رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الاول 1 بقلم نسرين نادر


 رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الاول 

📜  "قسوة تحت سقف الدوار"
ما إن ألقى العمدة «نعمان» شاله على كتفه وأمسك بعصاه الأبنوس ليخرج متفقداً أراضي البلدة وأشغالها، حتى أُغلق باب الدوار الخارجي خلفه.
في تلك اللحظة، أسرعت الخالة «حكمة» بخطوات واجفة ناحية الست «صفية»، وقفت أمامها ورجاؤها يسبق كلماتها:
— "بالله عليكِ يا ست صفية... ما تخليهم يئذوها! غالية متربية على إيديكِ وأنتِ عارفاها وخابراها زين، دي بنيّة غلبانة واستحالة تعمل أي حاجة من اللي قال عليها رجب!"
ربّتت الست صفية على يد حكمة بنبرة هادئة لتطمئنها:
— "ما تقلقيش يا حكمة... مش هخليهم يعملوا لها حاجة واهدِي أنتِ."
التفتت الست صفية بصرامة ونادت على وصال:
— "بكفاياكِ عاد يا وصال اللي حصل! سيبوا البت تروح تشوف شغلها وخلاص... الموضوع إتقفل على إكده!"
تبادلت «نعمة» و«وصال» نظرات خبيثة مليئة بالمكر، وسريعاً تقدمت نعمة بابتسامة صفراء لتلتف على كلام الست صفية:
— "ما تقلقيش يا حاجة صفية... أنا هاخد غالية معايا عايزاها تساعدني في كام غرض إكده، وهدّي وصال بنفسي."
نظرت لهما الست صفية بنظرة قلقة، وشعرت في داخلها بريبة وعدم ارتياح لمكرهما، لكنها هوّنت الموضوع وقالت بتنهيدة:
— "ماشي يا نعمة... أما أروح أنا أشوف ورانا إيه نعملوه."
انسحبت الست صفية، وفور مغادرتها اقتربت «زينب» و«كريمة» بلهفة ناحية غالية المكسورة عند طرف الحوش.
مسكت زينب يدها بقلة حيلة وقالت بخوف:
— "أنتِ بخير يا غالية؟ طمنيني عليكِ يا خيتي!"
أكملت كريمة بحزن وصوت خافت:
— "معلش يا غالية... معلش، ربنا قادر عليهم كلهم. إحنا كلنا عارفين إن رجب عينه منك من زمان ومستني لكِ على غلطة!"
مسحت غالية دموعها بثبات وابتسمت لهما برقة لتطمئنهما:
— "ما تقلقوش يا بنات... أنا زينة، الحمد لله."
في تلك اللحظة، قطعت «نعمة» و«وصال» كلامهن، واقتربت نعمة بنبرة آمرة حادة:
— "خلصتوا حديت معاها؟! يلا كل واحدة تروح تشوف حالها! وأنتِ يا زينب... مش فرحك قرب بكرة وبعده؟ روحي يا حبيبتي شوفي هتعملي إيه في جهازك، وسيبوا لي غالية عشان عايزاها في كام غرض إكده!"
أول ما زينب وكريمة انسحبوا ورجلهم بتمشي بالعافية من القلق... اتفضت «وصال» وزعقت بغل وهي بتكز على سنانها:
— "تعالي معايا يا غندورة! تعالي أما أوريكي الشغل على أصوله... بقى أنتِ يا بت يالي ما تسويش، ترفعي يدك العكرة دي تمديها على ولدي؟! تمدي يدك على سيدك وتجراسك «رجب»?!"✍️ بقلم الكاتبة: نسرين نادر

انقبض وش غالية من الوجع، لكنها سحبت يدها بقوة ومسحت نقطة الدم من على شفتها، وبصت لـ «وصال» بعيون مليانة كبرياء وقالت بصوت ثابت يهز المكان:
— "ولدك اللي بتقولي عليه ده يا خالة وصال... لا هو سيدي ولا تاج رأسي! ولدك ناقص تربية ولا يعرف أصول ولا يعرف يحترم حريم الدوار! ولو فيه ريحة الرجولة صُح، ما كانش نسي نفسه وتطاول على بنت مالهاش حد! وأنا يدي ما تتمدش غير على اللي يحاول يكسر كرامتي أو يمس شرفي... حتى لو كان مين في الدوار ده!"
اتشاطت وصال من ردها الحاد، فـ قربت «نعمة» بسرعة ومسكت إيد وصال نزلتا من شعر غالية، وقالت بصوت محذر:
— "مش هنا يا وصال! صوتنا هيعلى تاني وهنلموا علينا الست صفية، وساعتها هتجول لنعمان وإحنا مش ناقصين وجع دماغ! سيبيهالي تعالي معايا... أنا عندي ليها مكان حلو جوي جوي!"
في اللحظة دي، ظهرت «سَمَر» بنت نعمة بابتسامة خبيثة، وقالت لأمها بصوت واطي:
— "أنا فتحت المكان يا أمّا... كل حاجة جاهزة!"
سحبت «وصال» غالية بغشم من دراعها، ورزعتها جوة مخزن الغلة الضيق والمكتم، وبصت للشِوالات المَرْصُوصَة ورجعت بصت لغالية بشر وقالت:
— "يلا وريني بقى شطارتك يا حلوة! شفتي كل الشِوالات دي؟ ده طن غلة بحاله... هتغربليه كله وتنقي الحصى اللي فيه حباية حباية! وحسك عينك ألاقي فيه حاجة ما تعجبنيش!"
ومسكتها وصال من شعرها وشدتها بقوة لورا:
— "وإلا والله العظيم لأندمك وأطلعك من هنا بفضيحة!"
قربت «نعمة» منها وحطت إيدها في جنبها وقالت:
— "اعملي لك همّة بقى يا بت وخلصي اللي في يدك ده! واعملي حسابك... العشية مش هتيجي عليكِ وأنتِ قاعدة بتنقي في الغلة، العشية تيجي تكوني مخلصة كل ده أحسن لك، لأني هأقلب عليكِ وقلبتي طين وأنتِ عارفاني زين!"
رغم إن جسدها مهدود من التعب والوجع، رفعت «غَالِيَة» رأسها وبصت لهم بعيون ثابتة وهي بتحاول تستجمع شجاعتها وقوتها وما تتكسرش قدامهم، وقالت:
— "وأنا هعمل كل ده لوحدي إزاي؟! ليه... شايفيني موتور إن شاء الله?!"
في اللحظة دي، هجمت «سَمَر» ومسكت دراع غالية بغشومية ولوته لورا:
— "لمّي لسانك يا بت! أنتِ بتردي في وش أمي ولا إيه؟! الظاهر إنك نسيتي حالك يا بت... اقفلي خشمك ده بدل ما أقطع لك لسانك أحسن لك!"
وقربت «راوية» وقفت قدام وش غالية وبصت لها بغل وقالت:
— "اسمحي لي يا عمتي... البت دي نسيت إن هي خدامة هني، وفاكرة روحها ست البنات عشان كام واحد اتغشوا في وشها! ومفيش أكل ولا شرب ليكي النهار ده خالص غير لما تخلصي! عايزة تاكلي وتشربي؟ خلصي اللي في يدك ده كله، وإلا مش هتلاقي لقمة واحدة تحطيها في خشمك ولا نقطة مية تبل ريقك!"

ابتسمت «غَالِيَة» بوجع لكن بسخرية وشموخ، وبصت لـ «راوية» بثبات ومردتش عليها بضعف، بل قالت بثقة ويقين:
— "اللقمة اللي بتذليني بيها دي يا راوية من خير ربنا ثم خير الحاج نعمان، مش من جيبك! واللقمة اللي تيجي بإهانة وكسرة نفس... والله ما تخش خشمي ولو أموت من الجوع! افرحوا بقفل الباب عليّ زي ما أنتم عايزين... بس افتكروا زين إن السد لما بيتفتح بياخد في طريقو الكل!"
اتصدموا من قوة رد غالية، ورزعت «وصال» الباب الخشبي الثقيل في وشها بقوة من غيظها، وقفلوه بالترباس العالي من بره، وسابوها في الضلمة والتراب.
أول ما طلعت «نعمة» و«وصال» من المخزن، سمعوا صوت الست «صفية» وهي واقفة في صالة الدوار ماسكة تليفونها، ووشها منور بابتسامة وفرحة مش سايعاها.
كانت بتكلم «يُونُس» ولدها وهو راجع من البندر، وصوتها طالع مليان حنان وشوق:
— "يا مرحب يا قلب أمك... توصل بالسلامة يا يونس يا ولدي، الدوار كله مستنيك على نار، ربنا يحفظك من السوء ويجيبك لينا بخير وسلامة يا حبيبي."

سمعت «نعمة» و«وصال» وسَمَر وراوية الكلام، وفي ثواني عيونهم طقت شرار وطمع!
سحبت «نعمة» بنتها «سَمَر» من دراعها ودخلت بيها على الناحية الثانية، وقالت لها بصوت واطي وهي بتهزها:
— "قومي يا بت اتظبطي وسبّحي وتعدلي، وخليكي على السنجة عشرة! يونس ولد عمك جاي من البندر وبكرة يمسك الدوار والعمدة من بعد أبوه، مش عايزاكي تسيبيه ولا عايزاه يشيل عينه من عليكِ أول ما يدخل الدوار!"
ابتسمت سمر بانتصار ولؤم، وفي نفس الوقت، كانت «وصال» بتسحب بنتها «راوية» من إيدها بغشم ودخلت بيها أوضتهم، ورزعت الباب وراهم.
بصت وصال لوش راوية الملوّي والعاقد، وزعقت فيها بحدة وغل:
— "ادخلي يا بوز الفقر أنتِ! اعدلي حالك ولا شوفي هتظبطي نفسك إزاي! لمّي شعرك الناشف ده ولا حطي عليه شوية جاز أبيض خليه ينعم ويطرى، وافتحي وشك ده بحبة بودرة بدل السمار اللي في وشك ده!"
وقفت وصال قدام المراية ومسكت وش راوية بغشم ولفّته ناحية الزجاج:
— "بصي لروحك في المراية يا خايبة! سَمَر دلوقتي قائمة تتزين وتتجلع عشان تتخطف لعين يونس أول ما يدخل... وأنتِ قاعدة لي كيف العادة! ده حتى الخدامة اللي ما تسواش قرشين في سوق الحريم طالعة كيف القمر من غير ما تحط نقطة زينة على وشها! روحي بصي في وشها واعملي لك حاجة عدلة منها بدال ما تفضلي بور بورتك إكده!"
الكلام نزل على قلب «راوية» زي السم اللي بيغلي في صدرها! الغيرة أكلت قلبها وأعصابها شاطت...
خرجت «راوية» من الأوضة وصدرها بيعلو ويهبط من الغل، راحت لـ «سَمَر» وقالت لها بنبرة لئيمة:

— "بقولك إيه يا سمر... دلوقتي يونس ابن عمك هييجي، وأنتِ عارفة البت المحروقة دي كل يوم بتزيد حلاوة عن الأول من غير ما تحط حاجة! ويونس كان حاطط عينه عليها من زمان، ولو جه وشافها بالجمال ده هتعجبه تاني! البت كل يوم عمالة بتحلاوّ... إيه رأيك تيجي معايا نلعبوا في وشها شوية، ونقُصّوا شعرها اللي قاعدة بتتمايل بيه وشوية كمان وهيواصل للأرض ويشحطط وراها?!"
دار كلام راوية في دماغ «سَمَر»، وافتكرت على طول نظرات يُونُس لغالية زمان، وكلامه واهتمامه بيها، وقد إيه كان بيخاف عليها وما كانش بيخلي حد فيهم يبص لها بعينه حتى!
في ثانية، الغيرة شاطت في قلب سمر وعيونها طقت شرار، وبصت لراوية وقالت بشر:
— "وأنا معاكي! يلا دلوقتي... الحاجة صفية راحت تشوف هتعمل إيه عشان ولدها، وزينب وكريمة بيلفوا في جهاز زينب يخلصوه، وأمي وأمك زمانهم في الأوضة جوة... تعال ننزلو نتسحبو ونوروها الشغل على أصوله!"
✍️ بقلم الكاتبة: نسرين نادر
في عتمة الليل، والدوار كله ساكن والهدوء مخيم على الممرات... يتسحبوا الاثنين كيف الأفاعي لحد ما وصلوا لمخزن الغلة.
فتحت «راوية» الترباس بالراحة وبدون صوت، ودخلت وهي مسكة في إيدها مقص حامي، ووراها «سَمَر» شايلة جردل مية مش نظيفة.
جوة المخزن، ورغم الضلمة والتعب والجوع اللي يهد الجبال... كانت «غَالِيَة» قاعدة بين الشِوالات، شالها مربوط على رأسها، بتستمر في تنقية الغلة حباية حباية، ووشها عرقان بس رافضة تتكسر أو تستسلم!
أول ما حسّت بالباب بيتفتح ولمحتهم في الضلمة، اتفضت واقفة بثبات، وسحبت طولها واستجمعت كل قوتها وعزتها، وضمت شالها على صدرها وبصت لهم بعيون تحدي.
هجمت «راوية» بغل ورفعت المقص عشان تقص شعرها، وقربت «سَمَر» تمسك إيد غالية... بس غالية ما كانتش صيد سهل!
دفعت «غَالِيَة» سمر بقوة لورا لحد ما خلتها تتكعبل في الشِوالات، ورفعت إصبعها في وشهم وصاحت بنبرة حادة هزت جدران المخزن:
— "حسك عينك أنتِ وهي تقربوا مني! وحياة ربنا لو فكرتوا تمدوا يدكم عليّ لأصرخ بـأعلى صوت وألمّ عليكم الدوار كله، وأكشف عمايلكم الوسخة قدام الحاج نعمان والحاجة صفية!"
تسمرت «سَمَر» و«راوية» مكانهم من الخضة ومفاجأة قوة رد فعلها، والخوف ركبهم إن صوتها يعلى وتعمل لهم فضيحة في الدوار قبل ما يُونُس يوصل.
من غيظ «سَمَر» وقهرتها، اندفعت وبغشم كبّت جردل المية المش نظيفة بغل في اتجاه غالية والغلة، وقفزوا هما الاتنين لورا ورزعوا الباب وقفلوه بالترباس العالي وجريوا في الممر!
سحبت «غَالِيَة» نفسها بالعافية، وبصت لشُوال الغلة المبلول بأسى وحزن، لكنها جمعت شتات روحها وقالت في سرها وهي بتتنفس بسرعة:

"الحمد لله... جت على شُوال واحد بس، ربنا يستر."
رفعت غالية عيونها للمخزن فوق، وكأنها بتبص للسما بين الضلمة، وشفايفها تهمس بصوت مبحوح ومليان دموع:
"يا رب... يا رب وحدك عالم باللي بيحصلي، ويا رب وحدك اللي قادر علي الكُبَار في الدوار ده."
نزلت دمعة دافية على خدها، وغمضت عينها وافتكرت ملامح «يُونُس» وضحكته وهي بتهز رأسها بوجع وحسرة:
"الله يسامحك يا يونس... الله يسامحك على اللي أنا فيه، سبتني في وسطهم كإني مالياش حامي ولا سند!"
على الناحية الثانية، كانوا بيجروا وهما بينهجوا لحد ما وصلوا للممر المعزول.
بصت «راوية» لـ «سَمَر» بنظرة خيبة أمل وقالت وهي بتتنفس بالعافية:
— "بس إحنا كده يا سمر ما عملناش في وشها ولا شعرها حاجة!"
ردت «سَمَر» بابتسامة خبيثة ولؤم يقطر منها:
— "ما تقلقيش يا بت... بكرة أمي وأمك هما اللي هيعملوا فيها الأوايل! وكمان الحاجة صفية مش هتسكت... ما تنسيش إن دي غلّة الدوار، ولما يلاقوا الغلة بتاعتنا مبلولة وبايظة إكده، شوفي بقى هيعملوا في الغندورة إيه!"
✍️ بقلم الكاتبة: نسرين نادر
جوة المخزن الضيق... كان البرد قارس جداً بحكم إنهم في قلب الشتا.
المية المش نظيفة المكبوبة جَت على هدمة غالية البسيطة فبُلتها بالكامل، والجو ثلج ومش قادرة تتحمل! جسدها كله بقى يوجعها ويرتعش من شدة البرد، وبإيديها الساقعة والمخدّرة كانت بتحاول بالعافية تلم في الغلة، وتبعد الشُوال المبلول عن الغلة الناشفة عشان ما تبوظش.
كانت بتعافر وتشتغل وهي مش قادرة خالص... الجوع يقطع في مصارينها والعطش جفف حلقها، لحد ما خارت قواها، وغُلب عليها التعب، فقطعت أنفاسها ووقعت مكانها على الأرض الباردة بين الشِوالات من قلة الأكل والإنهاك!
✍️ بقلم الكاتبة: نسرين نادر
في الناحية الثانية، ومع شقشقة الفجر الأولى...
كانت الخالة «حكمة» ما غمضتش ليها عين طول الليل، قاعدة مستنية غالية ترجع أو تظهر ومش جاية!
قلبها كان بياكلها من القلق، وكانت عايزة تروح للست صفية من بدري تتحدث معاها، بس خافت وصال ونعمة يلمحوها في الليل فيزعقوا لها ويطردوها، فقالت تصبر وتحسبها بالطقس.
استنت الخالة حكمة لحد ما لقت البيت كله بدأ يصحى وينزل حركة، وهي عارفة إن الوقت ده بالذات هو ميعاد نزول الحاج «نعمان» والست «صفية» صالة الدوار لأنهم أول ناس بينزلوا.
خرجت حكمة بخطواتها الضعيفة واجفة، ورجلها بتسبق روحها وهي راحة للست صفية عشان تلحق غالية وتتترجاها تطلعها...
وفجأة! وقبل ما توصل لباب صالة الدوار...
خبط الغفير «نجاتي» على باب الدوار الخارجي بلهفة وسرعة وهو بينادي بصوت عالي:
— "الحق يا حاج يا عمدة! الحقي يا ست صفية... سي يونس بيه وصل من البندر وعربياته دخلت الحوش!"
في ثواني، الدوار كله اتدبّت فيه الحركة وكل العيلة نزلت صالة الدوار عشان تكون في استقباله؛ العم «عبد الرحيم» والعم «عبد الحميد»، و«منصور» خطيب زينب اللي كانت الفرحة باينة في عيونه إنه هيشوف يونس ويتشدد بيه، ونزلت كمان «زينب» و«كريمة» بلهفة وشوق عشان يسلموا على يونس.
في الوقت ده، كان «رجب» نازل السلم ووشه مكشر ومليان غل، فقربت منه أمه «وصال» وبصت له بحدة ووشوشته بصوت واطي:
— "افرد وشك ده يا ولدي ما ينفعش إكده! عايزهم يلمحوك بالمنظر ده يقولوا عليك إيه?!"
رد رجب بغيظ ونبرة تقطر حقد:
— "يعني هو لازماً كلاتنا نكونوا في استقبال المحروس بتاعهم؟! أنا مش فاهم إيه العبارة یعنی... طول عمره واكل الجو علينا في كل حاجة!"
قبل ما وصال ترد عليه، انفتحت أبواب صالة الدوار الكبيرة، ودخل «يُونُس العزازي» بطوله وهيبته، وهيبة الصعيد طالعة منه، وجنبه صاحبه وذراعه اليمين «أيمن».
أول ما شافته الحاجة صفية، أسرعت ناحيته بشوق ودموع الفرحة في عينيها، وحضنته بلهفة أم مستنية ولدها. وقف الحاج «نعمان» بابتسامة فخر واعتزاز وسلّم على ولده وهو بيطبطب على كتفه، وبدأ الكل يلتف حول يونس ويسلموا عليه ويرحبوا بيه بحفاوة شديدة...
كان الترحيب مزيج من القلوب؛ منهم اللي بيحبه بجد وفرحان لرجوعه زي منصور وزينب وكريمة، ومنهم اللي واقف عامل نفسه بيحبه وبيبتسم في وشّه بإنفاذ ولؤم وهو بيخفي الغل والحقد جواه زي رجب ونعمة ووصال!
وفي وسط الزحمة والصوت العالي بالترحيب، انتهزت الخالة «حكمة» الفرصة وتقدمت بقلة حيلة ناحية الست صفية ويونس، وقالت ودموعها نازلة:
— "بالله عليكِ يا ست صفية... الحقوا غالية! مقفول عليها من أمبارح في مخزن الغلة وممنوعة من الأكل والمية!"
ضرب الحاج «نعمان» بعصاه الأبنوس على الأرض بقوة هزت المكان، وبص للحالة حكمة بذهول واستنكار وقال:
— "كيف ده؟! وليه ما جيتيش جولتي لي يا حكمة من أول ما جيت إنها مقفول عليها في المخزن في الجو الثلج ده?!"
بصت الخالة «حكمة» الخايفة لنعمة ووصال اللي كانت عينيهم بتبارق بالشر والتهديد، فتراجعت حكمة وحطت عينها في الأرض بسكوت وقهر ورعشة.
وقفت «زينب» وقربت «كريمة» بلهفة وشهدوا على الكلام بصدمة ونبرة مقهورة:
— "إحنا دورنا عليها كتير أوي ومكناش عارفين هي فين... دي ما حطتش لقمة واحدة في خشمها من فجر ربنا!"
انقطعت الضحكات فوراً، وخيّم السكون التام على صالة الدوار...
اتسمرت عيون «يُونُس» على الخالة حكمة وزينب، وتحولت ملامحه الهادئة في ثواني لبركان غضب يغلي.
التفت «يُونُس» لأمه والعيلة كلها، وصوته طلع حاد زي السيف يهز الدوار:
— "مقفول عليها من أمبارح في الجو ده وممنوعة من الأكل?! مين اللي اتجرأ وقفل عليها في المخزن?!"
في اللحظة دي، جرت الحاجة «صفية» بسرعة ومسكت دراع يونس بلهفة وقلق غريب، ووشها أصفرّ من الخوف وهي بتحاول تمنعه يروح بنفسه:
— "اهدى يا يونس يا ولدي... اهدى وروق، الغفير هيروح يفتح لها الوقتي ويطلعها، ما تدخلش نفسك أنت في الشغلات دي يا حبيبي!"
كانت الحاجة صفية خايفة خيرة مريبة؛ مش بس عشان المشاكل، دي كانت خايفة من نيران الغضب اللي طالعة من عيون ولدها يونس، وخايفة يتلاقى بالعيون مع غالية قدام الدوار كله!
بس «يُونُس» ما استناش حد، نزل إيد أمه بالراحة لكن بثبات، وبخطوات واسعة وقوية كأنه عاصفة هزت الممر، اتجه فوراً ناحية مخزن الغلة ووراه الحاج نعمان والدوار كله بيجري وراه بذهول وترقب للي هيحصل!
✍️ بقلم الكاتبة: نسرين نادر
وصل «يُونُس» قدام باب مخزن الغلة الخشبي الثقيل، ووقف قصاده زي السد المنيع. رفع إيده الفولاذية ورزع على الباب ثلاث خبطات متتالية هزوا المخزن والممر كله، وصوته الجهوري طلع يرن في المكان:
— "غالية! أنتِ جوة يا غالية؟! أوعي تكوني جريبة من الباب!"
ما جاش أي رد من جوة المخزن غير صوت سكون يرعب القلب...
ما استناش «يُونُس» ثانية واحدة؛ مسك الترباس التقيل بيده القوية، وبضغطة واحدة حادة وشدة غشيمة كسر الترباس ورزعه لورا، وفتح الباب على آخره!
أول ما الباب انفتح... اتسعت عيون الكل بصدمة وذهول من المنظر اللي جوة!


تعليقات