رواية الطمع الفصل الأول بقلم عيد عزام
أنا حبيت أخويا، بس حبيت الفلوس أكتر، مكنتش عايزه
يمــ ـوت، بس أنا اللى قتــ ـلته.
أنا حسن، وقت الحكاية دى كان عندى 43 سنة، وأخويا عبدالرحمن كان داخل على الأربعين. عشنا عمرنا كله فى البلد، وأكتر حاجة كنت بفتخر بيها إن عبدالرحمن عمره ما كان أخويا بس، ده كان صاحبى وضهرى وأقرب واحد ليا فى الدنيا.
أبويا مات وسابلنا بيت قديم و4 فدادين أرض، قسمناهم بينا من غير محاكم ولا خناقات ولا حتى ورقة وقلم.
قولت لعبدالرحمن:
= خد الناحية البحرية يا عبدالرحمن، أرضها أحسن.
ضحك وقال:
= وأنا أخد الأحسن ليه؟ نقسم بالنص، واللى ييجى لكل واحد فينا رزقه.
ومن يومها فضلنا نزرع الأرض سوا حتى بعد ما اتقسمت. لو أرضى محتاجة رى، عبدالرحمن يبقى واقف جنبى، ولو أرضه محتاجة شغل، أسيب اللى فى إيدى وأروحله.
الناس فى البلد كانت بتقول:
= ربنا يديم المحبة بينكم، إحنا شفنا إخوات مبقوش يكلموا بعض عشان متر أرض.
وكنت أضحك وأقول:
= الأرض تروح وتيجى، إنما الأخ ميتعوضش.
مكنتش أعرف إن هييجى يوم وأكون أنا اللى أبيع أخويا عشان اللى تحت الأرض.
وقتها كنت متجوز وعندى 3 بنات وولد، وبنتى الكبيرة قربت تتجوز، والدنيا كانت ضيقة عليا بطريقة محدش يعرفها غير ربنا. ديون فى الجمعية، وفلوس سماد، ومصاريف البيت، وتجهيز بنتى، وكل ما أسد ناحية ألاقي عشرة اتفتحوا قدامى
كنت بصحى من الفجر وأرجع بعد المغرب، وفى الآخر الفلوس تخلص قبل نص الشهر.
أما عبدالرحمن فكان متجوز وعنده ولدين وبنت، وكان حاله مش أحسن منى بكتير، لكنه كان راضى بأى حاجة.
كنت ساعات أقوله:
= إنت مش نفسك يبقى معاك فلوس كتير يا عبدالرحمن؟
كان يضحك ويقول:
= ونوديها فين يا حسن؟ أهم حاجة ربنا يدينا الستر والصحة.
كنت بضحك على كلامه وقتها، دلوقتى بس عرفت إنه كان أغنى منى.
فى يوم كنا بنجهز جزء من الأرض للزراعة، وفجأة العامل اللى معانا نادى:
= يا معلم حسن، تعالى شوف كده.
روحتله أنا وعبدالرحمن، كان واقف باصص للأرض ومستغرب ظهر جزء من حجر مختلف عن طبيعة الأرض حوالينا، والعامل نزل على ركبته وشال شوية تراب بإيده، ظهر جزء أكبر من الحجر وعليه علامات غريبة.
أنا معرفتش هى إيه، لكن العامل أول لما شافها وشه اتغير.
قال:
= غطوا الحتة دى.
قولتله:
= ليه؟
بص حواليه وقال بصوت واطى:
= أنا مش خبير، بس شوفت حاجات شبه دى قبل كده، الحتة دى ممكن يكون تحتها حاجة قديمة.
عبدالرحمن قال:
= حاجة قديمة إيه؟
الراجل قرب مننا وقال:
= آثار.
الكلمة دخلت ودنى ومخرجتش منها.
عبدالرحمن ضحك وقال:
= آثار إيه يا عم؟ ولو آثار فعلًا نبلغ الحكومة وخلاص.
بصيتله بسرعة وقولت:
= حكومة إيه يا عبدالرحمن؟ الأول نعرف فيه إيه تحت رجلينا.
بصلى باستغراب وقال:
= وهنعرف إزاى؟
قولت:
= نشوف حد بيفهم.
قرب منى وقال:
= حسن، متدخلناش فى سكة ملهاش آخر، لو دى آثار يبقى ملناش فيها.
قولتله:
= يعنى إيه ملناش فيها؟ دى أرض أبويا.
رد:
= الأرض أرض أبوك، إنما اللى تحتها مش بتاعك.
الجملة ضايقتنى.
قولتله:
= يا عبدالرحمن، إحنا غرقانين فى الديون، وربنا يمكن يكون فتحلنا باب رزق.
بصلى وقال:
= ربنا مبيفتحش باب رزق بحاجة حرام.
اتعصبت وسيبته ومشيت، لكن من اللحظة دى الموضوع ركب دماغى.
رجعت البيت لقيت مراتى قاعدة بتحسب فلوس البيت. أول لما دخلت قالتلى إن الراجل بتاع الجمعية جه، وصاحب محل السماد بعتلى، وميعاد جواز بنتنا قرب ولسه ناقص حاجات كتير ، دخلت نمت، بس النوم مجاش.
فضلت طول الليل باصص للسقف، وكل ما أغمض عينى أشوف الحجر وأسمع كلمة الراجل:
آثار.
تانى يوم روحت الأرض لوحدى. وقفت فوق نفس المكان وبصيت حواليّا، أرض وطين وشقا عمر كامل، وبعدين بصيت تحت رجلى وسألت نفسى، معقول أكون واقف فوق فلوس ممكن تسدد ديونى وتجوز بنتى وتريح عيالى، وأنا هسلمها بإيدى؟
بعد يومين سألت واحد أعرفه من قرية جنبنا عن حد بيفهم فى الحاجات القديمة. ادانى عنوان راجل اسمه صابر، لكنه حذرنى قبل ما أمشى:
= خد بالك يا حسن، السكة دى أولها معروف، آخرها محدش يعرفه.
أخدت عنوان صابر وروحتله. كان راجل فى الخمسينات، أول لما وريته رسمة بسيطة للعلامة اللى شوفتها على الحجر، فضل باصص فيها شوية.
سألنى:
= الحجر ده فين؟
قولت:
= ليه؟
قال:
= لو اللى رسمته صح، ممكن يكون تحت المكان ده حاجة تساوى عمر كامل من الشغل.
حسيت قلبى دق.
قولت:
= يعنى دهب؟
ضحك وقال:
= إنت بتسأل على السعر قبل ما تعرف فيه إيه؟ لو عايز تفهم، ورينى المكان.
رجعت البلد وأنا دماغى مبتبطلش تفكير، لكن كان فيه مشكلة واحدة، عبدالرحمن.
أنا عارف أخويا، لو عرف إنى جبت حد للأرض هيقف قصادى. وفعلاً أول لما قولتله إنى عايز أجيب راجل يشوف الحجر، اتخانقنا.
قال:
= قولتلك يا حسن الحكاية دى مش داخلة دماغى.
قولتله:
= هنخسر إيه؟
قال:
= ممكن نخسر نفسنا.
وبعدين قرب منى وقال:
= لو محتاجنى أبيع من أرضى وأقف جنبك هعملها، بس متدخلش نفسك فى الحرام.
سكت.
الجملة وجعتنى أكتر ما ريحتنى، لأن عبدالرحمن مكنش بيتكلم وخلاص، أنا عارف إنه لو قولتله بيع أرضك عشانى كان هيبيعها فعلًا.
قولتله:
= متزعلش يا أخويا، أنا مخنوق بس.
ربت على كتفى وقال:
= وأنا مقدر، بس أوعى الفقر يخليك تعمل حاجة تندم عليها.
بعدها بكام يوم جبت صابر من ورا عبدالرحمن. أول لما شاف الحجر نزل وبص عليه شوية، وبعدها قام وملامحه اتغيرت.
قولتله:
= إيه؟
قال:
= فيه حاجة، وممكن تكون حاجة تخلى ولاد ولادك ميحتاجوش حد.
الجملة لعبت فى دماغى.
قولتله:
= نعمل إيه؟
بصلى وقال:
= الأول أخوك يوافق.
ردى عليه بدون تفكير :
= مستحيل.
قال:
= يبقى عندك مشكلة أكبر من الحفر.
قولتله:
= مشكلة إيه؟
رد:
= أخوك.
الكلمة ضايقتنى.
قولتله:
= عبدالرحمن مش مشكلة، ده أخويا.
ابتسم ومشى.
عدى أسبوع، وكل يوم كنت أنزل الأرض وأبص على نفس المكان. بقيت أحلم بالفلوس، أسدد ديونى، أجوز بنتى، أشترى أرض زيادة، وأعيش بقية عمرى مرتاح.
وفى الناحية التانية كان عبدالرحمن كل يوم تقريبًا يقولى:
= حسن، أنا مش مرتاح، خلينا نبلغ ونخلص.
لحد ما فى ليلة صابر جه البيت. كانت الساعة حوالى 11 بالليل، خرجتله بسرعة وبعدنا عن البيت.
قولتله:
= إنت جيت هنا ليه؟
قال:
= سألت عن المكان، والاحتمال كبير إن فيه حاجة فعلًا، بس الموضوع مش بالسهولة اللى إنت فاكرها.
قولت:
= يعنى إيه؟
قرب منى وقال:
= الأماكن القديمة دى ليها ناسها، وفيه ناس بتقول إن بعض الأماكن مبتتفتحش غير لما تاخد تمنها.
قولت:
= تمن إيه؟
سكت شوية وقال:
= روح بنى آدم.
ضحكت فى وشه.
قولت:
= إنت مجنون؟
وسبته ومشيت.
نادانى وقال:
= لما الفقر يزنقك أكتر هتفتكر كلامى.
رجعت البيت متعصب، وقفت عند باب أوضة ولادى وبصيت عليهم وقولت لنفسى، أنا عمرى ما أعمل حاجة زى دى حتى لو تحت الأرض كنوز الدنيا كلها.
تانى يوم عبدالرحمن جه عندى متعصب، ورمى قدامى ورقة صغيرة عليها اسم صابر وعنوانه.
قال:
= دى وقعت منك فى الأرض، إنت قابلت الراجل ده؟
قولت:
= آه.
قال:
= ووديته الأرض؟
سكت.
صوته على:
= وديته الأرض يا حسن؟!
قولت:
= آه.
فضل باصصلى ثوانى، وبعدين قال:
= خلاص، بكرة الصبح أنا هروح أبلغ.
حسيت أننا هنروح فى داهية ،مسكت إيده وقولت:
= ادينى يوم واحد، وبعدها لو عايز تبلغ روح بلغ وأنا مش همنعك.
قال:
= هتعمل إيه فى اليوم ده؟
قولت:
= هقفل الموضوع كله، وهقول لصابر ميجيش هنا تانى.
فضل باصصلى وبعدين قال:
= وعد؟
بصيت فى عين أخويا، أخويا اللى عمره ما شك فيا.
قولتله:
= وعد
ابتسم وربت على كتفى وقال:
= كنت عارف إن الفلوس مش هتغيرك يا حسن.
ومشى ، وفى نفس الليلة روحت لصابر.
أول لما شافنى قال:
= رجعت ليه؟
قولتله:
= أخويا هيبلغ بكرة.
قال:
= يبقى الليلة دى آخر فرصة.
قولتله:
= وأنا مش هأذى أخويا.
رد:
= محدش قالك تأذيه، هات أخوك بس للأرض الليلة، وأنا هوريكم حاجة بعينيكم، وبعدها هو بنفسه مش هيروح يبلغ حد.
كان المفروض أقوم وأمشى، بس بدل ما أعمل ده سألته:
= أجيبه إزاى؟
قال:
= قوله إنك لقيت حاجة وعايزه يشوفها قبل ما تبلغوا الصبح.
رجعت البيت ووقفت قدام بيت عبدالرحمن فترة، وبعدين خبطت.
فتحلى وهو نص نايم.
قولتله:
= البس وتعالى معايا الأرض.
قال:
= دلوقتى؟
قولت:
= آه، عايز أوريك حاجة، وبعدها بكرة الصبح نعمل اللى إنت عايزه.
لبس عبدالرحمن وخرج معايا ، طول الطريق كان بيتكلم وأنا ساكت، وقبل ما نوصل الأرض حط إيده على كتفى وقال:
= عارف يا حسن، أنا عمرى ما خفت منك، إنت أخويا الكبير، حتى لو الدنيا كلها وقفت قصادى، عارف إنك إنت مش هتقف قصادى.
معرفتش أرد ،وصلنا الأرض.
كان صابر مستنينا، وجنبه شوال فيه أدوات الحفر، كوريك وفأس وكشاف، وحبل طويل ملفوف على الأرض.
عبدالرحمن أول لما شافه وشاف الأدوات وقف مكانه.
بصلى وقال:
= إنت قولتلى إنك هتقفل الموضوع.
قولتله:
= اسمعه بس
صابر شاور ناحية المكان ، كان التراب متشال من فوق جزء صغير، وتحته فتحة ضيقة نازلة لتحت، كأنها مدخل قديم مردوم من سنين.
عبدالرحمن زعق:
= إنت حفرت هنا؟!
صابر رد:
= أنا بس كشفت المدخل
وبعدين مسك الحبل وفك جزء منه وربط طرفه كويس فى جذع شجرة على طرف الأرض.
قال:
= الفتحة عميقة، لو حد هينزل لازم الحبل يبقى متثبت.
عبدالرحمن مسك دراعى وقال:
= إحنا نمشى من هنا دلوقتى يا حسن.
كنت هتحرك معاه، والله كنت همشى، بس صابر قال:
= لو مشيت دلوقتى، بكرة كل حاجة هنا هتبقى فى إيد غيرك.
بصيت ناحية الفتحة.
عبدالرحمن شدنى وقال:
= متبصش هناك يا حسن، بصلى أنا، إحنا عمرنا ما احتجنا غير بعض.
سحبت دراعى من إيده وقولت:
= خمس دقايق بس يا عبدالرحمن، نشوف فيه إيه ونمشى.
رجع خطوة وبصلى كأنه أول مرة يشوفنى.
قال:
= إنت مش حسن أخويا اللى أنا أعرفه.
وقبل ما أرد، صابر قرب من الفتحة وقال:
= تعالى شوف بنفسك.
عبدالرحمن قرب منه وهو متعصب.
قال:
= أنا مش عايز أشوف حاجة، وإنت هتطلع من أرضنا دلوقتى.
مسكه من هدومه.
صابر زقه ،عبدالرحمن زقه أقوى ،وفى لحظة كل حاجة حصلت بسرعة.
صابر مد إيده على حجر كبير كان جنب الحفرة، ورفعه وضرب عبدالرحمن على رأسه.
صرخت:
= عبدالرحمن!
أخويا وقع على الأرض ،جريت عليه، بس جسمه اتدحرج ناحية الفتحة ووقع جواها.
سمعت صوت جسمه وهو بيخبط فى الأرض تحت.
جريت على طرف الفتحة وبصيت.
كان عبدالرحمن تحت، لسه عايش ، فتح عينه بالعافية ومد إيده لفوق.
وقال بصوت عمري ما نسيته:
= حسن، نزل الحبل.
بصيت جنبى ،الحبل كان قدامى ،نفس الحبل اللى صابر ثبته من شوية ،مديت إيدى ومسكته.
وسمعت صوت أخويا من تحت تانى:
= حسن، أنا أخوك يا حسن، نزل الحبل.
