رواية حكايتي انا وهو الفصل الاول
داخل شقة بسيطة… واقفة وسام، بنت جميلة جدًا، بشرة بيضاء، عيون زرقاء، شعر بني كيرلي طويل… لابسة بنطلون على بلوزة. باين عليها الضيق، وهي واقفة بتبص للساعة بزهق.
وسام بزعيق
إيه يا ست الشيخة؟ بتعملي إيه؟ كل ده!
تطلع أم وسام من المطبخ شايلة أطباق الأكل.
نور
مالك يا وسام؟ مش طايقة نفسك ليه كده على الصبح؟
وسام
ونبي يا ماما تسيبيني في حالي دلوقتي، علشان الست الشيخة بتاعتك قربت تجنني.
تطلع من داخل إحدى الغرف جِني، بنت بسيطة، بشرة بيضاء، عيون عسلي. لابسة إسدال على خمار طويل. الأخت الكبيرة لوسام.
جني بهدوء
السلام عليكم ورحمة الله تعالى. معلش يا وسام، اتأخرت شوية، بس الخمار حيّرني على ما اتظبط.
وسام تشاور عليها بتكبر.
وسام
إنتِ عاوزة تنزلي معايا الجامعة بالشكل ده؟
جني تبص لنفسها باستغراب.
جني
مش فاهمة… ماله شكلي؟ في حاجة مش مظبوطة مش واخدة بالي منها ولا إيه؟
وسام بزعيق
إنتِ على بعضك مش مظبوطة ومش طبيعية بصراحة. ومش كفاية موقفاني حالي جنبك، لا كمان عاوزة تفضحيني قدام صحابي بمظهرك الأهبل ده.
جني دموعها نزلت من كلام أختها، وهي مش فاهمة ليه دايمًا تجرحها بالشكل ده. ردت عليها وهي بتحاول تمسك دموعها.
جني
وسام، ياريت تاخدي بالك إني أختك الكبيرة، ومش علشان أنا ساكتالك تقولي وتعملي اللي إنتِ عاوزاه. ولو على الجواز اتجوزي، أنا مش مسكاكي ولا موقفالك حالك. حرام عليكي، مش كل شوية تتهميني بحاجة أنا ماليش ذنب فيها.
وسام بغيظ
ما هو حضرتك لو تهتمي بنفسك وبمظهرك شوية قدّام الخلق، كان زمان واحد بصلك على الأقل. إنما إنتِ لا شكل ولا اهتمام، مش عارفة إيه القرف اللي إنتِ عاملاه في نفسك ده.
نور بزعيق
بس بقى! إنتِ وهي! هو أنا مش ست كبيرة واقفة في وسطكم؟ وإنتِ يا ست وسام، كلمة وقلتِها وهرجع أقولها: جني هي الكبيرة، وهي اللي هتتجوز الأول. جوازك قبلها ده من سابع المستحيلات، إنتِ فاهمة؟
وسام تبص لجني بغضب، والدموع محبوسة في عيونها، وتسيبها وتطلع على بره وهي بتقول:
وسام
حقيقي أنا بكرهك، وعمري ما هاعتبرك أختي.
نور تنهدت بحسرة على بناتها اللي المفروض يكونوا سند لبعض… جني بصت لنور بحزن وهي بتمسح دموعها.
جني
أنا هنزل بقى علشان ما نتأخرش أكتر من كده. محتاجة حاجة مني قبل ما أنزل؟
نور بصت لها بزهق، وسابتها ودخلت المطبخ من غير ما ترد عليها. دموع جني زادت على خدها، وخدت بعضها وطلعت ورا وسام...
______________
على بسط سُلّم العمارة اللي عايشة فيها جني…
واقف مازن ماسك إزازة ويسكي. شاب وسيم جدًا، قمحاوي البشرة، عيون خضراء، شعر أسود ناعم، لابس قميص مفتوح من عند الصدر على بنطلون جينز… بيتكلم في التليفون.
مازن
طيب استني على آخر النهار كده هجيلك نسهر مع بعض، ولا تزعلي. إنتِ عارفة ما أقدرش على زعلك.
في نفس الوقت جني نازلة من على السلم. تسمع كلام مازن وتبص بقرف لإزازة الويسكي، وتحط طرف الخمار على أنفها وهي بتقول:
جني
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه… هو أنا ناقصة قرف على الصبح بس يا رب؟
جني تكلم مازن بهدوء.
جني
لو سمحت ممكن أعدّي؟
مازن يبص وراه، أول ما يشوف جني يركن على جنب ويخبي إزازة الويسكي ورا ضهره، ويغض بصره عنها.
مازن
آسف، اتفضلي.
جني تعدّي وهي بتقول من غير ما تبص له:
جني
على فكرة، اللي في إيدك ده مضر جدًا للصحة قبل ما يكون
حرام.
مازن فضل واقف يبص ناحيتها وهي ماشية، ونسي اللي بتكلمه على التليفون.
ومن خلال التليفون صوت بنت بتقول:
— ألووو ميزو، إنت معايا ولا إيه؟ ألوو؟
مازن انتبه للتليفون، رفع السماعة وقال وهو متلغبط:
مازن
هاا… بصي أنا مش فاضي دلوقتي، شوية كده وهكلمك.
قفل التليفون حتى قبل ما يسمع الرد، وطلع بسرعة ورا جني…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برّه العمارة.
وسام واقفة مع حازم ابن عمها وحبيبها. حازم شاب وسيم جدًا، لابس تيشيرت على بنطلون.
وسام بعياط
بجد أنا زهقت منها. طول ما الزفتة دي موجودة إحنا مش هنعرف نتجوز. اسمع كلامي وتعالى نهرب مع بعض نتجوز، وبعدين نرجع تاني. أنا عارفة ماما مستحيل ترجع في كلمة قالتها، والزفتة دي عاملة فيها شيخة ومافيش حد باصص لخلقتها دي.
حازم بهدوء
أنا بجد مش عارف أقولك إيه يا وسام. أنا بجد تعبت، وعمك ومراته عاملين يزنّوا على دماغي علشان أخطب، وأنا مخلّص شقتي وموقف حالي جنبك. وبصراحة خايف نخسر بعض بسبب أمك وأختك.
وسام بعياط
خلاص نهرب يا حازم، ده الحل الوحيد.
حازم بزهق
إنتِ عندك الهروب سهل، وسمعتك وسط أهلينا مش فارقة معاكي. ثم الهروب عمره ما كان حل، حتى لو مؤقت. الحل الوحيد دلوقتي إننا نشوف واحد يتجوز أختك، حتى لو هندفع له، لحد ما نتجوز ونخلص من أم القرف ده.
جني واقفة على عتبة العمارة، سامعة كلام حازم ووسام. وقف وراها مازن سامع الكلام هو كمان. جني لفت، ودموعها مغرّقة وشها من الكلام اللي كسر قلبها. شافت مازن، دموعها زادت، وما قدرتش تفضل واقفة من كتر الكسوف، وخدت بعضها وجريت على شقتهم تاني…
وقف مازن، بص ناحيتها بحزن، وبعدين بص ناحية حازم بغضب، وتوعّد وهو بيكور إيده جامد.
__________
في شقة نور
نور قاعدة بتقطع الخضار. فجأة دخلت جني وهي بتعيط جامد، وجريت على غرفتها. نور وقفت وهي بتقول بقلق:
نور
بسم الله الرحمن الرحيم… خير اللهم اجعله خير. استني يا بنتي، قوليلي مالك؟ حصل إيه؟
نور اتحركت ووقفت تخبط على باب غرفة جني.
نور
خير مالك يا حزينة؟ حصل إيه تاني؟
___________
داخل الغرفة
جني قاعدة ورا الباب، حاطة إيديها على وشها وبتعيط بحرقة، وهي بتكلم ربنا.
جني
اللهم لا اعتراض على أمرك وحكمتك. أنا عارفة الطريق ليك مش سهل يا رب، وكل اللي طلباه منك إنك تاخد بإيدي إليك وتثبتني حتى ألقاك. اللهم إني لا أحسن الكلام، لكنك تعلم ما في صدري وما يؤلمني، فخذ بيدي إليك ولا تتركني لشر نفسي. اللهم ثبتني ولا تزل قدمي بعد ثبوتي.
جني تفوق من نوبة بكائها على صوت التليفون بيرن. تطلع التليفون وترد من غير ما تشوف مين المتصل. صوت مازن من خلال التليفون:
— أوعي تزعلي نفسك أو تسمعي لحد. صدقيني إنتِ أجمل بنت شوفتها في حياتي. أنا لفيت العالم وما شوفتش زيك. وصدقيني عوضك من ربنا هيكون أجمل مما تتمني.
جني بصت لشاشة التليفون باستغراب وهي بتقول:
جني
إنت مين؟ وجبت رقمي منين؟ وتعرفني منين؟
صوت مازن من خلال التليفون:
— مش مهم أنا مين ولا جبت رقمك إزاي. المهم إنك تثقي في نفسك وتتمسكي بإيد ربنا، وتتأكدي إنك كده صح وعلى الطريق الصحيح. أوعي إيدك تفلت وتسمعي لشياطين اللي حواليكي علشان هيدمروكي، وفي الآخر مش هتلاقي حد منهم جنبك.
جني ابتسمت ورفعت إيديها تمسح دموعها وهي بتقول:
جني
مين ما كنت تكون، بس أنا متأكدة إن ربنا اللي بعتك ليا. أنا فعلًا كنت محتاجة أسمع الكلام ده. شكرًا جدًا لحضرتك.
جني قفلت التليفون وقامت من على الأرض وهي بتمسح دموعها. فتحت الباب وخرجت من الغرفة، لاقت أمها واقفة قدامها.
نور
مالك يا بنتي؟ بقى لي ساعة عمالة أنادي عليكي وإنتِ هنا.
جني قربت منها وحضنتها جامد وهي بتقول:
جني
سامحيني يا أمي، وحقك عليّا إني قلقتك ووقفتك بالشكل ده.
نور ربتت على ظهر جني بابتسامة.
نور
إنتِ اللي سامحيني. لو بإيدي حاجة كنت عملتهالك.
جني بعدت عنها وقالت بهدوء:
جني
هطلب منك معروف يا أمي، وعلشان خاطري تقبلي.
نور باستغراب
معروف إيه ده يا جني؟
جني فركت إيديها بقلق:
جني
وافقي على جواز وسام من حازم ابن عمي علشان خاطري. هي بتحبه وهو كمان بيحبها، وهم الاتنين مالهمش ذنب في وقفة حالي. حرام تظلميهم علشاني.
نور بحيرة
إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ أجوز الصغيرة قبل الكبيرة إزاي بس؟ الناس مش هترحمك لو وسام اتجوزت قبلك، ومش هتسلمي من الكلام اللي هيوجع قلبك.
جني مسكت إيد نور بحب.
جني
أنا قلبي بين إيد رحيمة، ما تخافيش عليه. رفضك لجواز وسام علشاني هيزوّد المشاكل والخلافات، مش هيحلها. وكلام الغريب أرحم من كره أختي ليا، صدقيني يا أمي.
نور بحزن
معلش يا جني، إنتِ عارفة أختك لسانها أعمى، ما تزعليش منها.
جني بابتسامة
بالعكس يا أمي، أنا زعلانة عليها. بس إنتِ اسمعي مني علشان خاطري ووافقي على جوازها.
نور بحيرة
سيبيها على ربنا دلوقتي يا جني، واللي فيه الخير ربنا هيقدمه بإذن الله. بس قوليلي، هو إيه اللي حصل رجعك بتعيطي ليه كده؟
جني بصت لأمها بحزن، وأول ما افتكرت كلام حازم مع وسام دموعها نزلت على خدها بقهر. فضلت ساكتة وما قدرتش ترد على أمها. نور صعب عليها بنتها، وخدتها في حضنها، وفهمت لوحدها وجعها، وعرفت اللي حصل من غير ما تسمع ردها.
نور بوجع
يا رب خد بإيد بنتي، وارزقها باللي يستاهلها. دي غلبانة وبتحبك يا رب.
_________
على سطح العمارة
حازم قاعد على الأرض، وشه كله دم، وواضح إنه واكل علقة محترمة. واقف مازن ماسك تليفونين، واحد له وواحد بتاع حازم. بص ناحية حازم ورمى له تليفونه وهو بيقول:
مازن
اعرف لو سيرتها جت على لسانك تاني، أنا هعمل فيك إيه.
حازم بص له بغيظ.
حازم
أوعى تفكر إن شغل البلطجة ده هيخوفني. ثم لما بتحبها أوي كده ما تتجوزها وتشيلها من سكتي.
مازن سكت شوية، وبعدين لف للناحية التانية وهو بيقول:
مازن
واحد زي ما يستاهلش واحدة زيها. ويلا غور من هنا، وياريت اللي حصل ده يفضل سر بيني وبينك، علشان المرة الجاية ممكن ما أخليكش تنفع لجواز. اتفقنا يا حلو؟
حازم بص لنفسه وبلع ريقه بخوف، وقام من على الأرض بتعب وهو بيقول:
حازم بغيظ
اتفقنا.
حازم اتحرك بصعوبة ومشي. وقف مازن حاطط إيديه في جيوبه وبص للفراغ قدامه، وقال بحزن وهدوء:
مازن
يا ترى يا جني، ممكن ييجي لو ده حصل وتقدمتلك فعلًا… ممكن تقبلي بلطجي وراجل سجون زيّي شريك حياتك؟
