رواية علي ذمة قلبي الفصل الأول بقلم داليا سالم
— إنتَ بتقول إيه؟
بصيت له وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
كان قاعد قدامي بكل برود، حاطط رجل على رجل، وكأنه مش جاي يطلب مني حاجة ممكن تغيّر حياتي كلها.
قال بمنتهى الهدوء:
— بقولك نتجوز.
رمشت كذا مرة.
— نتجوز؟
— آه.
— أنا وإنت؟
بص حواليه.
— هو في حد تالت في القعدة؟
بصيت لماما كانت بتبص في الأرض، و بابا كان ساكت بطريقة غريبة. رجعت بصيت له.
— طب استنى... إنتَ فاكر إني هقول آه؟
رفع حاجبه.
— لا.
اتنرفزت.
— أمال جاي ليه؟
— عشان محتاجك.
سكت... الجملة دي وقعت عليّ بشكل غريب، قلت:
— محتاجني في إيه؟
آسر سند ضهره على الكنبة وقال:
— في الجواز.
ضحكت من الصدمة.
— لا بجد؟ أنا كنت فاكرة محتاجني أصلحلك الحنفية.
مريم، أختي، كانت قاعدة جنبي، حاولت تكتم ضحكتها، بصيت لها.
— وإنتِ بتضحكي على إيه؟
هزت كتفها بسرعة.
— ولا حاجة.
آسر ابتسم ابتسامة صغيرة.
— عندك أخت لطيفة.
— مالكش دعوة بأختي.
— حاضر.
— وبعدين إنتَ أصلًا مش عاجبني.
رفع حاجبه.
— دي أول مرة حد يقولها لي بالوضوح ده.
— عادي... اتعود.
— ممكن.
— ومش هتجوزك.
هنا لأول مرة ابتسامته اختفت، بص لبابا.
— أستاذ حسن، حضرتك تقدر تشرح لها.
بصيت لبابا بسرعة.
— تشرح لي إيه؟
بابا أخد نفس طويل.
— ليان...
— نعم؟
— الجوازة دي مهمة.
— لمين؟
سكت.
— بابا، أنا بسألك: مهمة لمين؟
قال بهدوء:
— لينا كلنا.
وقفت من مكاني.
— يعني إيه لينا كلنا؟
محدش رد... بصيت لآسر كان ساكت، وبعدين قال:
— لو الموضوع كان بإيدي، ما كنتش جيتلك بالطريقة دي.
ضحكت بسخرية.
— يا سلام. يعني إنتَ مجبر؟
— آه.
— وأنا كمان مجبرة؟
— لا.
— أمال إيه؟
بص في عيني لأول مرة من غير أي سخرية.
— إنتِ الوحيدة اللي عندها الاختيار.
الكلمة دي خلتني أسكت لثواني، البيت كله سكت معايا، بعدين قلت:
— طيب لو رفضت؟
آسر ما ردش، بصيت لبابا. لقيته قام من مكانه وراح ناحية الشباك، وده كان أغرب رد ممكن أشوفه، قلت بصوت أوطى:
— بابا... إيه اللي بيحصل؟
لف ناحيتي، وشه كان متغير.
— في مشكلة كبيرة.
— إيه هي؟
— مش هينفع أقولك دلوقتي.
— ليه؟
— لأنك لو عرفتي... ممكن تكرهي أبوكي.
اتجمدت.
— إنت بتخوفني ليه؟
— مش بخوفك.
— أمال بتعمل إيه؟
ماما قامت بسرعة وقربت مني.
— ليان، اسمعي بابا.
بصيت لها.
— ماما، إنتِ كمان؟
رجعت بصيت لآسر.
— وإنتَ؟ إيه مصلحتك في الجوازة دي؟
سكت ثانيتين، وقال:
— أحميكي.
ضحكت.
— تحميني من إيه؟
المرة دي ما ردش. قربت منه خطوة.
— من إيه يا آسر؟
قام من مكانه، كان أطول مني بكتير، وده خلاني أرفع عيني له، قال بهدوء:
— من حاجة لو عرفتيها بالطريقة الغلط، حياتك كلها هتتغير.
— وإنتَ هتغيرها بالطريقة الصح يعني؟
— هحاول.
— والجواز هو الحل؟
— أيوه.
— وإنتَ مستني مني أصدق الكلام ده؟
— لا.
— أمال؟
— مستني منك تثقي في أبوكي.
بصيت لبابا، وبصراحة... دي كانت أول مرة في حياتي أشوف أبويا عاجز عن إنه يبصلي في عيني. قلبي وقع رجعت بصيت لآسر.
— لو وافقت... إيه اللي هيحصل؟
قال:
— هنتجوز لمدة سنة.
ضحكت.
— سنة؟
— سنة واحدة.
— وبعدها؟
— كل واحد يروح لحاله.
— يعني جواز تمثيلية؟
— اتفاق.
— ومش هتطلب مني حاجة؟
— لأ.
— ومش هتتحكم فيا؟
— لأ.
— ومش هتمنعني من شغلي؟
— لأ.
— ومش هتفتش موبايلي؟
ابتسم.
— هو أنا شكلي فاضي؟
— أيوه.
ضحك لأول مرة بجد، وأنا، من غير ما أقصد، ابتسمت. ثانية واحدة بس، لكن مريم شافتها، وغمزت لي... بصيت لها بغيظ، آسر قال:
— عندك سؤال تاني؟
— آه.
— إيه؟
— ليه أنا؟
اختفت ابتسامته، وسكت ثانية... اتنين... وبعدين قال:
— لأن أبوكي اختارك.
— دي مش إجابة.
— دي الإجابة الوحيدة اللي أقدر أقولها دلوقتي.
بصيت لبابا تاني، وبعدين للمفتاح اللي كان في إيدي. آه، كان مفتاح عربيتي، لكن وقتها حسيت إني ماسكة مفتاح لحياة جديدة تمامًا. حياة أنا مش فاهمة منها أي حاجة، قلت:
— هفكر.
آسر هز راسه.
— خدي وقتك.
واتجه ناحية الباب. قبل ما يخرج، وقف وبص لي.
— بس في حاجة لازم تعرفيها.
— إيه؟
قال:
— لو وافقتِ...
سكت لحظة.
— ما تحاوليش تحبيني.
ضحكت.
— اطمن.
فتح الباب، وقبل ما يخرج، سمعته بيقول:
— لأن المشكلة مش في إني أحبك.
بصيت له.
— أمال في إيه؟
بص لي نظرة غريبة.
— المشكلة في إنك لو حبيتيني... مش هعرف أسيبك.
وخرج. فضلت واقفة مكاني. مريم قربت مني ببطء، وقالت:
— أنا شايفة إنك هتتجوزيه.
بصيت لها.
— إنتِ مجنونة؟
ابتسمت.
— لا.
وبصت ناحية الباب.
— بس هو واضح إنه وقع.
اتنهدت.
— وقع إيه؟
قالت بمنتهى الثقة:
— وقع فيكي.
ضحكت.
— ده أنا لسه قابلته من شهرين!
مريم ابتسمت.
— أهو الحب مبيستأذنّش.
بصيت لبابا، ولأول مرة، حسيت إن الجملة دي مش هي اللي تخوفني. اللي خوفني فعلًا... إن بابا كان واقف بعيد عننا، ووشه بيقول إن آسر ما جاش يتجوزني عشان بيحبني. هو جاي عشان فيه حاجة أنا لسه ما أعرفهاش، وحاجة واحدة بس كانت أكيدة: الجوازة دي ما كانتش بدايتها النهارده. كانت بدأت من سنين... وأنا آخر واحدة عرفت.
