رواية سفاح المعادي الفصل الأول 1 بقلم عيد عزام

 


رواية سفاح المعادي الفصل الأول بقلم عيد عزام


أول جثــ ــة شوفتها افتكرت إننا بندور على قاتــ ــل عادي، تاني جثــ ــة خلتني أعرف إننا بندور على قاتــ ــل متسلسل، بس الجثــ ــة التالتة خلتني أفهم إن الراجل ده مش بيقتــ ــل وخلاص.

كان بيحاكم ضحـ ــاياه.

أنا المقدم أدهم منصور، عندي 42 سنة، قضيت منهم 18 سنة في المباحث. شوفت قتــ ــل بسبب الفلوس، وقتــ ــل بسبب الخيانة، وقتــ ــل عشان خنـ ـاقة بدأت بكلمة وانتهت
 بجثــ ــة.

بس أول مرة أشوف قاتــ ــل بيحدد ميعاد جريــ ــمته قبل ما يعملها.

كل عشرة أيام ،بالظبط.

الحكاية بدأت الساعة ستة ونص الصبح، لما جالي اتصال وأنا لسه بشرب أول فنجان قهوة.

= أدهم باشا، عندنا جثــ ــة في المعادي.

قولت:
= فين؟

قال:
= شارع جانبي قريب من الكورنيش.

لبست ونزلت، ولما وصلت المكان كان متقفل، والعساكر مبعدين الناس.

الملازم يوسف جالي بسرعة.

يوسف كان عنده 27 سنة، لسه الحماس سابق خبرته، ودي حاجة كنت بحبها فيه وأكرهها في نفس الوقت.

قال:
= صباح الخير يا باشا.

قولت:
= مفيش صباح خير بيبدأ بجثــ ــة، فين؟

مشى قدامي.

الجثــ ــة كانت لراجل في أواخر التلاتينات، لابس كويس، هدومه نضيفة، ومفيش أي علامة إن حصلت مقاومة كبيرة.

الدكتور الشرعي كان واقف جنبه.

سألته:
= سبب الوفــ ــاة؟

من غير تردد قال:
= مبدئيًا طعـ ــنة واحدة.

بصيت له باستغراب وقولت:
= واحدة؟

بكل ثقة قال:
= واحدة بس، ومكانها دقيق جدًا.

بصيت للجثــ ــة وقولت:
= يعني اللي ضـ ــربها فاهم بيعمل إيه.

قال:
= جدًا.

قربت أكتر، وقتها لاحظت وش الراجل.

كان فيه جـ ــرح صغير معمول بالســ ـكينة على خده، مش عشوائي، علامة واضحة، خطين متقاطعين.

قولت:
= دي من الخنـ ــاقة؟

الدكتور هز راسه وقال:
= لأ، دي اتعملت بعد الوفــ ــاة.

يوسف قال:
= يعني القاتــ ــل قتــ ــله وبعدين علم على وشه؟

قولت:
= غالبًا.

فتشنا جيوبه، محفظته موجودة، فلوسه موجودة، موبايله موجود، وساعته في إيده.

قولت:
= مش ســ ــرقة.

يوسف قال:
= ممكن انتــ ــقام.

قولت:
= ممكن.

طلعنا هويته.

اسمه سامح فوزي، 38 سنة، صاحب مكتب توظيف.

بدأنا نسأل عنه ،في الظاهر، الراجل محترم، مكتب، شقة كويسة، متجوز وعنده بنت ،بس بعد كام ساعة، الصورة بدأت تتغير.

كان فيه أكتر من محضر قديم ضده، شباب اتهموه إنه خد منهم فلوس مقابل عقود شغل في الخليج، وبعدها العقود طلعت وهمية ،معظم القضايا اتقفلت.

يوسف حط الملفات قدامي وقال:
= يعني نصـ ــاب.

قولت:
= يعني متهم بالنـ ــصب، متحكمش أسرع من المحكمة.

قال:
= بس شكل القاتــ ــل حكم.

بصيتله ،الجملة فضلت في دماغي.

شكل القاتــ ــل حكم ،عدى يومين من غير جديد، الكاميرات جابت سامح وهو داخل الشارع لوحده، بس الزاوية اللي حصلت فيها الجريــ ــمة مفيهاش كاميرات.

موبايله مفيهوش تهــ ـديدات، مفيش عداوة واضحة توصل 
للقتــ ــل، والعلامة اللي على وشه مكانتش مرتبطة بأي قضية قديمة عرفناها.

القضية بدأت الأمور فيها ،لحد بعد عشرة أيام بالظبط.

الساعة سبعة الصبح، يوسف كلمني، صوته لوحده خلاني أقوم من السرير.

= يا باشا، عندنا جثــ ــة تانية.

بلعت ريقى وقولت:
= في المعادي؟

قال:
= أيوة.

وصلت المكان ،المرة دي الضحـ ــية كانت ست، حوالي 45 سنة، اسمها داليا مراد، صاحبة حضانة خاصة.

طعـ ــنة واحدة، ومتعلقاتها كلها موجودة.

بس أنا مكنتش محتاج الدكتور يقولي الباقي ،بصيت على وشها.

نفس العلامة ،خطين متقاطعين على الخد.

يوسف وقف جنبي وقال:
= نفس القاتــ ــل.

قولت:
= غالبًا.

قال:
= وبين الجريــ ــمتين عشرة أيام.

بصيتله وقولت:
= بالساعة؟

فتح موبايله وراجع وقال:
= الأولى الوفــ ــاة تقريبًا بين 11 و12 بالليل، ودي نفس التوقيت تقريبًا.

قولت:
= يبقى مش صدفة.

رجعنا نحقق في حياة داليا ،وبرضه في البداية، ست محترمة، حضانة معروفة، أولياء الأمور بيتعاملوا معاها، مفيش سوابق.

بس موظفة قديمة قالت حاجة غيرت التحقيق ،داليا كان ضدها شكوى من أم طفل قبل سنتين.

الطفل رجع البيت بإصابات، والأم اتهمت الحضانة إن واحدة من المشرفات اعتدت عليه، وإن داليا ضغطت عليها عشان تتنازل.

دورنا أكتر ،لقينا شكوى تانية، وبعدها تالتة.

كلهم انتهوا من غير إدانة ،قعدت قدام السبورة في المكتب وكتبت اسمين ،سامح فوزي ، داليا مراد.

يوسف قال:
= الاتنين عندهم قضايا وطلعوا منها.

قولت:
= وملهمش علاقة ببعض.

قال:
= يمكن القاتــ ــل يعرفهم هما الاتنين.

قولت:
= أو يعرف اللي اتأذوا منهم.

سأل:
= يعني منتــ ـقم؟

قولت:
= لسه بدري.

بدأنا نراجع بلاغات قديمة، ضحـ ــايا، أقارب، أي اسم مشترك.

ولا حاجة ،سامح من الجيزة أصلًا، وداليا عاشت أغلب حياتها في القاهرة.

مفيش مدرسة مشتركة، مفيش شغل، مفيش محامي واحد، مفيش حتى رقم تليفون ظهر عند الاتنين.

كأن القاتــ ــل اختار شخصين ملهمش أي علاقة ببعض.

بس ليه؟

اليوم التاسع بعد مقتــ ــل داليا، يوسف دخل مكتبي.

قال:
= بكرة اليوم العاشر.

كنت عارف.

من ساعة الجريــ ــمة التانية وأنا بعد الأيام.

قولت:
= هننزل من الليلة.

زودنا الدوريات في المعادي، راجعنا كاميرات، وركزنا على الشوارع الهادية.

بس كان عندنا مشكلة ،المعادي مش شارع ،والقاتــ ــل مش باعتلنا عنوان.

عدت الساعة 12 ، واحدة وبعدين جت الساعة اتنين.

مفيش حاجة ،يوسف ابتسم وقال:
= يمكن إحنا فهمنا غلط.

قولت:
= يا رب.

الساعة خمسة إلا ربع الصبح، اللاسلكي اشتغل.

جثــ ــة ؛ المرة دي في منطقة مختلفة من المعادي.

وصلنا ،شاب في أواخر العشرينات، واقع جنب عربيته.

طعـ ـنة واحدة ،نفس الدقة ،ونفس العلامة على الوش.

وقفت قدامه وأنا حاسس إن القاتــ ــل كان بيرد علينا.

يوسف قال:
= كان عارف إننا مستنيينه.

قولت:
= لأ.

بصلي وقال:
= أمال؟

قولت:
= مفرقش معاه إننا مستنيينه.

عرفنا هوية الضحـ ــية ، مروان شوقي، 29 سنة، مهندس.

قولت:
= دورلي عليه من قبل ما يتخرج لحد امبارح.

المرة دي الموضوع أخد ساعات قليلة.

يوسف رجعلي بملف وقال:
= من أربع سنين كان متهم في حــ ــادثة عربية.

قولت:
= مـ ــات فيها حد؟

قال:
= بنت عندها 19 سنة.

فتحت الملف ،مروان كان سايق بسرعة، خبط البنت وهرب، اتقبض عليه بعدها، بس القضية انتهت بالبراءة بسبب مشكلة في الأدلة وشهادة اتغيرت.

قولت:
= تالت واحد.

يوسف قال:
= وكلهم خرجوا من قضايا.

كتبت على السبورة:

نصـ ــب ،إيــ ـذاء طفل والتستر عليه ،قتــ ــل خطأ وهروب ، تلات جــ ــرائم مختلفة، تلات 
ضحـ ــايا مختلفين، ولا رابط ظاهر بينهم.

يوسف قال:
= القاتــ ــل شايف نفسه بينضف المجتمع.

بصيتله وقولت:
= لأ.

راح رد قال:
= ليه؟

بعد تفكير لثوانى قولت:
= لو ده هدفه، عنده آلاف يختار منهم، ليه التلاتة دول بالذات؟

مردش ،فكملت كلامي وقولت:
= فيه رابط إحنا لسه مش شايفينه.

في اللحظة دي خبط عسكري ودخل.

قال:
= يا باشا، لقينا حاجة في عربية المجني عليه.

ناولني كيس أحراز، جواه ورقة صغيرة مطوية.

فتحتها ،مكتوب فيها جملة واحدة:

"ثلاثة اتحاسبوا، فاضل سبعة."

يوسف بصلي وقال:
= يعني ناوي يقتــ ــل عشرة؟

مردتش ،قلبت الورقة ،على الضهر كان مكتوب تاريخ ،بعد عشرة أيام.

وتحته اسم ،يوسف قرب وبص وقال:
= ده اسم الضحـ ــية الجاية؟

قولت:
= شكله كده.

الاسم كان:
نهى عبدالسلام.

خلال أقل من ساعة كنا عارفين هي مين ،مدرسة، عندها 34 سنة، ساكنة في مدينة نصر.

ملهاش سوابق ،ولا قضية ،ولا حتى محضر.

يوسف قال:
= يمكن المرة دي بريئة.

قولت:
= أو إحنا لسه معرفناش ذنبــ ـها.

طلبت رقمها واتصلنا بس مفيش رد بعدها اتصلنا تاني.

الموبايل مقفول ؤبعت قوة على عنوانها.

بعد حوالي نص ساعة يوسف جاله اتصال، سمع ثواني وبعدين بصلي.

قولت:
= إيه؟

قال:
= نهى مش في البيت.

قولت:
= من إمتى؟

قال:
= أهلها بيقولوا خرجت من امبارح ومرجعتش.

وقفت ،لسه قدامنا عشرة أيام على الموعد المكتوب، بس نهى اختفت من دلوقتي.

قولت:
= يبقى هو مش بيختار ضحـ ــيته يوم القتــ ــل.

يوسف قال:
= أمال؟

بصيت للأسماء التلاتة على السبورة، وبعدين للاسم الرابع.

قولت:
= الراجل ده مجهز القائمة كلها من قبل ما يبدأ.

لقيته ساكت، فكملت كلامي وقولت:
= وإحنا مش بندور على الضحـ ــية الرابعة.

يوسف بصلي باستغراب.

تجاهلته وبعدين قولت:
= إحنا بندور على قائمة فيها عشرة أسماء.

لأن لو لقينا الرابط اللي جمعهم، هنعرف مين كتب القائمة.

ومين اللي قرر إن كل عشرة أيام، واحد منهم لازم يمـ ــوت.


تعليقات