه عليكِ نحلها بالعقل، لكن الكلام ده مرفوض.
- ابتسمت " مُنى " بسخرية موجوعةو قالت :
شبه عليك؟
- ثم أشارت إليه بيد مرتعشة و قالت بنبرة حزينة :
انت فاكر إني ممكن أغلط في جوزي
- اشتعل غضب " نيللي " و هي تردف إليها بنبرة غاضبة :
جوزك مين؟! لو سمحتِ احترمي نفسك و انتِ بتتكلمي
- أغمضت " مُنى" عينيها لحظة وكأنها تحاول منع انهيار جديد ثم همست:
أنا آسفة. ساد صمت قصير وقبل أن تضيف بصوت خافت:
واضح إن وجودي هنا غلط.
- ثم اتجهت نحو حقيبتها الموضوعة قرب الدرج فـ
راقبتها " نيللي " بحذر بينما بقي "زياد " جامد الملامح يراقب المشهد كمن يريد انتهاءه بأي طريقة.
- أمسكت " مُنى" حقيبتها وتوقفت عند الباب و استدارت نحو " زياد " للمرة الأخيرة وكانت تلك النظرة أكثر ما أزعجه لم تكن غاضبة ولا كارهة بل مكسورة ثم اردفت إليه
بصوت متعب:
أنا دورت عليك كتير . ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة و أكملت :
واضح إنك لقيت حياة جديدة.
- ثم تحركت نحو الباب وأدارت المقبض وغادرت وأغلقت الباب خلفها فـ حل الصمت و كان صمت أطول من السابق و استدار " زياد " ببطء فوجد " نيللي " تنظر إليه بطريقة لم يرها في عينيها من قبل ليست اتهامًا لكن شيئًا يشبه الحذر.
_ انتِ مش مصدقة الهبل اللي قالته ده، صح؟ اردف إليها بنبرة متوترة فوجدها تحدق فيه ثوان ثم قالت:
معرفش.
-عقد حاجبيه ثم سألها : يعني إيه؟
_ يعني أنا لسه مصدومة .
- اقترب منها وهو يقول بانفعال :
البنت دي مجنونة أو متلخبطة.
- ظلت ساكنة ثم أخبرته :
يمكن.
_ يمكن؟! ردد الكلمة فوجدها تأخذ نفسًا عميقًا و أخبرته :
بس انت كمان كنت متوتر.
تجمدت ملامح وجهه و أخبرها :
طبيعي أتوتر واحدة معرفهاش تدخل بيتي وتقول الكلام ده
- كانت تحاول تصديق منطقه لكن شيئًا ما ظل يزعجها
و شيء صغير لا تستطيع تسميته ربما لأنه بدا مرتبكًا أكثر من المعتاد وربما لأن تلك الفتاة لم تبدُ كاذبة.
قال "زياد " بحدة دفاعية:
أنا طالع أغير هدومي.
- ثم تركها وصعد الدرج بسرعة فـ راقبته " نيللي " بصمت حتى اختفى عندها فقط وقعت عيناها على شيء صغير قرب الباب فـ انحنت تلتقطه و كانت ميدالية معدنية قديمة يبدو أنها سقطت من حقيبة "مُنى " أثناء خروجها فـقلبتها بين أصابعها فوجدت أن لم يكن عليها سوى حرف محفور بخط قديم:
M
- وقبل أن تفكر أكثر سمعت صوتًا في الأعلى صوت ارتطام مفاجئ فـ رفعت رأسها بقلق.
[وفي الطابق العلوي]
- كان " زياد " يقف داخل غرفته و يحدق في الفراغ و
يداه ترتجفان وهو يتسائل :
لماذا؟ لم يعرف. لكنه منذ أن سمِع اسم "مُنى"و بدأ شيء غامض يضغط داخل صدره فخلع ساعته بعصبية وألقاها فوق الكومود بعنف ، ثم مرر يده على وجهه وفجأة لمحت عيناه شيئًا
••صورة خاطفة سريعة كوميض البرق و
وجه امرأة تضحك وشعرها يتطاير مع الريح ••
••ثم صرخة بعيدة و اختفت فورًا ••
- فـ تجمد في مكانه واتسعت عيناه قبل أن يهز رأسه بقوة
_ لاااااء . همس بها لنفسه كأنما يطرد فكرة مخيفة لا يفهمها ثم جذب ستارة الشرفة بعنف بينما ظل داخله شعور ثقيل وغريب كأن بابًا قديمًا أُغلق جيدًا ذات يوم وحاول أحدهم الليلة أن يفتحه من جديد. ...
