رواية وبينا معاد الفصل الأول بقلم عيد عزام
عمري ما تخيلت إن بعد 15 سنة أقابل البنت اللي كنت هتجوزها في نفس المكان اللي استنيتها فيه شهر كامل.
والأغرب إنها أول ما شافتني بصت في الساعة وقالت:
= اتأخرت.
ضحكت وأنا مش مصدق إن نور قاعدة قدامي.
= حوالي 15 سنة بس.
أنا عمر الشناوي، عندي 42 سنة. اتجوزت مرة، خلفت ابني سيف، واتطلقت من 3 سنين ، وحياتي كانت ماشية.
مش أحسن حياة في الدنيا، بس مستقرة بما يكفي إني مبقتش أبص ورايا كتير.
لحد اليوم اللي دخلت فيه كافيه قديم في مصر الجديدة عشان أقابل عميل ،مكان مروحتوش من سنين.
دخلت وأنا باصص في الموبايل، رفعت عيني أدور على الترابيزة، وفجأة رجلي وقفت.
كانت قاعدة لوحدها جنب الشباك ،في الأول قولت مستحيل.
15 سنة كفاية تغير ملامح أي حد ، بس فيه ناس مهما السنين عدت، بتعرفهم قبل ما تشوف وشهم كويس.
نور ؛ البنت اللي حبيتها من أيام الجامعة والبنت اللي كان فاضل شهرين على فرحنا لما رجعتلي الدبلة وخرجت من حياتي ،رفعت عينيها وشافتني ، وشها اتغير.
فضلنا كام ثانية باصين لبعض من بعيد. أنا اللي اتحركت في الآخر ووقفت قدامها.
= نور؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
= لسه فاكرني؟
بصيتلها وأنا مش عارف أضحك ولا ألومها على السؤال.
= فيه حاجات الواحد بينساها ، وفيه حاجات بيتعلم يعيش من غير ما ينساها.
سكتت شوية، وبعدها بصت في الساعة.
= اتأخرت.
افتكرتها بتهزر.
= حوالي 15 سنة بس.
هزت راسها.
= 15 سنة و3 شهور.
الجملة وقفتني لسه فاكرة ، شاورت للكرسي اللي قدامها.
= ينفع؟
هزت راسها، فقعدت ، الغريب إن المكان نفسه تقريبًا متغيرش. حتى الركن اللي قاعدين فيه كان هو نفس الركن اللي كنا بنقعد فيه زمان ، سألتها إذا كانت لسه بتيجي هنا.
بصت حوالين المكان قبل ما ترد:
= ساعات ، بعض العادات بتعيش أكتر من أصحابها.
وصل الجرسون، وطلبت قهوة ، نور سبقته وقالت:
= من غير سكر.
بصيتلها باستغراب ، ابتسمت.
= لو مغيرتش يعني.
= مغيرتش.
رجعت تبص من الشباك.
= واضح إن مش كل حاجة بتتغير.
ومعرفتش ليه حسيت إنها مكنتش بتتكلم عن القهوة.
أنا ونور عرفنا بعض وإحنا في الجامعة ، مكنتش قصة حب أفلام ، مفيش كتب وقعت واتخبطنا في بعض، ولا شوفتها ماشية تحت المطر ووقعت في حبها ، كنا في نفس شلة الصحاب.
قربنا واحدة واحدة، ولما خلصنا جامعة اكتشفنا إن محدش فينا متخيل حياته من غير التاني ، بعد التخرج بسنتين روحت بيتهم.
أبوها مكانش مقتنع بيا أوي ، مكنتش غني، وأبويا كان عنده ورشة صغيرة، وأنا لسه في أول شغلي.
بس نور تمسكت بيا ،وأنا اشتغلت زي المجنون.
حوشنا واشتريت شقة صغيرة بالتقسيط.
خطبتها وبدأنا نجهز لفرحنا
نور كانت عارفة كل تفصيلة في الشقة. اختارت لون الحيطان، مكان السفرة، حتى الركن اللي قالت إنها هتحط فيه زرع رغم إني كنت متأكد إني هنسى أسقيه ويمـ ــوت.
كان فاضل شهرين على الفرح وكنت فاكر إن أصعب مرحلة في حياتي عدت.
لحد ما في أسبوع واحد ،بعت الشقة.
رجعت للحاضر على صوت نور وهى سألتني عن سيف.
استغربت إنها تعرف اسم ابني، بس ضحكت وهي بتقولي إن الدنيا بقت صغيرة وإن الأخبار بتوصل ،طمنتها عليه.
= عنده 11 سنة.
ابتسمت.
= ربنا يخليهولك.
هزيت راسي، وبعدها السؤال خرج مني قبل ما أفكر:
= وإنتي؟
رفعت عينيها ليا ، حاولت أصلحها بسرعة:
= قصدي ، اتجوزتي؟
هزت راسها بالنفي.
= لأ.
معرفتش أخبي دهشتي ، وطبعًا هي لاحظتها.
= متبصليش كده. مش معنى إني متجوزتش إني قعدت 15 سنة عند الشباك مستنياك.
ضحكت رغمًا عني.
= مكنتش هسأل.
رفعت حاجبها.
= بس فكرت.
= يمكن.
للحظة سكتنا ، بس المرة دي السكوت مكنش سكوت اتنين أغراب ، كان سكوت اتنين عندهم كلام متراكم من 15 سنة، ومحدش عارف يبدأ منين.
أنا اللي بدأت.
= عمري ما فهمت ليه عملتي كده.
الابتسامة اختفت من وشها.
= عملت إيه؟
بصيتلها باستغراب.
= بجد يا نور؟
فضلت مستنية.
= قبل فرحنا بشهرين الدنيا كلها وقعت فوق دماغي. الشقة راحت، كل حاجة اتلخبطت ، وإنتي مشيتي.
وشها اتغير.
= إنت لحد النهارده فاكر إني سبتك عشان بعت الشقة؟
مردتش ، إجابتي كانت باينة على وشي.
هزت راسها ببطء.
= يبقى فعلًا إنت عمرك ما فهمت ليه مشيت.
اليوم اللي نور عرفت فيه إني بعت الشقة، جتلي الورشة.
دخلت ووشها كان كفاية أعرف إنها عرفت ، وقفت قدامي وسألتني من غير حتى ما تسلم:
= بعت الشقة؟
مكنش ينفع أكد ب.
= أيوة.
فضلت باصة ليا، مستنية باقي الجملة ولما مكملتش كلامى ، سألت:
= إمتى؟
رديت وانا باصص فى مكان تانى غير عنيها :
= امبارح.
هنا غضبها اتحول لحاجة أسوأ خيبة أمل
= وأنا كنت هعرف إمتى يا عمر؟
معرفتش أرد ، قربت مني وهي بتحاول توطي صوتها.
= إحنا فرحنا بعد شهرين. البيت اللي هنعيش فيه اتباع امبارح، وأنا عرفت من السمسار!
حاولت أطمنها.
= هتصرف.
قاطعتني فورًا:
= أنا مش بسألك هتتصرف ولا لأ. أنا بسألك ليه.
وهنا كان السؤال الوحيد اللي مقدرتش أجاوبه.
سألتني الفلوس راحت فين ،سكت ،إذا كان عليا ديون.
قولتلها لأ.
إذا كنت داخل في مشكلة ، برضه نفيت.
وقفت قدامي وهي مش فاهمة.
= أمال بعتها ليه؟
كل اللي قدرت أقوله:
= كان لازم.
اتعصبت أكتر.
= إيه اللي كان لازم؟
تمالكت أعصابى وقولت:
= فيه حاجة كان لازم تتحل.
بعصبيتها اللى كنت بحبها :
= إيه هي؟
مكنتش عارف أرد ، نور قربت خطوة.
= عمر، بصلي.
رفعت عيني ، كان واضح إنها مش جاية تتخانق.
كانت جاية تديني فرصة.
= قولي بس حصل إيه ، وأنا هقف جنبك.
الجملة كســ ـرتني أكتر ، لأني كنت عارف إنها لو عرفت، غالبًا كانت هتقف جنبي فعلًا.
بس كان فيه وعد ، وفيه كرامة راجل أنا مقدرتش أدوس عليها.
فقلت أصعب جملة:
= مقدرش أقولك.
فضلت باصة ليا كأنها مستنية أكمل.
= يعني إيه مقدرش؟
= دلوقتي ، مقدرش.
عينها دمعت ، بس معيطتش.
= أنا بعد شهرين هبقى مراتك يا عمر.
بصتلها وقولتلها :
= عارف.
بصت ليا بصة طويلة فيها لوم الدنيا كلها وقالت :
= وإنت بعت البيت اللي هنعيش فيه، وخدت الفلوس، وغيرت حياتنا كلها ، وأنا مليش حتى حق أعرف ليه؟
حاولت أهديها :
= الموضوع مش كده.
مكنتش مستوعبة فسألت :
= أمال إزاي؟
مردتش ، وهنا قالت الجملة اللي فضلت شايلها منها سنين:
= أنا مقدرش أتجوز راجل ممكن ياخد قرار يغير حياتي كلها، وبعدها يقرر لوحده كمان إني مش من حقي أعرف السبب.
حاولت أتكلم، بس وقفتني.
= المشكلة مش إن الشقة اتباعت يا عمر.
وشاورت لنفسها.
= المشكلة إنك بتطلب مني أبقى شريكتك في حياتك ، وإنت مش شايفني شريكتك وقت الأزمة.
خرجت ، وبعد أسبوع رجعتلي الدبلة ، رجعت من ذكرياتى وأنا باصص لنور.
15 سنة عدوا، بس الغريب إن كل واحد فينا لسه فاكر نفس اليوم بطريقة مختلفة.
أنا كنت شايف بنت سابتني أول ما مستقبلي وقع ،وهي كانت شايفة راجل طلب منها تشاركه العمر، لكنه رفض يشاركها الحقيقة.
قولتلها:
= مهما غيرنا الكلام، النتيجة واحدة. أول ما الشقة راحت ، إنتي روحتي معاها.
نور هزت راسها.
= وإنت أول ما أنا مشيت، عملت إيه؟
قولتلها ببرود :
= عملت اللي إنتي طلبتيه.
مكنتش فاهمة فسألت :
= اللى هو ايه؟
بلعت ريقى وقولت :
= سيبتك.
عنيها لمعت وقالت :
= بالظبط.
بصيتلها.
= كنتي مستنية إيه؟
المرة دي اتأخرت في الرد.
= كنت مستنياك تثبتلي إني غلط تيجى تتكلم. تقولي الحقيقة. تعمل أي حاجة غير إنك تختفي.
حسيت أعصابى بقت مشدودة فكملت :
= هو أنا اللى اختفيت؟
بصت ليا بكل تحدى وقالت :
= أيوة.
ضحكت وقولتلها:
= أنا استنيتك شهر كامل يا نور.
وشها اتغير.
= إيه؟
شاورت للترابيزة اللي قاعدين عليها.
= بعد ما رجعتي الدبلة بعتلك رسالة. قولتلك هفضل كل خميس الساعة 7 هنا لمدة شهر. لو جيتي مرة واحدة، هقولك كل حاجة.
نور فضلت باصة ليا.
كملت:
= جيت أربع مرات.
مردتش.
= أول خميس كنت متأكد إنك هتدخلي من الباب.
عينيها بدأت تلمع.
= تاني خميس قولت لسه زعلانة.
سكت لحظة.
= تالت مرة بدأت أفهم.
بصيت ناحية الباب القديم للكافيه.
= ورابع مرة جيت عشان أتأكد إن مفيش حاجة خلاص مستنيها.
نور قالت بصوت واطي:
= أنا مشوفتش الرسالة.
رجعت أبصلها.
= إيه؟
زى ما بقولك مشوفتهاش.
ضحكت بمرارة.
= خلاص يا نور. عدينا الأربعين، مش محتاجين نجمل الماضي.
بس اتعصبت.
= وأنا مش بجمل حاجة! بعد ما رجعتلك الدبلة بكام يوم غيرت رقمي، والموبايل القديم كان مع ماما. لو إنت بعت الرسالة بعد كده، فأنا فعلًا مشوفتهاش.
سكت ، لأول مرة من ساعة قعدت قدامها حسيت إن فيه جزء من الحكاية أنا عمري ما عرفته.
سألتها:
= أمال عرفتي إزاي إني كنت باجي هنا؟
مسحت دمعة صغيرة قبل ما تنزل.
= عرفت بعدين.
بصيت ليها وقولت
= من مين؟
سكتت.
= نور؟
رفعت عينها ليا.
= من أبوك.
الكلمة صدمتنى ،أبويا مـ ـات من 6 سنين.
= قابلتي أبويا؟
هزت راسها.
= بعد ما سيبنا بعض بسنتين تقريبًا.
رجعت ضهرى على الكرسي.
= ليه؟
نور فضلت ساكتة شوية ، وبعدين قالت:
= عشان وقتها كنت عرفت الحقيقة.
= حقيقة إيه؟
بصتلي كأنها مستغربة إني لسه بسأل.
= حقيقة الشقة يا عمر.
حسيت إيدي شدت على فنجان القهوة.
15 سنة وأنا فاكر إن السر ده مـ ـات مع أبويا.
= عرفتي؟
هزت راسها.
= عرفت الفلوس راحت فين.
مقدرتش أسألها غير سؤال واحد:
= مين قالك؟
مكنتش محتاج اسمعها هو أبويا اللى قالها
سكت ،الدنيا حواليّا كملت عادي ،ناس بتتكلم ، ملاعق بتخبط في الفناجين ، عربية ضربت كلاكس في الشارع.
وأنا رجعت في ثانية لليوم اللي بعت فيه كل حاجة كنت أملكها.
نور قربت إيديها من فنجانها، بس ممسكتوش.
= أبوك حكالي كل حاجة يا عمر.
رفعت عيني ليها.
= قالك إيه؟
اترددت لحظة، وبعدين قالت:
= قاللي إنك مبعتش الشقة عشان عليك ديون ، ولا عشان كنت عايز تسيبني.
سكتت.
= إنت بعتها عشانه هو.
نفسي اتقل وكملت:
= لأن لو المبلغ مكنش اتدفع في اليوم ده
بصتلي في عيني.
= أبوك كان هيدخل السجـ ـن.
فضلت ساكت ،بس سؤال واحد بس كان بيلف في دماغي:
إذا كانت نور عرفت الحقيقة من 13 سنة ،ليه مرجعتش؟
