رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الاول
"الحلم الضائع في تحقيق الأمنيات ليس فشلاً، بل هو خطوة على طريق اكتشاف الذات وتحقيق ما هو أعظم.
صديقي، حتى الأحلام التي تبدو ضائعة تحمل في طياتها دروسًا ثمينة تساهم في رسم طريق النجاح. ما عليك سوى السعي،
في زاوية مكتبة قديمة، حيث تعلو رفوف الكتب المكدسة وتعبق رائحة الورق المعتق، وقف رجل أربعيني بهدوء، متكئًا على مكتبه الخشبي. لم يكن وجهه مرئيًا، إذ كان ملتفتًا بظهره تجاه الباب. فجأة، اقتحم الفتى ذو الخمسة عشر عامًا المكان، فارًا من صرخات أمه المستنجدة. توقف لاهثًا أمام المكتب، والتقط أنفاسه بصعوبة. بصوت هادئ ورزين، خاطبه الرجل من دون أن يلتفت:
ـ علمت إيه تاني يا موسى؟
التفت الرجل ببطء، لتلتقي عيونه الحادة بنظرات الفتى المتوترة، وكأنه يبحث عن إجابة في أعماق تلك العيون الشابة.في هذه اللحظة، اندفعت الأم داخل المكتبة، تمسك ابنها بعنف من يده:
ـ هو أنت مش هتجبها لبر؟ عايز تموتني ناقصة عمر؟
تملص الفتى منها بسرعة، وتجاهل صراخها، وهى تسرد ما يريد فعله مختبئًا خلف المكتب. نظر الرجل إليها بملامح هادئة وحازمة وقال:
ـ سيبيه معايا يا ست أم موسى، أنا هتكلم معاه.
ترددت الأم لوهلة، ولكنها رأت في عينيه إصرارًا وثقة جعلتها تترك ابنها، متمنية أن يجد بائع الكتب هذا حلاً لما فشلت هي في تحقيقه.
ابتسم الرجل للفتى وقال له بلطف، مشيرًا إلى كرسي قريب:
ـ تعالى اقعد يا موسى، عايز أدردش معاك شوية. ولا أقولك، استناني، هعمل كوبايتين شاي وراجعلك، شكل القعدة بينا هتطول. واهو الشاي يدفينا شوية في الجو التلج ده.
توجه الرجل إلى ركن صغير في المكتبة حيث يوجد إبريق الشاي، وبدأ في تحضير الشاي بهدوء، بينما جلس موسى على الكرسي، يشعر بشيء من الطمأنينة التي لم يشعر بها منذ فترة طويلة.ثم نظر إلى الرجل وهو يعد الشاي وسأله بتردد:
ـ شكلها هتمطر.
أبتسم الرجل مؤكداً:
ـ ولعله مطر خير.
سأله موسى وهو يجوب بعينيه كل الزوايا وكانة يبحث عن شيء:
ـ هى اليافطة بتاعة المكتبة راحت فين؟ ليه مش موجودة هنا ولا متعلقه مكانها؟
التفت الرجل بابتسامة دافئة وقال:
ـ اتكسرت من يومين أنت شايف الهوا شديد ازاي، وركنتها جمب المكتبه، بكره اصلحها واعلقها إن شاء الله.
أومأ موسى برأسه، وأحس بأن ذلك الرجل يفهمه بطريقة لا يستطيع أحد آخر أن يفهمه بها من خلال نظرته العميقه له. واصل تحضير الشاي، وكأن كل شيء في هذا المكان الصغير يحمل معنى وراحة غابت عن حياة الفتى لفترة طويلة. واعتدل في جلسته براحه أكبر منتظراً كوب الشاي من يد هذا الرجل الأربعيني.
في زاوية أخرى ضيقة من زوايا الحياة، نجد الجدران القديمه المتهالكة تروي قصة بها بعض الألم برسوماتها المتلاحمة.
"الشوارع الضيقة تتداخل كما يتداخل الزمن، وتبدو البيوت القديمة كحكايات حياة مضت.
ينسج الشاب "آسمر" يومه.يُفتتح كل صباحاً بخطى ثابتة نحو عمله الأول في ورشة الحداده يعمل حداداً بها، وعندما يتسلل غسق الشمس بين الأفق، يغوص في عمل آخر إضافي لكسب المال، يعمل في محل فراشه للافراح والمناسبات الخاصه وأيضاً للعزاء والمواساة، ينفق كل قرش يكتسبه بعناية، ليُساهم في تأمين إحتياجات عائلتة الصغيره، ويحمل عبء المسؤولية بقلب كبير. يتسم بالصمود أمام تحديات الظروف، وكل لحظة تمر عليه تحمل قصة حياة الإنسان في مواجهة الظروف الصعبة
"في عينيه، تتسلل قصة حلم لم يفارقه رغم الصعوبات. يحمل على عاتقه أملًا ينبت كزهرة صغيرة في بستان الصبر والعطاء.
"لقب بـ "الأسمر"، حصل على تلك اللقب بفضل تغير لون بشرته من الأبيض إلي البشره الحطنية آثر العمل الشاق. وبالرغم من أنه لم يكن يريد اللقب، إلا أنه أيضاً لم ينزعج و استقبله بقلب سمح وابتسامة تعكس تواضعه. فقد أحب "آسمر" لقبه الذي أصبح جزءا منه، لأنه يحمل في طياته قصة حياته وكفاحه، كان هذا اللقب ليس مجرد تسمية، بل هو عنوان لقوته وقدرته على تغلب الصعاب."
مع غياب الشمس وانقضاء الليل، أنهى آسمر يومه الطويل بكل تفاصيله. بعدها ذهب لشراء خبزًا ساخنًا، يحمله بين يديه كي يشق طريقه إلى أحضان أسرته، اقترب من البناية التي يسكن فيها، وكانت عليها آثار الشقاء كأنها بُنِيَتْ منذ زمن بعيد، وتتكون من عدة طوابق، متهالكة.يقيم هو في الطابق الثاني، وقبل أن يصعد إلى منزله، أخذ كيسًا به بعض الخبز ووضعه على مقبض باب إحدى الشقق في الطابق الأول. ثم صعد إلى منزله المكون من ثلاث غرف للمعيشة وصالة كبيرة، والذي يحتوي على أثاث قديم بعض الشيء. وضع الخبز على طاولة صغيرة، وكان المنزل يتملكه الصمت. وجد أسرته تغط في نوم عميق، تركهم بعد أن اطمأن عليهم وذهب إلى غرفته المكونة من سرير متهالك وخزانة مرسومة عليها شقاء السنوات وتكاد تُكسر في أي لحظة.
يتوسط الغرفة طاولة صغيرة عليها وجبة العشاء وكانت عبارة عن خبز وبعض الجبن مع كوب من الشاي ومغطى بورق الجرائد. لا توجد زهور فاخرة في الغرفة، بل مجموعة متواضعة من الكتب تكمل الزاوية، تحمل في صفحاتها رغبات وأحلامًا.
جلس براحة على كرسي خشبي، يتناول وجبته البسيطة بابتسامة. لا يستنكر ما هو فيه إلا أن الدفء يعم المكان، حيث يشعر بالراحة في هذا المسكن المتهالك الذي يعكس حياة هادئة ومفعمة بالتواضع. ظل يلوك الطعام ويبدو عليه الشرود طويلاً، انتهى الآن وأخذ نفسًا عميقًا ثم زفرة بقوة صعوبات الأيام. شعر بالنعاس لا يستطيع حتى أن يبدل ملابس العمل وألقى نفسه بتهالك على فراشه وهو ينظر لسقف غرفته وما لبث دقائق حتى غط في نوم عميق هو الآخر.
صبي صغير في الحادية عشرة من عمره إسمه "رضوان" في منزل أساسه جديد، مكون من غرفتان وصالة كبيرة واسعه، كان يجلس ويلعب ببعض الألعاب برفقة إثنان من اصدقائة في المدرسة ويجاورنه في الحارة أيضاً الأول يدعى"عصام" والثاني يدعى"كريم"ثم ركب "رضوان" دراجتة الصغيرة وظل يقودها في زوايا المنزل بسعادة كبيرة. صدح جرس الباب متتاليًا، فسمع صوت والدته قادمًا من المطبخ وهي تقول له:
- افتح الباب يا رضوان؛ أيدي مش فاضية يا حبيبي.
انصاع إلي والدته، حيث هبط مسرعًا من دراجته وهرول إلى الباب، وما لبث أن فتحه. دق قلب الصبي خوفاً وفزعًا عندما رأى والده يدفع الباب بقوة وهو يترنح حد الثمالة، ونهر إبنه بعنف أمام أصدقائه قائلاً بصوت عال:
-ايه! ساعه علشان تفتح الزفت الباب؟
تلعثم الصبي في همهماته، ولا يستطيع رفع صوته بوجود والده، حيث يعلم تمامًا رد فعله المتوقع، وأقل ما يمكنه فعله هو أن ينهال عليه بالضرب. ووالدته، المسكينه الضعيفة التي عاشت معه لسنوات في مهانة، لا تستطيع الانفصال بسبب طفلها الصغير. وقررت عدم الإنجاب مرة أخرى لتجنب تكرار السيناريو مع رضوان.
اغتاظ والده من صمته وزج به وهو مترنح يكاد يسقط، مكملاً بسخرية:
ـ إيه! ما بتردش عليا ليه! القطة كلت لسانك! ولا أمك قالتلك أبوك ده مجنون ما تردش عليه وسيبه يكلم نفسه؟
رد الصبي مرتعدًا:
ـ أنا فتحت بسرعه والله، يا بابا.
دفعه الأب من كتفه بنفور حتى وقع الصبي أرضًا. في لحظة خروج زوجته من المطبخ، هرعت إلى وليدها لتلحق عنه الضرر وتساعده في النهوض، نظر عصام وكريم الي بعضهما وتسللوا خارج المنزل تاركين صديقهم في هذه المعاناه ولا يستطيعون فعل شيء له،اردفت زوجته بصوت عال تعبيرًا عن غضبها:
- جرى إيه يا قاسم! انت داخل تقول شكل للبيع! مالك ومال الواد! هو احنا هنفضل كل يوم والتاني في القرف اللي احنا عايشين فيه ده؟ ماتفوق بقى يا أخي.
ثم نظرت الى صغيرها واكملت إليه بحنان:
ـ متخفش قوم ادخل اوضتك يا رضوان وما تطلعش منها إلا لما انادي عليك.
ما إن سمع هذه الكلمات، جرى الصبي مسرعًا إلى غرفته، خوفًا من أبيه الذي تغيرت حالته إلى الاسوء، وظل واقفًا خلف الباب يراقب ما سيحدث الآن. هل سيضرب أمه كما هو الحال دائمًا؟ أم سيسرق أشياء من المنزل لشرائه للمخدرات؟ افاق من شروده وشاهد المشاجرة بين والده ووالدته، ما بين الصواب والخطأ، والخير والشر. والدته دائمًا تدافع عنه، لكن الأب لديه رأي آخر يريد لابنه أن يصبح رجلًا ذو سلطة في الحي، لديه قلب من حديد وله شأن مع رجال المخدرات، ويريده أن يصبح ديلرًا كبيرًا عندما يكبر. يريد أن يحتسي الخمر ويعيش حياته دون قيود، ولكن هذا لن يحدث إلا إذا تركته والدته يربي رضوان على طريقته الخاصة. شعر قاسم أن زوجته زهرة مثل كتلة تقف في حلقة، وبعدما تحدث ساخرًا بها وعنفها، نهرته زوجته قائلة وهي تستشيط غضبًا:
- اخرس قطع لسانك، أنت عايز ابني يكون معلم وكمان تاجر مخدرات وحرامي! بذمتك مش مكسوف من نفسك يا قاسم وانت بتقول الكلام ده! انت مش هتفوق لنفسك بقى، أنا زهقت منك ومن عيشتك، عايز إبنك يبقى حرامي! حرامي يا قاسم!
ران عليها صمت ونظرت الية بشراسه وهى تقول مهددة إياه:
- أسمع ياقاسم، انا اتحملتك كتير وانت ولا فارق معاك، نصحتك وعملت معاك اللي ما يُعمل وقولتك بلاش السكه دي انت محامي محترم، برده ولا فرق معاك،وطول ما أنت بترجع البيت ده مش واعي لنفسك وماشي ورا صحابك اللي خربوا بيتك وخلوك تمشي على هواهم وفي طريق مفيهوش رجوع، ولأنك مش ناوي ترجع ونصحتك بدل المرة ألف ومفيش فايدة! فأنت تنسى إن ليك إبن إسمه رضوان ومسؤول عنه، أنا اللي مسؤوله عن ابني ومش هسمحلك تخرب حياته زي ما خربت حياتنا، وعلى جثتي لو حصلت حاجه غير كده.
أصابته ضحكات هيستيريه وهو يقول:
- خلاص يا زهرة، يبقى انتي اللي جبتيه لنفسك، وابنك اشبعي بيه هو أصلا واد مش نافع وسواء اتعلم ولا لأ إبنك ده هيطلع حرامي، سمعاني يا زهرة! رضوان هيبقى زي ابوه لأن أنا خلاص مستقبلي ضاع وحياتي كلها ملهاش معنى واللي انا بعمله دلوقتي هو الصح،وخلص الكلام على كده يابنت الناس.وسعي بقى من وشي السعادي.
كان كلماته إليها مثل حد السيف وما أن انهى حديثه اشاح لها بيده وهم ذاهبًا إلى غرفتهم الخاصة ليأخذ من مالها ما يريد. أخذ كل أموالها لم يترك لها شيئًا. وظلت زهرة تدافع عن مالها الذي لا يوجد غيره في المنزل لتنفق عليها وعلى صغيرها. ودون وعي منه اقترب منها وأشبعها ضربًا حتى سقطت أرضا وأخذ المال ورحل، لم يرف له جفنا.تركها تبكي على حظها العسر وخيباتها المتتالية في زوجها الذي اختارته وفضلته عن غيره، فهي كانت تحبه كثيرًا وعاشت معه قصة حب لا مثيل لها. ووعدها ألا يخذلها أبدًا، وعلى قدر هذا الحب اوجعها، وأصبح الشخص الذي اختارته أبغض الناس إليها. خرج رضوان مسرعًا إليها وألقى نفسه في أحضانها ليبكي معها وهو مغمض العينين، يتمنى أن يصحوا من هذا الكابوس المشين والسيء الذي يسحب روحه، كلما رأى دموع أمه.
تلك اللحظة الصعبة، حيث كانت زهرة تحتضن ابنها الصغير الذي يبكي، كانت لحظة تعيش فيها تناقضات المشاعر بين الحب الذي تحمله لرضوان وبين الخيبة والألم الذي أحدثه زوجها. نظرت اليه وهى تحذره وقالت بصوت ينطلق من عمق قلبها:
- اسمع يا رضوان، أنا مش عايزاك تسمع لكلام أبوك ولا تحط في دماغك أي كلمة تحبطك. سيبك من اللي حصل ده دلوقتي أنساه خالص كأنك ماشفتش حاجه وفكر في مستقبلك. اسمع كلامي يا حبيبي، ما حدش هيحبك قدي. أنا عايزاك تركز على دراستك وعلى مذاكرتك. صدقني، هي دي الحاجة الوحيدة اللي هتنفعك وتخليك تخرج من الحارة دي ويكون لك مستقبل كويس.
ثم كوبت وجهه بين يديها، مكملة بحنان:
ـ أنت مش نفسك لما تكبر تكون ظابط قد الدنيا؟ مش كده يا رضوان!
بكى الصبي وهو يقول مجيبا:
-ايوه يا ماما انا عايز اكون ظابط لما اكبر علشان احبس كل الناس اللي بيدوا بابا مخدرات وخلوه يتغير علينا بالشكل ده، بابا كان كويس قوي يا ماما ليه بيعاملني كده كان بيحبني وبيجيبلي كل حاجة بحبها وبيفضل معانا كل الوقت ليه فاجأه بقى بيكرهني ويضربني، و ليه بيضربك يا ماما؟"
كلمات خرجت من قلبه انغرست في قلب أمه، أحزنتها أكثر. كم يصعب على الأم أن تسمع مثل هذا الحديث من صغارها. توجعت لنبرة صوته الحزينة والمكسورة. اغمضت عينيها، محتضنة إياه وهي تتذكر عندما كان زوجها يعمل بجد ليوفر لهم كل شيء يحتاجون إليه. كان منزلهم يعج بالسعادة والحنان، حتى أن تبدل حاله لحال آخر. أصبح شيطانًا لا يعرف الرحمة، يسهر ويسكر ويتعاطى من المخدرات ما يتعاطى، ويسرق من منزله الذي كوَّنه بحب، إلى أن باعه بعد إفلاسه واضطر أن يستأجر منزلاً آخر ليستطيعوا أن يوفروا مالاً لنزواته. وكل هذا بسبب اصدقاء السوء.
اشرق يوم آخر، وانطلق الصبي رضوان ليلعب في شرفة منزلهم، حيث نظر إلى حارته ووقعت عيناه على المنزل المجاور. شاهد والده بأم عينيه وهو يسرق أموال صديقه، ثم يهرب.ولحق به الجميع لينهالوا عليه بالضرب حتى كاد يستغيث بالجميع، هرع رضوان خلفه ليدافع عن أبيه،ثم هرب قاسم منهم. لكنه لم يكن يعلم أن سيارة محملة بمخلفات الحارة كانت في طريقه، وصدمته بشكل مروع.
رأى رضوان الحادث بعينيه، وسيظل هذا المشهد محفورًا في عقله إلى الأبد. مات قاسم وذهب، واخذ معه ذكريات مضت مختلطة بالسعادة والألم. ذهب وترك زهرة وابنها دون أن يؤمن لهم معيشتهم. مات قبل أن يكفر عن جميع ذنوبه وخطاياه.
وسط العزاء، سقطت زهره مغشيّة عليها، فحملوها الجيران إلى مشفى الحارة ظنًّا أنها لا تتحمل فقدان زوجها. ولكن اكتشف الطبيب أنها حامل في شهرها الأول. لم تعرف تفرح أم تحزن، ولكن الحزن كان سيد الموقف.
ظلت تفكر في كيفية تأمين معيشتهم، خاصةً بدخولها في شهرها الأول وعدم قدرتها على العمل. مرت بأيام عصيبة، وكانت فترة صعبة للغاية بالنسبة لهم.
ومع مرور الأيام قل سؤال الجار عليهم فكل منهم مشغول بحياته لا يسألون إلا قليلاً، حيث كان كل شخص منشغلًا بحياته. رضوان كان يذهب إلى المدرسة ويرجع حزينًا يرى أمه تعمل في المنزل ليل نهار وتفكر في طريقه لكسب المال الحلال إلى أن اضطرت لبيع بعض اغراض المنزل وكانت فترة صعبة حقًا بالنسبة لهم.
لم يتحمل رضوان تعب والدته و وقف أمامها وهو يحمل داخله شجاعة كبيرة، قائلًا:
ـ ماما، ما تحمليش هم حاجة بعد كده. انتي هترتاحي وأنا هشتغل وهصرف عليكي.
جلست الأم وابتسمت لصغيرها الذي تحبه كثيرًا، وفرحت لأجل ابنها الذي يحمل قلبًا طيبًا نقيًا. فرحت بكلماته هذه التي هونت عليها أكثر مما يتخيل. وضعت يدها على وجنته قائلة بحنان:
ـ أنا عارفة إنك خايف عليا يا رضوان، بس انت يا حبيبي لسه صغير ومش هتقدر تشتغل. أنا مش عايزاك تفكر ولا تحمل هم حاجة، خالك موجود وعمك كمان. خلي كل تركيزك في دراستك وبس، لأن عمري ما هوافق إنك تشتغل في السن ده. ركز أنت في مدرستك.وسيب الباقي على الله.
نظر اليها وأجمع رباطة جأشة قائلاً بتحدي:
ـ خلاص يا ماما، أنا سبت المدرسة ومن بكرة هدور على شغل.
صُدِمَت مما سمعته ولا تستطيع تصديق ما تفوه به هذا الصبي. وحدثها عقلها في دهشة بالغة"لا يا رضوان، ليس هذا الذي رسمته لك يا عزيزي. أريدك أن تصبح ضابطًا لتظهر الحق، لتحمي المستضعفين يا صغيري. نظرت اليه غير مصدقة لما قاله ولكن تعابير وجهه تحكي الصدق في عبراته وتحدثت بصوت جهوري:
ـ إنت بتقول إيه يا رضوان! إنت اتجننت ولا موت أبوك لسع نفوخك! مدرسة إيه اللي إنت سبتها دي! أنت نسيت مستقبلك! عايز تبقى إيه لما تكبر؟ أنت هتكمل تعليمك وهبتقى الظابط رضوان العطار فاهم! وبطل الكلام الخايب ده وخش شوف مذاكرتك.
لم يتأثر بما قالته غير أنه جلس جوارها بتحفظ حيث بدا جلياً انه متعب، ثم تحدث بصوت يشوبه الانكسار:
- لا يا ماما اللي زيي مش هينفع يبقى ظابط خلاص انا عرفت وسمعت بوداني، اللي يكون ابوه حرامي وله سوابق عمره ما يكون ظابط ابنك عمره ما هيبقى ولا هيكون ليه مستقبل يا ماما.
- مين اللي قالك الكلام الفارغ ده؟
- سمعت عمي عادل وهو بيتكلم مع خالي فاروق امبارح قدام المدرسه وهو بيقوله الواد رضوان كان نفسه يكون ظابط بس عمره ما هيكون علشان أبوه كان سوابق.
ثم نظر اليها بإستعطاف متسائلاً ويتمنى أن تُكذب حديثه:
-هو بجد اللي باباه ليه سابقه في السجن عمره ما هيكون ظابط ولا ليه مستقبل؟
لمعت عيناها واعتصر قلبها ألمًا،محركه رأسها يميناً ويساراً متحدثه بتيه ويأس:
- معرفش معرفش.
مسحت دموعها ورسمت البسمه على وجهها محفزه صغيرها قائلة بتفاؤل:
- أسمع يا واد، كل ده ما يهمنيش ومش مهم، انا مش عايزاك تسمع لكلام حد، انت كمل تعليمك إن شاله حتى تكون مهندس ولا أقولك تطلع دكتور ايوه وتكون دكتور قد الدنيا. هو يعني المستقبل والنجاح في مهنة الشرطة بس؟ لأ في مهن كتير تخليك في مركز محترم.
رأت في عيناه نظرة يأس لم تعتاد عليها ثم أخذت نفسا عميقا واكملت بحنان:
-انا مش هسيبك غير لما تكون حاجه كبيره قوي يا رضوان.
ظل صامتاً يفكر في حديثها وكاد أن يضحك عليه لأنه أصبح حلما جميلاً يصعب تحقيقه، نظر اليها متعجباً وسألها:
-ومين اللي هيصرف علينا يا ماما! هى الدراسه والحياة اللي إحنا فيها دي مش عايزه فلوس علشان نقدر نكمل؟ ومن وقت الي حصل لبابا ماحدش بيسأل علينا؛ كل اللي بيخبط على الباب بيكون ليه دين عنده وكان سالف منهم الفلوس دي علشان يصرفهم على المخدرات مش علينا، واللي يجي يقولك جوزك كان سارق من إيراد المحل وبشهادة الجيران وادفعيه على اقساط، واللي ليه قسط لسه مخلصش! مين اللي هيدفع ده كله يا ماما؟ وعمي عادل حاله على قده وقال مش هقدر أدفع يدوبك بيكفي "مصاريف بيته وتكاليف إيمان بنته و واولادة بالعافيه،وخالي فاروق يوم يسأل وعشره لأ والايجار أهو كسر علينا شهرين وتلاته، ياماما خلينا واقعيين إحنا يا دوبك بناكل بالعافيه وبتحرمي نفسك علشان تديني.
صمت لبرهة وتغاضى عن نظرتها له في صمت وتعجب ثم أكمل حديثه و وجه إليها سؤالا:
-قوليلي يا ماما عندك حل تاني؟
تنهدت ومسحت وجهها في حيرة ويبدو عليها التعب ثم وضعت وجهها بين يديها تفكر فيما قاله للتو، فهو محق الحال بالنسبة لنا صعب، لقد كبرت يا صغيري. كبرت وحملت من الهم والألم ما يكفيك، آه يا الله أرحم صغيري من هذا الحمل الذي وقع على عاتقه، ران عليهم صمت خفيف وكل منهم شارد الذهن وبعد أن طال الصمت اعتدل رضوان في وقفته قائلا بصوت خشن لينهي هذا الأمر:
- شوفتي مفيش حل! وخلاص كده يا ماما؛ بابا مات ومفيش حد ساندنا غير ربنا، ومن النهارده انا هكون راجل البيت اللي هتتسندي عليه.
ثم نظر إليها وهو يتذكر حديث أبيه بأنه سيكون مثله حين يكبر وأكمل متحدياً نفسه:
- بس أوعدك إني هكون راجل بجد.
انهى حديثه وذهب مسرعاً الى غرفته ظل واقفاً ينظر الى مجلداته وكتبه وحقيبة مدرسته، نظر بعينيه الدامعتين الى الزاويه ليجد مواده التعليميه ملقاه أرضا ومعها أحلامه الضائعه ،ولا يعلم القادم هل هو سيء! ام اسوء من الذي عليه الآن! لم تستطيع زهره ايقاف رضوان عن قراره ولكن لم تيأس ظلت معاندة ورافضه لقراره ومحاوله أن ترسله الى المدرسه بالاجبار ولكنه يهرب هو من مدرسته كلما ارسلته وقرر من الآن فصاعدا أن يعيش بحريته، بحث عن عمل وبدأ يعمل في محل البقاله شهراً وشهرين لكن دواء امه وغذائها يريد تكاليف أكبر من راتبه الضعيف، نظر الى النقود في خزانة مالك البقاله ويريد ان يمد يده لياخذ منهم ما يسد احتياجات منزلهم وكادت أن تضعف نفسه لكنه تذكر نهاية وكلمات والده وتراجع على الفور وخرج مسرعاً وظل يركض تحت المطر لكي ينسى وكلما سلك طريقا يركض الى طريق آخر خائفاً من أن يصبح مثل والده وكان بداخله عزيمه كبيره وتحدي ان لا يصبح مثله أبدا، بحث عن عمل آخر بغير علم أمه وقرر ان يبتاع مناديل ورقيه في الشوارع وعند اشارة المرور حيث يحمل باقه من الورود وكيسا كبيرا به مناديل ورقيه وظل ينظر الى اصدقائه في العمل ليقوم بتقليدهم وهم يتوسلون لسائقي السيارات ليقوموا بالشراء، ذهب رضوان ليبدأ في عمله لكنه رأى إثنان من الصبيه في عمره تقريباً أحدهم يبيع الورد ومن ناحيه أخرى يقوم الصبي الآخر بسرقة صاحبة السياره حينها تذكر والده وهو يسرق أمه هرول رضوان مسرعاً دون ان يشعر وامسك الصبي الذي يسرق من عنقه معنفا اياه وظل يضربه وهو يهمهم ببعض الكلمات:
- أنت بتسرق ليه ها! أنت مش لازم يتقال عليك حرامي! انت بتشتغل بشرف علشان تصرف على أهلك؛ متمدش ايدك على حاجة مش من حقك، متمدش إيدك على حاجة غيرك فاهم يا عزت؟
فر صديق الصبي هارباً وترك عزت واجتمع الصبيه الآخرون وفرقوا بينهم حيث هبطت السيده من السياره بعد أن شاهدت هذا الموقف أمام عينيها وابتسمت لرضوان وشكرته على نبله وشجاعته وقررت أن تكافئه واعطته بعض النقود، فرح رضوان فرحًا عارمًا اخذ منها النقود وظل يجري على قدميه عائداً إلى أمه ليسرد إليها ما حدث وصدمت عندما علمت بأنه يبتاع في اشارات المرور، وفي وسط حديثه وجد أمه منزعجة جداً لدرجة البكاء ظنا انه بسبب تركه للتعليم جلس جوارها واردف قائلا:
-ايه يا ماما أنتي لسه زعلانه مني؟
ران عليها صمت خفيف وهى تمسح دموعها محاوله التفكير في كسب أبنها ونظرت اليه بعتاب قائله بوهن:
- ايوه يا رضوان"أنا زعلانة منك قوي" مكنتش اتوقع منك تعمل فيا كده، نسيت مستقبلك وحياتك في غمضه عين ؟ بس لأ انا مش هسكت أنت لازم ترجع مدرستك الامتحانات خلاص على الأبواب أنا هروح بكره لمدير المدرسة وأتكلم معاه وإن شاء الله هيرجعك من تاني.
ثم نظرت إلى كيس المناديل الورقية واعتصر قلبها وأشارت اليه بيدها واكملت محبطة:
ـ أنت خيبت املي فيك يا رضوان، بعد ما كنت عايزاك تبقى حاجه كبيره، اخرتها تكون بياع مناديل في اشارة المرور؟ أنا خايفة الزمن يعيد نفسه من تاني.قولتلك قبل كده مفيش شغل إلا في الإجازة ويكون شغل عند حد نعرفه، مش عارفه ايه اللي جرالك انت كمان؟ ليه يابني بتعذب نفسك وتعذبني معاك؟
لم يتحمل حديثها اكثر من ذلك، انتفض في وقفته وافرغ أخيراً ما في جعبته غاضباً:
-اللي جرالي اني كنت بتعاير في المدرسه، اللي جرالي أنهم بيشاورا عليا ويقولوا ابن الخمورجي اللي مات وهو بيسرق هناك أهو ؛ اللي حصلي يا ماما إن كل مامشي في شارع الاقي ناس بتشاور عليا وتقول مش ده رضوان ابن قاسم العطار اللي كان بيسرق مواعين بيتهم علشان الكيف!! مش ده اللي باع بيته علشان يسكن مراته وابنها في ايجار ورماهم؟
ابتلع عصارة ومرارة ما قاله ثم دنى منها بحزن واغرورقت عيناه قائلاً بصوت يشوبه قهراً:
- انا بتعاير بابويا يا امي،بتعاير حتى وانا في أحلامي، انسي اني ارجع المدرسه تاني، أنسي إن يكون ليا مستقبل، الظابط ده كان حلم ومات حلم وانتهى، انسي اللي فات ونبدأ من جديد، انتي حامل وفي شهرك الخامس وتعبانه ومش عايزك تشيلي هم حاجه وعلى طول هقولك انتِ واختي دايما هتبقوا مسؤولين مني.
ثم أمسك يدها واكمل مترجيا إياها:
- لو بتحبي رضوان بلاش تجيبي السيره دي تاني وما تخافيش عليا انا عمري ما هكون قاسم، طريقنا مش واحد يام رضوان.
جلست زهرة في غرفتها تحت الضوء الخافت تبكي على حالها بمرارة وعلى ما وصل إليه رضوان، الذي لطالما حلمت بمستقبل مشرق لصغيرها الذي نما قبل أوانه، وحمل مسؤولياتها. كاد قلبها يعتصر عندما تحاوره على أنه لا يزال صغيرًا، ولكنه يجيبها بكل رجولة كأنه يكبرها في العمر. نعم، هي المسؤولية التي حملها جعلت منه شخصًا آخر، فأخذ رضوان أحلامه ورمي بها في الهواء لتتناثر كسراب.
مضت الأيام وقد مارس رضوان أعمالاً كثيرة ومختلفة حتى أصبح اليوم الذي يمر عليه يعلمه الكثير من الأشياء وأيضاً المواقف، أصبح يعمل بجد ليوفر سبل الراحة لوالدته التي يراها تستحق الكثير من التضحيات، فهي الوحيدة التي وقفت إلى جانبه ودافعت عنه بقلب نقي. أصبح الآن له أصدقاء يعملون معه في مصنع الرخام، وخاصة صديقه عزت الذي لقنه درسًا عندما حاول سرقة السيدة في إشارة المرور.منذ ذلك اليوم، حاول عزت بكل مجاهدة الاقتراب منه، فوجد في رضوان الرجولة المفقودة عند البعض. إنه رجل بكل ما تحمله الكلمة، يسعى لبناء ذاته بنفسه دون التوسل لأحد، ولا يتسول مثل البقية الذين يعرفهم.فهو يحصل على دخل من خلال عمله بيديه، وصديقه كريم من الحي الذي يعمل معه في نفس المصنع، ولكن في الإجازة الصيفية فقط، حيث يبذل جهدًا لتوفير تكاليف ومساعدة والده. وعصام صديقهما الثالث ميسور الحال ويكمل طريقه في الدراسة،أما عزت، فليس لديه أحد، جاء من الشارع ونشأ فيه، ورغم ذلك قبل رضوان صداقته مجاهدًا لجعله رجلاً شهمًا يختلف عن الانطباع الذي يتركه في نفوس الناس.
نعم، أخذ رضوان عهدًا على نفسه لتغيير مسار القدر بعزيمته واصراره. فليس لديه ذنب في أن والده كان مدمنًا سكيرًا، وكان عليه وضع طريق خاص يجعل الجميع يحترمونه، فهو ابن لسيدة ضحت من أجله.
في أحد الأيام، وهو يحمل الرخام على كتفه ويصعد به إلى البناية، سمع هرولة عزت وانفاسه المتسارعة. وضع رضوان الرخام أرضًا، وعندما رأى عزت يقترب، اعتدل متعجبًا. قال رضوان بدهشة:
-"إيه يا عزت، جاي جري كده ليه؟ اهدى كده وخد نفسك وبعدين اتكلم"
-"خالتي زهرة يا رضوان."
انتفض قلبه هلعًا، واقترب منه وسأله متلهفًا وقلقًا:
- "أمي مالها يا عزت؟"
-مرات عمك وداد قابلتها بتجري على بيتكم. سألتها قالتلي: خالتك زهرة بتولد.
تسارعت ضربات قلبه مما سمعه للتو، ترك كل شيء وذهب إليها مسرعًا. يشعر بأن الذي تضع الآن هى حبيبته وابنته، ليس فقط أمه. فقد رعاها تسعة أشهر وكان دائمًا جوارها. ما إن وصل وجد مجموعة من الجيران النسوة في المنزل يساعدنها، ولكنه لا يدري ماذا يفعل. انتفض قلبه عندما سمع أمه تصرخ وتنطق بإسمه وسط صراخها.
اغرورقت عيناه بالدموع وخرج إلى الشرفة، حيث نظر إلى السماء داعيًا الله أن يجبر قلبه وقلب أمه، فلقد تعبت كثيرًا في حياتها. وفي ظل دعائه المتكرر، سمع لصراخ حبيبته الصغيرة التي أنارت المنزل بنور عينيها.ولج عندها متلهفا وجلس بتحفظ بجانب أمه المتعبة خوفاً عليها وليطمئن عليها وينظر للصغيرة جوارها. ابتسمت زهرة وسط دموعها وقالت له بفرح وحنان:
ـ اختك يا رضوان."
سالت دموعه وحملها بين يديه لتتصارع دقات قلبه حنانًا وحبًا، لطالما انتظر هذا اليوم بفارغ الصبر رأى في عينى الصغيره وهو يتأملها تحقيق أحلامه الذي حرم منها. ضحك مجيبًا ليصحح حديث الأم قائلًا:
ـ لا يا أم رضوان، دي مش اختي وبس؛ دي بنتي واللي هحط الدنيا كلها في كفه وهي لوحدها في كفه.
كانت هذه الكلمات بسيطة، ولكنها أفرحت قلب الأم بكل الحب الذي يكنه رضوان لهم. جففت دموعها ثم سألته مبتسمة:
ـ طيب يا سيدي، اختك وبنتك وكل حاجة، بس قولي بقى نويت تسميها إيه؟
أجابها رضوان متأملاً صغيرته:
ـ هسميها "حبيبة" وهتبقى هي الحبيبة والقريبة يا أمي.
وافقت الأم على إختيار الإسم بدون نقاش فهى ترى كم يتعب لأجلها وأيضاً أحبت إسم حبيبه ورضيت به وانتبهت على حديث رضوان لأخته،مسح رضوان دموعه وهو يتحدث إلى الصغيرة، شعر بأنها تفهمه وتنصت إليه جيداً. ثم وعدها قائلاً:
ـ حبيبة، أوعدك أني مش هحرمك من أي حاجة، هحرم نفسي علشان تكبري وأحققلك كل حاجة انتي عايزاها، علام وهعلمك لحد ما تقولي خلاص يا رضوان أنا اكتفيت تعليم وهخليكي ست البنات. مش خسارة فيكي تعب السنين يا حبيبة.
أشرقت شمس يوم جديد بعدما اختفت بقايا الليل الحالك، ورفعت ستائرها لتخترق أشعتها الذهبية غرفة "أسمر" الذي ما زال نائماً. لم يشعر بأشعة الشمس الصباحية ولم يسمع لطرقات باب غرفته. فُتح الباب رويداً، وظهرت فتاة يافعه جميلة الملامح تبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، في الصف الثالث الثانوي كانت رأسها مرفوع وهي تترقب إن كان قد استيقظ أم لا.عندما رأته لا يزال في فراشه، تذمرت و ولجت الغرفه بتذمر واضح عليها وجرت عليه، قفزت بجواره محدثة ضوضاء بصوتها العالي. قالت:
ـ رضوان، أنت هتفضل نايم لحد امتى؟ قوم بقى، كل ده نوم؟ أنا بخبط عليك بقالي ساعة.
تافف من ازعاجها المتكرر في كل عطلة من عملة وخبأ وجهه بالغطاء، قائلاً بنعاس:
- سيبيني نايم براحتي يا حبيبه، النهاردة الجمعة.
أجابته بتذمر:
ـ براحتك! لا، ما فيش الكلام ده ومفيش نوم أكتر من كده، مش كفاية اتأخرت عليا أمبارح وفضلت مستنياك لحد ما نمت على نفسي! فين الشيبسي والشيكولاته فين الكيس بتاعتي يا استاذ؟ أنت مش عارف إن يوم الخميس ده بحب أسهر قدام التلفزيون وأنا مروقه على نفسي؟
لم يجيبها، وانزعجت منه ونزعت الغطاء ببطء من على وجهه، رأته يرسم على محياه ابتسامة صباحية جذابة. نزعت الغطاء ورفعت يديها للسماء، قائلة بغزل:
ـ "ليه يا رب خليت رضوان ده أخويا؟ ليه ما كانش جارنا مثلاً، ولا الاستاذ بتاعي! عليا النعمة كنت اتقدمتله واتجوزته في ست ساعات."
ضحك الآخر واعتدل في فراشه، داعب شعرها الأسود اللامع وهو يقول مازحًا:
ـ"والعروسة بقى، عليها الشقة والجهاز، ولا هتاخدني كده بشنطة هدومي؟"
ضحكت قائلة:
ـ"وحياتك ما أخليك تشيل قشايه من بيتكم."
ثم أكملت متمثلة الحزن:
ـ بس للأسف عندي أخ ملاحقني في كل حتة يا استاذ، ساعات يوديني المدرسة الصبح في طريقة، وساعات يروح معايا الدروس وساعات يستناني لحد ما أخلص الدرس، واللي قاهرني أنه وعدني بخروجه ولحد دلوقتي ما نفذهاش، بس أنا بعديله بمزاجي نعمل إيه بقى؟"
اجابتها زهرة وهي تدخل الغرفه وتحمل الطعام لابنها قائلة بيأس:
ـ"تقومي تعملي كوباية شاي لأخوكي الشقيان ده قبل ما أبو ورده يطرقع على دماغك يا ام لسانين أنتِ."
ألوت حبيبه فمها وضحك رضوان قائلاً لأمه:
ـ "صباح الخير يا ست الكل."
-صباح الخير يا حبيبي."
ثم أكملت معتذرة:
ـ معلش يا رضوان أمبارح فضلت مستنياك لحد ما نمت غصب عني؛ ما صحيتش غير على آذان الفجر وبصيت عليك لقيتك نايم و بهدوم شغلك نديت عليك تغير وتصلي بس أنت كنت في سابع نومه ياحبة عيني، وانا صليت الفجر وكملت نوم."
أجابها بحنان:
ـ "ولا يهمك وبعد كده نامي ما تستنينيش وتسهري وتتعبي نفسك. وأنا كنت في سابع نومه من شغل امبارح كان كتير وسافرت في تسليم طلبيه وخلصت متأخر.
وقفت حبيبه على فراش أخيها قاطعه لحديثهم قائلة بإعتراض:
ـ"ماليش دعوه بكل اللي بيحصل هنا، يا استاذ رضوان افندي مش معنى النهارده الجمعة تضحك على أختك الغلبانه وما تخرجنيش ولا نسيت؟
أجابها بلطف قائلاً:
ـ غلبانه! والله محد غلبان غيري"وأنا مش ناسي يا حبيبه بس انتي عارفة ده اليوم الوحيد اللي بقعد فيه مع صحابي، هنزل أقضي نص اليوم معاهم وبعد كده نخرج ماشي يا لمضه؟
نظرت اليه في صمت وكبتت غضبها فاقترب منها واضعاً ذراعة محتوي كتفها وقال:
ـ عمري خلفت معاكي في كلمه!
هزت رأسها بالنفي وقالت.
ـ للأسف وده اللي مصبرني عليك.
ضحك وقال.
ـ معلش خليها عليكي أنت الكبيره يابيبو.
وضعت يدها في جيبها وقالت بكبرياء مزيف:
ماشي يا آسمر لما نشوف اخرتها معاك.
ثم اردفت بحنو وقالت.
ـ بس أهم حاجه متعملش حاجه وأنت زعلان. مفيش حاجه تستاهل زعلك يا آسمر.
مسد شعرها بحنان أب قائلاً بصدق:
ـ ونزعل ليه والدنيا فيها حبيبه!
