رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثاني 2 بقلم نسرين نادر


 رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثاني 

📜 حين اشتعلت النخوة
أول ما الباب الخشبي اتكسر، ورزعة الترباس رنّت في الممر... اتجمّد يُونُس في مكانه، وخيّم السكوت على الدوار كله.
جوة المخزن الضيق، وفي قلب العتمة والتراب والبرد... كانت «غَالِيَة» ممددة على الأرض الباردة بين الشِوالات. هدمتها البسيطة مبلولة من المية المكبوبة حواليها، وشالها مربوط على رأسها، ووشها أصفر من التعب والإنهاك.
اتسعت عيون يُونُس بصدمة أول ما شافها؛ البنية اللي سابها زمان كبرت، بس جسمها بقى نحيف، وباين عليه الشقا والتعب الشديد... واقفة بين الحياة والموت من قلة الأكل والبرد!✍🏻بقلمي نسرين نادر 
اندفعت الخالة «حكمة» من وراهم وجرت جوة المخزن، ولطمت على صدرها بلهفة، ودموعها نازلة على خدها:
— «يا مُرّي يا بنتي! يا مَرّي عليكِ يا غالية! الحقوني... البت جثتها تلج وما بتتنفسش! شيّعوا للحكيم بسرعة، يلحقها!»
في ثانية واحدة، الهدوء اللي كان على وش يُونُس اتحول لغضب عارم!
من غير ما يفكر ولا يحسب حساب لأي حد واقف بره، نزل يُونُس على ركبته وشال «غَالِيَة» بين إيديه، ورفعها على صدره عشان يبعدها عن الأرض الساقعة.
عيونه كانت بتغلي غضب وهو بيسأل بصوت حاد رجّ الممر:
— «مين اللي قفل الباب على البت دي بالمنظر ده؟! وإزاي تسيبوها إكده في البرد من غير أكل ولا مية؟!»
اتجه يُونُس فورًا ناحية أوضة الخدامين القديمة، اللي عارف إن غالية بتنام فيها مع الخالة حكمة، بس أخته «زينب» جرت وراه بسرعة، وشاورت له على آخر الممر وقالت بنبرة خايفة:
— «لأ يا يونس، مش هنا... تعالى من هنا يا أخوي، أوضتها في آخر الممر.»
استغرب يُونُس في نفسه جدًا؛ إزاي غالية تنام في الجهة دي من الدوار، اللي مفيش مخلوق بيعدّي ناحيتها أصلًا؟!
مشى ورا زينب لحد ما فتحت الباب، وقالت بصوت واطي:
— «أهي الأوضة دي...»
أول ما يُونُس دخل وهو شايلها، اتصدم من المنظر!
الأوضة ضيقة ومكتومة، وجواها مرتبة مقطعة على الأرض لا تصلح حتى للاستخدام، وملاية بسيطة بالية، المفروض إنها تتغطى بيها في عز برد الشتا!
اتنفض يُونُس مكانه من الصدمة، وبص لأمه والعيلة اللي واقفين وراه بذهول، وزعق بصوت هز جدران الممر:
— «هي دي الأوضة اللي بتنيّموا فيها غالية؟!»
الكلمة هزت صالة الدوار كأنها صاعقة!
العمدة «نعمان» اتلفت فورًا، وبص للست «صفية» باستنكار وغضب شديد، وقال:
— «من متى وغالية بتنام في الأوضة دي يا صفية؟! وليه محدش جالي ولا خبرني بالحكي ده؟!»
صفية اتلجلجت، ووشها اتغير، وما عرفت ترد من شدة الارتباك.
وفي اللحظة دي... يُونُس ما استناش يسمع مبرر من حد.
لفّ بجسمه بغضب عارم وهو شايل غالية على صدره، وخرج بيها من الأوضة بخطوات واسعة وقوية.
أمه الست صفية وقفت في طريقه بلهفة وقلق وقالت:
— «على فين يا ولدي؟! ما دي الأوضة بتاعتها!»
ولا كأنه سمعها، ولا كأنه شايفها... عدّى من جنبها وثبّت خطوته، وكان رايح بيها مباشرة ناحية جناحه!
العمدة نعمان فضل متابعه بعينيه في صمت وثبات؛ كان عارف ولده ونخوته زين، وفاهم إن يُونُس باللي بيعمله ده بياخد حق مظلومة اتنسيت في دار العمدة، وبيعيد للهيبة ميزانها!
في الوقت ده، وقفت «نعمة» و«وصال» و«رجب» و«سمر» و«راوية» مذهولين ومصدومين من الجرأة والموقف اللي عمله يُونُس قدام الدوار كله، وعيونهم بتطق شرار وغيرة!
صعد «يُونُس» السلم بخطوات ثقيلة ومحسوبة وهو شايل «غَالِيَة» بين إيديه، ووراه الخالة «حكمة» و«زينب» بيجروا بلهفة.
فتح باب جناحه الخاص؛ الأوضة الواسعة الدافية، المفروشة بأثاث متين وفخم، وحط «غَالِيَة» بكل رفق على السرير.
التفت لزينب وقال بصوت واطي لكنه حاسم:
— «روحي يا زينب هاتي لها هدمة نظيفة من عندك، وغيّروا لها الهدوم المبلولة دي بسرعة، وغطوها زين باللحاف لحد ما تشعر بالدفا.»
ردت زينب بلهفة:
— «من عيوني يا أخوي... حالًا.»
سحب يُونُس تليفونه، وسرّع الاتصال بـ«مَنصُور». وأول ما رد، قال له يُونُس بصوت حاد ومستعجل:
— «هات الحكيم معاك يا منصور وتعال على الدوار فورًا!»
قفل التليفون، وكانت الخالة «حكمة» قعدت على طرف السرير وأخدت «غَالِيَة» في حضنها، بتحاول تدفيها بحنية.
وفي الوقت ده، خبطت «كَرِيمة» على الباب، ودخلت وهي ماسكة في إيدها كوباية حاجة دافية عشان تفوق بيها غالية أول ما تفتح عينها.
قرب يُونُس وقعد يبص لغالية نظرة أخيرة قبل ما يخرج... نظرة مليانة حزن ووجع، وقال في سرّه بنبرة حاسمة:
(والله لأربّي اللي عمل فيكِ إكده يا غالية...)
التفت يُونُس ومشى ناحية الباب، وفتحه وخرج.
وأول ما قفل الباب بهدوء وراه... اتفاجأ بأمه الست «صفية» واقفة في وشه في الممر!
اتجمّدت الست صفية في مكانها من قوة رد ولدها ووقفته الحاسمة، وقلبها اتقبض بريبة وخوف شديد؛ خايفة من النار اللي بتغلي في عيون يُونُس، وخايفة أكتر من الشك اللي بيأكلها إن الميل القديم لسه عايش في قلبه!
بصت له صفية بعيون مليانة قلق وغضب مكتوم، وقالت له بصوت واطي ومذعور:
— «إيه اللي عملته تحت ده يا يونس؟! الدوار كله واقف مصدوم، وبنات عمك عينهم هتطلع من الغيرة والنار! تعلّي قدر البت وتجيبها تنام في جناحك قدام العيلة كلياتها؟!»
رد عليها يُونُس بثبات شديد، وعيونه فيها لمعة عتاب ورفض قاطع:
— «دي مش خدامة يا مّا... دي البنية اللي اتربت هني، واللي سبتوها توصل للمرحلة دي من الذل من غير ما حد يحميها! وغالية مش هتنزل من الأوضة دي، ولا هتسيب الجناح ده، غير لما نطمن عليها، وأعرف إيه اللي جرى ومين اللي اتجرأ وقفل عليها الباب بالمنظر ده!»
أول ما يُونُس ساب أمه ونزل يبعث منصور يجيب العلاج، كانت الحريم تحت في صالة الدوار قاعدين على أعصابهم، والنار بتاكل في قلوبهم!
التفتت «راوية» لـ«وصال» و«نعمة»، وبصت حواليها برعب وقالت بصوت واطي بيهتز:
— «يا وجعة مهببة! يُونُس لو عرف إن اللي حصل في غالية ده لينا يد فيه، هيقوم الدنيا ومش هيقعدها واصل! ما شفتوش كان خايف عليها إزاي؟! ووشه كان راكب فيه ميت عفريت!»
ردت «سمر» والغيرة والغل بينقطوا من كلامها، وشفايفها بترتعش:
— «شفتوه شالها بين إيديه كيف؟! وطلع بيها على جناحه... جناحه اللي مفيش مخلوق كان يجرؤ يخطيه ولا يهوّب ناحيته! نيم فيه الخدامة على سريره! هنعملوا إيه دلوك يا مّا؟! ده لو فاقت وقالت الحقيقة هنروحوا في داهية!»
صرخت فيها «نعمة» بصوت مكتوم وهي بتهز كتافها بغضب:
— «اكتمي يا بت إنتِ وهي، وما تنطقوش بكلمة! عبال ما نشوفوه ناوي على إيه... وهي لو اتكلمت، هنقولوا إنها هي اللي اتبلت على رجب، واستخبت في المخزن من خزيها وسواد عملها!»
اتعدلت «وصال» وبصت لولدها «رجب» اللي واقف ملجلج ومربوك في الممر، وقالت بتأكيد وخبث:
— «أيوة... هو ده اللي حصل، وإحنا كلياتنا مش هنقولوا غير كده قدام العمدة ويُونُس!»
في الوقت ده، دخلت «زينب» الأوضة ومعاها الهدمة النظيفة، ومسكت هي والخالة «حكمة» و«كريمة» يغيّروا لغالية هدومها المبلولة.
كانت غالية جسمها بيتكتك من الثلج، ومش قادرة خالص ترخي جسمها أو تتنفس من شدة التعب.
مرّت دقائق قليلة، ودخل «مَنصُور» وهو بيلهج، ومعاه «الحَكِيم»، وطلعوا فورًا على جناح يُونُس فوق.
دخل الحكيم الأوضة، وجنبه الخالة «حكمة» والست «صفية» و«زينب» و«كريمة» متابعين بحذر وقلق.
قعد الحكيم جنب غالية، وكشف عليها وقاس لها الحرارة والنبض، وهز رأسه بأسى وأسف شديد وهو بيبص لهم وقال:
— «البنية حالتها صعبة جوي جوي يا جماعة... عندها حُمّى شديدة وارتفاع خطر في درجة الحرارة بسبب البرد القارس، وجسمها مهدود ع الآخر. ده غير إن أظافرها ووشها أصفرين من الضعف، وبأمانة كده البنية دي شكلها عندها فقر دم حاد وسوء تغذية شديد، كأنها بقالها أيام ما حطتش لقمة عدلة في خشمها! هي محتاجة علاج سريع وكام تحليل عشان نطمنوا على نسب الدم، ولازم ترتاح راحة تامة وما تجهدش روحها واصل!»
خرج الحكيم من الأوضة، وكان يُونُس واقف ومستنيه في الممر بره بملامح حادة وزي الجمر.
قرب منه الحكيم ونقل له تقريره الطبي بدقة، وكل كلمة كانت بتنزل على قلب يُونُس زي صب الزيت على النار!
طلعت الست «صفية» والحكيم ومعاهم باقي الحريم من الأوضة، وقفلت الخالة «حكمة» الباب وراهم بهدوء، وفضلت قاعدة جنب السرير تمسح على رأس غالية بحنية.
مرت كم دقيقة...
وتبدلت أنفاس غالية المتسارعة لنَفَس أهدى شوية.
بدأت جفونها تترعش بطريقة خفيفة، وصدرها يترفع وينزل براحة.
فتحت عيونها الخضرا بتعب شديد، والغشاوة بدأت تروح من قدام عينيها بالتدريج.
بصت حولين منها باستغراب وذهول...
الدفا لفح وشها، السقف عالي ومرسوم، والأوضة واسعة ومفروشة بأثاث فخم، يختلف تمامًا عن عتمة المخزن ولا حتى أوضتها الصغيرة!
أول ما غالية فتحت عيونها وسألت، دمعت عين الخالة «حكمة»، وخدتها في حضنها بشوق وحنية وخوف عليها وقالت لها بلهفة:
— «ألف حمد وشكر ليك يا رب! الحمد لله على سلامتك يا بنتي... قلبي كان هينخلع عليكِ يا غالية! لقيناكِ مغمى عليكِ في المخزن، وهدومك كلها مبلولة، وجثتك زي التلج، وحرارتك عالية عالية جوي... ويُونُس الله يبارك له جه وشالك وجابك على جناحه، وقال ما تتحركيش خالص غير لما نطمنوا عليكِ، وشيّع للحكيم وجابه طوّالي هنا!»
اتربكت غالية، ووشها احمرّ وشفايفها اترعشت بصدمة، وقالت بصوت بحوح ومش مصدقة:
— «يُونُس؟! هو... هو سي يُونُس رجع؟!»
وقبل ما الخالة حكمة ترد عليها، جه خبط خفيف على الباب.
فقالت حكمة بصوت دافي:
— «ادخل...»✍🏻بقلمي نسرين نادر 
اتفتح الباب ودخلت الست «صفية»، وجت ناحية السرير وعيونها بتدرس غالية بحذر، وقالت بنبرة حاولت تخليها دافية:
— «الحمد لله على سلامتك يا غالية... القلق أكل قلوبنا عليكِ يا بنتي.»
ردت غالية بتعب وهي بتحاول تتعدل:
— «الله يسلمك يا خالة...»
التفتت الست صفية للخالة حكمة وقالت لها بأمر هادي:
— «انزلي إنتِ يا حكمة، اعملي لغالية شوربة دافية لأجل تدفيها وعشان تقدر تاخد العلاج.»
قامت الخالة حكمة فورًا وقالت:
— «من عيوني يا ست صفية... هروح طوّالي أعملها وأجيلك يا بنتي.»
خرجت حكمة وقفلت الباب وراها.
قعدت الست صفية على طرف السرير جنب غالية، وبصت في عيونها وهي بتقول في سرّها:
(ما قداميش حل غير ده... لازم أطفي أي شرارة في قلبها من الأول قبل ما تكبر!)
طبطبت على إيدها، ونبرة صوتها اتغيرت لنغزة مسمومة متغلفة بحنية مزيفة:
— «يُونُس ولدي اللي جابك هني يا غالية، وكان قلقان عليكِ جوي... الله يصلح حاله ويحميه، طول عمره عنده نخوة وبيعتبرك زي زينب وكريمة إخواته بالظبط، وما يرضاش بالظلم لأي حد كبر في دار أبوه... دا حتى نزل من البندر المرة دي عشان خلاص كبر، وأنا وأبوه ناويين ننقوا له عروسة بنت أصول ونفرحوا بيه ونطمنوا على مستقبله، وقبل ما نفتحوا في الكلام ده قال لي لازم الدوار كله يبقى رايق ومفيش حد زعلان.»
نزلت الكلمات على «غَالِيَة» زي جمرة نار!
عتاب حاد ووجع قتّال شعل جوة صدرها... صرخت روحها في سرها بلوم واقعي يقطع القلب:
(طب ليه يا سي يُونُس؟! ليه تشيلني بين إيديك قدامهم كلياتهم، وتشق بيا الدوار، وتوقف الدنيا على رجل... وإنت في عقلك حياة ثانية وعروسة ثانية؟! ليه تصحّي الوجع القديم في قلبي وتخليني أفتكر إن ليّ جيمة عندك، وإنت كل اللي عملته ده مجرد شفقة ونخوة أخ لأخته؟!)
بس كبرياء البنت الصعيدية وعزة نفسها كانوا أسرع من دموعها.
بلعت الغصة المُرّة اللي في حلقها، وزاحت كسرتها ورا نظرة ثبات مكسورة، ورسمت ابتسامة باهتة على وشها الأصفر، وقالت بصوت بحوح متقطع، بس رزين وهادي:
— «ربنا يفرح قلبك بيه يا خالة صفية... سي يُونُس سيد الرجالة، ويستاهل كل خير.»
الست صفية اتنفست براحة لما شافت هدوء غالية ورزانتها، وطبطبت على كتافها وقالت وهي بتقوم من جنبها:
— «تسلمي يا بنتي... الله يرضى عليكِ ويريّح بالك. ارتاحي إنتِ بقى عقبال ما حكمة تجيب الشوربة الدافية.»
خرجت الست صفية وقفلت الباب وراها بهدوء...
وأول ما اتقفل الباب، اتفتحت سدّات الدموع في عين غالية، وسحبت اللحاف على وشها عشان تخبي صوت شهقتها ووجعها جوة جناح يُونُس!
وفي البارندة الواسعة بتاعة الدوار... كان العمدة «نعمان» قاعد ومستند على عصايته بخشبها الأبنوس المطعّم، وعلى وشّه علامات هيبة وشرود ثقيل.
قاعدين قباله أخواته؛ «عبد الرحيم» و«عبد الحميد»، والشر والغيرة بياكلوا في قلوبهم من الموقف اللي عمله يُونُس قدام الدوار كله! ✍🏻نسرين نادر 
حط «عبد الرحيم» كاس الشاي من إيده برزعة خفيفة، وبص للعمدة نعمان بنبرة مليانة اعتراض وخبث وقال:
— «إزاي يا حاج نعمان... إزاي يُونُس يمسك البت الخدامة دي ويشيلها على صدره قدام الخدامين والخلق كلياتهم، ويروح يحطها في جناحه وعلى سريره المخصوص؟! ما كان يوديها أوضتها... ولا يوديها أوضة الخدم، ولا حتى أوضة بنية من إخواته اللي في الدار! إكده الخدامين والبلد هتقول إيه على ابن العمدة وعلى الدوار؟!»
التفت له العمدة «نعمان» بالراحة، وبص له بنظرة قاسية حادة شالت الكلمة من خشمُه، وقال له بصوت رزين وتقيل يخرّص الصخور:
— «خلصت حديثك المسخ ده يا عبد الرحيم؟! همّكمش البت اللي كانت مرمية بين الحياة والموت، وجايين تتكلموا في كلام فاضي وفارغ لا يودي ولا يجيب؟!»
اتلجلج «عبد الرحيم» هبابة، بس حب يرقّع كلامه ويزود النار حطب، فقال بهمس مسموم:
— «إحنا ما قولناش حاجة يا حاج... بس ليه ياخدها على جناحه بالذات، ويقوم الدنيا ويقعدها عشانها إكده؟! ما تكونش البت دي واحدة منينا وإحنا مش عارفين، وإحنا فاكرينها خدامة؟!»
اتعدل «عبد الحميد» في قعدته وهو بيمسح على لحيته، وقال بتمثيل وتأييد لأخوه:
— «أيوة، صح حكيك يا عبد الرحيم... معاه حق يا حاج نعمان، المنظر ما كانش ينفع واصل قدام الناس.»
بص لهم العمدة «نعمان» هما الاتنين بنظرة جمر حادة، سكتتهم في مكانهم.
وفي اللحظة دي بالذات، اتسمعت خطوات واسعة وثقيلة جاية من وراهم في الممر.
جه «يُونُس» بقامته الطويلة وملامحه الحادة اللي زي السيف، ووقف فوق رأسهم وقال بنبرة هادية بس تخوف:
— «خير يا عمي... شايفك متضايق ومكدّر روحك ليه؟!»
اتنفض «عبد الرحيم» في قعدته، وبص ليُونُس بارتباك وهو بيحاول يداري كلامه:
— «لا... ما متضايقش يا ولدي ولا حاجة، أنا بس... أنا كنت يعني بقول...»✍🏻بقلمي نسرين نادر 
قطعه يُونُس بصوت حاد قاطع زي الصاعقة، وهو بيبص لهم بجمود هزّ البارندة:
— «أنا اللي عايز أقول يا عمي! كيف بنية متربية في الدار هني تسيبوها مرمية بين الحياة والموت، وفي الثلج والبرد من غير أكل ولا مية... ومفيش مخلوق فيكم يكلف نفسه يسأل فيها ولا يطمن عليها؟!»
اتسحبت الكلمات من خشمهم.
بص «عبد الرحيم» و«عبد الحميد» لبعض بتوتر وارتباك شديد، وما عرفوش ينطقوا بكلمة واحدة يردوا بيها على هيبة يُونُس ونظرته اللي بتغلي!
فوق في جناح يُونُس الواسع الدافئ...
قعدت «زينب» و«كَرِيمة» جنب «غَالِيَة» على طرف السرير، وماسكين طبق الشوربة الدافية اللي عملتها الخالة حكمة، وبيحاولوا يغصبوا عليها عشان تاكل معلقتين وتسترد عافيتها.
غالية كانت قاعدة مسندة ظهرها بالعافية، ووشها أصفر وباهت، مش قادرة تبلع اللقمة، ولا جاي لها نفس لنفسها أصلًا...
كل ما ترفع المعلقة لخشمها، ترن كلمات الست «صفية» المسمومة في ودنها وتكوي قلبها:
(دا حتى نزل من البندر المرة دي عشان خلاص كبر، وأنا وأبوه ناويين ننقوا له عروسة بنت أصول ونفرحوا بيه...)
لاحظت «زينب» شرودها وجمود عينها، فقربت منها بابتسامة دافية، وغمرتها بالراحة في إيدها، وغمزت لها وهي بتقول بلهفة أخت:
— «مالك بس يا خيتي؟! مش مبسوطة ليه وفردة وشك إكده؟! ده حتى يُونُس أخوي رجع أخيرًا بعد الوقت ده كله، والدوار كله نور!»
بصت لها «كَرِيمة» هي كمان، وغمزت لغالية بضحكة خفيفة ومحبة وهي بتكمل على كلام زينب:
— «أيوة والله يا زينب! ده المفروض على جية يُونُس أخوي بالذات تقومِ تقفي على حيلك زي الحصان، والدنيا ما تكونش سايعاكي من الفرحة!»
التفتت «غَالِيَة» وبصت لهم هما الاتنين بعيون مكسورة ومليانة غصة مكتومة، وحاولت تداري كسرتها وراء نبرة هادية وبسيطة، وقالت وهي بتبص للأرض بصوت متقطع:
— «وليه يعني كل ده يا زينب؟! يُونُس رجع لدار أبوه وناسه... وأنا مجرد بنية كبرت في الدوار هني، أكيد يعني... أكيد مش في باله واصل عشان أفرح أو أزعل كل الفرح ده.»
وفجأة...
وقبل ما تكتمل الكلمة في خشمها، اتفتح باب الجناح!
وقف «يُونُس» على العتبة، بطوله وهيبته، وفي إيده أكياس العلاج...
اتسمرت حركته.
ورنت كلمتها الأخيرة في ودنه كأنها ضربة خنجر!
اتلاقت العيون في صمت يقطع النفس؛ غالية بعيونها الخضرا المكسورة اللي مليانة دموع مداراة، ويُونُس بنظرته الحادة اللي اتمزجت بوجع وعتاب قاتل، خنق الكلام في زوره...


تعليقات