رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثاني والعشرون
ساد الصمت في الغرفة فجأة، وتوقفت يد صلاح عن الكتابة.
التفتت سعاد نحو لينا بنظرات امتزج فيها الذهول بالقلق؛ فكيف تتساءل عن الحمل، وهي التي كان يُفترض أنها فاقدة للذاكرة ولا تدري عن حالها شيئًا؟
تزاحمت في رأسها أسئلة كثيرة، وعلامات استفهام لا حصر لها.
إزاي فاكرة إنها حامل وهي المفروض مش فاكرة حاجة؟
كانت تريد أن تسألها فورًا، أن تعرف ماذا حدث لها، ومتى عرفت بحملها، وما سر كل ما يجري حولها، لكنها ابتلعت أسئلتها في صمت، احترامًا لخصوصية لينا، ولوجود صلاح أمامها.
أما إيمان، فظلت تتابع الموقف في صمت، وقد بدأت بعض الخيوط تتجمع داخل رأسها منذ أن شاهدت فيديو الطلاق.
انتبه صلاح سريعًا للارتباك، فقطع الورقة التي كان يكتب عليها، وسحب ورقة أخرى من الدفتر.
ـ كويس إنك قلتيلي... الدوا ده مينفعش تاخديه وإنتِ حامل. هكتبلك حاجة تانية مناسبة.
بدأ يكتب من جديد، بينما ظلت سعاد تنظر إلى لينا للحظات، ثم التفتت إلى إيمان وقالت:
ـ طب قومي يا إيمان يا بنتي اعملي لابن عمك فنجان قهوة محترم يظبط دماغه على ما يخلص كتابة. الراجل كتر خيره ساب اللي في إيده وجيه جري.
ردت إيمان بضيق:
ـ يووه يا ماما... ماليش مزاج أقف في المطبخ خالص دلوقتي، أنا بصراحة مش قادرة أقف من الخضة! وبعدين صلاح مش غريب... ما يدخل يعمل لنفسه اللي هو عايزه!
توقفت يد صلاح فوق الورقة للحظة.
ظل القلم ثابتًا بين أصابعه، ثم رفع يده الأخرى إلى نظارته وعدّل وضعها سريعًا، دون أن يرفع عينيه عن الورقة.
أنزل يده، وعاد إلى الكتابة من جديد، لكن هذه المرة بسرعة شديدة، وتحرك القلم بين أصابعه بعجلة واضحة.
رمقت سعاد إيمان بنظرة حادة، وقالت بصرامة:
ـ إيمان!
خبطت إيمان بقدمها في الأرض بضيق، وقالت:
ـ حاضر يا ماما!
ثم استدارت واتجهت إلى المطبخ.
أما صلاح، فواصل الكتابة بسرعة شديدة، حتى أنهى آخر سطر، وقال:
ـ مفيش داعي... خلاص، أنا خلصت.
قطع الروشتة من الدفتر ومدّها إلى سعاد، ثم بدأ يجمع أدواته بسرعة.
التقط جهاز قياس الضغط ووضعه داخل الحقيبة، ثم أمسك بالسماعة الطبية، فانزلقت من يده وسقطت على الأرض.
انحنى والتقطها بسرعة، ووضعها داخل الحقيبة.
مد يده إلى إحدى الأدوات الصغيرة، فسقطت منه هي الأخرى، فالتقطها على الفور وأعادها إلى مكانها.
واصل جمع أدواته بعجلة، حتى اصطدمت أصابعه ببعض الأدوات داخل الحقيبة، فأعاد ترتيبها بسرعة وأغلقها.
راقبته سعاد للحظات، ثم قالت:
ـ بالراحة يا ابني... إنت متسربع كده ليه؟
أكمل صلاح إغلاق الحقيبة وقال:
ـ مفيش يا طنط... أنا بس ورايا مشوار مهم ولازم أتحرك.
وفي تلك اللحظة، عادت إيمان من المطبخ وهي تحمل زجاجة حاجة ساقعة مشبرة وكوبًا، وقالت ببرود:
ـ أهوه... جبت حاجة ساقعة، أسهل من الوقفة في المطبخ.
رمقتها سعاد بنظرة غضب حادة، وضمت شفتيها وهي تكز على أسنانها من شدة غيظها.
ثم رفعت يدها إلى أسفل ذقنها، ومررت إبهامها وسبّابتها تحته في حركة بطيئة، وهزت رأسها وهي تتمتم بغيظ:
ـ ماشي يا بنت الهبلة... والله لوريكي!
هزت إيمان كتفيها بلا مبالاة، ورفعت حاجبيها وهي تضع الكوب أمام صلاح، ثم تمتمت:
ـ هو أنا كنت عملت إيه؟ مالها الحاجة الساقعة؟ ده حتى الجو حر!
جلس صلاح على حافة الكرسي، وأخذ رشفتين سريعتين، ثم وضع الكوب وقال:
ـ تسلمي يا إيمان.
حمل حقيبته ونهض، ثم التفت إلى سعاد:
ـ أنا هتحرك بقى يا طنط.
ـ ربنا معاك يا ابني، وكتر خيرك إنك جيت.
ـ الله يخليكي.
اتجه صلاح نحو الباب وخرج من الشقة.
وما إن سمعت سعاد صوت إغلاق باب الشقة، حتى التفتت ناحية إيمان.
كانت إيمان تقف بالقرب من باب الغرفة.
ثبتت سعاد عينيها عليها للحظات، ثم انحنت فجأة وخلعت فردة الشبشب من قدمها وقذفتها ناحية إيمان.
ـ تعالي هنا يا بت!
شهقت إيمان وقفزت من مكانها:
ـ إيه يا ماما؟!
وانطلقت تجري في الصالة.
خلعت سعاد فردة الشبشب الثانية من قدمها، وأمسكتها بيدها، ثم اندفعت خلفها وهي تصرخ:
ـ والله لأربيكي يا بنت العبيطة! أقولك قهوة، تجيبي حاجة ساقعة! وكمان عايزاه يعمل قهوة لنفسه؟! يا قليلة الذوق!
ومن داخل الغرفة، تابعت لينا المشهد بعينيها، وما إن رأت سعاد تخلع فردة الشبشب الثانية وتركض خلف إيمان، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة عفوية.
أما إيمان، فكانت تواصل الهرب وهي تقول:
ـ استني يا ماما، هفهمك بس!
ـ مش عايزة أفهم!
ـ طب والله ما كان قصدي!
ـ تعالي هنا بس!
واصلت إيمان الجري حتى وصلت إلى باب الحمام.
فتحته بسرعة، ودخلت، ثم أغلقته خلفها في اللحظة الأخيرة.
وقفت خلف الباب تلتقط أنفاسها بسرعة، واضعةً يدها على صدرها، ثم قالت براحة:
ـ الحمد لله... نجوت!
وقفت سعاد أمام باب الحمام، ثم أنزلت الشبشب من يدها وقالت بغيظ:
ـ يعني هتباتي في الحمام؟ مسيرك تطلعي!
ثم أخذت تبحث بعينيها عن فردة الشبشب الأولى التي كانت قد قذفتها ناحية إيمان.
وقعت عيناها عليها ملقاةً على الأرض، فاتجهت إليها، وأدخلت قدمها فيها مباشرة، ثم تمتمت بضيق:
ـ لما أروح أشوف البنية اللي جوه دي إيه حكايتها...
ثم عادت إلى غرفة لينا.
ما إن دخلت الغرفة، حتى اختفت الابتسامة الصغيرة من على وجه لينا، وتوترت ملامحها من جديد، وشدت أصابعها فوق الغطاء وهي تتابع خطوات سعاد في صمت.
لاحظت سعاد توترها، فاقتربت منها وجلست إلى جوارها.
وضعت يدها فوق يد لينا، وأخذت تربت عليها بحنان، ثم قالت بصوت هادئ:
ـ متخافيش يا بنتي... أنا مش هجبرك تحكيلي أي حاجة. لما تحسي إنك محتاجة تتكلمي، أنا موجودة وهسمعك... براحتك خالص.
ظلت لينا تنظر إليها في صمت.
خفضت عينيها للحظات، وفكرت فيما ستقوله، ثم رفعت نظرها إلى سعاد من جديد.
ـ هحكي لك يا طنط...
توقفت قليلًا، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بصوت متهدج:
ـ هحكي لك على كل حاجة.
ضغطت سعاد على يدها بحنان، وظلت صامتة تنتظر.
أما لينا، فأخذت نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي...
---
حسمت سارة صراعها الداخلي، وأخذت نفسًا عميقًا وهي تضغط على شاشة الهاتف بقوة.
ألقت الهاتف على الفراش، وقد اتخذت قرارها أخيرًا.
ـ لازم أروح للدكتور بهاء... جد لينا.
لم تجد أمامها شخصًا آخر تستطيع اللجوء إليه في تلك اللحظة.
فالأمر لم يعد مجرد محاولة لمعرفة مكان لينا، بل أصبح هناك خطر حقيقي يحيط بها.
بوكس الهدية الذي ظهر في الفيديو لم يكن هو البوكس الحقيقي الذي جهزته هي ولينا معًا، وهذا يعني أن شخصًا ما تعمد تبديله حتى يوقع بين لينا وعاصم.
والشخص الذي خطط لكل ذلك وتمكن من الاقتراب من لينا وتبديل الهدية دون أن تشعر، من المؤكد أنه يعرف عنها الكثير... وربما يعرف مكانها الآن.
لهذا لم تجد سارة أمامها سوى الدكتور بهاء؛ بنفوذه ورجاله وعلاقاته، يملك القدرة على البحث عنها والوصول إليها أسرع من أي شخص آخر.
لكن تذكرت والدتها المريضة النائمة في الغرفة، فزاد قلقها.
لم تكن تستطيع تركها بمفردها، وفي الوقت نفسه لا يمكنها إضاعة ساعات في انتظار المواصلات وسط الزحام.
أمسكت هاتفها مجددًا واتصلت بخطيبها أحمد.
وبمجرد أن أتاها صوته، قالت بنبرة مستعجلة:
ـ أيوة يا أحمد... أرجوك انزل دلوقتي وتعال لي حالًا، محتاجك توديني مشوار ضروري جدًا، علشان مش فاضية أستنى مواصلات والزحمة ممكن تعطلني. أنا عايزة أروح وأرجع بسرعة جدًا علشان ماما، ومسبهاش لوحدها كتير.
انقبض قلب أحمد من نبرتها اللاهثة، ورد بتوجس:
ـ إنتِ كده قلقتيني يا سارة! إيه الحاجة المهمة أوي دي اللي تخليكي تسيبي طنط وهي تعبانة وتنزلي في الوقت ده؟ طمنيني، في إيه؟
ردت سارة بسرعة وهي تتجه نحو الخزانة:
ـ لما تيجي بس يا أحمد هفهمك كل حاجة... انزل أنت دلوقتي، وعلى ما توصل هكون غيرت هدومي وجهزت. مستنياك.
أغلقت الخط دون أن تنتظر رده، ثم وضعت الهاتف جانبًا وبدلت ثيابها بعجلة، مرتدية ما يناسب الخروج السريع.
بعد أن انتهت، التفتت إلى والدتها المريضة النائمة في فراشها، فاقتربت منها ودثرتها بالغطاء جيدًا، وظلت للحظات تتأمل وجهها بقلق.
ثم أمسكت حقيبتها وخرجت من الشقة.
وقبل أن تبتعد، اتجهت نحو شقة جارتهم أم محمد، وطرقت الباب بخفة حتى لا تُحدث جلبة.
بمجرد أن فتحت الجارة الباب بابتسامتها البشوشة، قالت سارة بنبرة مستعجلة:
ـ معلش يا طنط بتعبك معايا دايمًا... كنت عايزة أستأذنك تعدي تقعدي مع ماما جوه في الشقة ساعة واحدة بس لحد ما أرجع؟ أنا مضطرة أنزل في مشوار ضروري ومستعجل جدًا، وهي نايمة دلوقتي، بس خايفة تصحى في أي وقت وماتلاقينيش جنبها. وإنتِ عارفة حالتها وتعبها، ومينفعش أسيبها لوحدها.
أومأت الجارة برأسها بتفهم، وربتت على كتف سارة بحنو:
ـ عيب عليكي يا بنتي، إزاي تقولي استئذان؟ وماتقوليش بتعبك معايا دي تاني أبدًا! أمك دي أختي وعِشرة عمري، وإنتِ بنتي اللي مخلفتهاش. انزلي شوفي مشوارك وإنتِ مطمنة خالص، هجيب مفتاحي وأدخل أقعد جنبها، وعيني هتفضل عليها لحد ما تيجي بالسلامة.
تنفست سارة براحة، وشكرتها من قلبها، ثم غادرت البناية مسرعة.
وجدت أحمد قد وصل بالفعل بسيارته وينتظرها بالأسفل.
أسرعت نحو السيارة، وفتحت الباب واستقرت في مقعدها بجواره.
التفت إليها أحمد على الفور، وعلامات القلق واضحة على وجهه:
ـ خير يا سارة؟ في إيه؟ نركب بس وبعدين قولي لي إيه اللي حصل وخلاكي مستعجلة وطالباني بالشكل ده؟ بجد قلقتيني!
أخذت سارة نفسًا عميقًا وهي تغلق باب السيارة، وقالت:
ـ اطلع بس يا أحمد وامشي في طريق جد لينا... وإحنا ماشيين هحكي لك على المصيبة اللي حصلت كلها.
تحرك أحمد بالسيارة على الفور، متوجهًا نحو الوجهة التي طلبتها، بينما بدأت سارة تسرد له تفاصيل الليلة المشؤومة، وتبوح بكل ما في صدرها من ضيق وغضب مما حدث لصديقتها.
وبعد وقت قصير، أوقف أحمد السيارة أمام البوابة الحديدية الضخمة لقصر الدكتور بهاء الدين، جد لينا.
ترجلت سارة من السيارة بخطوات سريعة، يتبعها أحمد الذي كان يتابع تحركاتها بقلق وترقب.
تقدمت سارة نحو أفراد الأمن الواقفين عند البوابة، وقالت بنبرة حازمة ومستعجلة:
ـ لو سمحت... أنا عايزة أقابل الدكتور بهاء الدين فورًا. قوله سارة، صاحبة لينا، بره وعايزاه في أمر ضروري جدًا.
أسرع أحد أفراد الأمن بالاتصال بالداخل، وبعد لحظات فُتحت البوابة، ودخلت سارة برفقة أحمد.
دخلت إلى ردهة القصر، فوجدت الدكتور بهاء الدين جالسًا إلى جوار زوجته في الصالون.
ما إن وقعت عينا الجدة على سارة حتى اعتدلت في جلستها، وقالت بلهفة:
ـ إنتِ تعرفي مكان لينا يا بنتي؟
هزت سارة رأسها بالنفي:
ـ لأ يا طنط... معرفش هي فين.
تبادل الجد والجدة نظرة قلقة، ثم قالت الجدة بصوت مرتجف:
ـ أومال إنتِ جاية لنا ليه يا بنتي؟
تقدمت سارة نحوهما، وقالت بتوتر:
ـ دكتور بهاء... أنا آسفة إني جيت لحضرتك من غير ميعاد، بس...
قاطعها الجد بلهجة حازمة:
ـ ادخلي في الموضوع على طول يا سارة.
ابتلعت سارة ريقها، وقالت بسرعة:
ـ لينا اتخطفت.
شهقت الجدة، ووضعت يدها على صدرها، وانهمرت دموعها من شدة الخوف:
ـ اتخطفت؟! حفيدتي اتخطفت؟!
نهضت مذعورة، وكادت تفقد توازنها، فأسرع الدكتور بهاء وأمسك بذراعها ليسندها.
ـ اهدي يا حبيبتي... اهدي.
لكنها لم تستطع السيطرة على دموعها:
ـ حفيدتي راحت فين؟! مين اللي خطفها؟! يا ترى حصل لها إيه؟!
نظر الجد إلى سارة بملامح متجمدة، وقال بحدة:
ـ اتكلمي... إنتِ عرفتي منين إنها اتخطفت؟
ردت سارة بسرعة:
ـ علشان بوكس الهدية اللي ظهر في الفيديو مش هو البوكس الحقيقي.
عقد الجد حاجبيه باستغراب:
ـ يعني إيه مش هو البوكس الحقيقي؟
ـ أنا اللي جهزت الهدية مع لينا، وعارفة كويس شكل البوكس الحقيقي ومحتواه. البوكس اللي ظهر في الفيديو حد بدّله قبل ما يوصل لعاصم.
استمع الجد إليها بتركيز شديد، ثم سأل:
ـ وحد بدّل الهدية ليه؟
ـ علشان يوقع بين عاصم ولينا... ويخليه يصدق إنها خانته.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يسأل الجد:
ـ وإيه اللي كان في البوكس الحقيقي؟
تنهدت سارة وقالت بصوت خافت:
ـ لينا كانت حامل.
تجمدت ملامح الجد والجدة.
قالت الجدة والدموع في عينيها:
ـ حامل؟!
أومأت سارة:
ـ أيوة... كانت مجهزة الهدية علشان تفاجئ عاصم بخبر حملها.
ظل الجد صامتًا للحظات، ثم قالت سارة:
ـ وعلشان كده أنا جيت لحضرتك. الشخص اللي بدّل الهدية أكيد كان عارف لينا كويس وعارف تحركاتها... وأنا خايفة تكون في خطر.
قال الجد بحسم:
ـ هنلاقيها.
نظرت سارة إلى الجدة التي كانت لا تزال تبكي، ثم قالت:
ـ أنا هستأذن يا دكتور بهاء... ومعلش إني جيت لحضرتك من غير ميعاد.
رد الجد بهدوء:
ـ مفيش داعي للاعتذار. إنتِ عملتي الصح لما جيتي.
أومأت سارة باحترام، ثم استأذنت وغادرت القصر برفقة أحمد.
وما إن أُغلق الباب خلفهما، حتى ظل الدكتور بهاء واقفًا في مكانه للحظات.
اشتد غضبه، وانقبض فكه، وقال من بين أسنانه:
ـ حفيدتي كانت شايلة ابنه في بطنها... والكلب ده عمل فيها كده؟!
ضرب بيده على ذراع المقعد بعنف:
ـ حفيدتي كانت بتترجاه يسمعها... وهو حتى ما اداهاش فرصة يعرف هي عملت إيه!
اشتعلت عيناه غضبًا:
ـ ده مش ظلم وبس... ده كان ممكن يضيع حياتها وحياة ابنه!
ثم التفت إلى زوجته التي كانت تمسح دموعها، وقال بثبات:
ـ متخافيش يا حبيبتي... هلاقيها.
ثم عاد ينظر نحو الباب، وقال بصوت منخفض يحمل غضبًا شديدًا:
ـ لكن عاصم... حسابه معايا مش هيكون سهل.
اشتدت ملامحه قسوة:
ـ أقسم بالله لهندمه على كل لحظة وجع عاشتها حفيدتي بسببه... وهخليه يتمنى الموت على اللي عمله فيها.
ثم سكت لحظة، وقال بحسم:
ـ ألاقيها بس الأول... وبعدها لكل حادث حديث.
---
أومأ سليم برأسه بوقار هادئ، وقدّر رغبة رئيس المباحث الصادقة في إنهاء الإجراءات سريعًا، وقال بنبرة جافة ومباشرة:
ـ كتر خيرك يا سيادة الرائد... جهز ورق العرض، وإحنا مع المأمورية حالًا. النيابة لسه شغالة ومفيش داعي نضيّع وقت.
تحركت مأمورية الترحيل فورًا في وضح النهار، متجهة إلى سراي النيابة العامة.
وبعد أن استغرقت الرحلة بعض الوقت، توقفت السيارات أمام مبنى النيابة.
ترجل عاصم وسليم، واتجها إلى الداخل برفقة القوة.
كان المحامي الخاص بعاصم في انتظارهما، بعدما استدعاه سليم على عجل.
دخلا إلى مكتب التحقيق، وكان رئيس النيابة يجلس خلف مكتبه، وأمامه ملف القضية.
ما إن رفع رئيس النيابة عينيه ورأى سليم، حتى نهض من مكانه على الفور، واتجه نحوه بابتسامة ودودة، ومد يده مصافحًا إياه بحرارة:
ـ أهلاً يا سليم... نورتني والله.
ابتسم سليم وصافحه:
ـ حبيبي يا صاحبي، معلش هتعبك معايا النهارده.
ربت رئيس النيابة على كتفه، ثم التفت إلى عاصم وصافحه باقتضاب:
ـ اتفضلوا.
عاد إلى مكتبه وجلس خلفه، بينما جلس سليم إلى جوار عاصم، وجلس المحامي في الناحية الأخرى.
تغيرت ملامح رئيس النيابة، وتحولت ابتسامته إلى الجدية الرسمية، ثم فتح ملف القضية أمامه وقال:
ـ من هنا بقى... كل حاجة هتمشي بالقانون.
أومأ سليم برأسه، بينما ظل عاصم صامتًا، وملامحه شاحبة.
رفع رئيس النيابة عينيه إليه، ثم قال للكاتب الجالس إلى جواره:
ـ افتح المحضر.
فتح الكاتب الملف أمامه، وأمسك قلمه استعدادًا لتدوين كل كلمة.
التفت رئيس النيابة إلى عاصم، وسأله بالصيغة القانونية:
ـ اسمك وسنك ووظيفتك؟
أجاب عاصم بصوت متحشرج:
ـ عاصم الرشيد... خمسة وتلاتين سنة... دكتور جامعي ومسؤول في شركة إعلام.
بدأ الكاتب في تدوين بياناته، بينما تابع رئيس النيابة حديثه:
ـ أنت متهم باختطاف زوجتك السيدة لينا وإخفائها قسريًا بعد التعدي عليها بالضرب المبرح والتسبب في تشويه سمعتها، بناءً على البلاغ المقدم من جدها الدكتور بهاء الدين المصري... ما قولك في الاتهامات دي؟
تدخل المحامي بهدوء:
ـ بعد إذن سيادتك يا فندم، موكلي بينكر تمامًا الاتهامات دي، والواقعة لم تتعدَّ كونها خلافًا زوجيًا...
وقبل أن يكمل المحامي حديثه، جاء طرق سريع على الباب.
رفع رئيس النيابة رأسه:
ـ ادخل.
انفتح الباب، ودخل معاون المباحث مسرعًا.
كان وجهه شاحبًا، وملامحه تحمل توترًا واضحًا.
اقترب من مكتب رئيس النيابة وقال:
ـ يا فندم... جالنا إشارة حالًا من العمليات.
نظر إليه رئيس النيابة باهتمام:
ـ خير؟
ابتلع المعاون ريقه:
ـ شرطة المسطحات المائية لقت جثة بنت طافية على وش المية في النيل.
تجمدت ملامح رئيس النيابة.
أما عاصم، فظل للحظات ينظر إلى المعاون وكأن عقله رفض استيعاب ما سمعه.
تابع المعاون:
ـ الجثة بقالها تقريبًا يومين في المية، والملامح مش واضحة بشكل كامل... بس فيه تطابق مبدئي بين الملابس وبعض المواصفات وبين مواصفات السيدة لينا المذكورة في البلاغ.
ارتجف جسد عاصم.
ـ لينا...؟
لم يجبه أحد.
نهض عاصم من مكانه ببطء، ثم هز رأسه بعنف:
ـ لأ...
خرجت الكلمة منه مبحوحة.
ـ مستحيل...
ثم فجأة صرخ بأعلى صوته:
ـ لأ!!!
انتفض سليم من مكانه، واتجه إليه فورًا:
ـ عاصم!
انهار عاصم على الكرسي، وامتلأت عيناه بالدموع:
ـ مستحيل... مستحيل تكون ماتت وسابتني!
رفع عينيه ناحية سليم، وأمسك بذراعه بكل قوته:
ـ قول يا سليم...
اختنق صوته:
ـ قول لهم إنها عايشة.
حاول سليم تهدئته:
ـ عاصم، اهدى... لسه مفيش أي تأكيد إنها هي.
هز عاصم رأسه بعنف:
ـ لأ... لأ يا سليم.
ثم انهار صوته تمامًا:
ـ مستحيل تكون ماتت وسابتني... هي عارفة إني مقدرش أبعد عنها... عارفة إني مقدرش أعيش من غيرها.
أمسك سليم بكتفيه:
ـ عاصم، بصلي... اهدى.
لكن عاصم لم يستطع السيطرة على نفسه.
ظل يبكي، بينما تبادل رئيس النيابة ومعاون المباحث نظرات جادة.
قال رئيس النيابة بحسم:
ـ لازم نتحرك فورًا عشان يتم التعرف على الجثة.
رفع عاصم رأسه بسرعة:
ـ لأ!
صمت الجميع.
قال بصوت مرتجف:
ـ أنا مش هقدر أروح.
ـ لازم حد يتعرف عليها يا دكتور عاصم.
هز عاصم رأسه، ودموعه تنهمر:
ـ مش هقدر...
ثم قال بصوت مكسور:
ـ أنا خايف أروح... خايف تطلع هي.
اقترب سليم منه، لكن عاصم تمسك بذراعه:
ـ بالله عليك يا سليم... ما تخلينيش أشوفها.
ساد الصمت للحظات.
نظر رئيس النيابة إليه، ثم قال:
ـ خلاص... جدها هو اللي هيتعرف عليها.
ثم التفت إلى المعاون:
ـ أخطروا الدكتور بهاء الدين المصري فورًا بالحضور... وخليه ييجي معانا للتعرف على الجثة.
ـ حاضر يا فندم.
خرج المعاون مسرعًا لتنفيذ الأمر.
أما عاصم، فظل جالسًا مكانه، شاردًا، والدموع لا تتوقف عن النزول من عينيه.
بينما وقف سليم بجواره، واضعًا يده على كتفه.
وفي تلك اللحظة...
لم يكن أي منهما يعلم أن الحقيقة أبعد بكثير مما يتخيلان.
---
رن هاتف الدكتور بهاء الدين المصري، فمد يده إليه ونظر إلى الشاشة.
رقم غير مسجل.
تردد لحظة، ثم أجاب:
ـ ألو؟
جاءه صوت رسمي من الطرف الآخر:
ـ الدكتور بهاء الدين المصري؟
ـ أيوه، مين معايا؟
ـ معاك معاون مباحث من قسم... يا دكتور. مطلوب من حضرتك تحضر فورًا لمشرحة زينهم.
تجمد بهاء في مكانه.
ـ المشرحة؟!
ـ أيوه يا فندم.
ارتفع صوت بهاء بقلق:
ـ ليه؟ حصل إيه؟
تردد الضابط لحظة، ثم قال:
ـ لقينا جثة لفتاة في النيل، ومواصفاتها المبدئية متطابقة مع مواصفات حفيدة حضرتك، السيدة لينا.
شعر بهاء وكأن الكلمات سقطت فوق رأسه.
تغيرت ملامحه تمامًا، وأحكم قبضته على عصاه.
ـ لينا؟!
ـ لسه مش متأكدين يا فندم، وعشان كده محتاجين حضرتك تحضر للتعرف عليها.
ساد صمت ثقيل.
لم يستطع بهاء الرد فورًا.
كانت كل مخاوفه التي حاول طوال الأيام الماضية إخفاءها تقف أمامه الآن.
يا رب ما تكونش لينا.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال:
ـ حاضر... أنا جاي.
أغلق الهاتف.
ظل واقفًا مكانه لثوانٍ، لا يتحرك.
ثم تمتم بصوت مرتجف:
ـ يا رب... يا رب تكون بخير.
أمسك عصاه، وتحرك بسرعة نحو الباب.
وبعد وقت، توقفت سيارة بهاء أمام مشرحة زينهم.
ترجل منها بملامح شاحبة، بينما كان معاون المباحث في انتظاره.
اقترب منه:
ـ الدكتور بهاء؟
أومأ بهاء بصمت.
ـ اتفضل معايا يا فندم.
تحرك بهاء خلفه.
كل خطوة كان يخطوها كانت أثقل من التي قبلها.
حتى وصلا إلى مكان حفظ الجثث.
قال المسؤول:
ـ الجثة موجودة هنا يا دكتور.
نظر بهاء إلى الدرج أمامه، وتوقفت أنفاسه.
قال بصوت خافت:
ـ افتح.
سُحب الدرج ببطء.
ظهرت الجثة.
ثبت بهاء عينيه عليها، لكن ملامح الوجه لم تكن واضحة بما يكفي بسبب بقائها في المياه.
اقترب خطوة.
كان قلبه يخفق بعنف.
ثم قال:
ـ أنا... محتاج أشوفها كويس.
اقترب أكثر، ومد يده بحذر، وأدار رأس الجثة ناحية الجانب.
اتجهت عيناه مباشرة إلى خلف أذنها.
ظل يبحث لثوانٍ.
ثم توقف.
الشامة غير موجودة.
أغمض عينيه للحظة، وأخرج نفسًا طويلًا.
تنفس براحة.
لقد تأكد.
أنها ليست حفيدته.
لكن قبل أن يبتعد، وقعت عيناه على معصم الجثة.
توقف.
اقترب أكثر.
كانت هناك أسورة تلتف حول يدها.
اتسعت عيناه.
ـ الأسورة دي...
ثم قال:
ـ دي نفس الأسورة اللي كانت لابساها يوم الحفلة... واللي ظهرت في الفيديو.
نظر إليه معاون المباحث:
ـ حضرتك متأكد؟
ظل بهاء صامتًا.
كانت الإجابة الحقيقية واضحة في داخله.
الأسورة موجودة هنا... لكن الشامة مش موجودة.
رفع بهاء عينيه إلى معاون المباحث، وبعد لحظات من الصمت قال:
ـ أيوه... هي.
تغيرت ملامح الضابط:
ـ حضرتك متأكد يا دكتور؟
ثبت بهاء عينيه على الجثة، ثم أجاب:
ـ أيوه... دي لينا.
