رواية جدران بلا مأوى الفصل الأول بقلم مريم وليد
- أنتَ بتطردني من البيت!
- آه غوري في داهية.. أخرجي برا
- علشانها؟
- أنتِ عايزة تخربي بيتي زي ما خربتي بيت أمك يا بنت الكلب..
زقني برا باب الشقة، وقعت على السلم رمالي شنطة هدومي وقفل الباب، كُنت باصة للباب بصدمة وبحاول أقدر اتنفس بشكل مناسب.
- حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل.
كُنت واقفة قدام باب بيتها.. بقدم رجل وبأخر التانية، ضربت جرس الباب وأخدت خطوتين ورا كنت حاطة راسي في الأرض وبحاول أداري دموعي.
- مريم، بنتي حبيبتي.. تعالي يا قلب أمك
قربت علشان تحضني فبعدت عنها، مسكت شنطتي في إيدي وكملت:
- عايزة أقعد عندك يومين علشان أبويا طردني، يومين أشوفلي مكان أقعد فيه وهمشي.
شدت مني شنطتي وكملت بسعادة:
- أدخلي طبعًا يا حبيبتي أدخلي نورتي..
دخلت من باب الشقة، فلقيت أخواتي من أمي بيلعبوا.. الدنيا دوشة، مكركبة شويه نتيجة للعبهم، وجوز أمي قاعد في الصالة بيتفرج على التليفزيون.. أول ما شافني أتعدل وقفل صوت التليفزيون وكمل بترحيب:
- اهلًا اهلًا، تعالي يا حبيبتي نورتي..
- شكرًا
ماما قاطعتني وكملت بحماس:
- مريم هتقعد معانا
كملت وأنا بلحق نفسي:
- يومين وهمشي، مش هطول ولا هتقل على حد.. ومش محتاجة حاجة، وأول ما الاقي شغل هحاسبك
جوزها بصلها ورفع حاجبه، بعدين ابتسَـم بوِّد:
- أنتِ في بيتك يا حبيبتي مفيش الكلام ده، ومفيش يومين.. أقعدي مع مامتك قد ما تحبي
كمل وهو بيكلم بناته:
- سيلين سليم، سيبوا لاختكم الاوضة وهاتوا حاجة نومكم هنا علشان لو هتريح متصحوهاش
قاطعته بسرعة:
- لأ لأ، خليهم يناموا معايا عادي ميسيبوش اوضتهم
سيلين جريت مسكت فيا:
- أنا هنام جنب أبلة مريم..
كانت واصلة لوسطي، حضنتني فابتسَـمت غصب عني وشاورت لهم بموافقة:
- سيلين تنام جنبي، وسليم في السرير التاني.
ماما كملت بإيجاب وهي بتكلم سيلين:
- يلا يا سيلين وري أختك سريرك وخليها تحط هدومها في الدولاب
شاورتلي على الحمام:
- أدخلي خدي دش على ما أحضر الغدا وبعدين نامي
حركت راسي بنفي:
- عايزة أنام..
حركت راسها بماشي، فسيلين شدتني للأوضة، شاورتلي على سريري وعلى الدولاب وخرجت.. رميت نفسي على السرير وفضلت باصة للسقف، كان نفسي أعيط بس دي رفاهية فقدتها من يوم ما أمي أتجوزت وأبويا خدني عند مراته، اللي طلبتني علشان أكون الخدامة اللي أبويا مش هيدفعلها فلوس، ومع رفضي الدايم وعندي المستمر شافت إن الحل المناسب إنها تقل من كرامتي.. ولما مقدرتش تعمل ده قومت أبويا عليا لحد ما طردني، الحقيقة مكانتش أول مرة.. كل خناقة بيننا بيطردني، كل مرة بيذلني باللقمة، وكل مرة بيتفنن في طرق ضربي، أوقات كتير بستغرب ليه كان حظي من الدنيا أب قاسي، أب فاقد للأهلية، ياترى تمنّي الموت للأب في الحالة دي عقوق! طيب واللي بيعمله فيا عقابه إيه في الدنيا؟
دموعي نزلت على خدي فمسحتها، قُمت وقفت قدام المرايا وقلعت الطرحة والبلوزة، بصيت على مكان الكدمات اللي في جسمي وحطيت إيدي عليهم كأنِّي بخفف من وجعهم.. الحقيقة إن الوجع مش مؤلم على قد احساسي وقت ما كنت باخد العلقة، صعبة الدنيا دي مع أب من النوع ده.. أتمنى أشوف فيه آية تخليني أحس إني كويسة.
- نمتي يا حبيبتي؟
كنت غيرت هدومي وقعدت على السرير، خبطت وأتكلمت من ورا البيت فكملت:
- لسه..
فتحت الباب ودخلت قعدت جنبي:
- حصل إيه عملك إيه..
- معملش حاجة
كملت وهي بتمسك إيدي:
- أنتِ بتكرهيني يا مريم
بصيت لَها ثواني ومردتش، أنا معنديش رد.. أنا مبكرههاش، بس مش عارفة أسامحها مش مشيلاها الذنب بس لو هي مكانتش أتجوزت عمري ما كنت هعيش معاه ومع مراته، أنا زعلانة منها بس مش بكرهها وده حقي.
- عايزة أنام، بعد إذنك أقفلي الباب
- طيب أخرجي كلي معانا
شديت الغطا وكملت بأعتراض:
- مش جعانة محتاجة أنام..
كملت بأصرار وهي بتشد الغطا:
- هتاكلي، وقت الغدا كلنا بنتجمع وناكل سوا
أتنفست بزهق وعصبية فكملت بأصرار:
- يلا يا مريم.
قمت بعصبية وأنا بتأفأف، فكملت وهي خارجة:
- حطي عليكِ طرحة
- أكيد مش هخرج بشعري وجوزك برا يعني..
بصتلي بعد آخر جملة وكملت:
- لأ لسبب تاني
خرجت وسابت الأوضة، دورت على حاجة ألبسها غير البيچامة ملقتش، كنت عايزة أناديها بس حاسة إن صوتي حد ماسكه، وحاسة إني مش عارفة أقولها يا ماما، لمحت سيلين فبسبستلها:
- بِس بِس سيلين..
قربت لي فكملت وأنا بنزل لمستواها:
- عندك كام سنة؟
- أنا 6 ونص، وسليم 6 ونص.. أحنا الاتنين توينز وأنتِ 20 ماما قالتلي
ابتسَـمت غصب عنّي وكملت:
- طيب تعرفي تقولي لماما كلمي مريم؟
حركت راسها بماشي وجريت قبل ما أكمل، راحت بسرعة ودقايق ولقيت ماما جت، كملت بهدوء:
- عايزة حاجة ينفع ألبسها، جلابية.. خمار.. أي حاجة
ابتسَـمت وكملت بحماس:
- كان فيه جلبية جبتها وطلعت صغيرة قلت اسيبها لمريم لما تيجي، هجيبهالك تلبسيها
مدتش ردة فعل، خرجت تجيبها وجت في ثواني، أخدتها وقفلت الباب، كان شكلها كيوت.. بس تو ماتش ألوان بجد، لبستها ولبست عليها طرحة من عندي وخرجت.
- تعالي يا مريومة نورتي..
رفعت حاجبي بأستغراب لما لمحت واحد غريب، جوز ماما عمو سلامة كمل وهو بيشد كرسي:
- تعالي يا حبيبتي أعرفك.. أدهم ابني، الباشمهندس أدهم
الباشمهندس آه قلت ليّ، ما كان ممكن نقف عند أدهم ابني إيه لازمتها الباشمهندز يعني!
- اهلًا ازيك، هتعيشي معانا؟
رفَعت حاجبي بأستغراب:
- أنت عايش هنا؟
حرك راسه بنفي:
- لأ اوضتي برا، تبع الشقة بس برا
حركت راسي بإيجاب وكملت وأنا بقعد:
- يومين وهمشي
باباه كمل بمقاطعة:
- مريم هتعيش معانا إن شاء الله..
مكنش عندي طاقة أتناقش، ماما كملت وهي بتملى طبقي كل شويه:
- كلي يا قلب أمك
كانت عماله بتحط أكل في الطبق، وهو باصص لي كأنه مراقبني، مكنتش عارفة أكل من نظراته.. سيبت المعلقة وكملت بإنفعال:
- هو فيه إيه!
رفَع حاجبه وكمل:
- أنا كلمتك؟
- باصصلي كده ليه خدتني كام صورة!
كمل بعصبية بسيطة:
- من جمالك يعني؟
باباه كمل بتحذير:
- أدهم!
ماما مسكت إيدي وكملت:
- أهدي يا بنتي
- مبشدش في شعري، قلتلك مش عايزة أكل مع حد.. مش جعانة
عمو سلامة كمل وهو بيحاول يهدي الدنيا:
- يا بنتي وحدي الله بس، مش مستاهلة.
- لا إله إلا الله..
سيبت الأكل وقومت، غسلت إيدي مكان ما سيلين ورتني ودخلت الأوضة، كان فيه بلكونة صغيرة في الاوضة دخلتها.. كان شكلها حلو، فيها زرع، فيها حياة.
- هو أنتِ وأبيه أدهم بتكرهوا بعض؟
اتخضيت من الصوت، بصيت ورايا فكانت سيلين وسليم واقف جنبها مُترقب الاجابة:
- لأ يا حبيبتي هو أنا أعرف أبيه أدهم اصلًا علشان اكرهه؟
بصت بعدم معرفة، فابتسَـمت وكملت:
- الناس الكبيرة بيبقى بينها مشاكل زي دي أوقات، بس مش بنكره بعض لأ..
سليم قاطعها وكمل:
- أنا وسيلين بنتخانق كتير على الالعاب، ماما بتقولنا احضنوا بعض واتصالحوا، خلاص اخلي أبيه أدهم يجي يحضنك وتتصالحوا
بصيت لُه بصدمة وخدت نفسي وكملت:
- علشان أنتَ وسيلين أخوات، أنا وأبيه أدهم مينفعش نتصالح كده..
- طيب ما أبيه أدهم اخويا الكبير، وأنتِ أختي الكبيرة تبقوا أخوات..
خدت نفس عميق وكملت وأنا بمسك ايد الاتنين وبخرج بيهم برا البلكونة، قعدت على السرير وقعدتهم قدامي:
- أبيه أدهم أخوكم من عمو سلامة.. باباكم يعني، أنا أختكم من ماما، أحنا الاتنين أخواتكم، بس أحنا الاتنين مش أخوات.. فهمتوا!
بصولي شويه بتفكير، بعدين سمعت صوت خطوات.. حمحم وهو بيخبط على الباب:
- ممكن أدخل
بصيت لُه ورجعت بصيت قدامي، دخل وقعد جنبهم وكمل:
- مفيش حاجة بيننا أنا وأبله مريم يا حبايبي، عادي مشاكل فلاحين..
بصيت لُه بتحذير فكمل:
- قصدي مشاكل كبار، وأخوات..
ربعت إيدي وكملت بأعتراض:
- أنتَ مش أخويا
كمل وهو بيبتسِـم بغلاسة:
- فعلًا ميشرفنيش أبقى أخوكِ..
قمت وقفت وكملت:
- أنتَ بني آدم غلس، أخرج برا
- أنا في اوضة سيلين وسليم
سيلين جت مسكت إيدي وكملت:
- وأوضة أبلة مريم..
سليم وقف جنبه وربع إيده ورفع حاجبه زيي وكمل بأعتراض:
- وأبيه أدهم داخل يقعد معايا
كنا بنبص لبعض كأن الفاصل بين إننا نموت بعض ثواني، ماما لحقتنا على آخر لحظة ودخلت وقفت في النص وكملت بجمود:
- سيلين سليم برا عند بابا يلا..
سيلين كانت هتعترض فبصتلها سكتت.. ابتسَـمت بزعل ونزلت راسي الأرض، زمان أنا كمان كنت بعمل زي سيلين، لما بيتزعقلي بنزل راسي الأرض وبخرج.. من بصة، من أول كلمة، قبل ما تتخلى عني علشان تتجوز.
- أنتوا الاتنين مش مضطرين تتقبلوا بعض، بس برضوا مش مقبول تقفوا لبعض وتخلوا الولاد في النص مش عارفين ياخدوا صف مين في أخواتهم، أنتوا متفرقوش لبعض في حاجة، بس أخواتكم يفرقولكم..
كملت بأعتراض:
- أخواته هو، أنا معنديش أخوات.. لا عيالك ولا عياله، ولو بعامل سيلين وسليم كويس فده رد جميل للراجل اللي مقعدني في بيته ده مش أكتر، إنما أنتِ ملكيش عندي حاجة.. متوقفينيش قدامك علشان تحاكميني دلوقتِ بعد إذنك، متفتكريش إنك أم دلوقتِ..
خَدت نفس وبصت لأدهم فحرك راسه وخرج برا الأوضة وقفل الباب، وقفت قدامي بصرامة:
- لأ، أنا أمك وهم أخواتك.. وأنا هفرقلك وأخواتك هيفرقولك وبطلي تحاسبيني على غلطات أبوكي هو خدك مني غصب عني أعمل إيه طيب!
كملت بزعل وهي بتقعد على السرير:
- أعمل إيه! حبيت الراجل الوحيد اللي حسسني إني ست، أبوكي عمره ما حسسني إني ست، ولا إني استاهل.. جربت أدي نفسي فرصة، كان نفسي أبقى مع واحد بيحبني وسلامة بيحبني، حاولت كتير أخدك منه يا مريم كتير أوي بس كان بياخدك ويمشي.. أنا بتعاقب ليه على غلطاته لحد دلوقتِ..
مكنتش قادرة أتعاطف معاها، الحكايات لما بتتحكي بتقدر تتعاطف معاها، لما تتفرج على فيلم غير لما تعيش القصة.. أنا عيشت القصة، أتوجعت.. نمت أيام منغير أكل، أيام تانية نمت عيانة وملقتش حد يداويني، ياما أتضربت وجسمي علم، وملقتش أم تحضني.. أنا عيشت أسود أيام حياتي علشان هي تقدر تعيش وتحب وتتحب وتتبسط، أنا مش قادرة أسامح حد.. غصب عني.
- مش مهتمة، خليني أنام
بصتلي وكملت وهي بتمسح دموعها:
- حتى لو أنا لأ، أخواتك ملهمش ذنب..
مردتش عليها، فخرجت وقفلت الباب، نمت على السرير وأنا باصة للسقف.. جوايا أمل واحد، إني أقدر ألاقي نفسي بعد كل الوقت ده أقدر أتطمن، أقدر أعيش، مش طالبة حاجات كتير من الدنيا.. مش طالبة حب، مش طالبة حلم، مش طالبة أمل، أنا بس عايزة أعيش.
دموعي نزلت وأنا وشي ثابت، جامد.. ملامحي متغيرتش وأنا عيني ثابتة على السقف.
"ليه دايمًا نكبت مشاعرنا ونقول دي ظروف.. ليه دايمًا بنجيب أخرنا ونسكت ونشوف، قلبنا بيموت بطيء ونفسنا مش عارفة تعوم وبتدخل في الغريق!"
***
صحيت من النوم على أيد صغيرة على وشي فأتخضيت، ابتسمت لما لقيت إيد سيلين على وشي وشيلتها، بصيت في الساعة لقيتها 8 الصبح.. معقول كل ده نايمة؟ من 7 المغرب وأنا كده، جيت أقوم لقيت إيد سيلين حاوطتني.. بصيت لها، شبه ماما جدًا، وشبهي.. شعرها جميل، شكلها طيب، من الأطفال اللي تحبي تحضنيهم وتاكلي خدودهم، معرفش ليه حاسة نفسي ضعيفة قدام سيلين.. عايزة أحضنها وابوسها، بوستها من خدها وبعدت ايدها عني وأنا بقوم، لبست الطرحة وأنا خارجة وخرجت بالراحة خالص خطوة خطوة..
- مريم صباح الخير يا حبيبتي..
بصيت ورايا بخضة وشهقت، فضحكت:
- البيت مش مسكون متخافيش.. اقلعي الطرحة سلامة مش هنا، وأدهم في شغله مبيدخلش غير لما يخبط كده كده علشاني
كملت بتساؤل:
- عمو سلامة فين؟
- عنده سفرية شغل أسبوعين وراجع، أقعدي براحتك بقى بالبيجامات وهديكِ إسدال خليه جنبك لما أدهم يجي
حركت راسي بإيجاب وكملت:
- هتوضى وأجي أصلي..
كملت بموافقة:
- وأنا هحضر الفطار وأصحي سيلين وسليم ونفطر سوا، أنتِ اصلًا متغدتيش أمبارح حلو
كنت هعترض، بس كنت جعانة.. وفي أمس الحاجة لكوباية قهوة.
- تمام، أنا عندي انترڤيو هفطر وأنزل
- مقولتليش ليه أمبارح؟
كملت بأستغراب:
- وأقولك ليه؟
طبطبت على كتفي وكملت:
- علشان أنا أمك، وعلشام عايشين سوا.. وعلشان مفيش نزول منغير أذن.
بصيت لها وكنت هرد، بس حسيت إن معنديش طاقة، اتنفست بزهق وسيبتها ودخلت الحمام، اتوضيت وروحت صليت بعدين شميت ريحة البيض المقلي بتاعها.. ياه! وحشني أوي الريحة دي، ماما أحسن واحدة بتطبخ، أنا بقالي كتير مكلتش من ايد حد، مبتقبلش أكل مرات أبويا.. مش عارفة أحس بأيه! البيت هنا فيه روح، كأن حد ضايف ليه حياة، متروق ونضيف ومتعطر ومولعين بخور ومشغلين قرآن، ريحة أكل حلوة، وسفرة ملموم عليها الكل.. إنما بيت بابا خرابة، أنا شبه ماما ويمكن ده سبب كره بابا ومراته ليا.
- أنا خلاص هحط الجبنة وأصحي الاولاد..
أترددت أتكلم، حمحت وكملت:
- هصحي أنا سيلين وسليم..
بصتلي ثواني وبعدين ابتسمت:
- صحيهم، سيلين هتفرح اوي بتحبك اوي دايمًا كانت بتسأل عنك
ابتسَـمت وكملت:
- سيلين بنت جميلة..
دخلت الاوضة صحيت سيلين، كانت مقريفة بس لما شافتني ابتسمت اول ما صحيت وحضنتني:
- صباح الخير يا أبلة مريم
- صباح الخير يا حبيبتي، أصحي..
باستني من خدي وكملت:
- هقوم أغسل وشي واستناكِ على سفرة الفطار
حركت راسي بموافقة وبعدين بصيت على سليم واتنهِدت، سليم ده شبه أخوه جدًا.. مستغربة ازاي الاتنين تؤام وكل واحد فيهم شكل، ناديت عليه مصحيش، هزيته مصحيش، أخر ما زهقت لقيت سيلين جاية بتضحك.
- هصحيه أنا، بصي ازاي..
وطت على ودانه ونفخت جامد، فقام من النوم مخضوض، بصيت لها بأعجاب وضحكت:
- بالسهولة دي!
نزلت من على السرير بسرعة وكملت وهي بتجري:
- أنا هروح لماما قبل ما يفوق..
فاق واستوعب، كان قايم يجري وراها فوقفت قدامه وربعت ايدي، كمل بنرفزة:
- عديني هموتها..
- أقف بقولك
بصلي بعند وربع إيده، فقلدته وربعت إيدي، رفع حاجبه فرفعت حاجبي.. كملت بصوت هادي:
- هتدخل تغسل وشك وتقعد على السفرة.
- لأ
كملت بإصرار:
- آه..
بص ثواني بعدين نزل ايده واتنهد بزهق:
- طيب
ابتسَـمت ووسعتله، خرج دخل الحمام وبعدين خرج لقاها قاعدة كان هيروح ناحيتها فوقفت قدامه:
- فين الكرسي بتاعك..
بصلي بزهق وهو بيشد الكرسي وبيقعد عليه، ماما ابتسمت وهي بتحط العيش:
- غريبة، حد عرف يروض سليم غيري يعني..
بصيت له وضحكت برخامة فرد عليا بنفس الابتسامة الرخمة، ماما قاطعتنا وهي بتضحك:
- سيلين نسخة منك في الشكل، بس سليم طباعه زيك بالضبط.. عنيد ودماغه ناشفة، بس حنيّن أوي زيك.
- أنا مش حنيّنة ولا حاجة.
قولتها وأنا بمسك رغيف عيش فكملت بهدوء:
- حنينة، بس أوقات الدنيا بتخلي الانسان مش قادر يكون على طبيعته.
بصيت لها بلا مبالاة وبدأت أكل، الحقيقة مش قادرة.. مش قادرة أصدقها، ومش عايزة أصدقها، أنا سمعت كلامها وحطيت علاقتي بأخواتي بعيد عنها، بس مقدرش أنسى إنها حرمتني من اللي أخواتي بيعيشوه دلوقتِ وأنا أكبر منهم بسنتين تلاتة.
خلصت أكل وقُمت من على السفرة، شيلت مكاني دخلت المطبخ زي ما متعودة، وبعدين دخلت أوضتي لبست چيبة سودا وشميز أبيض.. لبس فورمال شويه، لفيت الطرحة.. وبصيت لنفسي ثواني في المرايا وكملت:
- لازم تاخدي الشغل ده، مش هتفضلي طول عمرك شغالة شغل أحتياطي، باقيلك سنة وتتخرجي، هتتخرجي وأنتِ متوظفة.. الشغل مش رفاهية بالنسبالك، الشغل هو البوابة اللي بتخليكِ تعيشي، مش معنى إن البيت هنا كويس ومش معنى إنه مرحب بيكِ تنسي إن مكانك مش وسط حد.. ولا أبوكي ولا أمك هيفضلوا طول عمرهم عايزينك..
دمعة نزلت من عيوني وأنا بفكر نفسي، بلحق نفسي قبل ما أصدق حلم العيلة.
- أنتِ هتشتغلي علشان تأجريلك شقة، تعيشي لوحدك فيها.. تبني لنفسك حياة، تنسي حياتك الصعبة، وتعيشي أيام تانية جميلة.. أرجوكِ متزعليش من الدنيا، هي وحشة بس مش هتعيشيها لو شافتك ضعيفة.
أخَدت نفس عميق وخرجت من الأوضة، سيلين جريت عليا وبصتلي بزعل:
- أنتِ ماشية؟
حركت راسي بنفي:
- لسه مش دلوقتِ، دلوقتِ عندي مشوار هخلصه وهرجع
- إيه المشوار؟
كان سليم، باصصلي بأستفسار ومربع ايده.. ابتسَـمت وأنا بفك إيده من بعض:
- عايز تعرف ليه
- أخوكي الولد، لازم أكون عارف أنتِ فين..
ذاكرتي رجعت بيا لمحمد أخويا من بابا، اللي كنت بشوفه في الشقة كأنه ضيف، لدرجة إن مرة كان هيتعرضلي لولا إنِّي دايمًا بقدر ألحق نفسي.
- رايحة مقابلة شغل يا استاذ سليم
خد نفس وكمل بتفكير:
- فين؟
كملت بزهق:
- ملكش دعوة يا سولي، يلا سلام قولوا لماما إني نزلت
سيلين كملت بسرعة:
- هو أنتِ إيه يا أبلة؟
بصيت لها بعدم فهم فكملت:
- قصدي أن أبيه أدهم مهندس، أنتِ تبقي إيه؟
ضحكت وكملت بهدوء:
- مهندسة برضوا، بس مهندسة ديكور.. فيما سيكون يعني علشان لسه متخرجتش.
- وهتشتغلي ازاي؟
أعتقد إني لو قعدت هنا أجاوب على اسئلتهم سؤال سؤال، جواب جواب.. بنسبة كبيرة هوصل بعد ميعاد الانترڤيو بتلات ساعات.
- حبايبي هجاوبكم كل اللي عايزينه لما أجي ماشي، يلا باي..
وقفت وكملت بسرعة وأنا بلبس الشوز وببص لسليم:
- هشتغل عادي، أنا كنت شغالة الأول، وخدت كذا تدريب..
خرجت وقفلت الباب ورايا بسرعة قبل ما يسألوا أكتر، خدت نفس وأنا بردد بصوت واطي "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله."
الدنيا بتعلم كتير، علمتني أكون إنسانة رغم عدم تعامُلي مع بني آدمين أسوياء، ماما كمان علمتني شويه وأنا صغيرة.. مقدرش أنكر إن أول بذرة اتزرعت جوايا كانت ماما اللي زرعتها، أول حد سقاها كان ماما، وأول حد سابها تدبل برضوا كانت هي.. مشاعري ناحية بابا مش مرهقة قد مشاعري ناحيتها، أنا بكره بابا.. يعني عارفة أنا حاسة بأيه ناحيته، بس ماما! عمري ما قدرت أفهم إيه مشاعري الحقيقية تجاهها، عمري ما سامحتها.. بس عمري ما كرهتها.
- مريم محمود القاضي.
أخَدت نفس عميق ودخلت أعمل الانترڤيو، مكانتش أول مرة أشتغل.. أنا بشتغل من أعدادي، ومكانتش أول مرة أنزل شغل في مجالي من أول سنة وأنا شغالة تدريب ومعايا الشهادات بتاعتي.
- السي ڤي بتاعك جميل، بس أنا مش مهتم بالسي ڤي لوحده..
حركت راسي بموافقة فكمل:
- أول حاجة أنا يونس سليمان، مدير الشركة..
- أهلًا بحضرتك، وأنا مريم القاضي.
حرك راسه بإيجاب، وبدأ يسألني اسئلة.. معرفش ليه متضايق إني بجاوبها، عدا أكتر من ربع ساعة في الانترڤيو، انتهت بإنه مدلي السي ڤي وكمل بهدوء:
- تمام يا مريم، هنرد عليكِ خلال يومين.
حركت راسي بإيجاب وخرجت، متأكدة إن الراجل ده مش طبيعي، عامل زي مُدرس التربية الرياضية، مستحيل ده يكون مهندس فعلًا.
خرجت كان الوقت لسه بدري، فكرت أروح ولا أتمشى شويه! ولا أعمل حاجة معينة!
- آه خلي بالك!
كان حد ماشي بمكنة بسرعة كبيرة، كان هيخبطني.. أو بالأحرى هو فعلًا خبطني، وقف المكنة ونزل:
- أنتِ كويسة؟
رفعت راسي بأستغراب:
- هو أنتَ.. مش بعيد تكون شوفتني وكنت عايز تموتني قصد
بصلي وضحك بسخرية:
- مالك يا محور الكون فيه إيه
نفخت من الضيقة بعدين كملت بوجع:
- أنت بجد غبي يا أدهم خبطتني
نبرة صوته أتغيرت، بقت هادية أكتر.. كمل وهو بيبص على إيدي:
- طيب تعالي نروح لأي صيدلية..
حركت راسي بنفي:
- لأ لأ خلاص هروح حاسب
كمل بأصرار:
- هنروح لأي صيدلية هنا يلا..
- لأ، ابعد عني بقى سيبني أمشي
مشيت وسيبته، فلقيته جاي ورايا بالمكنة:
- طيب أركبي أوصلك
بصيت وراه ورفعت حاجبي:
- أنتَ مجنون شكلك، مبركبش ورا رجالة
أتنفس بزهق:
- براحتك، خليكِ فاكرة إني عرضت عليكِ..
جري بالمكنة في ثواني، ما هو أصل حتى لو داسني مكنتش هركب وراه، ده أنا اتداس من عربية ولا إني أركب ورا راجل، وصلت البيت وجيت أخبط حسيت بوجع في إيدي.. اتنفست بزهق ورنيت الجرس بأيدي التانية، سيلين فتحت لي وحضنتني جامد:
- أبلة مريم ألحقينا..
كانت بتعيط وماسكة فيا جامد، نزلت لمستواها وكملت بقلق:
- فيه إيه يا سيلين؟
- فيه راجل شرير جوا عماا يزعق مع ماما وكان هيضربها.
دقات قلبي زادت، مسكت ايدها ووقفت وأنا بدخل الشقة، فكرت كتير أنزل ومرجعش.. بس أنا عارفة إن الموضوع حتميّ، هيأذي أمي وأخواتي لو مدخلتش.
- أنتَ بتعمل إيه هنا!
- جاي أموتك بأيدي وأخلص منك
كان ماسك في ايده سكـ/ينة، قرب منّي بسرعة فغمضت عيني وأنا بسمع صوت صريخ ماما:
- مريم..
