رواية درة الجبالي الفصل الاول
"لمي خلاجاتك يا بت الناس، السبوع خلص، ومهرك اللي يغني أهلك لآخر عمرهم وصلهم دلوك لحد باب الدار."
الكلام خرج متلج، قاطع، مفيش فيه ريحة الرحمة من بين شفايف "عزيز الجبالي"، عمدة البلد وكبيرها. كان واقف في بلكونة سرايته الفخمة اللي باصة على وسع الأراضي والغيطان في بلد من بلاد قنا العريقة، لابس جلابيته الصعيدي الغالية من الصوف الإنجليزي، والعباية اللي مدياه هيبة وتقّل ولا كأنه راجل عدى الخمسين وهو لسه ابن تلاتين سنة. بينفخ دخان السيجار الكوبي بتاعه ببرود، وفي ضهره واقفة عروسته اللي مكملتش أسبوع في بيته، بتعيط ومنهارة من القهر.
"يا عمدة.. أبوس يدك، أنا عملت إيه عشيات عشان تطلجني؟ أنا فكرت إني هعمر السرايا دي وهنسيك كل البنته اللي جابلي!" صرخت البنت بدموع تحرق الحجر، وهي متبتة في طرف عبايته.
عزيز شد عبايته من إيدها بنترة خفيفة، وبص وراه بعينين الصقر اللي وارثها عن أبوه، عينين مفيهاش رحمة لو جت عند كبريائه:
"إنتي خابرة زِيْن إن الجوازة دي مدتها سبوع واحد يا شادية، أبوكي جابض التمن، وإنتي خدتي دهبك وحالك. مفيش مرة دخلت السرايا دي وعتبتها بعد السبوع.. أنا بشتري متعتي بفلوسي، وعزيز الجبالي ما بينضحكش عليه بكلمتين عياط. يلا، رضوان الغفير مستنيكي تحت عشان يوصلك لداركم."
سابها عزيز تندب حظها ودخل جوة بخطوات مالية مكانها، فقابلته أمه "الحاجة زينب" بوش مفروس ومضايق:
"لحد ميتي يا عزيز؟ لحد ميتي هتفضل على الحال ديه؟ كل سبوع بكرية شكل، تدفع فيها ألوفات مؤلفة، وتكسر جلبها وترميها لأهلها؟ السرايا دي بتصرخ من السكوت، محتاجة ضحكة عيل، محتاجة ست زينة تعمرها."
قرب عزيز من أمه وباس إيدها وراسها بحنية متتصدقش بعد القسوة اللي لسه موريها لشادية، وقال وهو بيضحك بتهكم:
"يا أمة، متعة الدنيا في التجديد، والنسوان إهنه في البلد كلهم طمعانين في فلوس وعز الجبالي، مفيش واحدة فيهم تستاهل تشيل اسمي وتجيبلي وريث. أنا واخد العمدية والمال، وواخد من أبوي الله يرحمه مزاجه العالي. ريحي بالك إنتي بس، وادعيلي."
الأم اتنهدت بقلة حيلة من ابنها اللي بقى نسخة كربون من أبوه في جبروته ونسوَنته، لأ وده فاق عليه كمان ببدعته الجديدة: يتجوز البنت العذراء سبع تيام بالتمام والكمال، وبعدها يرمي عليها يمين الطلاق مع مهر يغرقها فلوس.
على الناحية التانية من البلد، في البيوت البسيطة اللي مليانة دفى وطيبة أهل الصعيد، كانت قاعدة "درة". اسم على مسمى؛ درة وجوهرة غالية، ملامحها مصرية أصيلة تخطف العين، عيونها واسعة كحلية تسحر، وبشرتها خمرية رايقة، بس الحزن كان راسم خطوطه حوالين عينيها. كانت لابسة العباية السودة اللي مش قالعاها، وفي إيدها شال قديم مقرباه من مناخيرها بتشم ريحة غابت ومش راجعة.
"هتفضلي دافنة روحك بالحيا إكده يا درة؟"
قالتها أمها "فاطمة" بحرقة وهي بتحط إيدها على كتف بنتها. "يا بتي، صالح مات بقاله سنة، الله يرحمه ويغفر له. نصيبكم تعيشوا سوا ست شهور بس، المكتوب مفيش منه مهرب، لكن إنتي لساتك صغيرة، والحياة قدامك."
درة رفعت عينيها المليانة دموع، بس صوتها كان طالع فيه إصرار يكسر الصخر:
"صالح مامتش يا أمة.. صالح عايش إهنه.." شاورت على قلبها، وكملت بصوت مكسور: "الست شهور اللي عشتهم في حضن ابن عمي، يسووا عمري كله جابله وبعده. كان حنين، كان سندي، والزين كله راح معاه. جفلي على السيرة دي يا أمة، أنا درة صالح، وهفضل أرملته لحد ما أروحله."
مسحت دموعها بكف إيدها وقامت وقفت بصلابة رغم كل الوجع: "أنا هروح الغيط أطل على الأنفار اللي بيجمعوا المحصول، وأشوف حسابهم."
"يا بتي الشمس حامية، وأنتي مكلتيش لقمة من الصبح!"
"مفيش حاجة هتحصلي يا أمة، سيبيني أشم هوا ربنا يمكن صدري يوسع شوية."
خرجت درة بخطوات هادية، لافة شالها الأسود على راسها، وخصلات شعرها الفحمية طالعة من تحت الطرحة على جبينها. كانت ماشية في سكك الغيطان، بتشم ريحة الطين والزرع الأخضر على شط النيل في "إسنا"، وسرحانة في ذكريات حبها اللي اندبح غدر بحكم القدر.
في اللحظة دي، كان عزيز الجبالي بيلف في أراضيه وهو راكب حصانه العربي الأصيل "ليل"، أسود وطويل وفارع زي صاحبه بالظبط. كان حاسس بزهق غريب مالي صدره، ورغم إنه لسه مخلص جوازة الأسبوع، إلا إن الفراغ كان بيطارده. سايق الحصان بسرعة جنونية كأنه بيفرغ غضبه في الهوا، والتراب بيعفر وراه.
عند ملف ضيق بين الغيطان، كانت درة بتعدي السكة. مسمعتش صوت الحوافر في الأول من كتر ما هي سارحة، ولما لفت وشها، لقت الحصان الأسود الضخم داخل عليها زي القطر.
في ثانية تحبس الأنفاس، عزيز شد اللجام بكل عزم عنده لورا. الحصان صهل بصوت عالي ووقف على رجليه اللي ورا وكاد يوقع عزيز من فوقيه، ووقف بالعافية على بُعد كام خطوة صغيرة من درة.
الكلاب قعدت تهوهو في كل حتة، والتراب ملى الجو لثواني قبل ما يهدى.
عزيز افتكر إن البنت اللي كانت هتداس هتقعد تصرخ، أو ترتعش من الخوف، أو تعيط وتطلب السماح زي أي حد بيقف في طريق عمدة الجبالية. بس لما نزل عينه لتحت، الدم نشف في عروقه.
درة كانت واقفة وقفة هيبة متتوصفش، ضهرها مفرود، إيديها مضمومة جنبها، وعينيها.. يا نهار أبيض على العيون! بتبصله بغضب يطير الشرر، حتة كبرياء صعيدي أصيل بتتحدى عجهيته من فوق لتحت، ومن غير ذرة خوف واحدة. حتى رمشها مترمش، بل كانت متبتة نظرتها فيه بطريقة خلت قلبه — اللي عمره ما دق لواحدة — يدق دقة جامدة مش لاقيلها تفسير.
"إنتي اتجننتي يا حُرمة؟! عايزة تموتي تحت حوافر الخيل؟ وسعي من السكة!" عزيز صرخ بصوت جهوري يرعب أجدع شنب في البلد، بيحاول يرجع هيبته اللي اتهزت من نظرتها.
درة منزلتش راسها سنتي، بالعكس، رفعت دقنها لفوق وردت بصوت قوي ولا فيه هزة ولا خوف:
"السكة دي للكل، حجة ربنا، مش ورثتها في شيكارتك مع العمدية يا عزيز بيه.. خيلك هو اللي يوسع، مش أنا اللي أرجع خطوة لورا."
عزيز فتح عينه على وسعها من الصدمة. مفيش مخلوق أصلاً يجرؤ يكلمه بالطريقة دي، فما بالك بست! ضيق عينه وبص لملامحها بتركيز. كانت حلوة حلاوة تسحر، جمال طبيعي مفيهوش ريحة البودرة والزواق بتاع حريمه، العباية السودة مظبوطة عليها، بس اللي شده بجد كانت الشراسة والقوة اللي طالعة من وشها.
ابتسم ببرود يفرس، ومال عليها شوية من فوق ضهر الحصان:
"إنتي شكلك متعرفيش إنتي بتكلمي مين يا بت الناس. أنا عزيز الجبالي، بكلمة مني أمحيكي إنتي وعيلتك من البلد دي كلها."
درة ابتسمت بسخرية توجع، ونظرة احتقار رمتها في وشه زي الخنجر:
"خابرة زين أنا بكلم مين.. بكلم العمدة اللي فاكر إن الفلوس والسلطة بيشتروا رقاب الناس وعرضهم. الكبير كبير بأخلاقه يا عمدة، مش بدوسه على خلق الله وبظلمه لبنات الناس. عن إذنك.. طريقي قدامي ومحدش يقدر يوقفه."
لفت وشها وكملت طريقها بخطوة ثابتة ومش مهزوزة، كأنها مسابتش وراها راجل دمه بيغلي من الغيظ والانبهار في نفس الوقت. عزيز فضل باصص على خيالها وهو بيبعد، حاسس كأنها شدت حتة من روحه معاها وهي ماشية. كبريائه اتجرح، وغروره أخد قلم معتبر، بس رجولته ولعت برغبة غريبة عمره ما حسها.
"يا عمدة.. يا عمدة!"
جه صوت "رضوان" الغفير من وراه وهو بينهج بعد ما كان بيجري ورا سيده. "حصول حاجة يا بيه؟ الخيل كان هايج ليه؟"
عزيز مالتفتش لرضوان، فضل مبحلق في السكة اللي اختفت فيها درة، وسأله بصوت واطي بس يخوف:
"مين دي يا رضوان؟ مين المرة اللي لابسة أسود في أسود، وعينيها بتطج شرار دي؟"
رضوان بص على السكة وبلع ريقه برعب:
"يا مري! إنت بتتكلم مع دي يا عمدة؟ دي درة... درة بنت الحاج محمود، وأرملة صالح ابن عمها. جوزها مات من سنة، ومن ساعتها مخلعتش الأسود، ولا رفعت عينها في راجل. دي حتة جمرة نار ماشية على الأرض، عيلة حالفة ما تتجوز بعد جوزها واصل."
"أرملة؟!"
عزيز همس بيها وكأنه بيدوق طعم الكلمة. الكلمة دي لوحدها بتكسر أهم قانون عنده: "الجواز من البنات البكاري بس". بس صورتها وعينيها اللي بتولع غضب وكبريائها اللي في السما، خلوا كل قوانينه تقع وتتهد قدام سحرها. مكنتش مجرد ست، دي كانت قلعة حجر متحصنة، وهو مزاجه وهوايته يهد القلاع دي.
عزيز لف لرضوان، وابتسامة مكر وغرور وتحدي اترسمت على وشه:
"أرملة.. تصدق بالله يا رضوان؟ أنا عمري ما طمعت في حاجة حد لمسها قبلي.. بس درة دي، غير كل الحريم. عينيها فيها كبرياء محتاج يتكسر على يدي. دي اللي هتبجى بكرية جلبي."
رضوان وشه اصفر وقعد يتلجلج: "يا عمدة، بس دي أرملة، وحلفت ما تتجوز، وإنت عادتك تتجوز البكارى بس، وتطلج في سبوع! عيلة درة مش هيوافجوا واصل."
عزيز شد على لجام حصانه بقوة، وقال بصوت صارم قفل بيه أي كلام:
"عزيز الجبالي هو اللي بيحط العادات، وهو اللي بيكسرها بمداسه وقت ما يعوز. روح دلوك، جهزلي كبارات البلد.. أنا رايح الليلة أطلب يد الأرملة، وهتكون في سرايتي قبل ما الشمس تطلع."
في الليلة دي، مكنش نور القمر هو بس اللي منور سما البلد، دي نيران التحدي كانت ولعت خلاص. درة اللي روحت بيتها وقلبها شايط من الغيظ من الراجل المغرور ده، مكنتش تعرف إن العمدة حط عينه عليها وناوي يخليها ضحيته الجاية.. بس يا ترى، هل درة هتبقى مجرد اسم جديد في دفتر جوازاته السريعة، ولا هي اللي هتكون السيف اللي يكسر مناخيره ويجبره يركع قدام حصونها؟
