رواية دكة السادة الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم فطمة محمد علي النعيمي

 

 

 


رواية دكة السادة الفصل الواحد والعشرون بقلم فطمة محمد علي النعيمي





أعدَّ عبد الله غرفة مريحة لأم جواد؛ تلك الغرفة التي أغلقها منذ أن توفي والده ولم يسمح لأحد أن يدخلها إلا لتنظيفها من التراب بين الحين والآخر... غرفة السيد نمر الأحمد، وأسكن أم جواد بها، واستقر الوضع في بيت السيد عبد الله.
ولم يعرف احد من عائلة عطا بكل ماجرى
لكنهم حضروا الوليمة التي اعدها عبدالله لاهل القرية بمناسبة وصول حسين ،
حينها عرف عبدالله ابنه على ماهر العطا الحقيقي 
ونظر حسين الى والده نظرة مفادها فهمت

وحين...
قام أهل القرية بدعوة حسين وأبوه وضيفهم دخيل على ولائم يقيمونها إكراماً له، رفض حسين وليمة ماهر العطا متحججاً بوعكة صحية
وشعر ماهر العطا وأبوه ان حسين لايريد أن يقاربهم
كأبيه عبدالله فلم يعقبوا على الموضوع ورجعوا لعزلتهم
التي عاشوا بها خلال تلك السنين
ولم تكن لهم علاقة مع احد من أهل القرية
الا مع أهل تلك الفتيات التي تزوجها ابناء هذه الاسرة وحتى هذه العلاقات كانت محدودة جدا
مقتصرة على النسيب بذاته
بمعنى أن ماهر كان يزور اهل زوجته لكن عطا لايذهب معه الا اذا كانت الدعوة عامة لعرس أو حصول حالة وفاة
وفي احدى الدعوات
وفي أحد تلك البيوت الكريمة من بيوت أعمامه، رأى
حسين فاطمة في بيت الملا محمد؛ تلك الفتاة العشرينية ذات الملامح الناعمة الرقيقة، التي يُخيَّل لك أنك لو ضغطت عليها بطرف أصابعك لتحطمت.
كانت ملونة كأجنحة الفراشات
بيضاء شقراء حتى انك لاترى اهدابها الا اذا اقتربت منها
رأها حين دخل البيت واستقبله وابوه الملا محمد واولاده 
وجائت النساء كلهن يسلمن على ابن عمهم الذي عاد من العدم.

حين حسين رجع مع والده للبيت
سأله عن تلك الفتاة، قال له والده:
- هاذي فاطمة بنت سعيد الملا محمد، عمرها عشرين سنة بس أظن عبد ارحمان حاط عينو عليها. گبل چم شهر جا وخطب خديجة مني ولمن نشدتها مارادت، وأظن راح وخطب فاطمة، وإذا ماصارت قسمتهم ولك هوى بيها اخطبها لك، بس إلا نتأكد انو عبد ارحمان مايريدها او ماصارت قسمتو عليها.

سكت حسين، لكن عبد الله كان الفرح يغمره من رأسه حتى أخمص قدميه، حتى إنه حين رجع كانت الابتسامة لا تفارق وجهه.

بعد أيام سأل عبد الله النمر عمَّه الملا محمد عن حفيدته فاطمة وهل تمت الموافقة على عبد الرحمن ابن حازم؟ فأجاب بقوله:
- والله يابا مدري أشو صارت صنطة لا عبد ارحمان رد عليهم ولا هما ردو خبر.

في اليوم الثاني سأل عبد الله حازماً أخاه عن الموضوع قائلاً:
- يحازم اش سويت على خطبة فاطمة لعبد ارحمان؟
أجابه حازم قائلاً:
- والله يخوي خطبتها گبلا يروح عبد ارحمان مع الواليد للغربية، وعلى اساس بس يرد نروح ننشدهم عن رايهم، لكن الي صار من يوم رد عبد ارحمان وبس صافن، وكلما انشدو يگلي مو هسع، وأظن طابت نفسو من البنية.
قال له عبد الله:
- يخوي انت تدري المسلم لايخطب على خطبة أخيه ولا يبيع على بيعه، اذا مالكم رغبة بالبنية اريدها لحسين ابني اريد افرح بيه.
ابتسم حازم وقال لأخيه بفرح:
- والله يعبدالله وصار عندك ولد وادورلو على حرمة، وصحيح ماكو فرگ عندي بين حسين وعبد ارحمان، بس خلني انشد عبد ارحمان اذا گال ماكو نصيب ابلغك.

في اليوم الثاني جاء عبد الرحمن إلى حسين وسأله:
- حسين انت شفت بنت الطبيب عاشور؟
قال حسين:
- والله ماشفتها بعينها بس مرة لمحت زولها.
قال عبد الرحمن بلهفة:
- يخوي آني اريد أخطبها هگوتك ينطوها؟
ضحك حسين وقال:
- وهما الممنونين يابختك راح تاخذ طبيبة، ترى يكولون هي تعاون ابوها وتعلمت منو الطب.
ضحك عبد الرحمن وقال:
- اذا رحنا بالربيع نخطبها وناخذ مهرها معانا ونجيبها ونجي، نخليها عدكم ونزفها من عدكم.
حسين يخوي اذا تريد فاطمة بنت عمي سعيد أخذها الف مباركة عليك يخوي آني مالي طمع بيها، والله أنها خوش بنية مستورة وشاطرة وراعيت بيت والله شايلة بيت اهلها ومحد سمعلها حس ابد.
بس يخوي آني خطبتها وهما گالو نردلكم خبر
وماردو خبر وصارت طلعتنا للغربية وشفت البنية
ويخوي اهجس هالبنية فاتت بنص گلبي وتربعت،

عانق حسين ابن عمّه وودّعه، ورجع إلى أبيه يبلغـه بالخبر. ورغم شدّة الأمطار، ذهب عبد الله وحسين ونفلة وسورية وأم جواد وحازم وعبد الرحمن ودخيل وخطبوا فاطمة لحسين. 
بعد أيام قليلة وصلتهم الموافقة وانطلقت الزغاريد من بيت عبد الله، وأصبحت فاطمة مخطوبة لحسين، والزفاف سيكون في أول أيام عيد الأضحى القادم بعد عودتهم من الغربية لعلّهم يستطيعون إرجاع سليمان.
لتكون الفرحة فرحتين

وانطلق عبد الله في ليالي الشتاء الطويلة تلك، يحدّث ابنه ويعلّمه أمور دينه، هو ودخيل وزعيتر وحمدان، وحتّى عبد الله بنفسِهِ طلب من عمّه الملا محمد أن يحضر كل ليلة ليعلّمهم أصول الفقه الشافعي، ويعلّم حسين القرآن.

وجاء رمضان في ذلك العام ١٩٦٣يوم ٢٧ كانون الثاني، ولكن قبله – وتحوّطاً كي يستطيع حسين الصيام – بدأ عبد الله الصيام في الأيام البيض من شعبان، وصام معه جواد ودخيل وكل العائلة.
وجاء رمضان بأجواء رهيبة من المطر
وكان اصعب شيء في ذلك الوضع هو جلب الماء من النهر
لهذا منع حسين اخته من النزول للنهر وتكفل هو ودخيل بنقل الماء للبيت
حين يقترب وقت الافطار
كان حسين يدخل للمطبخ بين لحظة وأخرى
يفتح القدور ويشمشم
وأمه وأم جواد وسورية وخديجة يضحكن
عليه 
كان للبيوت في تلك الليالي رائحةٌ خاصة لا تُنسى؛ اختلطت فيها رطوبة الجدران الطينية المشبعة بماء المطر، بعبير الهيل المغلي مع القهوة، ورائحة دخان الحطب الرطب الذي يتصاعد خفيفاً من تلك الكُوّات في المطابخ متكاثفاً مع الضباب. وألوان الغروب كانت غائمة تُشبه الرماد البارد، وحين يُرفع الأذان، يرتسم على وجوههم دفءٌ أصفر تسكبه ألسنة الوجاغ المشتعلة، فيمتزج جفاف الحلاقيم بطعم تمر الكيشا ولبن البقر المخضوض؛ ليحيل لحظات الإفطار الأولى إلى عرس انعتاق من قيد الحرمان من الطعام والماء ولذائذ الحياة، فتغمر النفوسَ رِضاً وطمأنينة بأنهم أدوا لله عبادة اختصها الله لنفسه دون بقية العبادات.
لأنه هو وحده سبحانه العالم بمن صام وبمن أفطر

وحَلَّ شباط الذي جاء ببرد لم يسبق له مثيل، ورغم أن الحويدة تقع في منطقة قلّما ينزل فيها الثلج، إلا أن أغلب أيام ذلك الشباط كانت مثلجة ممطرة شديدة البرد وهم صيام.
فتراهم قبل الافطار بدقائق يختضون من شدة البرد

وبدأت نفلة تُعلّم أم جواد الصلاة والصيام. ومع حلول رمضان، هطلت الأمطار ولم تتوقف أبداً؛ كانت تخفّ قليلاً ثم تنطلق مرة أخرى أشدّ، وما إن يبرد الجو حتى يبدأ الثلج بالتساقط. جاء العيد في ٢٥ شباط كئيباً خالياً من كل مظاهر العيد، لم يستطع أحد أن يخرج إلى أي مكان، كان الناس سجناء بيوتهم.

أما حسين – والذي لم يعد يلتفت لمن يناديه جواد – فقد دخل في مرحلة جديدة من عمره، مرحلة فيها أوامر دينية أحبّها رغم قسوة بعضها بالنسبة له؛ ففي بادئ الأمر شعر بثقل يوم الصيام، لكنه حين جلس على أول سفرة وهو ينتظر صوت عمّه ليرفع الأذان، شعر بفرحة غريبة، وحين أكل كان يقلّد والده حتى بطريقة طعامه. كان أبوه يشعر بفرح غسل من قلبه كل سنين الوحدة؛ في تلك السنين التي كان هو وحده يقوم بكل شيء.
يأكل وحده ينظر حوله فلا يرى غير النساء
وكانت هناك علاقة جميلة جدا بين وطفة وسمرا وحسين 
كانت أمها تذكرها دائما أن هذا الشاب الجميل هو من أخرجها من النهر حين خطفها الماء

كان زيد يأتي أحياناً للسهر معهم، وحين ينهض ليرجع لبيته، كان حسين يخرج معه يوصله. تعلّم حسين أعراف أهله وطريقة حياتهم، كان مطيعاً لوالده حتى قبل أن يطلب أبوه، كان يصرّ أن يصبّ الماء على يدَي والده حين يتوضأ، ويرافقه إلى أي مكان يذهب إليه.

ومع بدايات آذار 
بدأ يظهر النهر بشكل مخيف جدا
لقد بدأ النهر يزحف إلى القرية؛ غمرت المياه أرض البساتين كلها، وتدمر محصولهم الشتوي، وصعد الماء حتى بدأ يزحف في البيادر، وبدأ النهر يزحف وبعض البيوت تحاول صنع سواتر امام الماء لتحرفه للوادي. 
لم يعد النهر ذاك الشريط الأزرق الفاتح الهادئ، بل تحوّل إلى وحشٍ طينيّ داكن، يميل لونه إلى البنّيّ الخاكي، مثقلاً بالطمى وجذور الأشجار المقتلعة. وكانت للماء رائحةُ طينٍ ثقيلة، تختلط برائحة النباتات المتحللة، فيما تتسلّل رطوبةٌ ثقيلة إلى الأثواب والأغطية وتستقرّ فيها. وفي الليل، كان هديرُ الماء المكتوم يشبه دبيبَ خطواتٍ ثقيلة تقترب، شيئًا فشيئًا، لتلتهم الشاطئ قطعةً بعد أخرى.

أصبح النهر عريضاً جداً واقترب الشاطئ من بيت السيد نمر، فأمر عبد الله ابنه حسين وبقية الشباب بالانتقال فوراً إلى الجبل ملاذهم الآمن. وخلال ساعات تم نقل كل ما هو ثمين إلى الجبل حيث تم بناء بيت الشعر فوق أرض الجبل الصخرية ككل فيضان يحصل.
نقلوا فراشهم مؤنتهم وتلك الصور والسيوف والجرار
كلها الى الجبل
حتى انتقلوا جميعاً خلال اسبوع واحد تم نقل كل شيء
وكذلك فعل اهل القرية كلها

أما أم حمدان وحسنة العبد، فقد رفضتا ترك بيتهما، كأنهما تعتقدان أن الفيضان سيخجل منهما ولا يتقدم ما دامتا واقفَتَين بوجهه، ورغم توسّل حمدان وعبد الله بهما، لكن أم حمدان قالت له:
- كل چم سنة تفيض الفرا وما عمر عفت بيتي اذا انت تريد تروح مع بيت السيد روح بس والله آني ما أعوف بيتي يهدو المي أبد
يول حتى فلوس ماعدنا حتى نرجع نبنيه.

استغرب عبد الله طريقة تفكيرها ورجع إليها يحاول إقناعها:
- يخيتي هذا آني عمري يم السبعين سنة وبعمري كلو ماشفت المطر دام شهرين بلا مايگف حت لو ساعة، يخيتي حيطان بيتچ أشبعت مي هاي ستين يوم
بالله الكريم قرفة الخطار مالتنا أول البارحة لمن مديت ايدي دشيل صورة جدي من الحايط اوگعت عليا گبل لا اسحبها طلعت الخشبة الكاضبتها هريان مكانها 
لمن دست الحايط بأصبعي فات بالحايط
البيت راح يگع على راسچ
يرحم والديچ تعالي معانا وآني بنفسي أبني البيت أذا انهد،
والله اذا وصلچ المي فلا يگف البيت حت نص ساعة، الله يهداج وتعالي أنتي وحسنة.
ردّت حسنة العبد بأسلوبها الجاف وقالت:
- صار عشر سنين من مات ابوية وماشفت ولا واحد جا ونشدني يحسنة أش محتاجة وأش عايزچ، آني اذا بيتي انهد والله لديح بالجوال، والله ما اعوف بيتي وخويتي لو آني والبيت لو آني بلياه ما أطلع، وباچر ينگطع المي وأگعد اضحك عليكم مثل كل مرة، بس شفتو الفيض هجيتو عالجبلة. مثل الأرانب،

وخرجت القرية كلها؛ لم يبقَ في القرية إلا عائلة عطا وأم حمدان وحسنة العبد. أما بقية القرية حتى من كان بيته في أعلى القرية، فقد ذهب إلى الجبل.

حين تم بناء بيت الشعر في نفس الموقع الذي ولدت نفلة حسن وحسين فيه، قالت لحسين وأم جواد:
- شوفو بهل مچان جبت حسن وحسين، هم جتنا ذيچ السنة وفاضت الفرا علينا بس مو مثل هالفيضة، لكن سيد نمر چان خايف عليا فطلعني عالجبل بساع.

سكن الناس في بيوت من الشعر في أماكن متفرقة على الجبل، ينتظرون أن يفرجها الله ويرجعون لبيوتهم، وهم يدعون الله بلا توقف أن يحفظ بيوتهم من الدمار، رغم أن الكثير من جدران البيوت وسقوف بعض البيوت الأخرى قد انهارت بالفعل؛ فستون يوماً لم ينقطع المطر فيها جعلت الجدران الطينية مشبعة بالرطوبة تماماً.
وجاء.....
اليوم العاشر من نيسان كان المطر مع الثلوج قد استمر لشهرين متواصلين بلا انقطاع، من يوم ١٠ شباط إلى ١٠ نيسان.

في ذلك اليوم كانت أسرة السيد قلّما تنام، يخافون من سقوط بيت الشعر عليهم، وبيت الشعر حين يتشبع بالماء يصبح ثقيلاً جداً، إذا سقط فوق ساكنيه قد يقتلهم.
لهذا ترى الرجال واقفون جاهزون لاي طاريء
عند الفجر والملا محمد يرفع الاذان منداخل خيمته

جاءهم حمدان على بغله مسرعاً وقد شحب وجهه، يصرخ برعب ويقول لهم:
- وكع البيت على أمي الحكوني حتى نطلعها!
هَبَّ الشباب حسين ودخيل وزعيتر وأبناء حازم، وركضوا لعلهم يصلونها، لكنهم حين وصلوا أقرب نقطة للبيت، كان الفيضان على أشده، وكان الماء قد غطى البيت بالكامل، وموجات عالية قادمة من أعلى النهر، ومنظر الموقع يوحي بصلابة أنه يستحيل أن تبقى أم حمدان على قيد الحياة.
فتوقفوا ورددوا بصوت واحد:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
نظر حمدان إلى وجوههم وصرخ بهم:
- يعني شنو ها؟ يعني ماتجون تعونوني اطلع أمي؟
قال له حسين:
- يخوي يحمدان البقاء لله والخلف براسك، يعني لو هو بس السگف واگع عليها چان أكيد نكدر نطلعها طيبة، بس يخوي مابين جيتك علينا ورجعتنا معاك المي غطى المكان كلو وترى النفس لحظة بس وينتهي، ومابعد نعرف حت مكان الدام كلشي صار جوا المي.

وقف حمدان على حافة الماء، ينظر إلى المكان الذي كان فيه بيته قبل نصف ساعة فقط... رأى كل شيء قد اختفى، ورأى قطعاً من أثاث أهل القرية تطفو على وجه الماء: قدر نحاسي، وسجادة صغيرة، وغطاء من الصوف،
وأخشاب كثيرة،
والكثير من الدجاج يعتلي الأشياء الكثيرة التي تطفو على وجه الماء. حاول أن يصرخ باسمها، لكن صوته لم يخرج من حنجرته، وكأن الماء قد ابتلع صوته أيضاً. قال في سرّه:
- يما... وينچ يما؟
ثم بلحظة جنون ألقى بنفسه في الماء دون أن يفكر.

كان الماء بارداً جداً، فالأمطار أنزلت الثلوج من قمم الجبال وانحدرت تحمله فوقها لتجعل مياه السيول عبارة عن ثلج ذائب، ونزلت إلى حوض النهر الذي لم يستوعب مطلقاً كمية الأمطار والثلوج في ذلك العام. لهذا قفز حسين خلف حمدان بلا تردد وقبل حتى أن ينزع ثيابه، فهو يعلم أنها مجرد لحظات ويموت حمدان، أما دخيل وزعيتر فقد فقدا صوابهما وهما يصرخان بهما.

كان الماء كالثلج، يدخل إلى عظام حمدان كأنه إبر، خاصةً ذلك الكسر الذي في قدمه. حاول أن يسبح في اتجاه مكان البيت، لكن التيار كان أقوى منه، كان يدفعه إلى الحافة بعنف. كان يغوص، ويفتح عينيه تحت الماء، يبحث عن ثوب أمه الأسود، أو يدٍ تلوح، أو أي أثر لأمه. كل ما رآه كان طيناً متحركاً، وأغصاناً مقتلعة، وظلاماً كثيفاً. شعر بيد تمسك برجله من الخلف، فظن أنها أمه، لكنها كانت يد حسين تسحبه إلى السطح، وأمسك به بعد مسافة قصيرة وأعاده للحافة وهو يرتعد ويصرخ بأمه التي رحلت دون وداع.

سحب حسين حمدان إلى الشاطئ، وهو يرتجف من البرد والخوف. وضع يده على صدر حمدان، وشعر بقلبه يخفق بسرعة كطير محبوس. قال له بصوت مرتجف:
- حمدان... حمدان... أنت بخير؟
نزع دخيل فروته ولفه وكذلك فعل زعيتر ولف حسين

لكن حمدان لم يجب احداً رغم صراخهم جميعاً بأسمه؛ كان ينظر إلى الماء، إلى المكان الذي ابتلع أمه، وعيناه جامدتان كأنهما فقدتا القدرة على البكاء. كان صامتاً، لكن صمته كان أقسى من أي صرخة.

كان المطر ينزل بغزارة مستمرة كأن السماء غاضبة على أهل تلك البقعة من الأرض. أما على الطرف الشمالي من القرية، فكان الشباب يسمعون صراخاً لأطفال ونساء، عرف حسين أنها أصوات أسرة عطا الذين اجتمعوا جميعاً فوق ربوة كانت تقع خلف بيوتهم، وبدأ الماء يحاصرهم من كل الاتجاهات.

كانوا هناك، حوالي خمسة عشر رجلاً وامرأة وطفلاً هم عائلة عطا، متكومين فوق تلك الربوة الصغيرة التي كانت تخرج من وسط الماء كجزيرة يائسة. كان الماء يصل إلى أقدامهم، وكلما ارتفع، كانوا يتراجعون إلى الخلف، حتى لم يعد هناك مكان للتراجع. كانوا ينظرون إلى الماء، ثم إلى السماء، وكأنهم يسألونها: إلى متى؟ وكانت السماء ترد عليهم بمزيد من المطر.

حمل حسين حمدان وعادوا وأركبوه على البغل وهو يصرخ من ألم الفقد أكثر مما يصرخ من ألم الكسر في ساقه، وعادوا مسرعين إلى بيت الشعر الذي يضم أسرة عبد الله وأسرة زيد وأسرتين من أهل القرية، يجلسون تحت ذلك البيت الذي أصبح يدثّ عليهم الماء دثّاً خفيفاً مزعجاً، ومنقلة القهوة التي تحولت إلى موقدة في وسط البيت والجميع يلتف حولها.

حين أدخلوا حمدان يحملونه وأجلسوه قرب المنقل، ركضت نفلة إليه بغطاء تدفيه، كانت شفتاه مزرقتين وهي تسأل بلا توقف:
- وين ريمة وينها؟ ليش ماجبتوها؟!!
انهار حمدان بالبكاء وهو يرتعد. نظرت إلى حسين وهو يرتجف فصرخت بكل صوتها:
- يويلي عليج يرفيجة عمري يويلي عليچ!
وركضت إلى حسين تجرّه خلف الرواق وأعطته ثياباً جافة ليغير ثيابه وهي تبكي وتلطم، وتعالت أصوات النساء؛ بعضهن يصرخن باسم ريمة أم حمدان، وبعضهن يبكين حسنة التي لم يعرف أحد أين اختفت.

وجلس الرجال حول حمدان يواسونه، وقال له عبد الله بحزن وأسف:
- ثلث نوبات جيت عليها وكلتلها الله يهداج وتعالي معانا ومافعلت تجي.
طبطب حسين على ظهر حمدان وقال له:
- بلچي أگدرت تطلع هية ورفيجتها ماتعرف خل يطلع الضو ونرجع بلچي نلگي للها أثر.
التفت إليه حمدان وقال باكياً:
- تالي الليل المي عبر گواني التراب الي چنا حاطيهن عند باب الدام وچنا نايمين گعدنا وگلتلي: يلا يحمدان نطلع ماضل وراها ورا، كمت وهدومي منكعة وطلعت من الدام ون حسنة العبد واكفة فوك دامها المهدوم وتصيح: يهل المروة بيتي انهد. خضت بالمي جان المي واصل لي بطني وأمي ضلت ورايا بالدام حتى تشيل الصندوگ الي بيه غراض ابوية وفلوسنا وجناسينا، والبغل مربوط رحت افك رباط البغل حتى احط امي وحسنة عليه واطلعهن وسمعت صوت الهبيد، لمن انداريت لگيت الدام وكع على أمي، أصرخت حسنة وهي تگول الحگ امگ يحمدان. لمن رجعت المي صار لي حلگي وعرفت ماراح أكدر اشيل سگف الدام عنها صرخت اناديها ماسمعت شي، طلعت البغل خياضة الما وصلت العلو اليم بيتنا وجيت اركض بلچي نلحگها ولمن رجعنا چان المي مغطي كلشي وماگو أثر لا للبيت ولا لحسنة.

التفت حسين إلى أبيه قائلاً:
- أذا ضل المي يزيد هشكل أظن محد راح يطلع من بيت عطا محاصرين على تلة الحصاني.
سمع الجميع صوت خضيرة وهي تقول:
- أمممم من عساهم مانجو الله ياخذ حگنا منهم، هالچلب عطا هو أساس البلا كلو!

أما خديجة فقد كانت تجلس خلف سورية التي احتضنت ابنتيها تطبطب عليهن،
وخديجة تسترق النظرات من وجه دخيل؛ ذلك الشاب الناضج ذو الوجه الوسيم، فيرتجف قلبها ويحمرّ خداها خجلاً من أفكارها رغم صعوبة الموقف... لكن للقلوب عوالم أخرى تعيش بها بعيداً عن كل ما يحصل بعالمنا من مصائب. وقد شعر دخيل بها، لكنه كان يغض البصر عنها ويبتعد بعينيه عن الجهة التي تجلس بها، رغم أن صورتها منطبعة في رأسه، لكن وفاءه لصديقه حمدان وإحساسه بمسؤولية الموقف الصعب كان أكبر بكثير من شعوره وإحساسه تجاه نفسه.

بعد أقل من ساعة أشرق الضوء. خرج حسين وزعيتر ودخيل وقد بدأ المطر الكثيف يصبح أخف. 
كأن الدنيا القت كل مايثقلها من امطار دفعة واحد وتخلصت من حملها و تكشّفت قليلاً
حين نزلوا من الجبل، لم يروا أي شيء من القرية كلها غير بقعة بسيطة يقف عليها مجموعة من الناس يحملون أطفالهم فوق رؤوسهم والماء يصل إلى صدورهم.

لم يستطع حسين تحمل ذلك المنظر، فانطلق إلى المرتفعات خلف تلة الحصاني كي يكون أقرب ما يكون إلى عائلة عطا. وما إن أصبح قريباً منهم وبينه وبينهم وادٍ كان قد أصبح قطعة واحدة مع النهر،
حتى أوقف الحصان وربطه بصخرة، ونزع ثيابه ونزل إلى الماء يسبح كي يعبر الوادي ليصل إلى عائلة عطا الذين قضوا الليل كله وقوفاً في ماء درجة حرارته منخفضة جداً.

حين وصلهم أخذ منهم أول طفل وعبر به، أخرجه من الماء، حينها وصله دخيل أخرج شفأ من فوق السرج ولفّ الطفل. ثم رجع حسين إليهم ونقل الطفل الثاني، ولحق بهم عبد الله وبعض شباب القرية، وبدؤوا ينقلون الأطفال إلى خيمة عبد الله، ونفلة وخديجة وسورية تدفئ الأطفال، حتى شعر حسين أن جسده بدأ يرتجف فمنعه أبوه من السباحة. ونزع دخيل ثيابه وقفز إلى الماء ونقل ثلاثاً من النساء؛ زوجات أحفاد عطا الذي كان واقفاً يرتعد من هول الموقف ويلعن نفسه أنه لم يهرب بأهله مثل بقية أهل القرية. لكن أهل القرية كلهم انطلقوا لمساعدتهم حتى سحبوهم كلهم.
كانوا متجمدين من البرد، يرتجفون
لم يستطع حتى شبابهم السباحة بلا مساعدة لشدة البرد الذي تسرب من أقدامهم الى أجسادهم

غير أن عطا ما إن وصل منطقة المخيمات في قلب الجبل وأنزله دخيل من فوق البغل، حتى ركع على الأرض ولم تحمله ركبتاه. ركض إليه زيد وأمسك بيده، واجتمع الشباب وحملوه إلى أقرب خيمة كانت لأحد سكان القرية. كان عطا يمسك بيد زيد بقوة بتلك الكف المتجمدة، وحين استقر على الأرض وركض صاحب البيت يغطيه، قال لزيد بفم مزرق راجف:
- حاللني يخوي أنت بسببي انحرمت من أهلك وناسك، ارجع يزيد لأهلك ولاتضل بهل ديرة، واخذ واليدي معاك وصالح أهلك شوف أش يريدون انطيهم وروح... البارحة وآني واگف بالمي عرفت حجم المصيبة اليي سويتها، لأتأمن بالمي تراه غدار.

كانت كلماته متقطعة، ينظر لوجه زيد الذي كان يبكي وهو يردد:
- محالل وماهوب يخوي الله يغفرلك يخوي.
ولم يعرف زيد أن عطا قد مات إلا حين أغمض السيد عبد الله عينيه؛ لم يحتمل قلبه برد الماء وهو بهذا السن.

قام الملا محمد بغسله وتكفينه بعباءة وقاموا بدفنه.

عصر ذلك اليوم توقف المطر، وبدأ الماء بالانحسار بعد أن توقف المطر تماماً وأشرقت الشمس في اليوم الثالث بعد اثنين وستين يوماً من المطر المستمر.
في اليوم الرابع مات طفلان من عائلة عطا: طفل صغير عمره بالأشهر، وطفل في الثالثة من عمره من أحفاد عطا.

حين انحسر النهر عن القرية بعد أيام، لم يجدوا ولو حائطاً واحداً واقفاً في تلك القرية المنكوبة. في اليوم الرابع نزلت إليهم أفواج من القرى الديمية البعيدة جداً عن النهر والذين يعيشون على الآبار وبعض العيون، جالبين معهم مؤنة وملابس وخياماً قاموا بنصبها للعوائل.

نزل حمدان وشباب القرية يحفرون في موقع بيت حمدان حتى عثروا على جثمان أم حمدان... كان يوماً حزيناً جداً، غسلوها ودفنوها وبقي حمدان جالساً عند قبرها مدة طويلة يبكي عليها. ولم يتوقف شباب القرية عن البحث عن حسنة العبد، حتى عثر بعضهم على جثتها عالقة بين أشجار الطرفة على حافة النهر، كأنها جذع شجرة جاف ألقاه السيل هناك ومضى في طريقه إلى الجنوب.

أما حمدان فقد كان يجلس على شاطئ النهر يبكي أمه التي رحلت دون وداع، رحلت وتركته وحيداً في هذا العالم. ورغم كل المواساة، لم يستطع حمدان الخروج من حزنه بسهولة.

كان يذهب كلَّ غروبٍ، فيجلسُ عند انحناءة الشاطئ حيث كان بيتهما؛ يَطوي ركبتيه ويُطأطئ رأسه بينهما، يُحدّق في الطين المتراكم على حافة الجرف، كأنه يترقب أن تَخرُجَ يدُ أمه من بين الطين الجاف لتمسح على رأسه. لم يكن يبكي بصوت، بل بتلك الزفرات المبحوحة التي تهزّ كتفيه العريضين رجفةً صامتةً. يرفس الترابَ بقدمه التي ما زال كسرُها يتأوّه مع رطوبة الجو، ثم يرفع كفّاً مليئة بالغبار، يفركها بين أصابعه ويشمّها بشغف، لعله يجد فيها عبقَ شالها الأسود المشبع بـ(المعنة)★ الذي كانت تلبسه دائماً. إن الفراغ الذي تركته أمه في صدره كان أوسع وأعمق من كل ما احتمله النهر، وإن مصابه بفقدها أكبر من كل ما فعله الطوفان بتلك القرى البسيطة على ضفاف دجلة.

وما إن حلّ الشهر الخامس حتى انطلق الشباب والرجال بقطع اللّبِن ليعيدوا بناء القرية التي تغيّر مكانها وأصبحت أبعد عن النهر بما يقرب من ألف متر. كانت الشمس تشرق على أرضٍ عارية، تفوح منها رائحة الطين الجاف وأعشاب الربيع الذي تأخر كثيراً. كان للتراب المخلوط بالقش عند قطع اللّبِن رائحة أملٍ زكية؛ أذرع الشباب السمراء تتلمس دفء الطين الرطب، واللون الذهبي للقش يلمع تحت أشعة أيار. وفي زحمة العمل وصوت ضرب أرجلهم في جبلات الطين لصنع اللّبِن ورائحة العرق، انقلب المشهد من سواد الفاجعة إلى ألوان الحياة المتعددة.

أما تلك الحفر المملوءة بالماء التي تركها النهر خلفه، فقد أصبحت المادة الخام التي تساعدهم على البناء. وأما تلك المساحات الواسعة بين أكتال البيوت المهدمة فقد بدأت تتشقق بعد أن جفّ الطمي منها؛ لترسم على الأرض أشكالاً من الطين المتجمد الذي يخبرك أن النهر وصل لهذا المكان في لحظة غضب الطبيعة.

وفي ذلك اليوم – الأول من أيار – حين بدأ الشباب بتسقيف بيت عبد الله، لمح الجميع خيالاً قادماً من بعيد يركض حيناً ويمشي أحياناً، فتوقف حسين فوق "الدام" وهو مشمرٌ عن ساعديه الملوثتين بالوحل، ورفع يده على عينيه ينظر، وصرخ بكل قوته:
- يماااااااا!
وهو يشير بيده نحو الفارس،
وقفز من فوق الحائط للارض انطلق يركض، والتفتَتَا سويةً: نفلة وخضيرة، فكل واحدة منهما أمٌ له...
وانطلقن يركضن خلفه
وقد نزعت أم جواد عصابتها تلوح بها بفرح غامر
اما نفلة فكانت تركض وتقع ثم تنهض وتركض
وبقية الشباب وقوفاً بحالة ذهول


تعليقات