رواية جثة علي الترعة الفصل الأول 1 بقلم حمدي المغازي

 


رواية جثة علي الترعة الفصل الأول بقلم حمدي المغازي 

هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية.

كنت قاعد في مكتبي مولع سيجارة كعادتي ومتسلطن مع صوت بدرية السيد.

جزء من الأغنية اللي بسمعها:

"العدل فوق الجميع وبيعشقه المخلوق
وابن الوزير والغفير من التراب مخلوق

يا عيني يا ليل يا يا ليلي
العدل فوق الجميع وبيعشقه المخلوق
وابن الوزير والغفير من التراب مخلوق

يا عبد توب عن ذنوبك
يا عبد توب عن ذنوبك
وخاف من الخلاق
ده اللي يخاف ربنا
ما يخوفوش مخلوق"

سحبت آخر نفس من  السيجارة واتفاجئت بصوت رنة التليفون:

-ألوو.
-مساء الخير يا يونس باشا.

-مساء الخير يا كمال، مش بتفائل بمكالمة آخر اليوم دي.

-شغلنا بقى يا فندم.

-قضية جديدة مش كده؟

-بالظبط، جالنا بلاغ من شوية عن وجود جثة، والوضع هنا صعب لازم سعادتك تيجي بنفسك.

-تمام، فين العنوان؟

-اممم، أيوة أيوة أنا عارف المكان ده، مسافة الطريق وهكون عندك، واوعى أي حد يقرب من الجثة لحد ما اجي، إحنا مش ناقصين حد يخفي حاجة ونقعد نلف حوالين نفسنا.

-متقلقش يا فندم، إحنا هنا قايمين بالواجب، في انتظار سعادتك.

سحبت مفاتيح عربيتي من على المكتب، وخدت جاكيت البدلة بتاعي في أيدي وخرجت. واللي كنت خايف منّه حصل، الطريق زحمة بسبب حادثة وخدت وقت أطول لحد ما وصلت؛ المكان متطرف حبتين وبعيد عن البيوت وعن العيون.

-حمدالله على السلامة يا باشا.

-الله يسلمك يا كمال، أيه الأخبار؟

-الريحة بشعة أوي يا فندم، والقضية دي من أولها باين إنها صعبة.

-مفيش قضية سهلة يا كمال، قولي فين الجثة؟

-موجودة سعادتك.

مشيت معاه لحد ما وقفت قدام سجادة ملفوفة، الريحة كانت بتزيد ريحة عفن ناتجة عن التحلل، نزلت بركبة واحدة جنبها وكشفتها علشان اتفاجيء إن الرأس مفصولة عن الجسم، وباقي الجثة عريان، مفيش هدوم، مفيش أي حاجة تحدد هي مين. بصيت لكمال وسألته:

-مين اللي بلّغ؟

-صياد يا فندم، ومتحفظ عليه جنب البوكس.

قابلته، راجل في الستينات من عمره، لابس جلابية مقطعة وباين عليه الشقا، سألته السؤال الروتيني بتاع كل قضية:

-اسمك وسنّك؟

-خدامك فرحات يابيه، فرحات نوار.

-قولي يا حاج فرحات. اكتشفت الجثة إزاي؟

-أنا خرجت من بيتي علشان أشوف رزقي ورزق عيالي، طلعت على المركب، ولسه بقول يا هادي، لمحت سجادة مرمية على شط الترعة، بصراحة يابيه الفار لعب في عيبي، شكل السجادة يخوف، قربت بالمركب وشوفتها زي ما سعادتك شوفتها كده. وبصراحة خوفت وقتها، لكن قولت أكيد عيل ابن حرام اللي عمل فيها كده، ضميري انبني وقولت لازم أبلغ، وده كل اللي حصل.

-طب بما انك في المكان هنا علطول، مشوفتش حد بيتردد على المنطقة دي الأيام الأخيرة؟ أو مسمعتش إن حد اختفى من الناحية بتاعتكم دي؟

-ابدًا والله يابيه، أنا زي ما حضرتك شايف، راجل كبير ونظري على قدي حتى السمع يا دوبك.. أنا من بيتي للمركب ومن المركب لبيتي وكافي غيري شرّي.

-تمام ياحاج تعبتك معايا.

-تعبك راحة يابيه.

شايف العسكري اللي هناك ده؟ هتسيب له بياناتك.. علشان لو احتجنالك تاني نقدر نوصلك بسهولة.

-اومر سعادتك.

بعد ما خلصت معاه طلبت فريق الطب الشرعي والجنائي علشان أخد منهم تقرير مبدأي عن اللي حصل، وبعدها قولت لكمال يشوفلي كل بلاغات الغياب الفترة الأخيرة وينسق مع الأقسام القريبة من المنطقة، لازم نعرف مين المجني عليها علشان نبدأ شغلنا.

وبعد ما عملت كده لقيت الناس اتلمت ومنهم اللي بيصور، طلبت من العساكر تبعدهم علشان ماحدش يحاول يتلاعب بمسرح الجريمة، وبعدها ولعت سيجارة واستنيت أي جديد.. ومفيش ساعة تعدي وكان فريق الطب الشرعي والجنائي قدامي رحبت بهم وعلطول كل واحد بدأ يقوم بواجبات شغله.. دكتور فريد لابس جلافز وحط ماسك على وشه، وقرب من الجثة وكشفها وبدأ يفحصها، قربت منه بهدوء وقولت:

-ايه الأخبار يا دكتور؟

شاور بأيديه ناحية فجوة في منتصف الصدر وقال:

-اعتقد المجني عليها ماتت بطعنة نافذة في المنطقة دي، وده قبل ما يتم استئصال الرأس. وفي علامات زراق على دراعها الشمال وجزء من ضهرها، في إحتمال كبير إن تم تعذيبها قبل الوفاة.

-تقدر تحددلي زمن الوفاة بالظبط؟

ركز مع الجثة وقال:

-الحالة دي عدّى عليها وقت مش قليل.

-قد إيه تقريبًا؟

-من الفحص المبدئي.. إحنا بنتكلم في حدود سبعة أيام.. ممكن تزيد يوم أو تقل يوم حسب الظروف.

-إيه اللي خلاك توصل للمدة دي تحديدًا؟

-بُص حضرتك.. درجة التحلل وصلت لمرحلة الانتفاخ الكامل مع بداية انكماش الأنسجة. الجلد في بعض المناطق بدأ ينفصل.
وفي كمان نشاط حشري واضح.. وده بيساعدنا جدًا في التقدير.
كمان الأنسجة الداخلية فقدت تماسكها بالشكل اللي بنشوفه بعد حوالي أسبوع.

-يعني كده الوفاة مش حديثة خالص؟

-لا خالص، دي مش أقل من خمسة أيام بأي حال، والأقرب إنها سبعة.

-طب هل مكان العثور على الجثة ممكن يغير الحسابات؟

-طبعًا، لو كانت في ميّه أو مكان رطب ده بيبطّأ أو يسرّع التحلل حسب درجة الحرارة، لكن في الحالة دي، الجو حر، والمكان مكشوف، فده سرّع العملية.

-في أي مؤشر إن الجثة اتحركت من مكان لمكان؟

-آه فيه اختلاف في توزيع الحشرات، وده معناه إنها كانت في مكان تاني الأول، وبعدين اترمت في مكان العثور عليها.

-تمام يادكتور، متشكر جدًا.

خلصت مع وبصيت لفريق المعمل الجنائي، كانوا منقسمين، جزء بيصور المكان والجثة، وجزء بيحط شريح لاصق حوالين مسرح الجريمة، قربت من لبنى وسألتها:

-في جديد؟

-المجرم اللي عمل كده ذكي جدًا.. فصل الرأس عن الجسم، ونزع ملابسها علشان يصعب عملية التعرّف عليها.

-والحل؟

-في حاجة مهمة أنا خدت بالي منها دلوقتي.

-حاجة ايه؟

-في علامة حرق قديم على فخد الجثة، أعتقد هتكون كافية إن أهلها يتعرفوا عليها.

وقبل ما انسى قربت من دكتور فريد وسألته سؤال مُهم جدًا:

-سنها كام تقريبًا يا دكتور؟

-من شكل الحوض والتحام العظام، إحنا بنتكلم في أواخر العشرينات،  تقديري من 24 لـ 27 سنة.

وبعد ما خلصت مهمتي في مسرح الجريمة رجعت على مكتبي مرّة تانية، بعد يوم مُرهق ومتعب لاقصى درجة، ولعت سيجارة وطلبت كوباية قهوة سادة علشان أوزن دماغي، لأن حسيت إني بغفّل، وبعدها طلعت الدفتر وبدأت اكتب شوية ملاحظات يمكن يساعدونا بعدين وبعد ما خلصت سندت بضهري على الكرسي وروحت في النوم ماصحتش غير على نور الشمس.

"صوت خبط على الباب"

-أدخل.
-صباح الخير يا فندم.
-صباح الخير يا كمال، في جديد؟
-ايوة يا فندم، في تلت بلاغات اختفاء اتعملوا من أسبوعين تقريبًا، منهم اتنين ستات، واحدة اسمها: فردوس محمد، والتانية علياء منصور.

-ابعت لهم علشان يتعرفوا على الجثة في المشرحة، وخليك معاهم، وراقب تصرفاتهم، ولو حصل وتم التعرف تجبلي الشخص ده وتيجي علطول.

-حصل وبعتلهم فعلًا يا فندم، ومتقلقش، كل حاجة هتتم زي ما سيادتك عايز.

خرج كمال وأنا فضلت مستني، ساعة تجر ساعة لحد ما كلمني..

-ها يا كمال؟ حد اتعرف عليها؟

-ايوة يا فندم.

-وطلعت مين فيهم؟

-فردوس محمد.. والدتها اتعرفت عليها من الحرق القديم.

-تمام، أنا محتاج اشوفها، لأن ده أول طريق هيوصلنا باللي عمل كده.
****
دخلت الست وهي باين عليها الإنهاك، طرحتها نازلة على وشها، عينيها مورمة من العياط، قعدت قدام المكتب وإيديها بتفرك في بعض بتوتر.


تعليقات