رواية بلاغ اختفاء الفصل الثاني بقلم محمود الأمين
صاحب البطاقة واحد اسمه كامل حسن، وعنده 37 سنة. المشكلة مش في اسمه ولا في سنه، المشكلة إن صاحب البطاقة دي متوفي من حوالي سنتين. يعني القاتل استخدم صورة بطاقة لشخص متوفي عشان يأجر الشقة ويقدر يعمل اللي هو عاوزه.
ولكن النقطة هنا اللي هنقف عندها... إزاي البواب اللي اسمه عبد الرازق أجّر الشقة لواحد صورته في البطاقة غير شكله اللي واقف بيه قدامه؟! معقول مبصش على الشكل اللي في صورة البطاقة؟!
الاحتمال ده كان صعب، عشان ببساطة عبد الرازق ده المسؤول عن تأجير الشقة بسبب إن صاحبها مش موجود ومسافر، يعني أكيد ده مش أول مستأجر يأجر الشقة. ولو كل مستأجر بيعمل معاه نفس الحركة وبياخد منه صورة البطاقة من غير ما يبص على شكله، دي تبقى كارثة. ولو حد عرف إنه بيعمل كده، كل اللي عاوز يعمل مصيبة هيروح يعملها في الشقة دي. وده طبعًا لو افترضنا إن عبد الرازق عمل كده عن غير عمد.
وطبعًا كان لازم نحقق معاه عشان نعرف هو إزاي يأجر الشقة لواحد صورته في البطاقة تختلف عن شكله الحقيقي وما يتأكدش من حاجة زي دي؟!
الاستدعاء وصله، وبعد شوية حضر قدامنا فعلًا، وبدأت أتكلم معاه:
_ هو إنت لما بتيجي تأجر الشقة للناس، بتاخد منهم صورة البطاقة، بتبص في الصورة وبتتأكد إن الشخص اللي ادهالك هو هو صاحب صورة البطاقة اللي في إيدك، ولا الموضوع بيكون عمياني كده؟!
= لا، عمياني إزاي يا باشا؟! أكيد بتأكد طبعًا، ولو طلع مش هو، أكيد برفض إني آجرله الشقة. هو أنا هدخل نفسي في حوارات برضه يا باشا؟
_ طيب جميل أوي... ممكن حضرتك بقى تفهمني إزاي الشخص ده هو اللي استأجر منك الشقة؟!
= عدم المؤاخذة، مش فاهم السؤال... ماله يعني؟ الراجل ده جه واستأجر مني الشقة زيه زي أي حد.
_ زيه زي أي حد إزاي يعني يا عبد الرازق؟! هو إنت بتقول إيه؟! الراجل اللي صورته في البطاقة ده متوفي من سنتين. إيه؟ طلع من قبره وجه استأجر منك الشقة؟!
= أكيد لا يا باشا... بس بصراحة هي حصلت حاجة كده، وأنا كنت خايف أقولها.
_ لا، قول يا عبد الرازق... حاجة إيه؟!
= بصراحة كده، المستأجر ده كان لابس على دماغه كاب ومنزله على عينيه، وجه ومعاه صورة البطاقة دي. وأنا كنت بأجر الشقة في الأسبوع بـ2000 جنيه، وده كان كلام صاحب الشقة مش كلامي. ولما طلبت منه يرفع الكاب عشان أشوف شكله، رفض، فأنا كمان رفضت آجرله الشقة. لكن وقتها هو طلع 3000 جنيه فوق الـ2000، يعني 5000 جنيه. بصراحة الفلوس زغللت عيني، ووافقت.
_ وكانت نتيجة موافقتك دي يا عبد الرازق إن في بنت تم الاعتداء عليها في الشقة، وماتت بسبب النزيف الداخلي الناتج عن الاعتداء ده.
= أنا والله يا باشا ما أعرف حاجة... بس أنا في حاجة عاوز أقولها. البنت دي لما طلعت معاه الشقة كانت طالعة برضاها، يعني مش باين عليها إنها مخطوفة ولا متخدرة مثلًا.
_ متأكد من الكلام اللي بتقوله ده، ولا حوار جديد؟!
= والله يا باشا ده اللي حصل. هو كان معاه عربية ملاكي وجابها معاه، وطلعوا الشقة، وبعدين مشوفتهاش تاني. ولما سألته عليها قال إنها مشيت، وإن أنا وقتها ما كنتش موجود. قولت جايز كنت بجيب طلبات العمارة، أو كنت في بيت الراحة.
....
خلصت كلام مع عبد الرازق البواب، والكلام اللي قاله كان في منتهى الخطورة. رغم إنه كدب في معلومة البطاقة، لكن المعلومة التانية كانت إجابة على سؤال كنت بسأله لنفسي... هو إيه اللي ودّى المجني عليها إيمان الشقة دي؟! هل هي تعرف صاحبها أو المستأجر، وعلى علاقة بيه، ولا الموضوع فيه حاجة تانية؟!
أصل، على حسب التحريات، البنت دي كانت متدينة ومش بتاعة الكلام ده، فحتة إنها كانت على علاقة بحد علاقة غير شرعية، فالموضوع ده مستبعد شوية، وهتفضل إجابة السؤال دي معلقة لحد ما نعرف مين الشخص ده.
وقتها تقرير المعمل الجنائي والبصمات كان طلع، والتقرير كان بيقول إن الجاني مسح بصماته كويس من الشقة، ومكنش فيه غير بصمة واحدة، وكانت مجهولة، مش موجودة في قاعدة البيانات الخاصة بالبصمات.
وساعتها ما كانش قدامنا غير إننا نجيب الاتنين المشتبه فيهم، واللي هما جوز أمها منتصر، وخالد زميلها في الجامعة اللي كان بيطاردها، ونشوف البصمة اللي في مسرح الجريمة دي تتطابق مع حد منهم ولا لأ.
وفعلًا طلع أمر باستدعاء الاتنين، واتاخدت بصماتهم، واتحقق معاهم، والبداية كانت مع جوز الأم، منتصر.
_ أستاذ منتصر، إنت عارف إنت هنا ليه؟!
= أكيد بسبب موت إيمان، الله يرحمها. حضرتك أكيد عايز تاخد أقوالي.
_ في الحقيقة، إنت مشتبه فيه في الجريمة دي، وإنت هنا في تحقيق رسمي، وعاوزك تجاوب على الأسئلة من غير كذب، وبكل صراحة، عشان لو كذبت هعرف، وهزعل... وربنا ما يوريك زعلي يا منتصر.
= أنا مش فاهم حاجة يا باشا... يتحقق معايا ليه؟ أنا معملتش حاجة.
_ حسب التحريات اللي اتعملت، وشهادة الشهود، عرفنا إنك كنت بتضايق إيمان، وبتعمل تصرفات مش لطيفة، وده الكلام اللي هي قالته لأصحابها. وأصحابها دول شهدوا إنهم لما راحوا عند إيمان البيت، ودي كانت المرة الوحيدة، إنك كنت بتبص عليهم بصات مش كويسة، وده اللي خلاهم ما يدخلوش بيت إيمان تاني. ردك إيه على الكلام ده؟!
= الكلام ده غلط. إيمان كانت زي بنتي. أنا آه، ربنا حرمني من نعمة الخلفة، بس كنت بعتبرها بنتي، وعمري ما بصيت عليها بصة مش كويسة.
_ معنى كلامك إن التحريات اللي إحنا عملناها غلط، وإن صاحبتها بيكدبوا؟
= أكيد يا باشا، وحضرتك ممكن تسأل أمها... هتقولك الكلام ده.
....
كنت عارف إن منتصر هينكر، وعشان كده بدأت تحقيق مع الشخص التاني اللي اسمه خالد.
_ خالد، إنت مشتبه فيه في الجريمة اللي حصلت، فما أقوالك فيما هو منسوب إليك؟!
= أنا ما عملتش حاجة يا باشا. أنا آه كنت بحب إيمان، وربنا يعلم حالتي عاملة إزاي من ساعة ما عرفت إنها ماتت، بس أنا مستحيل أذيها... أنا كنت بحبها.
_ طيب، ولما إنت بتحبها، ما رحتش اتقدمتلها ليه؟! ما يمكن كانت وافقت عليك؟!
= عشان الكل عارف إن إيمان رافضة الموضوع، وأنا كنت بحاول أتكلم معاها عشان أقنعها بيا، بس. ولكن هي رفضت حتى الكلام معايا، واشتكتني لإدارة الكلية، وكنت هترفد بسببها.
_ وعشان كده بعتلها رسايل تهديد على تليفونها، وأكيد نفذت تهديدك، واعتديت عليها وقتلتها.
= والله ما حصل... أنا معملتهاش.
....
انتظرت تقرير البصمات، واللي هيتحدد من خلاله البصمة اللي موجودة في مسرح الجريمة تبقى بصمة مين فيهم، ولكن تقرير البصمات قال إنها مش بصمة أي حد فيهم.
وبكده كان فاضل حل واحد قدامنا، وليه الحل ده أنا خليته للآخر بسبب وباء كورونا. المستشفى اللي كانت متطوعة فيها إيمان، وخليت الموضوع للآخر عشان الدنيا هناك بايظة؛ حالات داخلة وحالات خارجة، وموضوع إني أحقق مع حد هناك في الأجواء دي هيكون شبه مستحيل. ولكن ده الحل اللي كان فاضل.
يومها لبست جوانتي طبي وكمامة، وكنت عامل حسابي في الكحول وكل الإجراءات الطبية، واتحركت على المستشفى اللي كانت شغالة فيها إيمان.
وزي ما توقعت، الأجواء صعبة جدًا هناك، ولكن عرفت معلومة إن الدكاترة والطلبة المتطوعين في علاج الحالات كانت المستشفى موفرالهم سكن خارجي عبارة عن غرف، وكل غرفة فيها شخص واحد عشان الاختلاط. وعرفت إن غرفة إيمان كانت الغرفة رقم 7.
اتحركت على هناك، وقدرت أدخل أوضة إيمان، يمكن ألاحظ حاجة، ولقيت فعلًا تليفون إيمان في الأوضة، وكان فاصل شحن.
ولكن وأنا بدور، لقيت واحدة بتسألني: إنت مين؟!
وعرفت إن دي واحدة زميلتها، واسمها سارة. ولما اتكلمت معاها، عرفت إن يوم الجريمة كان في واحد جه لإيمان تحت السكن وقال إن عنده أخوه الصغير مصاب بكورونا، وهو خايف يقرب منه، وعاوز حد ييجي معاه ضروري عشان يتصرف وينقلوه للمستشفى.
ووقتها اللي كان موجود في السكن إيمان وسارة، وإيمان، عشان كانت بتحب الخير، وكانت شايفة منظر الشاب وهو بيبكي ومتقطع على أخوه، قررت إنها تروح معاه عشان تشوفه، ومن وقتها... مرجعتش.
ولما سألتها ليه مرحش على المستشفى؟.. قالت معرفش بس هو اكيد راح وعرف معلومة سكن المتطوعين دي من هناك
حاولت أعرف منها أوصاف الراجل ده، فقالت إن الدنيا كانت ضلمة، ومقدرتش تشوف وشه بالتفصيل.
فرجعت المكتب وأنا معايا تليفون إيمان، سلمته لمباحث الاتصالات، وكنت منتظر منهم تقرير عن الحاجات اللي موجودة في التليفون.
وبعد ما اتفتح، لقينا رسالة على الواتساب من واحد اسمه علي، وكان بيحاول يتكلم مع إيمان، وبيطلب منها يتعرف عليها، ولكن إيمان رفضت، وعملتله بلوك.
ولما اتحرينا على الرقم ده، طلع يخص واحد اسمه سليم فرغلي، وكان حاطط صورته على تروكولر، ومعاه حساب على فيسبوك كمان.
المشكلة مش هنا... المشكلة إننا لما عرضنا الصورة دي على أصحاب إيمان، قالوا إنهم يعرفوا الشخص ده كويس...
والشخص ده يبقى...
