رواية وبينا معاد الفصل الثاني بقلم عيد عزام
فضلت باصص لنور بعد ما قالت الجملة:
= أبوك كان هيدخل السجـ ـن.
15 سنة وأنا شايل السر ده ، السر اللي خسرت بسببه شقتي، وخطيبتي، وكل حاجة كنت فاكر إن حياتي هتبدأ بيها.
وفجأة نور قاعدة قدامي وبتقولي إنها عرفته من 13 سنة.
سألتها:
= عرفتي إزاي؟
فضلت تحرك معلقة القهوة شوية، كأنها بتدور على أول الخيط ،وبعدين رفعت عينيها ليا.
= بعد ما سيبنا بعض بسنتين تقريبًا، كنت راجعة من عند خالتي. وأنا ماشية سمعت حد بينادي عليا.
سكتت لحظة.
= لفيت، لقيت عم صبحي.
الاسم رجعني سنين لورا.
= محاسب أبويا؟
هزت راسها وقالت :
= أيوة ، في الأول معرفتوش، كان كبر شوية. وقف يسألني عن أخباري وعن أهلي، وبعدين سألني عليك.
قربت الفنجان مني من غير ما أشرب.
نور كملت:
= قالي: عمر عامل إيه؟ قولتله معرفش، إحنا سيبنا بعض من سنتين.
ابتسامتها اختفت.
= وشه اتغير يا عمر.
بصتلها وبدون تفكير سالتها قالك إيه؟
بصتلي.
= قالي: "ربنا يعوضه، الواد دفع تمن كبير أوي وقتها."
حسيت أن مش على بعضى الجملة دي شبه عم صبحي فعلًا.
راجل عمره ما عرف يخبي كلمة.
سألتها:
= سألتيه؟
رفعت حاجبها.
= كنت عايزني أسيبه يمشي؟
ابتسمت غصب عني.
= لأ.
كملت نور وقالت :
= وقفته وسألته يقصد إيه ، في الأول لف ودار وقالي موضوع قديم ومينفعش يتفتح ، بس أنا فضلت وراه.
سكتت لحظة.
= لحد ما قالي: "لو عايزة تعرفي الحقيقة، روحي اسألي أبوه بنفسك، أنا مقدرش أتكلم."
بصيت ليها بصة طويلة لثوانى وبصوت عادى قولتلها
=وروحتي؟
ردت من غير تردد:
= سيبت المحاسب وجريت على الورشة.
اتعدلت في قعدتي.
= في نفس اليوم؟
بصت ليا وقالت :
= في نفس الساعة تقريبًا.
نور أخدت نفس طويل.
= أول ما دخلت الورشة، أبوك كان قاعد لوحده. لما شافني واقفة قدامه وشه اتخطف.
تخيلت أبويا في اللحظة دي ، أكيد آخر واحدة كان متوقع تدخل عليه هي نور.
كملت:
= سلم عليا وسألني عن أهلي، وأنا مدتهوش فرصة.
ابتسمت بخفة.
= قولتله على طول: عمر باع الشقة عشانك؟
سألتها:
= رد قال إيه؟
= مردش.
نور قربت بوشها شوية.
= ودي كانت أول إجابة.
سكتت لحظة وكملت:
= قالي: "اللي فات مـ ــات يا بنتي، متفتحيش كلام هيزعلنا كلنا."
= وإنتي؟
= قولتله بالنسبالي مماتش. أنا عايزة أعرف أنا سبت عمر وهو كان بيعمل إيه.
نزلت عيني عن نور ، الجملة وجعتني رغم إن اللي حصل عليها أكتر من عقد.
كملت:
= سألته تاني: عمر باع الشقة عشانك ولا لأ؟
= وبعدين؟
صوتها هدي.
= أبوك قعد على الكرسي، وعيط ، بصراحة صعب عليا وكنت همشى
أستغربت لأن نادرًا ما شوفته بالشكل ده ، حتى اليوم اللي بعت فيه الشقة، كان بيحـ ـارب عشان ميبانش مكسـ ــور قدامي.
نور كملت:
= قالي إن الورشة كانت داخلة في أزمة كبيرة. شغل خسر، وديون اتراكمت، وكان فيه شيكات لازم تتسدد في وقتها.
بصتلي.
= حاول يبيع معدات، يستلف، ياخد مهلة، مفيش حاجة نفعت.
وسكتت لحظة.
= وفي الآخر قالي: "لو عمر مكنش دفع المبلغ، كنت ممكن أدخل السـ ـجن."
معرفتش أرد ، رغم إن دي حكايتي أنا، سماعها من نور كان مختلف.
سألتني:
= عارف أنا سألته إيه وقتها؟
هزيت راسي.
= قولتله: يعني عمر مكانش عليه ديون؟ ولا داخل في
مصــ ـيبة؟ ولا كان عايز يهرب من الجواز؟
ابتسمت بحزن.
= أبوك بصلي وقال: "ولا حاجة من الكلام ده يا بنتي، ابني باع بيته عشان ينقذ أبوه."
نور سكتت ، عينيها كانت ثابتة عليا.
= أنا وقتها عيطت يا عمر.
مردتش ،كملت:
= مش عشان الشقة اتباعت. عيطت عشان افتكرت اليوم اللي جيتلك فيه الورشة. كل سؤال سألتهولك، وكل مرة كنت بتبصلي وتسكت.
نزلت عيني.
= سألته ليه مقولتليش.
خرجت سيجارة من جيب وولعتها وسألتها :
=قالك إيه؟
= قالي: "عشان أنا طلبت منه."
سكتت ، وبعدين كملت:
= قولتله: وهو وافق يخسرني عشان وعدك؟
رفعت عيني ليها.
= رد قال إيه؟
نور ابتسمت بحزن.
= قالي: "عمر مكنش فاكر إنه هيخسرك."
الجملة وقفت بينا ، قالت:
= قولتله يعني إيه؟
نور أخدت نفس طويل.
= قالي: "هو استناكي يا نور."
مسكت فنجان القهوة حسيته هيتكسر فى ايدى وقالت:
= قالك كده؟
من غير ما تبص عليا :
= بالحرف.
نور كانت باصة للترابيزة وإيديها فوق بعضها.
= سألته: استناني فين؟
رفعت عينها ليا.
= ساعتها حكالي عن أن كل خميس هتروح تستنانى
مردتش ، كملت:
= قالي إنك بعد ما رجعتلك الدبلة فضلت فترة تعبان. وبعدين بدأت كل خميس تخرج قبل سبعة وترجع متأخر.
ابتسمت بوجع.
= أول خميس رجعت ساكت. التاني كنت عصبي. التالت دخلت أوضتك وقفلت على نفسك.
وبعدين سكتت ، أنا كملت:
= والرابع؟
= قالي رجعت عادي جدًا.
ضحكت من غير ما يكون فيه حاجة تضحك.
= عشان كنت خلاص فهمت.
نور هزت راسها.
= وأنا مكنتش أعرف.
صوتها اتهز لأول مرة.
= والله ما كنت أعرف يا عمر.
بصيتلها.
= الرسالة وصلتك.
= وصلت على الرقم القديم. أنا كنت غيرته بعدها بأيام، والموبايل كان مع ماما فترة.
سكتت.
= معرفتش بالرسالة غير وأنا قاعدة قدام أبوك بعد سنتين.
فضلنا ثواني من غير كلام ، أنا كنت عايش سنتين مقتنع إنها شافت رسالتي واختارت متجيش ، وهي كانت عايشة نفس السنتين مقتنعة إني قبلت الدبلة ومشيت من غير حتى ما أحاول.
سألتها:
= ولما عرفتي كل ده، عملتي إيه؟
نزلت عينها.
= عيطت.
ابتسمت غصب عني.
= بس؟
رفعت عينيها ليا.
= لأ يا عمر.
سكتت لحظة.
= رجعتلك.
الابتسامة راحت من وشي.
= إيه؟
قالت نفس الكلام
= رجعتلك في نفس اليوم.
من الصدمة مكنتش لاقى رد .
=يعنى ايه رجعتيلى مش فاهم؟!
بصتلى المرة دى فى عينى وقالت :
= خرجت من عند أبوك وركبت تاكسي على الشركة اللى شغال فيها .
فضلت باصصلها.
= طب أنا مشوفتكيش.
ابتسمت بحزن.
= عشان أنا شوفتك الأول.
قلبي دق أسرع كأن معداش الوقت ده كله ، نور كملت:
= وصلت الشركة وسألت عليك. موظف الاستقبال قالي إنك نازل حالًا. خرجت وقفت الناحية التانية من الشارع.
سكتت.
= وبعد شوية شوفتك.
أنا عرفت باقي الحكاية قبل ما تقولها.
= كنت معاها؟
هزت راسها.
= أيوة مع داليا
في الوقت ده أنا وداليا مكنّاش اتخطبنا رسمي، بس الموضوع مكنش مجرد زمالة ، كنا بنتعرف على بعض بشكل جدي.
أهلنا كانوا عارفين ،والخطوبة فعلًا كانت قربت.
نور كملت:
= شوفتك خارج معاها، وكانت ست كبيرة مستنياكم في العربية.
= أم داليا.
= عرفت بعدين.
بصيتلها.
= إزاي؟
= سألت البواب.
ابتسمت بخفة.
= أنا كنت راجعة أصلح حياتي يا عمر، مش هقف أتفرج وأمشي من غير ما أفهم.
لأول مرة حسيت إني شايف المشهد بعينيها ،هي جاية بعد سنتين ، عرفت إني كنت مظلوم ،وعرفت إني استنيتها وراحت تدور عليا، فلقتني واقف مع واحدة تانية وأمها.
نور كملت:
= سألت البواب مين البنت اللي مع أستاذ عمر.
= قالك إيه؟
= قالي الآنسة داليا، وإن الناس في الشركة بيقولوا إن خطوبتكم قربت.
سكت ، نور مكانتش شافتني مع بنت وخمنت ، كانت عرفت إني فعلًا بدأت حياة جديدة.
سألتها:
= ومشيتي؟
= لأ.
استغربت.
= لأ؟
= فضلت واقفة لحد ما ركبتوا العربية ومشيتوا.
بصتلي.
= بعدها مشيت أنا.
= ليه مكلمتنيش؟
ضحكت بمرارة.
= وأقولك إيه؟
= أي حاجة يا نور.
= أقولك أنا عرفت الحقيقة؟ إني ندمانة؟ إني رجعت؟
= أيوة.
صوتي علي من غير ما أحس ، كام حد بص ناحيتنا.
وطيت صوتي.
= كان من حقي أعرف.
نور فضلت باصة ليا ثواني ، وبعدين سألت:
= وحق داليا؟
مردتش ، كملت:
= أنا كنت مختفية من حياتك سنتين يا عمر. وإنت بدأت من جديد مع واحدة ملهاش ذنب في اللي حصل بينا.
طفيت السيجارة وبصيت ليها وقولت :
= إحنا وقتها مكنّاش اتخطبنا رسمي.
هزت راسها.
= وأنا أعرف منين ! وبعدين حتى لو كنت عرفت، كنت عايزني أعمل إيه؟
قربت شوية.
= أدخل أقولها معلش، أنا وصلت متأخرة بس ده كان خطيبي الأول؟
قولتلها من غير ما أفكر :
= كان ممكن تكلميني أنا.
من غير تردد :
= وكان هيحصل إيه؟
مردتش ، نور جاوبت:
= يا إما كنت هتكمل معاها، وساعتها كنت هتوجعني للمرة التانية ، يا إما كنت هتسيبها عشاني، وساعتها واحدة ملهاش ذنب كانت هتدفع تمن غلطتنا إحنا.
وبهدوء قالت:
= فمشيت.
فضلنا ساكتين فترة ، الغريب إن بعد 15 سنة، الحكاية اللي كنت حافظها بدأت تتغير قدامي.
أنا غلطت لما خبيت عنها ،هي غلطت لما مشت ، وبعدها أنا استنيتها تيجي، وهي كانت مستنية مني أروح ، كل واحد فينا كان شايف نص الصورة، ومقتنع إن التاني هو اللي اختار النهاية.
بدأت أفهم إن محدش فينا كان بريء تمامًا، ومحدش فينا كان وحش.
سألتها:
= داليا بقت مراتي بعدها.
ابتسمت.
= عارفة.
= وخلفنا سيف.
= ربنا يخليهولك.
= وبعد عشر سنين اتطلقنا.
هزت راسها.
= عارفة برضه.
ضحكت.
= إنتي متابعة أخباري ولا إيه؟
ابتسمت.
= الأخبار بتوصل يا عمر، متفرحش أوي.
ضحكت ، وبعدين سألتني:
= كنت بتحب داليا؟
السؤال فاجئني ، بس المرة دي مكنتش عايز أخبي حاجة.
= أيوة.
نور ملامحها متغيرتش ، كملت:
= حبيتها. وعشنا سنين كويسة وسنين وحشة، وبعدها وصلنا لنقطة إن استمرارنا كان هيظلمنا إحنا الاتنين.
هزت راسها.
= كويس.
استغربت.
= إيه اللي كويس؟
ابتسمت.
= كنت هزعل لو عرفت إنك عشت عشر سنين مع واحدة وإنت مستنيني أنا.
الجملة ريحتني ، لأنها أكدتلي إننا مش قاعدين نحاول نمسح الـ15 سنة اللي فاتوا.
أنا عشت ،وهي عاشت ، وكل واحد فينا بقى شخص غير اللي التاني كان يعرفه ، يمكن لأول مرة من ساعة قعدنا، بدأت أشوف نور اللي قدامي، مش نور اللي عاشت 15 سنة في دماغي.
الوقت عدى من غير ما نحس ، نور بصت في الساعة.
= لازم أمشي.
قومت معاها ،بس قبل ما نتحرك، بصيت للترابيزة ، افتكرت أول كلمة قالتها لما شافتني:
اتأخرت.
سألتها:
= نور، إنتي قولتي إنك لسه بتيجي هنا ساعات.
قالتلى:
= أيوة.
سألتها:
= ليه؟
ابتسمت.
= بحب المكان.
فضلت باصصلها ، ضحكت.
= متبصليش كده.
أبتسمت غصب عنى وقولت :
= أنا عرفتك قبل ما تتعلمي تكدبي كويس.
ابتسامتها هديت ، رجعت تبص للترابيزة.
= بعد ما أبوك حكالي عن الأربع خميسات، فضلت فترة طويلة مش قادرة أعدي من هنا.
سكتت.
= وبعدها بسنة،جيت لوحدى معرفش ليه ، يمكن كنت عايزة أشوف المكان اللي استنيتني فيه وأنا معرفش.
وبعدين كملت:
= بعدها بقيت أعدي مرة كل سنة تقريبًا.
بدأت أربط الكلام ، بصيت في الساعة ، وبعدين بصيتلها.
= النهارده الخميس.
ابتسمت.
= أيوة.
بصيت فى الساعة:
= ونفس الساعة تقريبًا.
عقلى نطق السؤال المنطقى الوحيد :
= يعني وجودك هنا النهارده مكانش صدفة؟
هزت راسها بالنفي ، بصيت حواليّا ،نفس المكان ،نفس الترابيزة ،نفس اليوم.
سألتها:
= كنتي مستنية حد؟
قالت :
= لأ.
بصيت ليه وانا لسه مبتسم :
= أمال بتيجي ليه؟
فكرت قبل ما ترد.
= يمكن كل سنة كنت باجي أسأل نفسي نفس السؤال ، لو كنت شوفت الرسالة وجيت في معادي، كان زمان حياتنا عاملة إزاي؟
مردتش ،مفيش حد فينا يقدر يعرف ،نور ابتسمت.
= بس السنة دي حصلت حاجة عمرها ما حصلت قبل كده.
ثبتت عينيها عليا وخدت نفس طويل وقالت :
= إنت جيت.
خرجنا من الكافيه ووصلتها لحد عربيتها ، وقفت تفتح الباب.
وأنا كنت عارف إن أسهل حاجة أعملها إني أقول لها نرجع.
بس إحنا هنرجع لإيه ، أنا معرفش نور اللي قدامي كفاية.
وهي متعرفش عمر اللي بقيته ، 15 سنة مش يومين خصام.
فقلت:
= الخميس الجاي؟
لفتلي.
= ماله؟
بصيت على الكافية وقولت :
= الساعة سبعة.
ضحكت وقالت :
= إنت لسه عندك مشكلة مع الخميس؟
قولتلها:
= عندي أربع خميسات عايز أمسح سمعتهم.
ضحكت ، وبعدين سألت:
= وإحنا هنقابل بعض بصفتنا إيه؟
فكرت لحظة.
= ولا حاجة.
عقدت حواجبها.
= ولا حاجة؟
= اتنين كانوا يعرفوا بعض من زمان، وعايزين يعرفوا هما بقوا مين دلوقتي.
ابتسامتها هديت ، كملت:
= من غير وعود. ومن غير ما نقرر من دلوقتي إن الماضي لازم يرجع.
فضلت باصة ليا لحظة ، وبعدين سألت:
= الساعة سبعة؟
ابتسمت.
= الساعة سبعة.
ركبت العربية ، وقبل ما تقفل الباب، بصتلي.
= متتأخرش.
ضحكت.
= مش هتأخر.
قفلت الباب وتحركت ، فضلت واقف مكاني لحد ما عربيتها اختفت وسط الشارع ،ولأول مرة من ساعة شوفت نور، مكنتش بفكر في المعاد اللي فات ، ولا في الأربع خميسات اللي استنيتها فيهم ، كان كفاية إن الخميس الجاي، بينا معاد.
