رواية مدمر بعشقك الفصل الواحد والعشرون
وفجأة صمت جورج عن الحديث عندما سمع صوت شيء سقط أرضا ليصدر صوتا عاليا
تقدم في اتجاه مصدر الصوت الذي أتى من غرفة النوم التي توجد في جناحه الخاص ليقف مندهشا للحظات وهو ينظر إلى تلك الفتاة ذات الفستان السماوي الجميل التي تجلس فوق الأرض أمامه ويوجد بجوارها فازة محطمة ويظهر أن هذا هو مصدر الصوت.. وبعد أن استوعب ما يحدث أردف قائلا بدهشة
_ من أنت وما الذي تفعلينه هنا أيتها الفتاة الجميلة
تقف كنوز مفزوعة من ذلك الصوت الذي صدر من وراء ظهرها بينما التفتت إلى مصدر الصوت بخوف شديد كما لو كانت تخشى النظر إلى صاحب ذلك الصوت الرخيم
وأردفت قائلة ونبرة صوتها ترتجف والكلمات تتغلغل في حنجرتها وهي تحاول أن تجد الكلمات التي يجب عليها التفوه بها في هذا الوقت وهذه اللحظات المرعبة بينما تقف كما لو كانت أحد أصنام الحديقة ويتساقط العرق على جبينها وهي تفرك يديها بقوة أوشكت أن تنخلع أناملها الصغيرة من شدة التوتر والخوف الذي يسيطر عليها في هذه اللحظة
_ هو أنا هو أنا بصراحة بصراحة كنت عاوزة أخرج
يقاطعها صوت جورج عن الحديث بعد أن اكتشف من هذه الفتاة وأردف قائلا بانفعال
_ توقفي عن الحديث بهذا الشكل المزعج وأخبريني الآن وإياكي أن تكذبي علي ولو في حرف واحد ما الذي تفعلينه هنا أيتها الفتاة ولماذا لم تلتزمي في غرفتك كما أمرت أنا بذلك
ترد كنوز قائلة بدهشة وهي تتحدث بحرية ولم تعلم هي مع من تتحدث
_ يعني إيه أنت اللي جبتني هنا يعني أنت اللي خطفتني طيب ليه وعاوز إيه مني
يجيب جورج قائلا بانفعال وهو لم يفهم شيئا مما قالت كنوز وهذا من حسن حظها
_ ما بك لماذا تتحدثين هكذا لا أفهم عليك شيئا تحدثي بالعربية أفضل لأنني لا أفهم اللغة المصرية ولا أفهم أي شيء تقولينه لأنني لست مصريا لذلك لا أفهمك
تجيب كنوز قائلة وهي تفرك يديها وترتجف الكلمات في حنجرتها والرعب سيطر على قلبها الصغير من شدة خوفها من صراخ وانفعال جورج غير المتوقع في وجهها
_ كنت بقول لك يا سيدي ليه خطفتني وجبتني هنا
يجيب على سؤالها جورج وهو يتجه إلى أحد المقاعد ليجلس عليه ويردف قائلا بهدوء
_ هيا تقدمي إلى هنا آنسة كنوز أريد التحدث معك قليلا فإنك موجودة في جناحي الآن لأنني كنت سوف أحضر إلى جناحك من أجل التحدث معك لكن منعني جاسر من ذلك
تذهب كنوز وتجلس بجوار جورج الذي يجلس بكبرياء وهو يضع قدما فوق الأخرى وأردفت قائلة بتساؤل وهي تفرك يديها من شدة التوتر وملامحها المتوترة تحكي ما في داخلها
_ هل أنت تعرف ذلك المجرم يا سيدي
يجيب جورج بهدوء من أجل ألا يخيف كنوز أكثر من ذلك
_ إن جاسر ليس مجرما يا آنستي لا تحكمي عليه بسبب سوء فهم بسيط وأجل إنني أعرفه أشد المعرفة
تجيب كنوز قائلة باستفهام
_ ماذا تقصد سيدي أنك تعرفه أشد المعرفة وإن ما حدث ليس مجرد سوء تفاهم أنت لا تعلم شيئا لقد قتل أبي وأمي الاثنين في يوم واحد هل يعقل أن يكون ذلك مجرد سوء تفاهم سيدي
يرد جورج بهدوء قائلا وهو يحاول أن يظل هادئا قدر المستطاع
_ حسنا آنستي سوف نعتبر أن جاسر مجرم وقتل والديك لكن آنستي ألم تفكري للحظة واحدة لماذا شخص مجرم مثل جاسر يخاطر بحياته من أجلك ومن أجل أخواتك ولماذا جاء يوم موت والديك وأنقذك من ذلك عمك الذي كان على وشك قتلك ولماذا عندما قام ذلك الحقير عصام بالاعتداء عليك جاء وأنقذك منه ولماذا لم يهرب منك ويتركك تواجهين مصيرك بنفسك ولماذا ترك أعماله التي لم يكن يقدر أن يغيب عنها يوما واحدا من أجل أن يظل يحميك من مصيرك ولماذا لا ترين كل هذه الأشياء التي يفعلها من أجلك ومن أجل راحتك وترين فقط أنه شخص مجرم قتل والديك دون أي إثبات على ذلك
تجلس كنوز وهي تحدق في وجه جورج بينما يسترجع عقلها كل ما كان جاسر يفعله من أجلها وكيف خاطر بحياته أكثر من مرة من أجل أن ينقذها ويحميها ويحمي أخواتها الصغار وحتى بعد أن فعلت كل ما فعلته ظل معها ولم يتركها وحدها في الظلام بل ظل يحميها أيضا
كانت كنوز تفكر في كل ذلك ولم تجد جوابا يريح عقلها الهائج بينما ظل جورج يراقب كنوز بصمت وبعد أن شعر أنها بدأت تستجيب له أردف قائلا بثقة
_ تعلمين لماذا آنستي لم يتركك لأنه يحبك بصدق صدقيني إن ولدي يعشقك بشغف ولم ييأس يوما بسبب معاملتك الجافة له بالعكس كان يحاول الاقتراب منك أكثر ولم يتراجع عن حبه لك للحظة واحدة ولم يستسلم لأحزانه ويتركك وحدك بل ترك كل شيء من أجل أن يظل معك أنت خذيها نصيحة من رجل مسن لا تتركي شخصا أحبك بصدق مثل ولدي جاسر
❈-❈-❈
عند جاسر
يصعد جاسر إلى الجناح الذي توجد فيه كنوز ويقف أمام باب الجناح للحظات وهو يحاول أن يطفئ ذلك البركان المشتعل في داخله وعندما شعر بسكينة داخل قلبه قليلا أغلق عينيه بارتياح وأخذ شهيقا وزفيرا بعمق ثم وضع يده على باب الغرفة وطرق بعد طرقات بهدوء وأردف قائلا بنداء
_ آنسة كنوز ممكن أدخل
ثم يصمت للحظات ينتظر الرد من الطرف الثاني لكن لم يتلق أدنى رد فيضع يده على الباب ويقوم بطرقه مرة ثانية ويكرر ما قاله منذ قليل لكن هذه المرة كان صوته أقوى من السابق
_ آنسة كنوز ممكن أدخل
لكن لا يوجد رد هذه المرة أيضا ليشعر قلب ذلك العاشق بالقلق على معشوقته ويفتح الباب بفزع ويركض داخل الغرفة ليقف مندهشا للحظات عندما لم يجد أثرا لحبيبته في الغرفة ليركض إلى غرفة الملابس ويطرق الباب على أمل أن تكون في الداخل وأردف قائلا والقلق ينهش قلبه دون رحمة
_ آنسة كنوز إنتي جوا آنسة كنوز رجاء لو إنتي سامعاني ردي عليا لو سمحتي
لكن لا يوجد رد أيضا ولا يوجد أي صوت يثبت أن هناك أحدا غير صوت أنفاسه المشتعلة وصدره الذي يعلو ويهبط بجنون يفتح ذلك العاشق باب الغرفة ويتجول بعينيه بداخلها على أمل أنه سوف يرى حبيبته في مكان ما لكن مثل المرة السابقة خاب أمله ليركض مثل المجنون يبحث عنها في جميع أنحاء الجناح وهو يلهث بشدة والأفكار المزعجة لا ترحم عقله ويبحث عن حبيبته في كل مكان في الغرف ودورة المياه ويخرج يبحث عنها في الشرفة التي توجد خارج الجناح لكن لا أثر لها في أي مكان.. بعد أن شعر باليأس يركض إلى خارج الغرفة وأردف قائلا بصراخ أفزع كلا من في القصر
_ جيمس جيمس
يأتي جيمس رئيس الحراس مسرعا وأردف قائلا وهو يحدق في جاسر الذي يقف على أول الدرج في الدور الثاني بينما كان يقف جيمس أمامه على أول الدرج من الدور السفلي
_ أمرك سيدي هل تأمرني بشيء
يجيب جاسر قائلا على استعجال وهو يهبط مسرعا من على الدرج
_ ما شفتش الآنسة اللي إنتوا جبتوها في صباح أمس
يجيب عليه جيمس قائلا وهو يراقب تحركاته بعينيه في صمت
_ لا سيدي لما أرها في أي مكان لكن ماذا حدث وهل أقدر أساعدك في شيء
يجيب جاسر قائلا وهو يتحدث على عجلة كما لو كان خائفا أن يسرق منه أحد ما يريد قوله
_ أيوه عاوزك إنت وجميع الخدم في القصر تروحوا وتبحثوا عن الفتاة في كل مكان هل كلامي واضح
وقبل أن يجيب جيمس بشيء يأتي ذلك الصوت الرخيم من على الدرج قائلا
_ لسًا بحاجة لذلك جاسر
ينظر كلا من جاسر وجيمس إلى مصدر الصوت بينما يندهش جاسر من وقوف كنوز خلف ظهر جورج بينما يحني جيمس رأسه إلى الأسفل احتراما لوجود جورج أمامه. يصعد جاسر على الدرج مرة ثانية وأردف قائلا وهو يقف أمام كنوز وجها لوجه
_ كنوز إنتي كويسة حصل لك حاجة حد عمل لك حاجة
لكن كانت كنوز تقف وهي تحدق في ملامح جاسر كما لو كانت لأول مرة تراه في حياتها بينما كانت تتسلل دموعها في صمت وهذا ما جعل جاسر يسيء الظن في والده وأردف قائلا بانفعال
_ إيه اللي عملته لكنوز يا جورج ليه بتعيط كده
يحدق جورج في كنوز بحزن وأردف قائلا وهو يضع قناع البرود على ملامحه ونبرة صوته
_ أنها تقف قدامك اسألها عن سبب بكائها أنا مشغول
ثم يهبط من على الدرج بينما أردف قائلا موجها حديثه إلى جيمس
_ هي جيمس أريدك في أمر مهم
يجيب جيمس قائلا وهو يتقدم في السير خلف جورج
_ أمرك سيدي
ثم يذهب كلا من جورج وجيمس بينما ما زال يقف كلا من كنوز وجاسر على الدرج وما زالت كنوز تبكي وهي تحدق في جاسر ودموع الخجل مما فعلت تتساقط على خديها ولا تصدق ما كانت تفعله في ذلك الذي أحبها بصدق ولم يتخل عنها يوما بسبب ما كانت تفعله به وكلماتها التي كانت بمذاق السم ومع ذلك بقي بجوارها يحميها ويحمي أخواتها الصغار
كانت تبكي خجلا من نفسها ومن أفعالها التي كانت تسيء إلى قلب عاشق حزين وقد اكتشفت أنها كانت قاسية القلب ظالمة في حق ذلك الذي يعشقها إلى حد الموت بينما يقف جاسر الذي اقترب أن يجن ويدمر العالم من أجل أن يعلم سبب بكاء حبيبته التي لا تعلم ماذا تفعل دموعها التي تتساقط مثل حبات الألماس على خديها في ذلك القلب العاشق الذي يحترق من نزول هذه الدموع القاسية التي لم ترحم ضعف قلبه
وبعد لحظات من الصمت يمل ذلك العاشق من الانتظار على أمل أن تخبره هي ما الذي يحزنها ولماذا تبكي لكن الانتظار بلا جدوى فأردف قائلا بتساؤل عن سبب بكائها بهذا الشكل
_ مالك يا كنوز بتعيطي بالشكل ده ليه كده حصل إيه طيب حد زعلك ولا حاجة حصلت لك هنا مضايقاكي عاوزة تروحي لخواتك أخدك أوديكي
وفجأة يصمت ذلك العاشق عن الحديث وهو لا يصدق ما حدث ويقف مندهشا ينظر إلى الفراغ الذي يوجد أمامه ولم تستطع كنوز أن تعبر عن سبب بكائها غير أنها ترمي جسدها بين أحضان عاشقها الذي اندهش من هذا التصرف غير المتوقع من حبيبة قلبه التي كانت تخبره منذ قليل أنها تكرهه وتكره وجوده والآن هي داخل أحضانه وما زال السبب مجهولا له.. وبعد لحظات يتغلب ذلك العاشق على ذهوله ويتحكم في قوته العقلية وأردف قائلا بهدوء
_ كنوز إنتي كويسة؟
ترد كنوز وهي ضاغطة بقوة على ذراع عاشقها، خوفًا إنه يتركها في يوم بسبب كل اللي كانت بتعمله فيه، وأردفت وهي بتبكي، وبتجاوب بس على قد السؤال اللي اتسأل لها، السؤال اللي خلاها أسيرة في نيران عشقه..
_ لا، كنوز مش كويسة خالص.
يجبره شعوره بالبهجة اللي غمرت قلبه إنه يبتسم غصب عنه، وأردف قائلًا:
_ ليه كنوز مش كويسة خالص؟
ترد وهي بتبكي، وبقت شهقاتها وأصوات بكائها مسموعة في كل القصر:
_ علشان كنوز وحشة، وبنت غبية ومش بتفهم حاجة.
يبتسم ابتسامة رقيقة، ويرد عليها باعتراض:
_ ومين قالك إن حبيبتي كنوز غبية ومش بتفهم؟ لو سمحتي، ما اسمحلكيش تغلطي في حبيبتي تاني.
تبتعد عنه كنوز قليلًا، فيحدق كل واحد منهما في عيني الآخر، وصراع مرعب داخل قلب كل واحد فيهم، ولا واحد فيهم قادر يسيطر على البركان اللي جواه.
كانت عيونهم بتحكي عن حجم الحب اللي جواهم لبعض، وكل واحد فيهم بيحترق في بركان من المشاعر اللي هاجمتهم من غير رحمة.
يغرق جاسر في بحر من العسل الصافي، بينما كنوز غرقت في فنجان من القهوة ذات المذاق اللذيذ، ولا يستفيق أيٌّ منهما من ذلك الشعور الرائع، إلا على صوت همسة وضحكة صغيرة بجوارهم، لم يشعروا بوجود صاحبها إلا بعد ما سمعوا صوته.
كانت لوجين الصغيرة واقفة على الدرج أمام جاسر وكنوز، وهي تضحك، بينما وضعت كفيها الصغيرين على فمها تكتم صوت ضحكتها الطفولية اللي بتدخل السرور إلى قلوب كل اللي حواليها.
وفي اللحظة دي، ينتبه جاسر وكنوز إلى مراد اللي واقف وهو حاطط إيده على عينيه زي الأطفال، وإلى أخوات كنوز، نادر وزياد، اللي حاطط إيده الشمال على عينه، وإيده اليمين على عين أخوه نادر.
يتمنى كلٌّ من كنوز وجاسر في اللحظة الملعونة دي لو الأرض تنشق وتبلعهم، فيبعدوا عن بعض بسرعة.. وأردف جاسر بصوت واطي، والبهجة غامرة قلبه، متعمدًا يثير خجل كنوز اللي زادها جمالًا:
_ ينفع كده؟ كسفتيني طيب كنتِ اصبري لحد ما نتجوز، وأنا هعلّمك إزاي تحضنيني صح، بدل ما بوّظتي القميص اللي أنا لسه مافرحتش بيه كدا.؟
