رواية حين يجبر العشق الفصل الواحد والعشرون 21 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الواحد والعشرون 

في دار العامرية...

كان القلق قد ألقى بظلاله الثقيلة على أرجاء الدار.

تذرعت هانم ذهابًا وإيابًا في الردهة، تتوقف كل لحظات أمام الباب الرئيسي، ثم تعود إلى مكانها من جديد، وكأن عينيها تستطيعان اختراق ظلمة الليل بحثًا عن سيارة ابنها.

أما ماجدة، فكانت تجلس في أحد المقاعد تتابع حركة حماتها بصمت، بينما جلست سارة إلى جوارها، ساكنة على غير عادتها، تخفي خلف ملامحها المضطربة أفكارًا كثيرة.

توقفت هانم فجأة، ثم التفتت إليهما وقالت بقلق:كل ده وسلطان ما رجعش... يا ترى حصل له إيه؟! أنا قلبي مش مطمن.

ثم التفتت إلى ماجدة وأردفت بنفاد صبر:
ما تجربي تتصلي تاني على عامر؟ نشوف حصل إيه.

القت ماجدة هاتفها، ثم قالت بهدوء: اتصلت بيه يا خالتي، مردش. اطمني، وإن شاء الله خير.

زفرت هانم بضيق، ثم عادت إلى السير.

وبعد لحظات، قالت ماجدة وهي تراقبها:
أنا بس هموت وأعرف مين اللي ممكن يتجرأ ويخطف حور! دي مش بس مرات شيخ العامرية... دي بنت شيخ الرفاعية كمان. خطفها بالشكل ده هيفتح نار ملهاش اول من اخر والنار  دي مش هتطفي بسهولة.

توقفت هانم عن السير.
ثم استدارت إليها بوجه عابس، وكأن مجرد ذكر اسم حور قد أشعل غضبًا دفينًا داخلها.
تتخطف ولا تغور في داهية... مش مهم!

رمقتها ماجدة بدهشة.

فأكملت هانم بحدة :المهم عندي النار دي ما تطولش ابني. سلطان مالهش ذنب في اللي بيحصل ده كله، وأنا مش ناقصة أشوفه يدفع تمن مشاكل غيره.

كانت سارة تتابعهما بصمت.
لكن عينيها لم تكونا مع هانم ولا مع ماجدة.
كانتا معلقتين بالباب.

فجأة...تسلل إلى الدار صوت محركات سيارات تقترب بسرعة، ثم تبعته أصوات عجلات توقفت أمام المدخل الرئيسي.

انتفضت هانم، واتجهت نحو الباب.
نهضت ماجدة مسرعة، وتبعتها سارة.

لم تمضِ سوى لحظات حتى ظهر ضوء المصابيح من خلف النوافذ، ثم توقفت إحدى السيارات أمام الدار.

وحين تعرفت هانم إليها، انفرجت أساريرها دفعة واحدة.: سلطان!
خرجت الكلمات منها مصحوبة بزفرة ارتياح عميقة، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة بعدما ظل قلبها معلقًا بالخوف طوال الساعات الماضية.

لكن ابتسامتها لم تدم سوى ثوانٍي معدوده عندما فُتح باب السيارة وترجل سلطان منها 
إلا أنه لم يكن وحده.
كانت حور بين ذراعيه.
يحملها بحرص شديد، بينما كانت ذراعاها ملتفتين حول عنقه، ورأسها مستندًا إلى صدره، وكأنها وجدت أخيرًا المكان الوحيد الذي تستطيع أن تسمح فيه لجسدها بالاسترخاء.

كان وجه سلطان متعبًا، وملامحه قاسية من أثر الساعات التي عاشها، لكنه كان يضم حور إليه بحماية واضحة، كأن مجرد إبعاد ذراعه عنها خطوة واحدة أصبح أمرًا مستحيلًا.

توقفت هانم في مكانها واختفت ابتسامتها ببطء.
واتسعت عينا ماجدة في دهشة لم تستطع إخفاءها.

أما سارة...فلم تتحرك.
ظل بصرها معلقًا بسلطان، ثم انزلق إلى حور المستكينة بين ذراعيه.
كان في عينيها شيء أشبه بالانكسار الصامت.

دخل سلطان إلى الدار بخطوات ثابتة، ولم يلتفت إلى أحد.
كان كل اهتمامه منصبًا على حور التي بين ذراعيه.

تقدمت هانم نحوه خطوة، وما زالت تحاول استيعاب المشهد: سلطان...
لكنه لم يتوقف.
حاولت أن تستعيد ثباتها وقالت بقلق: طمني يا ولدي... إيه اللي حصل؟

توقف سلطان لحظة عند بداية الدرج، ثم رفع عينيه إليها.
كان واضحًا أنه لا يملك طاقة للكلام.
قال بصوت مقتضب:بعدين يا أمي.

ثم نظر إلى حور، وعدّل وضعها بين ذراعيه بحنان، وأردف: المهم خلي الخدم يجهزوا أكل لحور هانم... وخلّيهم يطلعوه الجناح.

اتسعت عينا هانم وهمست بلا صوت : حور هانم !!!!

استدار وصعد الدرج.
كانت خطواته هادئة، لكنها تحمل خلفها ساعات من الرعب والغضب لا يعرف أحد تفاصيلها.

رفعت هانم رأسها تتابعه حتى اختفى عن أنظارها.
ثم انتقلت عيناها إلى ساره قبل أن تعودا إلى الدرج مره اخري ...

كان الغضب قد محا تمامًا آثار الراحة التي ظهرت على وجهها قبل دقائق.
أما سارة، فظلت واقفة في مكانها.
لم يكن المشهد الذي رأته مجرد عودة سلطان.
كان إعلانًا صامتًا عن مكان حور في حياته.
زوجته التي خطفت... وعاد بها بنفسه، يحملها بين ذراعيه وكأن العالم كله لا يهمه ما دامت هي بخير.
وضعت سارة يدها فوق بطنها دون وعي.
وانخفض بصرها للحظة.
ثم رفعت عينيها إلى الدرج من جديد.
..................

في جناح سلطان ....
ما إن أغلق سلطان باب الجناح خلفه، حتى شعر وكأن العالم كله بقي في الخارج.

لم يعد هناك صوت رصاص، ولا صرخات، ولا رجال يركضون في أرجاء السرايا، ولا خوف من أن تمتد يد إلى حور من جديد.

فقط هو وهي...وحور بين ذراعيه.

اتجه بها نحو الفراش، وأنزلها عليه برفق، لكنه لم يبتعد عنها. ظل جاثيًا أمامها، يتأمل وجهها الشاحب، وكأنه لا يزال غير مصدق أنها أمامه بالفعل.

رفع يده، وأزاح خصلة من شعرها عن وجهها، ثم سألها بصوت خافت:انتي كويسه ؟؟ تحبي ابعت اجيب الدكتور !؟

أومأت برأسها نفياً : لا انا كويسه ...

لم يقتنع فسالها بشك : متأكدة؟

ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:أيوه يا سلطان... أنا كويسة والله ...

تنفس ببطء، ثم جلس إلى جوارها.
ظلت عيناه تتفحصان ملامحها، حتى لاحظت حور الجرح الصغير الذي يغطي يده.

أمسكت كفه بين يديها، ونظرت إلى الجرح وهتفت بقلق : ايدك متعوره؟؟

خفض سلطان عينيه إلي يده المصابة ، ثم قال ببساطة:عادي حاجة بسيطة.

رفعت عينيها إليه بعتاب:بسيطة إيه بس انت ممكن تكون اتصابت فيها ؟؟

ابتسم ابتسامة خافتة لم تصل إلى عينيه.: مش مهم اي حاجه تحصل في سبيل اني أوصلك.

صمتت لحظة وهي تتطلع لنظره العشق في عينيه ثم همست : كنت خايف عليا؟

نظر إليها طويلًا ثم قال دون تردد: كنت بموت كل دقيقة معرفتش فيها إنتِ فين.

ارتجفت ابتسامتها بينما هو تابع بصوت أكثر انخفاضًا: عارفة أصعب حاجة كانت إيه؟

هزت رأسها نافيه ، فاكمل وهو يتطلع الي عينيها الجميله :  إني كنت عارف إنك خايفة... وانا ومش عارف أوصلك.

ابتلعت حور غصتها، ثم اقتربت منه قليلًا وأسندت رأسها إلى كتفه.: بس أنا كنت عارفة إنك هتيجي.

أغمض عينيه براحه وهو يحتويها بين ذراعيه مطمئنا انها سالمه امنه داخل حضنه 
وساد بينهما صمت دافئ.
صمت لم يكن يحتاج إلى كلمات.
وبعد لحظات، رفعت حور رأسها وقالت بتعب: انا هقوم ،محتاجة أخد شاور.

نظر إليها باهتمام، ثم نهض ومد يده إليها.: 
تعالي يالا 
أمسكت يده ونهضت معه قادها حتى باب الحمام، ثم فتحه لها.
وحين همت بالدخول، تبعها بخطوة.
التفتت إليه بدهشة وخجل: انت رايح فين؟؟

نظر إليها بجديه وكانه معتاد علي ذلك : هدخل معاكي ...

ازدادت حمرة وجهها : تدخل معايا ليه؟؟

سلطان بنفس الملامح الجاده : هدخل معاكي علشان اساعدك ...

حور بابتسامه خجله : لا شكرا مش محتاجة مساعدة.

رفع حاجبه برفض: وانا قلت هساعدك انتي مش شايفه نفسك عامله ازاي ده انتي مش قادره تقفي علي رجلك ....

خفضت عينيها ثم قالت بخجل:سلطان... سبني براحتي مش هينفع تدخل معايا وانا باخد شاور ، بتكسف ...

تأمل وجهها لثواني وقد فهم عليها اخيراً فتابع بصدق : حور ... انا جوزك وانا احق واحد انه يساعدك وتتكشفي عليه من غير خوف او خجل ...
ثم تابع مشاكساً عندما وجدها  تنصهر امامه من الخجل : وبعدين يا ستي لو مكسوفه مني انا هغمض عيني بس ها حسس بس ......

دفعته حور في كتفه بخجل : سلطان بطل بقي ، اطلع من فضلك ...

ابتعد خطوة إلى الخلف، وقال مبتسماً بهدوء : حاضر.

ثم أضاف وهو ينظر إليها بعينين مليئتين بالحنان: بس أنا بره. لو احتجتيني نادي عليا ....

ابتسمت له بعشق : حاضر.

أغلق الباب خلفها.

وقف سلطان للحظات أمام الباب، ثم تنفس بعمق.
كانت تلك أول مرة منذ ساعات يسمح لنفسه بأن يهدأ.

دخل الحمام الآخر الملحق بالجناح، أخذ حمامًا سريعًا، ثم خرج وارتدى ملابسه، وجلس ينتظرها.

مرت دقائق. ثم انفتح باب الحمام.
رفع سلطان رأسه...فتوقفت أنفاسه للحظة.

خرجت حور وهي تلف جسدها بروب الاستحمام الكبير، وقد بدت عليها علامات الارتباك، بينما كان شعرها المبلل ينسدل حول كتفيها.

توقفت عند الباب، ثم قالت بخجل وهي تعض علي شفتيها : أنا... نسيت أجيب هدومي.

لم يجبها سلطان فورًا.
ظل ينظر إليها بإعجاب واضح، وعينيه تسير على جسدها لاول مره بحريه بنظره رجل ينظر الي امرآته قبل أن يجبر نفسه على صرف عينيه عنها.

قال بصوت خافت لازال تحت تأثيرها: وما قولتليش ليه وانا كنت جبت لك هدومك ...

ابتسمت بخجل أكبر ولم ترد وكل خليه في جسدها ترتجف بسبب نظرته لهغ ....

اقترب منها بخطوات هادئة وتوقف امامها واضعاً يديه علي اكتافها: بقيتي أحسن دلوقتي؟

أومأت برأسها.: آه.

ظل ينظر إليها للحظات.
وكان بينهما ذلك الصمت الذي يحمل أكثر مما تستطيع الكلمات قوله.
هي تخفض عينيها خجلًا كلما التقت بعينيه، وهو يحاول الا يخفي إعجابه بها مستمتعاً بارتباكها ....

ارتبكت أكثر، ثم ابتعدت عنه متجهة إلى المرآة.
جلست أمامها، وتناولت فرشاه  الشعر وما ان وضعتها علي راسها  حتي وجدته وقفاً خلفها واخذها منها ثم بدأ يمرر الفرشاة بين خصلات شعرها المبللة ببطء شديد.

لم تتكلم فقط نبضات قلبها تتسارع بجنون داخل صدرها ،وهو أيضًا لم يتكلم.
لكن انعكاس عينيه في المرآة كان يقول الكثير.
كانت نظراته تتحرك بين شعرها وملامحها، بينما كانت هي تراقبه من حين لآخر، ثم تخفض عينيها سريعًا.

طرقت الخادمة الباب في تلك اللحظة.
ابتعد سلطان عن حور، ثم اتجه إلى الباب وما ان فتحه حتي وجد الخادمه تحمل صينيه الطعام بين يديها : الأكل يا شيخ سلطان ...
اشار لها بالدخول ، وضعت الصينيه علي الطاوله الجانبيه وغادرت مسرعه ....

جذب سلطان يدها واجلسها امام طاوله الطعام وهتف امراً : يلا علشان تاكلي..

هزت رأسها نافيه بتعب : مش قادرة.

سلطان بحزم : حور، لازم تاكلي انتي ماكلتيش حاجه طول اليوم وانتي اصلاً تعبانه ...

حور بتعب : أنا فعلا تعبانة يا سلطان بس مش قادره اكل انا محتاجه انام وبس ...

اقترب منها وتأمل وجهها، ثم قال بنبرة حانية: علشان خاطري يا حبيبي، انا مش هستحمل يغمي عليكي تاني ....

ابتسمت بتعب : فعلاً مش قادره .

تنهد، ثم وضع الطعام جانبًا لم يجادلها أكثر.

مد ذراعيه نحوها وقادها نحو الفراش ، فراشه هو ، مددها عليه ثم تمدد جانبها فاتحاً لها ذراعيه ، اقتربت منه، فضمها إليه، وأسندت رأسها إلى صدره.
قال وهو يقبل رأسها:نامي وارتاحي حبيبتي....

أغمضت عينيها تتنعم بدفء احضانه  وهمست بخفوت : وانت مش هتنام؟

طبع قبله حانيه فوق راسها وهو يدلك فروه راسها بحنان : مش مهم انا ، المهم انتي ترتاحي ....

ابتسمت وهي بين ذراعيه : أنا آسفة.

قطب حاجبيه متسائلاً : على إيه؟

حور بخفوت : تعبتك معايا.

ضمها إليه أكثر : التعب كله يهون مادام انتي في حضني يا حور ...

سكتت قليلًا، ثم همست بخفوت : سلطان؟

سلطان بهمس عاشق : عيونه.

حور وهي تضم نفسها اليه تحتمي به : خليك جنبي.

أغمض عينيه، وقبل جبينها طويلًا: عمري ما هبعد.

حين استسلمت حور أخيرًا للإرهاق، ضمها سلطان إليه أكثر، وأسند رأسها إلى صدره، بينما راحت أصابعه تمرر على شعرها بحنان هادئ.

ظلت صامتة للحظات، تستمع إلى دقات قلبه المتسارعة، وكأنها تريد أن تحفظ ذلك الإيقاع الذي أخبرها منذ اللحظة الأولى بمدى خوفه عليها.

ثم رفعت وجهها قليلًا، ونظرت إليه.: سلطان...

خفض عينيه إليها فورًا : نعم يا حبيبي ...

ترددت لحظة، ثم سألته بهدوء: هو الخوف اللي انا شوفته في عنيك انهارده علشاني ده بجد ؟؟

تغيرت ملامحه، وكأن السؤال أعاده للحظات التي عاشها وهو يبحث عنها.

قال بصوت خافت، صادق إلى حد جعل قلبها يرتجف: أنا عمري ما حسيت بالخوف زي ما حسيته النهارده.

ظل ينظر إليها، ثم تابع: وأنا بدور عليكِ، كل دقيقة كانت بتعدي كنت بحس إني ممكن أخسرك... وكنت مستعد أعمل أي حاجة علشان أوصلك.

سكتت حور.

كانت تنظر في عينيه، وتقرأ فيهما شيئًا لطالما شعرت به، لكنها كانت تنتظر أن تسمعه منه.

اقتربت منه قليلًا، وقالت بصوت أكثر هدوءًا:

— طب ليه؟

ظل صامتًا لحظة.

كانت عيناها معلقتين بعينيه، وكأنها تمنحه الفرصة التي انتظرتها طويلًا.

فهم سلطان ما تريده.

ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم رفع يده ولمس وجنتها بحنان.

— علشان بحبك يا حور.

توقفت أنفاسها ودوت ضربات قلبها تقصف صدرها بعنف : بجد يا سلطان ؟؟

اما هو فتابع وهو ينظر إليها بنظرات تقطر عشقاً : بحد ، انا عمري ما حبيت حد بالشكل ده قبل كده.

اقترب منها أكثر، وقال بصوت خافت خرج من أعماق قلبه: ومش عاوز حاجة في الدنيا دي غيرك إنتي وبس

اتسعت ابتسامتها، واغرورقت عيناها بدموع السعاده لم تستطع إخفاءها.
وضعت يدها فوق يده، وقالت بحب: 
وأنا كمان مش عايزة حاجة في الدنيا دي غير إني أفضل جنبك... أحبك وتحبني.

ظل ينظر إليها للحظات، وكأن كلماتها كانت أمنيته التي لم يجرؤ يومًا على طلبها.

اقترب منها ببطء، حتى لامست جبهته جبهتها هامساً : وهفضل أحبك لاخر يوم في عمري....

أغمضت عينيها، وابتسمت ثم مال نحوها، والتقت شفتاه بشفتيها في قبلة رقيقة، دافئة، حملت كل ما عجزا عن قوله بالكلمات.

قبلة لم تكن مجرد قبلة عاشقين...
كانت وعدًا صامتًا بأنهما، مهما عصفت بهما الحياة، سيظلان يبحثان عن الأمان في بعضهما.

وحين ابتعد عنها قليلًا، أبقاها بين ذراعيه، بينما استقرت رأسها فوق صدره من جديد.

وأغمضت عينيها...
هذه المرة، لم يكن في قلبها خوف.
فهي تعرف الآن أن الرجل الذي أحبته...
يحبها بالقدر نفسه.......
..............

بعد عودة سلطان وحور إلى الدار بقليل، عادت سيارة أخرى لتتوقف أمام المدخل.

كان عامر هو الآخر قد عاد.

ترجل من السيارة بخطوات ثقيلة، وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه. لم يكن التعب وحده ما أثقل وجهه، بل شيء آخر كان يضغط على صدره منذ لحظة هروب صبري.

دخل جناحه، فوجد ماجدة في انتظاره.

ما إن رأته حتى أسرعت نحوه، وقد بدا القلق واضحًا في عينيها.: كنت فين يا عامر؟ ليه ما رجعتش مع سلطان من بدري؟ أنا كلمتك كذا مرة ومردتش عليا.

ألقى عامر جسده على أحد المقاعد، ومسح وجهه بيده في إرهاق.: سلطان أمرني أنا وياسين نفضل هناك... وندور على صبري.

تجمدت ماجدة للحظة بدهشه : صبري؟

رفع عامر عينيه إليها.: أيوه.

اقتربت منه أكثر، وسألته بذهول : هو صبري هو اللي خطف حور؟

أطلق عامر زفرة غاضبة.: أيوه... الغبي اتصرف بغباء وتهور زي عادته، وهيضيعنا كلنا بغبائه.

تبدلت ملامح ماجدة، وسألته بقلق: وإنت مالك؟ خايف من إيه؟

ضحك عامر بسخرية قصيرة، ثم قال بعصبية: إزاي يعني ما أخافش؟! افرضي سلطان كان مسكه انهارده عارفه ايه اللي كان هيحصل ...

توقف لحظة، ثم تابع وقد ارتسم الخوف في عينيه: ساعتها سلطان هيعرف علاقتي بصبري.

نظرت إليه ماجدة للحظات، ثم قالت بلامبالاة: طب ما يعرف علاقتك بيه... وإيه المشكلة؟

حدق فيها عامر بعدم تصديق، ثم انفجر غاضبًا: يا سلام! ولما سلطان يعرف إني همزة الوصل بين سارة وصبري، ساعتها تتوقعي إنه هيعمل إيه؟!

صمتت ماجدة برعب ...

فأكمل عامر بحدة: إنتِ فاكرة سلطان هيسامحني؟ ده لو عرف إني كنت سبب من الاسباب في كل اللي حصل، مش هيعتبرني أخوه أصلًا.

خفضت ماجدة عينيها لحظة، ثم قالت وكأنها تحاول تهدئة نفسها قبل أن تهدئه: طب الحمد لله إنه هرب... وسلطان موصلش له.

لكن عامر لم يبدُ مطمئنًا : صحيح لسه موصلش له... بس هو مش هيسكت.

رفع عينيه إليها، وكان القلق يزداد وضوحًا في صوته.: ده أخويا وأنا عارفه. مش هيرتاح غير لما يوصل لصبري.

ثم سكت لحظة، قبل أن يقول: وبعدين... واضح أوي إن سلطان حب حور.

تأملته ماجدة جيدا ً

فتابع صبري مستفيضا ً :  إنتِ ما شوفتيش كان عامل إزاي وهو بيدور عليها ومش لاقيها. كان زي المجنون. ولما عرف إن صبري هو اللي خطفها...
ارتعشت نبرته قليلًا واضاف : تحسي إن بينه وبين صبري تار.

ثم مال إلى الأمام، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه.: والأصعب إنه خلّى ياسين يدور عليه.

رفعت ماجدة عينيها إليه بقلق : ياسين؟؟

هز عامر رأسه مؤكداً : أيوه... وياسين ده مش سهل. أنا مش برتاح له، ولا برتاح لنظراته.

ساد الصمت للحظات.
كانت ماجدة تستمع إليه، لكن خوفها لم يمنع عقلها من العمل ثم قالت ببطء: يبقى لازم نتصرف.

رفع عامر عينيه إليها بعدم فهم : نتصرف إزاي؟

اقتربت منه، وخفضت صوتها: لازم نوصل لصبري قبل سلطان وياسين.

قطب عامر حاجبيه : وبعدين؟

نظرت إليه ماجدة نظرة ثابتة، ثم قالت: لازم نخلص منه.

تجمد عامر برعب : نخلص منه ؟؟ انتي اكيد اتجننتي....

أومأت برأسها دون تردد.: أيوه نخلث منه قبل ما اللي بينكم ينكشف.

ظل يحدق فيها، بينما تابعت بنبرة أكثر حسمًا: طول ما صبري موجود، يقدر يوقعك في أي لحظة. لكن لو اختفى... محدش هيقدر يثبت حاجة عليك.

قال عامر بقلق: بس لو حصل له حاجة، سلطان هيعرف إن في حاجة غلط.

ابتسمت ماجدة ابتسامة باردة. سلطان دلوقتي عنده عدو واضح قدامه. صبري خطف مراته، وضرب عمه، وهرب. كل اللي حصل هيخلي عينه عليه.

ثم اقتربت أكثر وقالت: إحنا مش لازم نخلي سلطان يعرف مين خلّص عليه... المهم إنه ما يوصلهوش قبِلنا.

ظل عامر صامتًا.

فأمسكت ماجدة بيده وقالت: اسمعني يا عامر... إحنا مش بنحاول ننقذ صبري.

ثبتت عينيها في عينيه.: إحنا بنحاول ننقذ نفسنا.

تنفس عامر ببطء، بينما استمرت هي: لو سلطان عرف إنك كنت همزة الوصل بين صبري وسارة، مش بس هتخسر أخوك...
توقفت لحظة، ثم قالت بوضوح: هتخسر كل حاجة.

رفع عامر رأسه إليها بتيه : تقصدي إيه؟

ابتسمت ماجدة ابتسامة خبيثة : قصدي انت عارفه كويس ،المشيخة.

سقطت الكلمة بينهما كأنها فتحت بابًا آخر للخطر.فتابعت: لو سلطان عرف الحقيقة، انسَ إنك تقرب من كرسي المشيخة تاني. مش بس هيرفضك... ده هيخلي البلد كلها تشوفك خائن.

ظل عامر صامتًا، وقد بدأت الفكرة تتسلل إلى عقله رغم خطورتها.

اقتربت ماجدة من أذنه وهمست: عشان كده لازم نسبقهم.

رفع عينيه اليها بقلق، فاكملت بنبرة قاطعة:
نوصل لصبري الأول... وقبل ما يتكلم.

ظل عامر ينظر إليها طويلًا.
وفي عينيه امتزج الخوف بالطمع.
أما ماجدة، فلم يكن في عينيها سوى شيء واحد...
النجاة، ولو كان ثمنها حياة رجل آخر.

غافلين عن ساره التي كانت تقف خارجاً تستمع الي كل حديثهم ولاول مره يكن صبري هو سبب خوفها الوحيد ، هناك عامر وماجده الاكثر خطراً من صبري ....

................

مع أول خيطٍ من خيوط الصباح، تسلّل الضوء الهادئ إلى الغرفة، وانسكب فوق ملامح حور المستكينة بين ذراعي سلطان.

فتح عينيه ببطء.
كانت أول صورة وقعت عليها عيناه هي وجهها.
كانت لا تزال نائمة، ورأسها مستقر فوق صدره، ويدها قابضة على طرف قميصه، وكأنها حتى في نومها كانت تخشى أن يبتعد عنها.
ظل يتأملها طويلًا.
تذكر اعترافه لها في الليلة الماضية، والابتسامة التي أشرقت على وجهها حين أخبرها أنه يحبها، وشعر بشيء دافئ يملأ صدره.
انحنى وطبع قبلة هادئة على جبينها.
ثم همس: بحبك ....

ابتسم، وأبعد خصلة من شعرها عن وجهها، ثم نهض بحذر حتى لا يوقظها.

تركها تغفو، واتجه إلى الحمام، وبعد أن انتهى ارتدى ملابسه، ثم خرج من الجناح متجهًا إلى مكتبه.
كان أمامه الكثير من الأمور التي يجب أن يحسمها بعد ليلة الأمس.

وفي الأسفل...
كانت هانم تجلس في الصالة، وإلى جوارها سارة.
ما إن رأت سلطان يهبط الدرج حتى رفعت عينيها إليه : سلطان.
سألته بلهفة حاولت إخفاءها: طمني ايه  اللي حصل بالظبط؟

نظر إليها للحظات، ثم أجاب بحسم: اللي حصل انتهى يا أمي.

قطبت حاجبيها بعدم فهم : يعني إيه انتهى؟

سلطان بنبره حازمه : انتهي يعني مش عاوز حد يتكلم عنه تاني.
ثم أضاف بنبرة قاطعة: وخصوصًا قدام حور. اللي حصل أثر عليها، وأنا مش عاوز نفسيتها تتعب أكتر من كده.

اشتعل الضيق في عيني هانم.
قالت بسخرية مريرة: وأنت مش هتخاف على نفسية مراتك أم ابنك زي ما إنت خايف على نفسية الست حور؟

تغير وجه سلطان في لحظة وهدر بغضب : 
أمي...

رفعت هانم ذقنها متحدية: أنا بقول الحقيقة يا شيخ سلطان.

اقترب منها خطوة، وصوته أصبح أكثر حدة: الموضوع ده محدش يتدخل فيه مهما كان هو مين ....
رمقها وساره بنظرات غاضبه  ثم استدار دون أن يمنحها فرصة أخرى للكلام، واتجه إلى مكتبه.

ظلت هانم تراقبه حتى اختفى خلف الباب.
وتبدلت ملامحها إلى حقد واضح.
تمتمت بين أسنانها: ماشي يا ابن صفوان .

وفي تلك اللحظة، ظهرت إحدى الخادمات وهي تهبط الدرج، تحمل صينية الطعام.
استوقفتها هانم بغضب : إيه اللي إنتِ شيلاه علي ايدك ده ؟ 

توقفت الخادمة واجابتها باحترام : دي صينية العشاء اللي كانت في جناح الشيخ سلطان امبارح و حور هانم قالت لي أنزلها.

ثم همت بالانصراف.
لكن هانم استوقفتها مرة أخرى: هي صحيت؟

الخادمه بادب : أيوه يا هانم.
ثم انصرفت إلى المطبخ.

رفعت هانم عينيها نحو الدرج المؤدي إلى جناح سلطان.
ثم التفتت إلى سارة وقالت بهدوء:تعالي معايا.

نهضت سارة واتجهت خلفها.
وبعد دقائق، كانتا تقفان أمام باب جناح سلطان.

طرقت هانم الباب.
جاءها صوت حور من الداخل: مين؟

هانم بجمود : أنا يا حور.

ترددت حور لحظة، ثم قالت:اتفضلي.

دخلت هانم يتبعها سارة.

كانت حور تجلس على طرف الفراش، وقد ارتدت ملابسها، وشعرها ما زال ينسدل على كتفيها.

اقتربت هانم منها بابتسامة مصطنعة:
حمد لله على السلامة ،أنا جاية أطمن عليكي.

نظرت إليها حور باستغراب خفيف.: الله يسلمك.

تقدمت سارة خطوة وقالت بفتور :حمد لله على سلامتك يا حور.

ابتسمت حور ابتسامة صغيرة مجاملة: الله يسلمك.

جلست هانم، ثم بدأت تتفحص وجه حور وكأنها تبحث عن أثر لما حدث : قوليلي بقي ايه اللي حصل ؟؟

اختفت ابتسامة حور وقالت بهدوء: مش عاوزة أتكلم عن اللي حصل من فضلك .

هانم بغل : ليه؟

حور بضيق مما حدث : علشان مش عاوزه افتكر اللي حصل .

تبدلت ملامح هانم بضيق.
لكنها سرعان ما أخفت غضبها وقالت: طيب... إحنا طلعنا نعمل الواجب ونطمن عليكي، وهنسيبك ترتاحي.

ثم التفتت إلى سارة وتابعت بخبث : يلا يا سارة، تعالي علشان ترتاحي إنتِ كمان. القلق والتوتر غلط عليكي.

رفعت حور عينيها إليها توقفت عند الكلمة.
ثم انتقلت عيناها إلى سارة...
كان شيء ما داخلها يتحرك.
عاد إلى ذاكرتها صوت صبري."سلطان متجوز سارة...وحامل منه كمان."

شعرت ببرودة تسري في أطرافها لكنها تماسكت وسألت بهدوء: ليه؟ هي سارة تعبانة ولا حاجة؟

تبادلت هانم وسارة نظرة سريعة ....
ثم ابتسمت هانم ابتسامة خبيثة : إيه ده؟ هو إنتِ ما تعرفيش؟

ابتلعت حور غصتها وعقدت  حاجبيها: أعرف إيه؟

قالت هانم ببرود متعمد: سلطان ما قالكيش إن سارة حامل في ابنه؟

توقفت أنفاس حور وهمست بارتجاف : إيه؟

أكملت هانم، وكأنها تتعمد أن تغرس كل كلمة داخل قلبها: حامل في أول حفيد لصفوان العامري.

شعرت حور وكأن الغرفة قد دارت حولها والارض تميد بها ،تجمد جسدها.وتردد صوت صبري في رأسها من جديد.
لم تعد الكلمات مجرد أكاذيب قالها رجل مهووس.
لقد أصبحت حقيقة أمام عينيها.
لاحظت سارة الصدمة في وجهها، فاقتربت قليلًا، وقالت بخبث ناعم: إنتِ ما كنتيش تعرفي إني حامل من سلطان؟

رفعت حور عينيها إليها.
كانت عيناها ممتلئتين بالصدمة، لكن شيئًا ما داخلها رفض أن يسمح لها بالانكسار أمامهما.
استقامت في جلستها، وقالت بثبات: شكل موضوع حملك مش مهم بالنسبة لسلطان علشان كده نسي يقول لي عليه.

اتسعت عينا سارة من قوه ردها الغير متوقع 
أما حور فأكملت، ونبرتها ازدادت قوة:
أصله كان مشغول بتعبي... وبعدها أنا اتخطفت، وده المهم عنده واللي كان شاغل تفكيره.

سقط الصمت بينهم كقنبلة مدويه واشتعل الغضب في وجه هانم فقالت بحقد:
ما تحاوليش تعملي لنفسك قيمة عنده.
ثم اقتربت منها قليلًا، وأردفت: عمرك ما هتكوني أهم من ابنه عنده.

تجمدت حور والكلمه ذبحتها....
لكن قبل أن تستطيع الرد...
انفتح باب الجناح.
استدارت النساء الثلاث في اللحظة نفسها.
كان سلطان واقفًا عند الباب.
ملامحه متصلبة، وعيناه تشتعلان بغضب واضح.
لقد سمع الكلمات الأخيرة لامه فهدر بصوت قوي دوّى في الغرفة: أمي!

ارتجفت هانم داخلياً رغم تظاهرها بالثبات الواهي امام نظراته الغاضبه المنصبه فوقها 

أما حور...
فلم تنظر لهانم او ساره ، فقط سلطت نظراتها عليه ...
عينيها التقتا بعيني سلطان.
تلاقت نظراتهما طويلًا...
هو رأى في عينيها صدمةً لم يفهمها بعد.
وهي رأت في عينيه عجزاً واعتذار لا تفسير له ....
وظل الصمت معلقًا بينهما...
.................


تعليقات