رواية مستودع الانابيب الفصل الأول 1 بقلم محمود الأمين

 


رواية مستودع الانابيب الفصل الأول بقلم محمود الأمين 


عمرك فكرت لو الظروف حكمت عليك بالفقر والجهل هتعمل إيه... إزاي واحد ميكنش عنده حرية الاختيار في حياته؟ طيب السؤال الأهم... هل إحنا مخيرين أم مسيرين؟ الإجابة اللي عندي: في بعض الحاجات بتختارها، وبعض الحاجات بتتفرض عليك، وده طبيعي. لكن لما الظروف تفرض عليك الفقر والجهل، هتعمل إيه؟ مش معاك فلوس تصرف على نفسك، ولا شهادة عشان تعرف تشتغل... ساعتها هيكون تصرفك إيه؟
......
كنت واقف قدام الدولاب بلم شنطة هدومي عشان أمشي. أنا الشاب اللي اتحكم عليه إنه يقول حاضر من غير ما يفكر، وهفكر إزاي وأنا جاهل؟ كل همي كانت الفلوس عشان أعرف أعيش، ومش مهم أي حاجة تاني... لكن خلاص، أنا مش قادر أتعامل معاهم تاني.. مش هقدر أتعامل مع الأموات تاني، مبقتش قادر أتحمل.. أكيد دلوقتي بتقولوا عليّ مجنون، بس عادي، ما كل الناس قالت كده، بس محدش شاف اللي أنا شوفته هنا.. محدش شاف الجثث وهي بتتكلم.
.....
#مستودع_الأنابيب (القصة أرشيفية)
 #الجزء_الأول

قبل ما أبدأ أسجل حكايتي على مجموعة من الشرايط، لأني جاهل مش بعرف أكتب.. بطلب منكم، أنا مش عايز أصعب عليكم. آه، هي الحكاية صعبة، ولكن كل اللي بطلبه منكم إنكم تصدقوني بس.. أنا طلبت من الشخص اللي بينقل ليكم القصة يعدل كلامي عشان تقدروا تفهموا الحكاية كويس.
طيب أنا مين؟ أنا جابر، آه جابر، بس مفيش أب.. أكيد بتسألوا إزاي يعني.. هتعرفوا كل حاجة، بس واحدة واحدة...
سني دلوقتي 23 سنة، ده بالتقدير كده عشان أنا معرفش اتولدت إمتى.. أنا هجاوب على الأسئلة اللي جات في بالكم.
أنا فتحت عينيا على الدنيا ولقيت نفسي في ملجأ، مكان مليان أطفال كتير بيلعبوا ومبسوطين.. لحد ما جه واحد اسمه سعفان، كان راجل في الثلاثين من عمره كده، هو ومراته، عشان يتبنوا طفل.. ووقع الاختيار عليّ.
أنا مش هقولكم كان سني صغير وهما ضحكوا عليّ وكنت فاكر إنهم أبويا وأمي وجو المسلسلات ده، لا.. من أول يوم وهما بيعملوني عادي، ولما كبرت شوية عرفوني إني مش ابنهم، وإني كنت في ملجأ.. وعشان أنا مش ابنهم، اكتفوا بأكلي وشربي ومكان النوم، ودخلوني مدرسة ابتدائي بس، وعشان كده بقيت أعرف أقرأ، وبكتب بالعافية، ومن بعدها مكملتش تعليمي...
لحد ما وصل سني 20 سنة، وساعتها جه سعفان وقلي:
_ اسمعني كويس يا جابر، أظن إني مقصرتش معاك نهائي، بالعكس، أنا كبرتك وخليتك راجل، ولازم دلوقتي تعتمد على نفسك وتشتغل.
_ أشتغل إيه، ومين أصلًا هيقبلني في وظيفة دلوقتي؟
_ مش مشكلتي، اتصرف. أنا مش هقدر أصرف عليك وإنت في السن ده وشحط كده.
_ يعني إيه برضو مش فاهم؟ ولو رفضت يعني هتعمل إيه؟
_ ترفض؟ ترفض إيه؟ أنا مش جاي أخد رأيك. إنت هتسيب البيت.. النهارده، بكرة هتسيب البيت وتروح تشوف مصلحتك بعيد عني.
_ طيب هاتلي شغل وأنا همشي، ومش هتشوف وشي تاني.
_ ماشي يا جابر، بكرة هجبلك شغلانة، وبعدين تمشي ومشوفش وشك تاني.
تخيلوا معايا، ده المفروض إنه حوار مع الشخص اللي رباني.. شوفتوا أسوة كده؟ نمت في اليوم ده وأنا ببكي. خلاص هسيب البيت.. المكان الوحيد اللي أعرفه.. نمت معرفش قد إيه.. صحيت على صوت سعفان بيقولي:
_ قوم يا بيه، كفاية نوم، قوم.
_ نعم، عاوز إيه؟
_ جبتلك الشغلانة اللي قولتلك عليها.. شغلانة حلوة، وبتوفر سكن عشان متتحشرش.
_ والشغل ده فين؟
_ في مستودع الأنابيب اللي في القرية اللي جمبنا.
أنا أول ما سمعت اسم المكان حسيت كأني اتدلق عليّا جردل مية ساقعة في عز البرد، وخوفت وقلتله:
_ إنت عايز توديني المكان ده؟ إنت عايز تخلص مني؟
_ أخلص منك إيه؟ المكان مفيهوش أي حاجة، وكل اللي بيتقال عليه كلام فاضي.
بالمناسبة، مستودع الأنابيب ده سمعته زفت. اتقال إن في 6 رجالة اتحرقوا فيه زمان، وإن أشباحهم بتظهر للناس وبتطاردهم... مكنش قدامي حل تاني قصاد واحد اتجرد من الإحساس والقلب، وعشان كده بدأت أجهز شنطتي عشان أسافر.
وســعفان قالي إنه كلم الراجل هناك، وهو في انتظاري.
إحساس الخوف لسه جوايا وقلقان.. خرجت من البيت اللي خلاص مش هرجعله تاني، وركبت مواصلة لحد القرية اللي جمبنا، واللي فيها المكان اللي كل الناس بتقول عليه المكان الملعون، ومش بيشتغل فيه غير المضطر زي حالاتي...
وصلت المستودع.. كان عبارة عن مكان محاط بسور من بره، وعليه سلك شائك، وليه بوابة ضخمة لونها أسود، وقاعد قصاد البوابة واحد لابس جلبية وعمة على راسه، وقلي:
_ أي خدمة يا أستاذ؟
_ آه، أنا اللي جاي أشتغل هنا.
_ شكلك مضطر عشان جاي تشتغل هنا.
_ اشمعنى يعني؟!
_ أصل المكان سمعته سبقاه، فلو هتشتغل هنا أحسنلك تغمض عينيك وتخيط بوقك، يعني بالعربي ملكش دعوة باللي بيحصل.
وسبني وراح فتح البوابة وقال: ادخل...
كلام الراجل ده وترني أكتر من متوتر.. دخلت جوه. خليني أوصف المكان عشان تكونوا معايا في الصورة...
مكان عبارة عن 5 مباني.. المبنى الأول مخزن كبير للأنابيب.. المبنى التاني كان عبارة عن مخبز.. المبنى التالت كان ميس، أو المكان اللي بناكل فيه.. المبنى الرابع كان عنبر للعاملين.. والمبنى الأخير كان مبيت المدير ومكتبه...
المكان من جوه وبليل شكله مخيف لوحده، من غير أي حاجة أصلًا.
المهم إن الحارس اللي بره، واللي كان اسمه مدكور، قلي إني هروح عند مكتب سمير بيه، ده صاحب المستودع.
روحت فعلًا وخبطت على الباب، رد عليّ صوت من جوه وقلي: ادخل.
_ السلام عليكم، أنا جابر اللي جاي من طرف عم سعفان.
_ قصدك الراجل اللي رباك وأنقذك من الملجأ؟
مكنتش عارف أرد. أصعب حاجة لما حد يفكرك بماضي صعب وإنت مش عايز تفتكره.. قطع تفكيري صوته من تاني:
_ إنت هتشتغل في المخبز اللي هناك ده، وهتاخد مرتب كويس، وأظن إن ملكش حد تنزله إجازة، يعني مقيم هنا على طول.. عاوزك تشد حيلك عشان الشغل هنا صعب.
_ حاضر يا باشا، هشد حيلي وهشتغل كويس.
_ يلا دلوقتي روح نام.. مدكور وديه عنبر العاملين.
أخدني مدكور ووصلني العنبر وقال: النوم هنا بميعاد، عشرة بالدقيقة، عشان تقوم مفوق، يعني زي الجيش كده.
دخلت العنبر ولقيت سرير ودولاب.. حطيت شنطتي جوه الدولاب، ونمت من التعب والإرهاق والهموم.. باب العنبر كان مقفول.
قلقت كده في نص الليل على صوت نقر أو حاجة بتخبط في الباب، أشبه بصوت طوب بيترمى على الباب.
قومت من مكاني ورحت عند باب العنبر وفتحت الباب. كان حصى، اللي هو الطوب الصغير جدًا ده، ومفيش دقيقة وشوفت أكتر حاجة مرعبة.. المخبز كان بيولع، ونار بتولع فيه من كل حتة..
جيت أصحي حد.. لقيت صوت من ورايا بيقولي:
_ إنت واقف عندك بتعمل إيه؟
اتلفت، كان مدكور.
_ المخبز بيولع يا مدكور.. المخبز بيولع!
_ مخبز إيه اللي بيولع؟ ما هو المخبز زي الفل أهو!
بصيت بتلقائية على المخبز، ملقتش نار ولا أي حاجة، والمخبز سليم...
يا نهار أسود! أنا متأكد من اللي شوفته. من الواضح كده إن كلام الناس عن المكان ده هيطلع بجد.
سبت مدكور اللي كان عمال يتكلم وأنا مش سامع بيقول إيه من كتر ما سرحت، ودخلت أكمل نوم، لكن واضح إنها ليلة مفيهاش نوم...
صحيت تاني على ناس بتصرخ وبتستغيث:
_ الحقونا! حد يلحقنا! حد يطفي النار دي بسرعة!
قومت من مكاني المرة دي بسرعة عشان أشوف إيه اللي بيحصل بره.. مفيش حاجة.
قولت هدخل الحمام.. هي ليلة ما يعلم بيها إلا ربنا.
ودخلت الحمام.. نظام الحمام 3 أحواض عليهم مرايات، وبعدين في 3 حمامات.
دخلت الحمام وخلصت، وخرجت وأنا ماشي حسيت بنفس ورايا.. اتلفت، لكن...


تعليقات