رواية ساكن الجسد الفصل الأول بقلم مصطفى محسن
أنا ياسين بهجت، عندي ٤٠ سنة، وبشتغل صحفي في جريدة الأهرام. طول عمري وأنا عندي فضول ناحية الظواهر الغريبة، والحكايات اللي الناس بتخاف تحكي عنها، والوقائع اللي مهما حاولت تفسرها بالعقل والمنطق، تفضل فيها حاجة ناقصة. كتبت مقالات كتير عن ظواهر غريبة، وعملت تحقيقات وأبحاث عن أماكن الناس كانت بتقول إنها مسكونة، وعن أشخاص أكدوا إنهم شافوا حاجات عمرهم ما قدروا ينسوها. وعلى مدار السنين، قابلت ناس كتير حكتلي قصص تخليك تشك في نفسك قبل ما تشك في كلامهم. لكن عمري ما كنت بصدق أي حاجة لمجرد إن صاحبها حكهالي. كنت دايمًا بدور على دليل... صورة، تسجيل، فيديو، أي حاجة تثبت إن اللي قدامي حصل فعلًا. وكنت مقتنع إن كل حاجة في الدنيا، مهما كانت غريبة، لازم يكون وراها تفسير. لحد اليوم اللي دخلت فيه داليا محمد مكتبي.
-
اليوم ده كان بداية حكاية غيّرت نظرتي لكل حاجة كنت مؤمن بيها. كنت قاعد في مكتبي في الجريدة، قدامي مجموعة أوراق وملاحظات عن موضوع كنت شغال عليه. الباب بتاع المكتب خبط، ودخلت بنت في أواخر العشرينات تقريبًا. وقفت عند الباب لحظات، وبصت حوالين المكتب، وبعدها قربت مني وقالت بصوت واطي: "حضرتك الأستاذ ياسين بهجت؟" بصيت لها وقلت: "أيوه، أنا." قربت أكتر وقالت: "أنا داليا محمد، من المنصورة." ابتسمت ابتسامة بسيطة وقلت: "أهلًا وسهلًا... خير؟" داليا كانت باصة لي بطريقة خلتني أحس إنها مش جاية تسأل سؤال عابر. قلت لها: "لو حضرتك جاية بخصوص شغل، تقدري تطلعي لمكتب الأستاذ رفعت، المدير، في آخر الممر." داليا هزت راسها بسرعة وقالت: "لا... أنا مش جاية عشان شغل." استغربت وقلت: "أمال جاية عشان إيه؟" داليا قالت: "أنا جاية لحاجة أكبر.
-
قلت لها: "حاجة أكبر إزاي؟" داليا بصتلي وقالت: "أنا عرفت إن حضرتك بتكتب عن الظواهر الغريبة، وأنا قريتلك كذا مقال... وعرفت إنك بتعمل أبحاث وبتدور ورا الحاجات اللي ملهاش تفسير." هزيت راسي وقلت: "طيب، وإيه اللي خلاكي تيجيلي؟" داليا سحبت الكرسي اللي قدام مكتبي، وقعدت من غير ما تستأذن، وقالت: "لأني بصراحة مش هلاقي حد يفهم اللي هقوله غيرك." الجملة دي بالذات خلتني أركز معاها أكتر. الناس اللي بتدخل مكتبي وبتقول إنها شافت حاجة غريبة، غالبًا بتكون عايزة تحكي وتخلص. لكن داليا كانت مختلفة. كان واضح من طريقة كلامها إنها مش عارفة تبدأ منين، وكأن مجرد استرجاع اللي حصل كان مرهق بالنسبة لها. قلت لها بهدوء: "تمام... خدي وقتك. احكيلي إيه اللي حصل؟" داليا أخدت نفس طويل وقالت: "أنا كنت بدرس في كلية التجارة، جامعة القاهرة." قلت: "تمام." قالت: "وأنا أصلًا من المنصورة، فكان صعب عليا إني أروح وأرجع كل يوم. عشان كده، أول ما دخلت الجامعة، اضطريت أقعد في سكن الطالبات.
-
قلت لها: "سكن تابع للجامعة؟" داليا سكتت لثواني، وبعدين جسمها بدأ يترعش بشدة، وبصتلي بنظرة مليانة رعب حقيقي وقالت بصوت واطي: "أنا شفت الموت بعيني يا أستاذ ياسين، السكن ده، أربع سنين عشتهم هناك كانوا كابوس بشع، كل ليلة كانت تعدي عليا وأنا بحسب الساعات عشان النهار يطلع." داليا أخدت نفس مكسور وكملت وهي بتمسك إيدها اللي بترتعش: "في أول سنة لينا، كنا فاكرين إن الأصوات اللي بنسمعها في الحوائط بالليل مجرد مواسير قديمة، لحد ما البنت اللي معايا في الأوضة، اسمها سارة، بدأت تمشي وهي نايمة، كل ليلة كانت تقوم الساعة تلاتة الفجر وتقف قدام المراية وتسرح شعرها بظوافرها لحد ما دم راسها يسيل على وشها وهي بتضحك بصوت مش صوتها، وفي ليلة صحيت على صوت همس جنب ودني بالظبط، لقيت سارة واقفة فوق السرير بتاعي، عينيها مغمضة تمامًا، ومسكة مقص وبتغرزه في الحيطة جنب دماغي وهي بتقول بصوت راجل عجوز: "هي مش هتسيب حد يخرج من هنا سليم"، ولما صرخت والنور اتفتح، سارة وقعت أغمى عليها، والغريبة إنها مافتكرتش أي حاجة من اللي حصلت، ولما نقلناها المستشفى الدكاترة قالوا انهيار عصبي، بس التقرير الطبي اللي عرفت ألمحه في ملفها كان فيه جملة واحدة مرعبة: "تشنجات ناتجة عن صدمة عصبية شديدة غير معروفة السبب"، والمرعب أكتر إن دي مش أول حالة، فيه أربع حالات حصل لهم نفس الشيء في السكن ده.
-
ياسين قالها: فيه حاجة تانية حصلت؟" داليا وقفت فجأة وقالت: الشياطين اللي كانوا عايشين معانا في السكن"، داليا نطقت الكلمة وهي بتبص ورا ياسين ناحية باب المكتب المقفول بحركة مفزوعة، كأنها خايفة حد يدخل عليهم. ياسين بص لزاوية الباب، وبعدين رجّع عينه ليها وقال بنبرة هادية عشان يمتص خوفها: "داليا اهدَي.. إنتِ جوة جريدة الأهرام، المكان أمان ومفيش حد يقدر يأذيكي هنا." داليا هزت راسها بالنفي وهي بتعيط بصوت مكتوم وقالت: "إنت مش فاهم حاجة يا أستاذ ياسين.. الكيان ده ملوش مكان، الكيان ده سكن جوايا."
