رواية علي ذمة قلبي الفصل الثاني بقلم داليا سالم
— موافقة.
الكلمة خرجت مني، وأنا نفسي مش عارفة إزاي قلتها.
ماما شهقت، مريم فتحت بوقها. أما بابا... فغمض عينه كأنه كان مستني الكلمة دي من زمان. آسر كان واقف قدام الباب، إيده على المقبض. لف ناحيتي ببطء.
— موافقة؟
هزيت راسي.
— آه.
رجع قفل الباب وقرب.
— متأكدة؟
— لأ.
رفع حاجبه.
— أمال؟
— بس أنا زهقت من كتر ما كل الناس حواليا عارفة حاجة وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة.
سكت، قلت:
— هوافق.
بابا قام من مكانه.
— ليان...
قاطعته.
— بس بشروطي.
آسر ابتسم.
— اتفضلي.
— أول حاجة، شغلي مش هسيبه.
— موافق.
— تاني حاجة، مش هعيش مع أهلك.
— موافق.
— تالت حاجة، كل واحد فينا له أوضته.
ابتسم.
— موافق.
بصيت له بشك.
— إنتَ بتوافق بسرعة ليه؟
— عشان لسه في شروط؟
— آه.
— كملي.
— رابع حاجة... مفيش تدخل في حياتي.
— يعني؟
— يعني لو عايزة أخرج، أخرج. لو عايزة أشتغل، أشتغل. لو عايزة أقعد مع صحابي، أقعد.
— موافق.
— خامس حاجة، ممنوع الغيرة.
هنا ضحك.
— دي مش بإيدي.
— تبقى بإيدك.
— هحاول.
— لأ. مش هتحاول. هتلتزم.
بص لي ثواني.
— حاضر.
ابتسمت بانتصار.
— آخر حاجة.
— اتفضلي.
— لو بعد سنة حسيت إن الجوازة دي مش نافعة...
قاطعني:
— ننفصل.
— بسهولة؟
— بسهولة.
بصيت له. كان هادي جدًا. الغريب إن ده ضايقني. مش المفروض أكون مبسوطة إنه مش متعلق بيا؟ قلت:
— خلاص.
مد إيده.
— اتفقنا؟
بصيت لإيده، وبعدين بصيت في عينه. مديت إيدي وصافحته.
— اتفقنا.
إيده كانت دافية، وسحبت إيدي بسرعة. مريم كانت بتبصلنا من بعيد وبتحاول ما تضحكش... بصيت لها.
— في إيه؟
— ولا حاجة.
— مريم.
— والله ما قلت حاجة.
آسر قال:
— هي بتفكر في حاجة.
مريم بصت له.
— وإنتَ مالك؟
ضحك.
— أنا بقيت واحد من العيلة خلاص.
— لسه بدري.
ضحكت. أنا كمان ضحكت غصب عني. لكن بابا ما ضحكش، وكان واضح إن الكلام اللي حصل بينا ما ريحوش. بعدها بيومين، اتكتب الكتاب. من غير فرح كبير من غير زفة، من غير حتى وقت كفاية أستوعب إن اسمي بقى مرتبط باسم شخص كنت لحد قريب مش طايقاه، وأول ما خرجنا من عند المأذون، آسر فتح باب العربية.
— اركبي.
بصيت له.
— أنا عندي عربيتي.
— عارف.
— أمال بتفتحلي الباب ليه؟
— عشان أنا جوزك.
— إحنا اتفقنا إنك مش هتتحكم فيا.
— فتح الباب تحكم؟
— ممكن.
ضحك.
— اركبي يا ليان.
— لأ.
— طب اركبي يا مدام آسر.
وقفت... بصيت له.
— إيه؟
— قولتها تاني.
ابتسم.
— يا مدام آسر.
— لا، دي مستفزة.
— ليه؟
— مش متعودة عليها.
— هتتعودي.
ركبت وأنا بتمتم:
— مغرور.
ركب هو الناحية التانية، وبعد خمس دقايق من الصمت، سأل:
— هتروحي الشغل بكرة؟
— طبعًا.
— هاجي أخدك.
— لأ.
— ليه؟
— عندي عربية.
— عارف.
— أمال؟
— عايز آجي أخدك.
بصيت له.
— ليه؟
— عشان أنا جوزك.
— إنتَ هتفضل تستخدم الجملة دي كتير؟
— غالبًا.
— طيب وأنا مراتك، مش خدامتك.
ضحك.
— مين قال خدامة؟
— طريقتك.
— أنا لسه ما عملتش حاجة.
— بالظبط. خليك كده.
سكت شوية، وبعدين قال:
— على فكرة...
— إيه؟
— إحنا هنعيش في شقتي.
— مش قولنا مش هعيش مع أهلك؟
— مش هنعيش معاهم.
— والشقة فين؟
— في نفس العمارة.
بصيت له بصدمة.
— إنتَ بتهزر؟
— لأ.
— يعني أهلك تحت وأنا فوق؟
— تقريبًا.
— ده اسمه عيشة مع أهلك يا آسر.
— لأ، دي عيشة فوق أهلي.
— نفس المعنى!
ضحك، وصلنا العمارة. طلعت معاه وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني. فتح باب الشقة دخلت. كانت واسعة وهادية، وكل حاجة فيها مترتبة بشكل مبالغ فيه. بصيت حواليّ.
— دي شقتك؟
— آه.
— حلوة.
— عارف.
بصيت له.
— لازم تقول عارف بعد كل حاجة؟
— تقريبًا.
دخلت الأوضة اللي قال إنها بتاعتي. فتحت الدولاب. لقيت هدوم جديدة بصيت له.
— إيه ده؟
— هدومك.
— جبت هدومي؟
— لأ.
— أمال؟
— اشتريتهم.
— إنتَ عرفت مقاسي منين؟
سكت، بصيت له.
— آسر؟
— والدتك.
— وماما جابتلك مقاساتي؟
— آه.
— ليه؟
— عشان ما تفضليش من غير هدوم.
ضحكت.
— دي أول مرة تعمل حاجة من غير ما تستفزني.
ابتسم.
— متعوديش نفسك.
خرج. قفلت الباب وراه. وقعدت على السرير. كان كل شيء غريب. الجواز، الشقة، آسر، حتى إحساسي. لأني، رغم كل حاجة... كنت مرتاحة، وفي نفس اللحظة تقريبًا، سمعت صوت باب بيتفتح من تحت، وبعدين صوت ست بتنادي:
— آسر!
خرجت من أوضتي.
آسر كان واقف في الصالة.
— أمي.
ست أنيقة دخلت الشقة، وبمجرد ما شافتني، وقفت. بصت لي من فوق لتحت، وبعدين قالت:
— دي هي؟
آسر رد:
— آه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— ليان؟
— أيوه.
قربت مني، ومسكت إيدي.
— أهلًا يا بنتي.
ابتسمت لها.
— أهلًا بحضرتك.
بصت لآسر.
— مبروك.
قال:
— الله يبارك فيكي.
رجعت بصت لي.
— ربنا يعينك.
سكت، بصيت لها.
— يعيني على إيه؟
ابتسمت.
— على ابني.
آسر اتنهد.
— أمي...
ضحكت.
— بهزر.
لكن قبل ما تمشي، قربت من آسر وقالت بصوت واطي:
— لازم تكلم أبوك الليلة.
وشه اتغير.
— ليه؟
— عرف إنكم اتجوزتوا.
سكت، وبعدين سألها:
— وقال إيه؟
بصت له.
— قال إن الموضوع لازم يخلص قبل ما هي تعرف الحقيقة.
وقفت مكاني. أنا ما كنتش المفروض أسمع الجملة دي. لكن سمعتها، وشفت آسر وهو بيبص لأمه بصدمة، وبعدين... بص لي، ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت الخوف الحقيقي في عينيه. مش الخوف عليّ. الخوف مني، وساعتها فهمت إن كلمة "الحقيقة" اللي سمعتها من أبويا... مش مجرد سر عائلي صغير. في حاجة محددة جدًا بيحاولوا يخبّوها عني.
