رواية مع سبق الاصرار الفصل الأول بقلم محمود الأمين
الموضوع بدأ بإشارة وصلتنا من ظابط مرور كان معدي بالموتوسيكل بتاعه على طريق سريع.. ولكن وهو ماشي لاحظ على جنب الطريق إن في عربية مركونة ومتغطية بغطا أسود، وعشان ده مش مكان ركنة عربية، فتحرك ناحية العربية عشان يشوف أرقامها ويعرف بتاعة مين؟!.. بس لما كشف الغطا اتصدم من المنظر اللي قدامه، عشان لقى جثة لبنت في التلاتينات من عمرها، وللأسف كانت واصلة لمرحلة التحلل الجزئي، والريحة اللي كانت طالعة من الشباك كانت بشعة.. ده غير إن العربية كانت بدون نمر.
وعلى طول اتحركنا على المكان اللي جاية منه الإشارة، ولما وصلنا هناك شوفنا الجثة، واللي واضح إن مر على وفاتها أكتر من أربع أيام، والغريبة إن ماحدش لاحظ العربية ولا بلغ عنها غير لما ظابط المرور ده كان معدي بالصدفة وشافها.
طبعًا رجالة الطب الشرعي والمعمل الجنائي وصلوا لفحص الجثة ومسرح الجريمة، وأثناء الفحص لقينا محفظة صغيرة وجواها البطاقة وفيزا بنك، والبطاقة كانت باسم صفية علي حمدان، ومكتوب في المهنة إنها محامية وإنها متزوجة، ومكتوب من تحت كده اسم جوزها: ربيع سليمان محمد.
دكتور الطب الشرعي، بعد ما خلص الفحص المبدئي، قال:
_ ماتت مخنوقة بحبل، ورغم التحلل الجزئي إلا إنه ظاهر على الرقبة علامات خنق واضحة، وفي خدوش في الإيدين والرقبة بيوضحوا إن حصل مقاومة من المجني عليها، ولكن في النهاية ماتت.. وبرجح إن القاتل كان راكب في الكنبة اللي ورا، وبغتها بالخنق ومعرفتش تدافع عن نفسها.
= يعني قصد حضرتك إن القاتل كان في العربية وهي ماكنتش تعرف بوجوده؟
_ مش شرط خالص، ممكن يكون حد هي بتثق فيه جدًا ومتخيلتش إنه ممكن يقتلها بالشكل ده.
= تمام يا دكتور، إحنا هننتظر تقرير الطب الشرعي النهائي بعد التشريح، وأتمنى إنك ماتتأخرش علينا.
وبعد ما الدكتور خلص كلامه معايا، اتنقلت الجثة للمشرحة، واترفعت البصمات والأحراز من العربية.. ورجعت على مكتبي عشان أبدأ التحريات عن المجني عليها، خصوصًا إن كل اللي في البطاقة هو العنوان، واللي أكيد هيكون عنوان بيتها اللي كانت ساكنة فيه قبل وفاتها، أكيد بيت جوزها، وعشان كده بعتنا حد من رجالتنا على الشقة عشان يبلغ جوزها الأستاذ ربيع بوفاة زوجته، عشان ييجي ونفهم منه مراته اتقتلت إزاي وشاكك في مين؟!
ولكن للأسف الراجل اللي بعتناه رجع وقال إن ربيع ده عزل من المنطقة من فترة كبيرة، ولكن إحنا كان معانا بطاقة المجني عليها، ومن خلالها هنقدر نعمل تحرياتنا ونوصل للي عمل كده.
وفعلًا بدأت التحريات، وطلبت من الرائد أيمن تحريات مستوفية وكاملة عن المجني عليها.. ولكن في نفس الوقت طلبت منه فحص بلاغات التغيب خلال الأسبوع اللي فات، والبحث عن اسم صفية علي حمدان، وأكيد هنلاقي حد من أهلها أو جوزها بلغ بوفاتها.
ولكن اترد عليا بعد حوالي 10 ساعات إن مفيش ولا بلاغ متقدم عن تغيب حد بالاسم ده، وده في حد ذاته غريب.. معقول لا زوج ولا أهل لاحظوا اختفاء صفية؟
واضطريت أستنى تقرير الطب الشرعي والمعمل الجنائي هيقول إيه؟!
ولكن بعد 24 ساعة من اكتشاف الجريمة.. دخل عليا في المكتب الرائد أيمن، وكان باين على ملامحه الصدمة والذهول، ولما سألته: مالك؟ في إيه؟ اتكلم وقال:
= إحنا كنا شغالين في التحريات عن المجني عليها.. ولكن أنا اكتشفت حاجة مخليّة عقلي هيشت.. حاجة مستحيل تتصدق، وممكن تقول إنها لو حصلت ممكن تحصل في أفلام خيال علمي.
_ ياااه، للدرجة دي؟! طيب قول يا عم إيه هو فيلم الخيال العلمي ده؟!
= التحريات بتثبت إن صفية علي حمدان دي ماتت في حادثة من سنتين ونص، وجثتها كمان اتفحمت، وعشان ماكانش في غيرها في العربية، أهلها وجوزها وقتها اعتمدوا إن هي دي جثة بنتهم، عشان كان صعب التعرف عليها بسبب إن الجثة اتفحمت بالكامل.
_ جايز يكون تشابه أسماء؟!.. أصل إزاي اللي إنت بتقوله ده؟ الجثة اللي عندنا في المشرحة مر عليها في وفاتها النهارده، قول خمس أيام، فإزاي هي متوفية من سنتين ونص؟
= لا، مش تشابه أسماء.. عشان جوزها برده اسمه ربيع سليمان، ومستحيل تكون دي صدفة يعني.
_ أكيد الموضوع في حاجة غلط.. عمومًا استكمل تحرياتك واعرفلي كل حاجة عنها، ويا ريت نعرف فين أهلها عشان نستدعيهم ونشوف هيقولوا إيه لما يسمعوا خبر وفاة بنتهم، وكمان لازم نوصل لجوزها عشان نفهم منهم الحكاية بالظبط.
...
وفعلًا، بعد حوالي 24 ساعة، دخل الرائد أيمن المكتب ومعاه ملف التحريات، حطه قدامي وهو بيقول:
_ التفاصيل اللي في ملف التحريات دي يا باشا.. هتخليك تشك إن الحادثة اللي حصلت زمان، واللي المفروض ماتت فيها صفية وجثتها اتفحمت، حادثة مدبرة، وإن الموضوع مش قضاء وقدر... اسمها صفية علي حمدان، عندها 33 سنة، بتشتغل محامية من سنتين ونص، وقبل الحادثة اللي المفروض ماتت فيها كانت متجوزة من واحد اسمه ربيع سليمان.
حالتهم المادية كانت صعبة، وهي كانت لسه محامية صغيرة بتحاول تكتسب الخبرات. أهلها هما اللي أجبروها على الجواز من ربيع، عشان وقتها كان معاه قرشين وقادر يعيشها كويس.
صفية قررت تهرب من العيشة اللي كانت عايشاها مع أهلها، خصوصًا إن التحريات بتثبت إن والدها علي حمدان وأخوها كارم كانوا دايمًا بيضربوها على أي حاجة، والعيشة معاهم كانت صعبة.
ولما جالها ربيع واتقدم، في البداية كانت رافضة، ولكن مع ضغط أهلها وافقت، وهو كان في فترة الخطوبة كويس جدًا، لحد ما اتجوزوا، ومن بعد الجواز بدأت العيشة ما بين ربيع ومراته تكون أسوأ من العيشة اللي كانت عايشاها مع أهلها.
ربيع كان بيضربها وبيبهدلها، ده غير إنه كان بينزلها تشتغل عشان في النهاية ياخد فلوسها.
ولكن التحريات بتثبت إن قبل الحادثة بحوالي شهرين، في قضية كبيرة اتعرضت على صفية، والقضية دي لو كسبتها فيها فلوس كتير، ولكن بعد ما صفية دخلت في القضية اكتشفت إن الشخص اللي بتدافع عنه مذنب، فقررت تستغنى عن الفلوس الكتير وتشتري مبادئها.
بس الغريب إن بعد الحادثة جوزها وأهلها ظهر عليهم الغنى، وفي ناس قالت إن هما اللي قتلوا بنتهم.. بس حتى لو ده حصل، هما اغتنوا إزاي؟
....
ومع التحريات كان موجود عنوان أهل صفية، واللي كنت بتمنى إنه يكون ما اتغيرش، وبعتنا للنيابة التحريات اللي بعتت استدعاء لأهل صفية وجوزها.
وفعلًا، أول ما سمعوا الخبر كلهم قالوا نفس الكلام، إن صفية ماتت من سنتين ونص، وإن أكيد دي مش جثة بنتهم، ولكن لما اتعرضت عليهم الجثة في المشرحة، كلهم كانوا مصدومين وبيبصوا لبعض، ولكن الغريبة إن مفيش حد فيهم كان متأثر من منظر الجثة.
وبعد ما اتعرفوا عليها فعلًا.. طلبت منهم ييجوا معايا المكتب عشان نستكمل التحقيقات.
وأول ما وصلنا، والدها ووالدتها انهاروا من العياط، ومش عارف ليه كنت حاسس إنها دموع مصطنعة، وإنهم عارفين حاجة كبيرة ومخبيين.
وساعتها بدأت كلامي مع جوزها ربيع سليمان:
_ على حسب التحريات اللي عندنا يا أستاذ ربيع.. إن حضرتك كنت بتعامل مراتك معاملة صعبة شوية، وهي كانت هتطلب منك الطلاق، ده غير إنك اتعرفت إنت وأهلها على الجثة اللي كانت متفحمة، وأكدتوا إنها جثة صفية فعلًا.
= عادي مشاكل بتحصل ما بين أي زوجين، أما بالنسبة لموضوع الجثة، فدي كان صعب نتعرف عليها، ولكن العربية اللي اتحرقت واللي كان فيها جثة متفحمة هي عربيتها، يعني أكيد الجثة دي هي جثتها.
_ طيب في حاجة كمان، على حسب التحريات، إنت كنت إنسان عاطل ومش بتشتغل، وكنت بتنزل مراتك هي اللي تشتغل وتصرف عليك، وأنا هنا مش بلومك، أنا مش مصلح اجتماعي، ولكن إنت في فلوس ظهرت عليك كده مرة واحدة، ومش إنت لوحدك، ده إنت وحماك الأستاذ علي حمدان، رغم إن الحال من بعضه، يعني فممكن أعرف إيه مصدر الفلوس دي؟
= آه أكيد.. أصل أنا وحمايا الفترة الأخيرة اشتغلنا مع بعض سماسرة أراضي وشقق إيجار، والموضوع كان مربح جدًا، والحمد لله وما زال مربح.
_ عندك رد على كل سؤال إنت يا أستاذ ربيع، مش كده؟!
= ده من فضل ربنا يا باشا، الحمد لله.
_ تمام، تقدر تروح دلوقتي، بس خلي بالك إننا ممكن نستدعيك تاني.
= تمام يا باشا، أنا تحت أمرك في أي وقت.
....
كنت عاوز أحقق مع علي حمدان وابنه ومراته، ولكن كانوا منهارين ورافضين يتكلموا، وعشان كده خليتهم سبيلهم لحين إشعار آخر.
ولكن بعدها قررت إني هعمل حاجة جت في بالي كده مرة واحدة، وهي إني هفتش البيت اللي كان ساكن فيه ربيع ومراته المجني عليها صفية.
وطلبت من النيابة إذن بالتفتيش، وكده كده مفيش حد بيأجر الشقة في الوقت الحالي.
وفعلًا طلع إذن من النيابة بتفتيش شقة الزوج ربيع سليمان.
واتحركت أنا والرائد أيمن، ومعانا قوة من القسم، على شقة ربيع سليمان، الشقة القديمة واللي مش قاعد فيها حد دلوقتي.
وأول ما دخلنا الشقة، واللي كانت في الدور الأرضي، كانت ريحتها مكتومة، فاضطرينا نفتح الشبابيك عشان تهوى الدنيا.
وبدأت العساكر تفتش البيت شبر شبر، لعل وعسى نلاقي حاجة مهمة، ولكن في اللحظة دي رجلي داست على بلاطة وكانت بتتحرك.. وده اللي خلاني نزلت على ركبتي وشلت البلاطة.
وهنا أنا وقفت مصدوم، عشان اللي تحت البلاط ده كان..
