رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الواحد والعشرون 

خطوات فزعة خلعت الهدوء عن ردهة المنزل، لتقتحم سعاد الغرفة والهلع يسبق عينيها.

تجمدت أنفاسها عند العتبة؛ كانت لينا ممددة على الأرض، شاحبة الوجه، بينما تجثو إيمان بجانبها، يغرق المكان بنشيج هستيري مخنوق.

هتفت سعاد بصوت خطف الرعب نبرته، وهي تندفع نحوها:

ـ يا مصيبتي! مالها البنت؟! جرى لها إيه يا إيمان؟!

ردت إيمان بنبرة مرتعشة متقطعة، وصوتها يخرج متهججًا من بين دموعها:

ـ الـ... الفيديو.. يا ماما.. شـ... شافت.. الفيديو اللي...

لم تهتم سعاد بتفسيرها، وانحنت سريعًا نحو لينا، ثم قالت لإيمان بلهفة:

ـ إيدك معايا يا بنتي... نحطها على السرير الأول.

أومأت إيمان بسرعة، ومدت ذراعيها معها.

أسندت سعاد الجزء العلوي من جسد لينا، بينما حملت إيمان ساقيها، وتمكنتا بعد جهد من رفعها ووضعها على السرير.

ما إن استقرت لينا فوق الفراش حتى جلست سعاد بجوارها، وأخذت تربت على وجنتيها بخفة، بينما قالت لإيمان:

ـ قومي بسرعة شوفي حاجة تفوقها!

انتفضت إيمان نحو التسريحة، والتقطت زجاجة العطر بيد مرتجفة.

سكبت بضع قطرات على كفيها، وقربتهما من أنف لينا، بينما بدأت سعاد تدلك كفيها اللذين غلفتهما برودة مقلقة، وهي تتمتم بخوف:

ـ فوقي يا بنتي.. استرها يا رب ولطفك.. فوقي يا حبيبتي!

التفتت سعاد نحو الشباك، وهتفت بحدة، وهي تواصل تدليك كفي لينا:

ـ افتحي الشباك ده يا إيمان، الأوضة مكتومة.. خلي الهوا يدخل!

فتحت إيمان الشباك بيد مرتجفة، وعادت لتجثو بجوار لينا.

مرت ثوانٍ ثقيلة كأنها دهر، لكن لينا ظلت ساكنة، لا تستجيب لكل محاولاتهم لإفاقتها.

حاولت إيمان مرة أخرى تقريب العطر من أنفها، بينما ارتفع صوت بكائها:

ـ مش راضية تفوق يا ماما! مش بتحس خالص.. الصدمة كانت قوية عليها!

هنا أدركت سعاد أن العطر لن يفعل شيئًا، وأن الأمر أكبر من مجرد إغماء عابر.

التفتت إلى إيمان، وقد اتسعت عيناها بقلق:

ـ الموضوع مش طالع ببرفان يا إيمان! البنت شكلها مش هتفوق كده.. سيبك من الزفت ده وجري اتصلي بدكتور صلاح ابن عمك، خليه ييجي بسرعة.. قولي له حالة مستعجلة!

نهضت إيمان مسرعة، والتقطت هاتفها بيد مرتعشة، وأخذت تضغط على زر الاتصال.

أما سعاد، فانحنت فوق رأس لينا، ووضعت يدها على جبينها البارد، وأخذت تتمتم بدعوات مبحوحة تخرج من أعماق قلبها:

ـ يا رب استرها.. يا رب سلّم.. احميها يا رب ولطف بحالها.. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث.

بعد ليلة كاملة قضاها ممدوح في البحث عن لينا، والإنهاك ينهش جسده وعقله، وصل أخيرًا إلى القصر.

خطى في أروقته بخطوات ثقيلة، حتى توقف أمام مكتب الجد.

طرق الباب بخفة.

جاءه صوت الجد من الداخل:

ـ ادخل.

فتح ممدوح الباب.

دخل برأس منكّس، وملامح أرهقها الفشل، ثم وقف أمام المكتب لحظات قبل أن يقول بصوت خافت:

ـ آسف يا جدي... موصلتش لحاجة.

ساد الصمت.

رفع الجد عينيه إليه، وظل ينظر له دون كلمة.

ثوانٍ مرت ثقيلة...

ثم قبض يده وضرب سطح المكتب بعنف، فاهتزت الأوراق وتناثرت فوقه.

ـ بلغ البوليس.

رفع ممدوح رأسه في صدمة.

تابع الجد بصرامة:

ـ قدم بلاغ رسمي حالًا... عاصم الرشيد هو المسؤول الأول والأخير عن اختفائها.

ـ بس يا جدي...

قاطعه الجد بنظرة أسكتته.

ـ مفيش بس.

ثم نهض من مقعده، وأسند يده على عصاه.

ـ ونزّل إعلان في كل مكان. الجرائد، التلفزيون، وكل وسائل الإعلام.

توقف لحظة، ثم قال:

ـ صورتها تنزل... ومكافأة مليون جنيه كاش للي يلاقيها أو يوصل لأي خيط عنها.

ساد الصمت من جديد.

رفع الجد عينيه إلى ممدوح، وقال بصوت هادئ، لكنه يحمل غضبًا مكتومًا:

ـ لينا لازم ترجع... ولازم عاصم يندم على كل لحظة وجع عاشتها حفيدتي بسببه.

توقف للحظة، ثم أضاف:

ـ أنا مش هرتاح غير لما ترجعلي حفيدتي... وأشوف بعيني عاصم وهو بيدفع تمن اللي عمله فيها.

لم يجد ممدوح ما يقوله.

فقد أدرك أن جده لم يعد ينتظر أن تعود لينا وحدها...

لقد بدأ بنفسه رحلة البحث عنها.

وفي طريقه إليها...

كان هناك حساب آخر ينتظر عاصم.

حساب لن يكون سهلًا.

تسللت خطوات سليم الهادئة إلى داخل الفيلا، فوجد نجاة واقفة في الردهة، والقلق يطغى على ملامحها.

وما إن رأته حتى أسرعت نحوه، ومدت يدها إليه في ترحاب قلق، فقال سليم بابتسامة هادئة:

ـ عاملة إيه يا نوجة؟

ردت نجاة بصوت مثقل بالهم:

ـ الحمد لله يا حبيبي.

ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالقلق، وقالت:

ـ عاصم مستنيك جوه في المكتب يا سليم... خليك واقف جنبه يا ابني، هو محتاجك دلوقتي.

أومأ سليم برأسه، وحاول أن يطمئنها بابتسامة مطمئنة:

ـ إن شاء الله خير يا نوجة... متقلقيش، أنا معاه. هدخل أكلمه وأحاول أفوقه شوية.

قالت نجاة وهي تبتسم له وسط قلقها:

ـ ربنا يسعد قلبك يا ابني.

تحرك سليم نحو المكتب بخطوات ثابتة.

طرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم فتحه ودخل.

كانت عيناه تبحثان عن عاصم، حتى وقعتا عليه.

كان عاصم جالسًا خلف المكتب، ضاممًا يديه فوق سطحه، وقد أسند رأسه إليهما، كأن جسده لم يعد يحتمل حمل ما يدور بداخله.

اقترب سليم منه، وقال بصوت هادئ:

ـ عاصم...

لم يتحرك.

كرر سليم ندائه:

ـ عاصم.

رفع عاصم رأسه ببطء.

ظهرت عيناه محمرتين من كثرة البكاء وقلة النوم، ووجهه شاحب بصورة أفزعت سليم أكثر مما أراد أن يُظهر.

تنهد سليم بضيق، وسحب الكرسي المقابل وجلس عليه، ثم قال:

ـ إنت لسه يا ابني دافن نفسك في قوقعة الحزن دي؟! اهدى عشان تعرف تفكر كويس... إن شاء الله هترجع.

ابتسم عاصم ابتسامة باهتة لا حياة فيها، ثم نهض من مكانه فجأة، وكأنه لم يعد قادرًا على البقاء حبيس المكتب.

تحرك ببطء بين أرجائه، يمرر يده على وجهه تارة، ويعبث بأصابعه تارة أخرى، بينما ظل سليم يتابعه بعينين قلقتين.

توقف عاصم للحظات، ثم قال بصوت منكسر، بالكاد خرج من بين شفتيه:

ـ لينا راحت مني خلاص يا سليم...

ظل سليم صامتًا.

أكمل عاصم سيره، حتى وصل إلى النافذة المطلة على حديقة المكتب.

وقف أمامها، وأسند كفه على إطارها، وظل يحدق في الخارج بعينين زائغتين.

ـ يستحيل تسامحني...

ابتلع غصة مؤلمة، وأردف:

ـ اللي عملته فيها... كل الناس شافته. الفيديو بقى في كل حتة... هي هتسامحني إزاي بعد كل اللي حصل؟

ظل سليم صامتًا للحظات، ثم نهض من مكانه واقترب منه.

أما عاصم، فبقي واقفًا أمام النافذة، وكأن الحديقة الممتدة أمامه لم تعد تعني له شيئًا.

ـ مش عارف أعمل إيه يا سليم...

ارتجف صوته في الجملة الأخيرة.

ثم أغمض عينيه للحظة، وانزلقت دمعة وحيدة على خده.

مسحها سريعًا بطرف أصابعه، لكنه لم يستطع منع صوته من الانكسار:

ـ ضاعت مني خلاص...

وصل سليم إليه، وربت على كتفه بثبات:

ـ كل حاجة وليها حل يا عاصم... بس نلاقيها الأول.

ظل عاصم صامتًا، وعيناه معلقتان بالحديقة، بينما بقيت يد سليم على كتفه في محاولة لإعادته إلى شيء من تماسكه.

وقبل أن يجيبه عاصم، دوى رنين هاتف المكتب الداخلي.

التفت عاصم نحو الهاتف، ثم مد يده والتقط السماعة.

جاءه صوت الطرف الآخر، وما هي إلا لحظات حتى تبدلت ملامحه.

وفي الخارج، ارتفعت أصوات حركة عند البوابة.

التفتت نجاة نحو المدخل بقلق.

ظهرت أضواء سيارة الشرطة، ثم دخل الضابط وبرفقته عدد من العساكر.

خرج عاصم وسليم من المكتب.

وما إن رأت نجاة رجال الشرطة يتقدمون نحو ابنها، حتى أسرعت إليه وأمسكت بذراعه:

ـ عاصم! هما عايزين إيه؟

تقدم الضابط منه، وقال بلهجة رسمية:

ـ فين عاصم الرشيد؟

تقدم عاصم خطوة إلى الأمام، وقال بهدوء:

ـ أيوه أنا.

أخرج الضابط أمر النيابة من الملف، وقال:

ـ معايا أمر من النيابة بالقبض عليك فورًا.

ما إن سمعت نجاة الجملة، حتى ضربت على صدرها بخوف، وانهمرت الدموع من عينيها، وأخذت تهز رأسها برفض:

ـ عاصم... ابني لأ... لأ.

وفي تلك اللحظة، ظهر صوت خطوات مسرعة على السلم.

كانت سيلا قد نزلت بعدما سمعت الجلبة، وما إن وصلت إليهم حتى اتجهت فورًا نحو عاصم.

ـ في إيه يا ماما؟ هما عايزين مين؟

نظرت نجاة إليها، وعيناها غارقتان في الدموع، ثم قالت بصوت خافت مملوء بالبكاء:

ـ عاصم... عاصم.

شهقت سيلا فجأة، ووضعت يدها على فمها، واتسعت عيناها في صدمة.

التفت الضابط إلى أحد العساكر:

ـ يا عسكري... حط الكلابشات.

تحرك العسكري نحو عاصم.

شدت نجاة على ذراعه بفزع:

ـ استنى! بالراحة عليه!

وفي نفس اللحظة، تقدم سليم خطوة إلى الأمام:

ـ استنى.

التفت الضابط إليه بلهجة رسمية حازمة:

ـ حضرتك لو سمحت، سيبنا ننفذ شغلنا.

قال سليم بهدوء:

ـ أنا مش معترض على تنفيذ الأمر، بس أنا هاخده معايا ونروح القسم.

عقد الضابط حاجبيه:

ـ لا يا فندم، مينفعش. أنا معايا أمر قبض، والمتهم هيتقبض عليه ويتسلم للقسم بمعرفتنا.

قال سليم بثبات:

ـ مفيش داعي لكل ده. أنا هجيبه وأحصلكم على القسم.

ازدادت حدة الضابط:

ـ حضرتك بتعطلني عن تنفيذ أمر النيابة. لو سمحت، سيبنا نقوم بواجبنا.

ساد صمت قصير.

ثم أخرج سليم كارنيهَه العسكري من جيب سترته، وفتحه أمام الضابط.

توقفت ملامح الضابط للحظة.

وقعت عيناه على البطاقة، ثم رفع بصره إلى سليم.

تبدلت ملامحه فجأة، وتراجع توتره ليحل محله الارتباك والاحترام.

اعتدل في وقفته فورًا، وأدى التحية العسكرية:

ـ تحت أمرك يا فندم.

أعاد سليم البطاقة إلى جيبه، وقال بهدوء:

ـ اتفضل حضرتك.

ـ حاضر يا فندم.

استدار الضابط سريعًا، وأشار إلى العساكر:

ـ يلا يا رجالة.

تحركت القوة إلى الخارج.

ظلت نجاة ممسكة بذراع عاصم، وملامح الخوف لا تفارق وجهها، بينما وقفت سيلا إلى جوارهما، تحدق في سليم بدهشة.

تابعت الضابط وهو يغادر، ثم عادت تنظر إلى سليم، وتمتمت في نفسها باستغراب:

ـ هو شغال إيه بالظبط؟!

التفت سليم إلى عاصم:

ـ يلا يا عاصم.

رفع عاصم عينيه إليه، ثم تحرك معه دون كلمة.

غادر عاصم وسليم الفيلا، واتجها إلى السيارة.

استقل عاصم المقعد الخلفي، بينما جلس سليم إلى جواره، وانطلقت السيارة في طريقها إلى القسم.

طوال الطريق، ظل عاصم صامتًا، شاردًا، وعيناه معلقتان بالطريق من خلف زجاج السيارة.

أما سليم، فظل إلى جواره في هدوء، يفكر في الخطوات القادمة، بينما لم تفارق لينا عقله.

وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام القسم.

ترجل سليم وعاصم، ثم تحركا إلى الداخل مع القوة التي كانت قد سبقتهم إلى هناك.

سار سليم إلى جوار عاصم في الردهة المؤدية إلى مكتب رئيس المباحث، بينما كان الضابط يسير أمامهما.

كان عاصم شاردًا تمامًا، حتى اهتز هاتف سليم فجأة في جيبه.

أخرجه سليم ونظر إلى الشاشة.

كان أحد رجاله يتصل به.

تردد للحظة، وأعاد الهاتف إلى يده دون أن يرد، فقد كان على وشك دخول مكتب رئيس المباحث.

لكن الهاتف عاد للرنين مرة أخرى.

التفت عاصم إلى الهاتف، ثم نظر إلى سليم بلهفة.

ـ رد يا سليم.

نظر إليه سليم.

أمسك عاصم بذراعه، وقال بصوت مخنوق:

ـ رد... يمكن يكونوا لقوها.

ظل سليم للحظة صامتًا، ثم أومأ برأسه:

ـ حاضر.

ثم التفت إلى عاصم، وأشار بعينيه إلى مكتب رئيس المباحث، وقال بهدوء:

ـ ادخل إنت مع سيادة الرائد وأنا هحصلك.

أومأ عاصم برأسه، ثم تحرك مع الضابط والقوة باتجاه مكتب رئيس المباحث.

أما سليم، فابتعد خطوات قليلة إلى جانب الردهة، ثم فتح الخط:

ـ أيوه.

جاءه صوت الرجل بنبرة يملؤها الإحباط:

ـ يا فندم... للأسف قلبنا الدنيا، ومفيش أي أثر للينا هانم. رجالتنا مسحوا القاهرة كلها، وما لقوهاش! مفيش خيط واحد يوصلنا ليها... كأن الأرض انشقت وبلعتها!

تصلبت ملامح سليم، وانعقد حاجباه بضيق شديد، ثم قال بنبرة مكتومة وآمرة:

ـ واصلوا البحث، وماتوقفوش للحظة... أي جديد كلمني فورًا! مفهوم؟

ـ مفهوم يا فندم.

أغلق سليم الهاتف.

نظر ناحية مكتب رئيس المباحث، ثم تحرك سريعًا في اتجاهه.

وما إن وصل إلى الباب حتى مد العسكري المكلف بالحراسة يده ليعترض طريقه:

ـ ممنوع الدخول يا فندم! رئيس المباحث بيحقق مع المتهم جوه. اتفضل استنى في الاستراحة.

لم يلتفت سليم للعسكري، ومد يده وأبعدها عن طريقه بحزم، ثم قبض على مقبض الباب وفتحه بقوة، فأحدثت الحركة جلبة دوّت في أرجاء المكان.

انفتح الباب بقوة، فتسمّرت الأنظار.

انتفض رئيس المباحث من مقعده، وعقد حاجبيه بغضب، ثم نظر إلى سليم بحدة، قبل أن يوجه صوته نحو العسكري الذي دخل خلفه لاهثًا:

ـ إنت يا زفت! إزاي تسيبه يدخل كده؟! وإنت مين أصلًا عشان تقتحم مكتبي بالمنظر ده؟! يا عسكري، خد البني آدم ده وطلّعه بره حالًا!

ظل سليم ثابتًا في مكانه، بملامح باردة لا تشي بأي انفعال.

وبمنتهى الهدوء، امتدت يده إلى جيب بنطاله، وأخرج كارنيه المخابرات العامة وفتحه بثبات أمام رئيس المباحث.

تجمد الرجل في مكانه.

وقعت عيناه على البطاقة، ثم رفع بصره إلى سليم، وقد تبدلت ملامحه بالكامل.

رفع يده بسرعة ليوقف العسكري عن التقدم، ثم اعتدل في وقفته وأدى التحية العسكرية بتهيب واضح:

ـ أنا بعتذر جدًا يا سليم بيه... مكنتش أعرف هوية سيادتك. العساكر بره مابلغونيش. تشرفنا يا فندم، اتفضل استريح.

أشار له سليم بيده أن يجلس، ثم أعاد الكارنيه إلى جيبه، وقال بنبرة حادة ومباشرة:

ـ نص البلاغ... ومين اللي مقدمه؟

بلع رئيس المباحث ريقه، وسحب ورقة رسمية مختومة من الملف.

ـ البلاغ مقدم رسميًا من الدكتور بهاء الدين المصري.

ضيق سليم عينيه وقال مباشرة:

ـ بخصوص إيه؟

رد رئيس المباحث بجدية:

ـ بخصوص اختفاء حفيدته... لينا.

تجمد عاصم في مكانه، وكأن الاسم وحده كان كافيًا ليحبس أنفاسه.

ـ لينا؟!

أومأ رئيس المباحث:

ـ أيوه.

ثم تابع وهو يقلب بعض الأوراق أمامه:

ـ الدكتور بهاء بيتهم الدكتور عاصم الرشيد باختطاف حفيدته وإخفائها قسريًا، وبيقول إن الفيديو اللي انتشر هو الدليل على اللي حصل لها.

انتفض عاصم من مقعده، وتراجعت الدماء من وجهه:

ـ خطف؟! دكتور بهاء اتهمني بالخطف؟!

ثم قال بانفعال، وقد بدا عليه الذهول:

ـ أنا شفت الفيديو... وعارف اللي حصل فيه، بس أنا ما أعرفش هي فين! والله العظيم ما أعرف مكانها! أنا ملمستهاش بعد ما مشيت من الحفلة!

وضع سليم يده على كتف عاصم وضغط عليها بقوة:

ـ اقعد يا عاصم... واهدى خالص.

رفع رئيس المباحث ورقة أخرى من الملف:

ـ وفيه فلاشة مرفقة بالبلاغ، عليها نسخة من الفيديو.

نظر سليم إليه بحدة:

ـ والفيديو ده اتقدم مع البلاغ؟

ـ أيوه.

ـ والبلاغ اتقدم إمتى؟

أجابه رئيس المباحث:

ـ الصبح بدري... أول ما انتشر الفيديو وبدأ الموضوع ياخد صدى كبير.

ساد صمت ثقيل داخل المكتب.

كان عاصم يعرف جيدًا ما يحتويه الفيديو؛ فقد شاهده بنفسه، ويعرف أن ما ظهر فيه من ضرب وإهانة وطلاق وطرد سيجعل موقفه صعبًا أمام أي شخص يراه.

رفع سليم عينيه عن الأوراق، وقال بنبرة حاسمة:

ـ هاتلي نص البلاغ كامل، وكل حاجة متعلقة بالفيديو والتحريات اللي اتعملت لحد دلوقتي.

أومأ رئيس المباحث:

ـ حاضر يا سليم بيه.

ثم مد الملف أمامه.

تناول سليم الأوراق وبدأ يقرأها بتركيز.

وبعد لحظات، رفع رئيس المباحث عينيه إليه وقال بهدوء:

ـ بص يا سليم بيه... موقف الدكتور عاصم مش سهل، والبلاغ تقيل، خصوصًا مع الفيديو وانتشاره بالشكل ده.

ثم نظر إلى عاصم، قبل أن يضيف:

ـ هو محتاج محامي كويس جدًا يحضر معاه، لأن المفروض يتعرض على النيابة بكرة الصبح.

تردد لحظة، ثم قال بنبرة ودودة:

ـ بس أنا هخدمك يا سليم بيه... هحاول أبكّر له ميعاد العرض على النيابة، عشان ما يباتش عندنا، ونخلّص إجراءاته بدري.

رنّ هاتف إيمان، فأسرعت تلتقطه، وضغطت على زر الاتصال.

لم تمر سوى ثوانٍ حتى جاءها صوت صلاح من الطرف الآخر:

ـ ألو... إيمان؟

قالت إيمان بسرعة، وهي تحاول أن تخفي ارتباكها:

ـ أيوه يا صلاح... تعالى البيت عندنا حالًا.

تغيرت نبرة صلاح فورًا، وظهر القلق في صوته:

ـ ليه؟! في إيه؟ حد جراله حاجة؟

سكتت إيمان لحظة، ثم قالت ببرود متعمد رغم ارتجاف صوتها:

ـ تعالى بس... لما تيجي هتعرف.

زاد توتر صلاح، وعدّل نظارته بحركة تلقائية؛ فقد كانت تلك عادته كلما شعر بالتوتر:

ـ إيمان، ما تقلقينيش! قولي في إيه؟

ردت إيمان بإصرار:

ـ مش هعرف أقولك في التليفون... تعالى بسرعة.

ـ طب قولي بس مين اللي حصل له حاجة؟

سكتت إيمان لحظة، ثم قالت:

ـ صلاح، لو سمحت... تعالى.

تغيرت ملامحه تمامًا:

ـ حاضر... حاضر، أنا جاي حالًا.

أغلقت إيمان المكالمة.

أما صلاح، فظل ممسكًا بالهاتف لثوانٍ، ينظر إلى الشاشة بشرود.

ورغم القلق الذي تسلل إليه، لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهه؛ فقد كانت إيمان هي التي اتصلت به بنفسها، وهذا وحده أسعده.

ثم عدّل نظارته مرة أخرى بتوتر، وتمتم لنفسه:

ـ إيمان هي اللي رنت عليا بنفسها... وبتقولي تعالى بسرعة، ومش راضية تقول في إيه!

ثم عاد القلق ليغلب ابتسامته:

ـ يا ترى مين اللي جراله حاجة؟

تحرك نحو الباب، وأمسك حقيبته الطبية، ثم خرج مسرعًا واتجه مباشرة إلى منزلهم المقابل لمنزله.

لم يستغرق صلاح سوى دقائق قليلة حتى وصل إلى المنزل.

طرق الباب بسرعة، ففتحت له إيمان.

وما إن رأته حتى قالت:

ـ ادخل بسرعة يا صلاح.

دخل صلاح وهو ينظر إليها بقلق:

ـ في إيه يا إيمان؟ خوفتيني! مين اللي حصل له حاجة؟

لم تجبه، واكتفت بالإشارة نحو الداخل:

ـ تعالى بس.

تبعها صلاح بخطوات سريعة، حتى دخل الغرفة.

توقفت خطواته للحظة عندما وقعت عيناه على لينا الممددة فوق السرير، مسندة رأسها إلى الوسادة، ووجهها شاحب، وعيناها مغمضتان.

كانت سعاد تجلس بجوارها، تربت على كتفها في خوف.

نظر صلاح إلى إيمان باستفهام:

ـ مين دي؟

أجابته إيمان بسرعة:

ـ دي لينا.

تدخلت سعاد قائلة:

ـ دي بنت واحدة صاحبتي يا ابني.

اقترب صلاح من السرير، ووضع حقيبته بجواره.

ـ من إمتى وهي كده؟

قالت سعاد بقلق:

ـ من شوية يا ابني... شافت حاجة صدمتها، وبعدها أغمي عليها.

جلس صلاح بجوار لينا، وبدأ يفحصها بهدوء وتركيز.

تحسس نبضها، وراجع ضغطها، ثم سلط الضوء على عينيها ليتأكد من استجابتها.

قالت سعاد:

ـ طمني يا ابني... مالها؟

ـ شكلها اتعرضت لصدمة قوية، بس خلوني أفوقها الأول ونشوف حالتها.

أخرج صلاح بعض الأدوات من حقيبته، وبدأ في إسعافها، بينما وقفت إيمان وسعاد تتابعانه بقلق.

مرت دقائق ثقيلة.

ثم تحركت لينا فجأة، وارتعشت رموشها.

انتبه صلاح فورًا:

ـ استنوا... شكلها بتفوق.

اقترب منها وقال بهدوء:

ـ سامعاني؟

فتحت لينا عينيها ببطء، ونظرت حولها بتشوش:

ـ أنا... فين؟

تنفست سعاد براحة، بينما أسرعت إيمان تمسك بيدها:

ـ إنتِ عندنا يا حبيبتي... خوفتينا عليكي.

ظل صلاح يراقبها لحظات، ثم قال:

ـ الحمد لله إنك فوقتي. بس لازم ترتاحي وماتتعرضيش لأي انفعال.

أخذ ورقة وبدأ يكتب بعض الأدوية والتعليمات.

كانت لينا تتابع يده بصمت، حتى لاحظت اسم الدواء.

ترددت للحظة، ثم قالت بصوت ضعيف:

ـ هو... الدوا ده ينفع للحامل؟
------
جلست سارة إلى جوار والدتها المريضة، والهاتف بين يديها، وعيناها لا تفارقان شاشته.
منذ أن غادر عاصم بالأمس، لم تستطع سارة أن تهدأ. كانت تعرف أن لينا مختفية، والأسوأ أنها لا تعرف أين ذهبت، ولا إن كانت بخير أم لا.

فتحت قائمة جهات الاتصال، وبدأت تتصل بصديقاتها القديمات واحدة تلو الأخرى.
اتصلت أولًا بـ مريم.
ما إن جاءها صوتها حتى قالت سارة بسرعة:
ـ أيوه يا مريم، أنا سارة.
ـ سارة؟! يا بنتي فينك؟ بقالنا كتير أوي متكلمناش!
ابتسمت سارة ابتسامة باهتة، ثم قالت:
ـ معلش يا مريم، هسألك على حاجة بسرعة... إنتِ كلمتي لينا من امبارح؟
ـ لأ، ليه؟
ـ أصل أنا مش عارفة أوصل لها من امبارح، فقلت يمكن تكون كلمتك.
ـ لا والله، معرفش عنها حاجة.
تنهدت سارة بقلق:
ـ طيب لو كلمتك أو عرفتي أي حاجة عنها، طمنيني فورًا.
ـ حاضر يا سارة، أكيد.
ـ شكرًا يا حبيبتي.
أغلقت سارة المكالمة، وظلت للحظات تحدق في الشاشة، قبل أن تتصل بصديقتها الثانية داليا.
ـ ألو؟
ـ أيوه يا داليا، أنا سارة.
ـ سارة! يااه، إنتِ فين؟!
ـ معلش يا داليا، هسألك على حاجة... إنتِ تعرفي لينا فين؟
سكتت داليا لحظة، ثم أجابت:
ـ لينا؟ لا، معرفش. ليه؟ حصل حاجة؟
ـ مش عارفة... هي مختفية من امبارح ومش عارفة أوصل لها.

ـ غريبة، أنا آخر مرة كلمتها من فترة.
ـ تمام... معلش إني قلقتك.
ـ ولا يهمك، ولو عرفت أي حاجة هكلمك فورًا.
ـ ربنا يخليكي.
أغلقت سارة المكالمة، لكن القلق لم يهدأ.
على العكس...
كان يزداد مع كل دقيقة تمر.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم اتصلت بصديقتها الثالثة هالة.
رن الهاتف عدة مرات، حتى جاءها صوت هالة:
ـ ألو؟
قالت سارة فورًا:
ـ أيوه يا هالة، أنا سارة.

ـ سارة؟! يا بنتي فينك من زمان؟!
ـ معلش يا هالة، هسألك على حاجة مهمة... إنتِ تعرفي لينا فين؟ هي مجتش عندك؟

تغير صوت هالة فجأة، وقالت باستغراب:
ـ لينا؟! لأ، مجتش عندي... ليه؟
ـ أصل أنا من امبارح مش عارفة أوصل لها، وقلقانة عليها جدًا.
ترددت هالة للحظات، ثم قالت:
ـ طب إنتِ مشفتيش الفيديو؟
عقدت سارة حاجبيها، وشعرت بانقباض مفاجئ في صدرها.
ـ فيديو إيه؟
ـ فيديو لينا وعاصم... منتشر من الصبح، والناس كلها بتتكلم عنه. الموضوع عامل فضيحة كبيرة.
تجمدت سارة للحظة.
ـ لينا وعاصم؟!
ـ أيوه.
قالت سارة بسرعة، وقد تبدل صوتها تمامًا:
ـ ابعتيلي اللينك حالًا يا هالة.

ـ حاضر، ثانية وهبعتهولك.

لم تمر سوى لحظات، حتى اهتز هاتف سارة معلنًا عن وصول الرسالة.

ظهر الرابط أمامها.ضغطت عليه فورًا.

بدأ الفيديو.

وفي اللحظة الأولى التي ظهر فيها عاصم ولينا أمام عينيها، اتسعت عينا سارة في صدمة، وتوقفت أنفاسها.
ثبتت الهاتف أمامها، وكأنها لم تستوعب ما تراه.
مرت الثواني...
ومع كل مشهد، كانت ملامحها تتغير أكثر.
اتسعت عيناها حين رأت ما يحدث، وارتجفت شفتاها وهي تتابع بصمت.
وضعت سارة يدها على فمها، بينما ظلت عيناها معلقتين بالشاشة.
كانت الصدمة تزداد مع كل لحظة.

وحين جاء المشهد الذي لم تتوقع أن تراه، شهقت سارة، وانخفضت يدها ببطء عن فمها.
ـ يا نهار أبيض...
خرجت الكلمات منها هامسة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق.
واصلت المشاهدة حتى النهاية، دون أن تستطيع أن تغمض عينيها أو توقف الفيديو.
كانت ترى لينا أمامها، وتسمع كل كلمة، وكل صرخة، وكل لحظة ألم...

وكلما مر مشهد جديد، كانت ملامح سارة تزداد ذهولًا.
وحين انتهى الفيديو، ظلت تحدق في الشاشة السوداء لثوانٍ طويلة.
لم تتحرك.
لم تتكلم.
فقط كانت أنفاسها متقطعة، وملامحها تحمل صدمة واضحة.
ثم همست:
ـ عاصم... إنت عملت فيها كده؟!
انزلقت دمعة على خدها، فمسحتها سريعًا، قبل أن تنظر إلى الهاتف مرة أخرى.
ـ مستحيل...
سكتت لحظة، ثم أضافت بصوت مرتجف:
ـ مستحيل يكون ده كل اللي حصل.
نظرت ناحية والدتها المريضة، ثم عادت ببصرها إلى الهاتف.
ظلت للحظات ساكنة، وأفكار كثيرة تتصارع داخل رأسها.
تروح لعاصم؟
تواجهه بما تعرفه؟
ولا تروح لجد لينا وتحكي له كل اللي حصل؟
ولا تفضل ساكتة، وتبدأ تدور على لينا بنفسها قبل ما الحقيقة توصل لأي حد؟
شدت سارة الهاتف بين أصابعها، ووقفت ببطء.
ترددت لحظة...
ثم عادت وجلست مكانها، وكأنها لم تستطع حسم الأمر.
رفعت عينيها إلى الفراغ، وهمست:
ـ يا رب... أعمل إيه؟
ساد الصمت.
وبينما كانت سارة تحدق في الهاتف، اتخذت قرارًا في النهاية...
----


تعليقات