رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم ليلي طاهر


 رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثالث والعشرون 

انتهت لينا من حديثها، ليتنفس الصمت في الغرفة بثقل، بينما كانت دموعها قد جفت على وجنتيها، تاركةً حمرة الانكسار تحيط بعينيها.

ظلت سعاد مذهولة لثوانٍ، وملامحها تشربت الصدمة وهي تحاول استيعاب كم الوجع والظلم الذي عاشته هذه الفتاة الصغيرة. 
التعجب والذهول تملأ وجهها، وقالت بصوت يملؤه الاستغراب:

ـ لا إله إلا الله.. هو إيه اللي جرى في الدنيا وعمى قلوب الناس بالمنظر ده؟! ده أنا فهمت من كلامك عنه إنه راجل ذكي ومش سهل، ودكتور محترم في الجامعة، بيعلم أجيال وموزون.. إزاي واحد بعقله ومقامه ده يتضحك عليه بالسهولة دي؟! وإزاي بعد الحب ده كله ما يشغلش مخه، ويقلب في ثانية ويتحول لوحش يمد إيده عليكي ويهينك ويطردك في نص الليل؟! إزاي ده كله يطلع من دكتور في الجامعة؟!

هزت سعاد رأسها في حيرة، وضربت كفًا بكف وهي تتمتم:

ـ صحيح يا ولاد.. مش بالعلام! 😂

ثم عادت تنظر إلى لينا باستغراب، وقالت:

ـ بس أنا برضه عقلي مش قادر يصدق إنه يعمل كده من غير سبب.. يعني واحد متعلم وعاقل وبالمقام ده، لازم يكون فيه حاجة جامدة حصلت خلت الدنيا تتقلب بالشكل ده! أكيد فيه حاجة من ورا ظهرك خلت عينه تتعمى عن الحقيقة.. فيه ملعوب كبير اتطبخ بذكاء عشان يهد البيت ده على دماغكم أنتم الاتنين.

ثم تنهدت سعاد بحسرة، وأكملت تعجبها وهي تنظر إلى لينا بأسى:

ـ وحتى جدك؟! إزاي يطاوعه قلبه يتخلى عنك ويرميكي الرمية دي؟ تلات سنين بحالهم يقفل بابه في وش ضناه، ولا يفكر يسأل عنك ولو مرة واحدة؟! لا إله إلا الله.. القسوة دي كلها جات للناس منين؟

مدت سعاد يدها وأخذت لينا في حضنها مجددًا، ومسحت على رأسها بحنان أمومي وهي تحاول تهوين الأمر عليها، وقالت:

ـ بس على كل حال.. ده زعل بين اتنين متجوزين والوجع لسه طري، وبكرة الأمور تصفى وأكيد هيعرف غلطه ويصالحك.. مفيش متجوزين بيستغنوا عن بعض يا بنتي، وواضح من كلامك ودموعك إنك لسه بتحبيه وشاريه. خليكي يا حبيبتي منورانا في وسطنا لحد ما تهدي خالص ونفسيتك ترتاح، وإنتِ من النهاردة خلاص بقيتي بنتي وزي إيمان.. ومنين ما تحبي ترجعي أو تروحي في أي حتة تانية تريحك، إبراهيم بنفسه هياخدك ويوصلك لحد المكان اللي تحبي تروحي عليه معززة مكرمة.

وفجأة، انتفضت لينا وابتعدت عنها قليلًا، وصمتت لثوانٍ قبل أن تقول:

ـ لأ يا طنط سعاد، مستحيل! مستحيل أرجع له تاني بعد ما هانني وضربني وطلقني وطردني في نص الليل! أنا خلاص ما عدتش عايزة أرجع له، وصفحة عاصم دي نسيتها واتقفلت من حياتي وللأبد!

شهقت بالبكاء، وأكملت بحرقة وهي تضم يديها إلى صدرها، وتنظر لسعاد بعزم أخرجه الوجع:

ـ ومستحيل أرجع لجدي بعد اللي عمله فيا.. تلات سنين كاملين مفكرش يسأل عليا ولا مرة! قفل بابه في وشي وتبرأ مني لمجرد إني اخترت حياتي! أنا خلاص.. هعيش لابني وبس، هشتغل وأصرف عليه.. عاصم وجدي خلاص انتهوا من حياتي!

امتلأت عينا لينا بالخجل وهي تنظر حولها في الشقة البسيطة، وقالت بهدوء وتردد:

ـ أنا بس يا طنط سعاد مش عايزة أضايقكم ولا أكون حمل تقيل عليكم.. ادوني يومين بس أرتب فيهم نفسي وأقف على رجلي، وأأجر شقة صغيرة على قدي أقعد فيها، وأهو أكون قريبة منكم برضه.

تغيرت ملامح سعاد فورًا، وظهر الزعل الحقيقي على وجهها، وسحبت يدها قائلة:

ـ خص عليكِ يا لينا! بقى ده كلام تقوليه ليا برضه؟ تضايقينا إيه وحمل تقيل إيه يا بنتي! زعلتيني منك والنعمة.. أنا لما قلت لكِ ترجعي لزوجك قلت كده عشان مصلحتك، لكن تروحي تأجري شقة وتقعدي لوحدك؟ لأ ومستحيل! إنتِ من النهاردة خلاص بقيتي بنتي وزي إيمان، واللقمة اللي هناكلها هنقسمها سوا بالرضا.. تفضلي قاعدة معانا وفي وسطنا، ومفيش خروج من بيتنا، البنت مننا ملهاش غير بيت يحميها وناس تشيلها، وإحنا مش هنسيبك تقعدي لوحدك أبدًا!

اقتربت سعاد منها أكثر، وأمسكت وجه لينا بين كفيها الدافئين، وقالت:

ـ ومن هنا ورايح.. مش عايزة أسمع كلمة «طنط سعاد» دي تاني على لسانك.. من النهاردة تقوليلي ماما، سامعة؟

وقعت الكلمة على مسامع لينا كالصاعقة، وتسمرت في مكانها، والأنفاس تكاد تهرب من صدرها.

«ماما»...

الكلمة التي هزت كيانها بالكامل، وكان لها أثر يزلزل روحها؛ لأنها لم تنطقها في حياتها قط.

ورغم أن جدها وجدتها أغدقا عليها من الحب والدلال ما يغطي عين الشمس، وعاشت في قصرهما كالأميرات، تسبح في حنان أجدادها الذين رأوا فيها رائحة ابنتهم الراحلة، إلا أن لسانها لم يعتد مخارج هذه الحروف، وظلت غريزة الاحتياج إلى حضن الأم فجوة فارغة ومظلمة في روحها، لم يسدها أي دلال في الدنيا.

شعرت برعشة تسري في جسدها، وتملكتها غصة بكاء مكتومة، كأن كل سنوات حرمانها من أمها تجمعت في هذه اللحظة لتنفجر دفعة واحدة أمام حنان هذه الست البسيطة.

لم تحتمل لينا قوة الكلمة وعمق الأمومة في عيني سعاد، فارتمت في أحضانها بقوة، وهي تبكي بشهقات متتالية وعالية، وكأنها طفلة صغيرة وجدت أمها الضائعة بعد سنوات من التيه.

دثرتها سعاد في صدرها، وهي تبكي معها وتمسح على ظهرها بحنان أمومي خالص.

وبينما كانت لينا تختبئ في حضنها، رفعت رأسها قليلًا، وتحركت شفتاها المرتعشتان بصعوبة، وكأنها تختبر الكلمة للمرة الأولى:

ـ ماما...

ارتجف صوتها مع الكلمة، وانهمرت دموعها من جديد، بينما شدتها سعاد إلى صدرها أكثر، دون أن تحتاج أيٌّ منهما إلى قول شيء.

وقبل أن تنطق لينا بكلمة تشكرها بها، رنّ في الصالة فجأة صوت إبراهيم وهو ينادي بنبرة عالية يملؤها الفرح والحماس:

ـ سعاد! إيمان! إنتوا فين؟ تعالوا بسرعة هنا!

تبادلت سعاد ولينا نظرات مستغربة، ثم خرجت سعاد سريعًا من الغرفة، تتبعها إيمان، لتجدا إبراهيم واقفًا في وسط الصالة، والابتسامة تشق وجهه، والأنفاس تلاحقه من شدة الفرحة.

نظرت إليه سعاد بقلق:

ـ خير يا إبراهيم؟ رجعت بدري ليه؟ حصل حاجة في الشغل؟

لوّح إبراهيم بيده بحماس وقال:

ـ حصل كل خير يا سعاد! ده فرج ربنا اللي نزل علينا من السما.. فاكرة من حوالي أسبوعين لما واحد صاحبي قالي إن صاحب الشركة الكبيرة اللي شغال فيها فتح فرع جديد في إسكندرية ومحتاج سواقين نقل هناك؟ أنا قدمت وقتها، والنهارده جالي الخبر إنهم قبلوني!

اتسعت عينا سعاد بدهشة، لكن إبراهيم لم يعطها فرصة للمقاطعة، وأكمل بفرحة عارمة:

ـ والمفاجأة الكبيرة بقى إن كل السواقين اللي هيسافروا هيستلموا شقة متجهزة عَ السنجة عشر وتبع الشغل هناك! الشقة مش ناقصة كبريتة، وواسعة وحلوة وتشرح القلب.. يلا بقى يا سعاد، بسرعة لمي الهدوم والحاجات الضرورية بس، الشقة هناك فيها كل حاجة، وإحنا هنقفل شقتنا دي باللي فيها. ومفيش وقت نضيعه، العربية اللي هتوصلنا مستنيانا تحت وهتتحرك كمان ساعة!

تهللت أسارير إيمان بحماس وقالت:

ـ حاضر يا بابا! أنا هجهز شنطتي حالًا!

أما سعاد، فرفعت يديها للسماء وهي تضحك:

ـ يا رب لك الحمد! أخيرًا هنغور من الحارة دي ومن وش أم عبده الحرباية اللي فوقينا أم عين مدورة!

ثم التفتت إلى لينا الواقفة بملامحها الشاحبة، فتهللت أسارير سعاد وذهبت إليها وأمسكت بيديها قائلة بحنان مبهج:

ـ وشك حلو علينا يا لولو يا حبيبتي! من أول يوم دخلتي فيه بيتنا والخير والفرج هلّوا معاكي!

رغم حزنها الدفين، فرحت لينا لأجلهم من كل قلبها، فابتسمت بخفة ورقة وقالت:

ـ ألف مبروك يا ماما سعاد... ربنا يفرحكم.

التفتت سعاد إلى إيمان وصفقت بيديها:

ـ بت يا إيمان! روحي فزي هاتي الشنط الكبيرة، وافتحي الدولاب.. لمي كل عباياتي الصيفي الخفيفة وعبايات الاستقبال الشيفون اللي بنور بيها.. ولمي حاجاتك.

ثم توقفت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا مهمًا:

ـ واستني! أكياس المانجا المتفرزة في الفريزر.. هاتيها كلها! خسارة تسيح لو النور قطع.

ضحكت إيمان وهي تهز رأسها:

ـ حاضر يا ماما.

وفجأة شهقت سعاد، وضربت كفًا على جبينها:

ـ يا لهوي! الكيكة والبسبوسة!

نظر إليها إبراهيم باستغراب:

ـ مالهم؟

ـ كنت هنساهم!

ضحك إبراهيم وهو يهز رأسه:

ـ يا سعاد إحنا رايحين إسكندرية، يعني مش رايحين صحرا عشان تاخدي معاكي الصواني دي كلها!

ردت عليه وهي تتجه ناحية المطبخ:

ـ وإيه يعني؟ ما إحنا هنحتاج ناكل في الطريق! ولا عايز تشتري أكل جاهز منعرفش أصله ولا فصله؟ وكمان عشان نتسلى في السكة ونقزقز فيهم طول ما إحنا ماشيين!

عادت سعاد بعدها إلى تجهيز الأغراض، واتجهت ناحية المطبخ وهي تفتح الخزائن واحدة تلو الأخرى، ثم قالت وهي تعدّد ما ستأخذه:

ـ آخد السمنة البلدي... ومخلل الفلفل والخيار.

ثم نادت على إيمان:

ـ يا إيمان! يا بنتي تعالي بسرعة، هاتيلي المخلل اللي في الرف اللي فوق، وهاتي السمنة البلدي من التلاجة.

ـ حاضر يا ماما.

أسرعت إيمان إلى المطبخ، بينما نظر إبراهيم إلى سعاد باستغراب وضحك:

ـ يا سعاد، مش قولنا ناخد الحاجات الضرورية بس؟!

ردت عليه سعاد بكل جدية:

ـ وهو في حاجة ضرورية أكتر من السمنة البلدي ومخلل الفلفل اللي أنا عاملاه؟!

ضحك إبراهيم وقال:

ـ السمنة البلدي ماشي... بس المخلل مال السوق، نشتريه هناك وخلاص.

رفعت سعاد حاجبها وكأنها سمعت شيئًا لا يُصدَّق:

ـ نشتريه؟! هو مخلل السوق هيبقى زي مخلل إيدي؟! ده مخلل سعاد يا إبراهيم!

انفجرت إيمان بالضحك، بينما هز إبراهيم رأسه مستسلمًا:

ـ خلاص يا سعاد... خدي مخللك معاكي.

ابتسمت سعاد بانتصار وهي تضع البرطمانات في الحقيبة:

ـ أهو كده الكلام!

وبينما كانت سعاد تواصل تجهيز الأغراض، توقفت فجأة وكأن شيئًا مهمًا قفز إلى ذاكرتها.

ضربت كفًا بكف وقالت:

ـ يا نهار أبيض... لينا!

نظر إليها إبراهيم باستغراب:

ـ لينا؟!

أومأت سعاد بسرعة:

ـ أيوه، البنت اللي إنت لقيتها وجبتها عندنا.

ظل إبراهيم ينظر إليها لحظة، ثم قال:

ـ إنتِ عرفتي اسمها؟

ـ أيوه، النهارده عرفت اسمها وحكايتها كلها... اسمها لينا، وطلعت حامل، وكمان من شوية تعبت ووجبنا دكتور صلاح ابن أخوك وكشف عليها.

اتسعت عينا إبراهيم بدهشة:

ـ حامل؟!

ـ أيوه، وهحكيلك كل حاجة بعدين، بس دلوقتي لازم نعرف من صلاح ينفع تسافر معانا ولا لأ.

هز إبراهيم رأسه:

ـ طب خلاص، هكلمه ونشوف رأيه.

وفي تلك الأثناء، أخرج إبراهيم هاتفه ليتصل بالدكتور صلاح، بينما عادت إيمان لترتيب بعض الأغراض، واستمرت سعاد في تجهيز الحقائب على عجل استعدادًا للسفر.

توقف عاصم عن الصراخ، وكأن حباله الصوتية قد قُطعت فجأة.

تبدلت ملامحه تمامًا؛ وساد المكتب صمت غريب، وانطفأت النظرة في عينيه وهو يحدق في الفراغ أمامه بجسد متصلب كأنه تمثال من ثلج.

لم يعد يبكي، ولم يعد يثور، بل أصبح مغيبًا تمامًا عن الواقع، في حالة ذهول ولا وعي كاملين.

شعر رئيس النيابة بالشفقة على حاله، فمد يده وضغط على زر الاستدعاء، ودخل العسكري فورًا.

رئيس النيابة:
ـ يا ابني، خلي السكرتارية يعملوا كوباية ليمون للدكتور عاصم حالًا يجيبوها له هنا.

دقائق وجاء العامل بكوب الليمون ووضعه أمام عاصم.

ربت سليم على كتف صديقه بحزن:

ـ عاصم... اشرب يا صاحبي، اشرب عشان تقدر تقف على رجليك.

لكن عاصم لم يحرك ساكنًا، ظل باصص للفراغ، وعيناه الزائغتان لا ترمشان، ولم يلتفت لكوب الليمون الذي بدأ يبرد أمامه، وكأنه في عالم آخر.

استغل المحامي هذا الصمت المطبق وحالة الذهول، فتقدم خطوة نحو مكتب رئيس النيابة، وتحدث بنبرة مهنية هادئة ممزوجة بالرجاء القانوني:

ـ سيادة المستشار... زي ما سيادتك شايف، موكلي بيمر بحالة من اللاوعي والصدمة النفسية الحادة جراء الشكوك دي... حالته الراهنة مش هتسمح له إطلاقًا إنه يستوعب أي سؤال.
بناءً على كده، أنا بطلب من عدالة النيابة إرجاء وتأجيل أي استجواب رسمي لغد، على أن يُخلى سبيل المتهم بكفالة مالية تضمن حضوره في الميعاد اللي تحدده النيابة.

في تلك اللحظة، التفت سليم إلى صديقه أدهم الأنصاري، رئيس النيابة، ونظر إليه بعينين يملؤهما الرجاء، وقال بصوت خفيض وعاطفي:

ـ أرجوك يا أدهم... اعتبره رجاء شخصي من صاحبك. سيبه يروح معايا الليلة دي بس عشان يقدر يستوعب الصدمة، وبكرة الصبح أول ما تفتح مكتبك هتلاقيني جايبه وماثل قدامك للتحقيق.

تنهد أدهم بعمق، زافرًا بضيق ينم عن رأفته بحال عاصم، لكن معالم وجهه سرعان ما عادت للجمود الرسمي الصارم، ورد بحسم قاطع:

ـ أنا مقدر حالته الإنسانية والنفسية كويس، وعشان كده أنا فعلًا هأجل استجوابه لبكرة الصبح، ومش هضغط عليه في الكلام الليلة دي... لكن مسألة الخروج بكفالة أو إخلاء السبيل ده أمر مرفوض تمامًا وغير وارد في الظروف دي.

نظر أدهم إلى المحامي وسليم بجدية تامة، وتابع:

ـ يا سليم... ويا أستاذ... القضية خلاص ما بقتش مجرد بلاغ اختفاء أو خلاف زوجي نقدر نتغاضى عنه... القضية دلوقتي فيها اشتباه في جريمة قتل، والتحقيقات لازم تستمر عشان نعرف الحقيقة كاملة. عاصم هيبات الليلة في الحجز، وبكرة التحقيق هيبدأ.

التفت أدهم إلى كاتب التحقيق، وبدأ يملي القرار الرسمي بصوت جهوري:

ـ أثبت يا ابني عندك في المحضر:

رفع الكاتب قلمه وبدأ في تدوين القرار.

ـ نظرًا للحالة النفسية الظاهرة على المتهم عاصم الرشيد، وعجزه عن النطق أو استيعاب مجريات التحقيق إثر الصدمة التي تعرض لها؛ قررنا نحن رئيس النيابة الآتي:

ـ يؤجل استجواب المتهم عاصم الرشيد إلى جلسة تحقيق باكر صباحًا، مراعاة لحالته النفسية، لحين استعادة توازنه وقدرته على الإدلاء بأقواله.

ـ يُحبس المتهم عاصم الرشيد أربعة أيام على ذمة التحقيق، ويُراعى التجديد له في الميعاد القانوني.

ـ يُودع المتهم حجز القسم مع توفير الرعاية الطبية اللازمة له إذا تطلبت حالته ذلك، ويُعرض علينا باكر في تمام الساعة التاسعة صباحًا بصحبة الحراسة اللازمة لاستكمال التحقيقات.

ثم التفت أدهم إلى سليم والمحامي وقال بنبرة أهدأ:

ـ اتفضلوا ارتاحوا في الاستراحة الملحقة برة برفق العسكري، لحد ما السكرتارية تخلص الدورة المستندية وجواب الانتقال لحجز القسم وتوقيع الأوراق.

---

خرجوا إلى الممر الطويل، وجلس عاصم على أحد المقاعد الخشبية تحت حراسة العسكري الملازم له، وأخذ العامل كوب الليمون الذي لم يُمس ونقله معهم ليضعه بجانبه بالخارج.

عاصم لم يلتفت إلى الليمون.

كان جسده يرتعش بصمت، وهو يحدق في نقطة وهمية على الأرض الرخامية.

كان سليم يقف في مواجهته، يمسح وجهه بقلة حيلة والدموع حائرة في عينيه، بينما كان المحامي يجري بعض المكالمات الهاتفية السريعة.

مرت نحو ساعة، والتوتر يأكل رداء الصمت الخانق، حتى انفتح باب مكتب رئيس النيابة فجأة.

خرج كاتب التحقيق مسرعًا، وعلامات الذهول والصدمة تكسو وجهه بالكامل، ويحمل في يده أوراق المحضر المفتوح.

اتجه بخطوات واسعة نحو سليم والمحامي.

قال كاتب التحقيق بصوت خفيض ونبرة حزينة:

ـ البقاء لله يا سليم بيه... وحدوا الله.

تسمر سليم في مكانه، وشعر بغصة في حلقه:

ـ في إيه؟ التليفون جه من المشرحة؟

أومأ كاتب التحقيق برأسه بأسى، ونظر إلى عاصم الشارد، ثم تابع:

ـ أيوه... أدهم بيه لسه قافل حالًا مع قوة تأمين المشرحة ومعاون المباحث... الدكتور بهاء الدين المصري وصل وعاين الجثة بنفسه... وتعرف على السيدة لينا بشكل قاطع وأكد إنها هي.

والجد قدم طلب مستعجل وممضي منه لسرعة الإجراءات والدفن، لأن إكرام الميت دفنه، ومش عايز الجثمان يتبهدل أكتر من كده في المشرحة بعد يومين في المية.

رغم أن عاصم كان يبدو منفصلًا عن العالم، إلا أن اسم لينا ومفردات المشرحة والدفن اخترقت جدار صمته كأنها خناجر.

اتسعت عيناه فجأة بشكل مرعب.

التفت نحو كاتب التحقيق، وتصلب جسده دون أن تنطق شفتاه بكلمة.

لكن ملامحه انطبع عليها رعب خالص، وكأنه يرى طيف الموت أمام عينيه.

تابع كاتب التحقيق وهو يوجه كلامه للمحامي:

ـ أدهم بيه ألحق القرار السابق حالًا وجدد الوصف... القضية دخلت رسميًا في شبهة جريمة قتل، والتحقيق بقى في اتجاه مختلف تمامًا. وجواب النقل لحجز القسم بيتمضي حالًا عشان يتنقل تحت الحراسة.

سقطت الكلمات كالصاعقة.

انهار سليم باكيًا وهو يستند إلى الجدار، غير مصدق أن لينا رحلت حقًا، وأن صديق عمره أصبح في موقف جنائي خطير بسبب وفاتها المزعومة.

تحرك العسكري فورًا وضغط على ذراع عاصم ليقوم:

ـ اتفضل معايا يا دكتور... الجواب طلع.

قام عاصم مستسلمًا تمامًا، يجر قدميه ببطء شديد، وعيناه شاردتان في الفراغ، تاركًا خلفه كوب الليمون الذي لم يلمسه، ليُقاد إلى ظلمات الحجز وسط ممر النيابة البارد.

كان لا يعرف كيف سيواجه صباح الغد...

ولا كيف سيعيش ليلة كاملة وهو يعتقد أن لينا ماتت.
كانت خيوط المساء الأولى قد بدأت بالهبوط، فالدنيا لم تظلم بعد بالكامل، والضوء الباهت يملأ الأفق، بعد يوم طويل وحافل بالأحداث بدأ منذ الصباح الباكر.

في هذه الأجواء، خرج الجد من بوابة المشرحة الرمادية الباردة، يجر قدميه بثقل، والوجوم يكسو ملامحه.

بمجرد أن لمحه السائق من بعيد، أسرع بخطواته نحوه وفتح الباب الخلفي للسيارة بهيبة واحترام، لكن الجد وقف مكانه ولم يركب، بل رفع يده للسائق كي يتريث لثوانٍ.

أخرج هاتفه بأصابع مرتعشة وضغط على شاشته، ثم ثبته على أذنه، بينما كان ينظر للأرض ويدق عليها بطرف حذائه في توتر.

لم تمر سوى ثانية واحدة حتى أتاه صوت ممدوح ملهوفًا يخترق صمت المكان:

ـ أيوه يا جدي! حضرتك فين؟ قلقتنا عليك.. خرجت من غير ما تقول لحد وتليفونك كان مقفول! طمني عليك، حضرتك كويس؟

أغلق الجد عينيه بشدة، وضغط بأصابعه على جسر أنفه، ثم قال مباشرة:

ـ ممدوح.. اسمعني كويس. اجمع العيلة كلها عندك في الصالون لحد ما أوصل.

وقبل أن يجد ممدوح فرصة للكلام، تابع الجد بسرعة:

ـ وما تبلغش أبوك.. سيبه في سفره، هو هيرجع بعد أسبوعين ومتقلقهوش.. مسافة الطريق وأكون عندكوا.

ثم أنهى المكالمة فورًا، وأبعد الهاتف عن أذنه دون أن ينتظر ردًا أو تعقيبًا من ممدوح.

التفت الجد بوجهه الشاحب نحو السائق الذي كان لا يزال واقفًا يمسك بباب السيارة باحترام وإنصات، وأومأ له برأسه قائلًا بصوت خافت:

ـ على القصر يا بني.

السائق:
ـ حاضر يا دكتور.

انحنى الجد وركب في المقعد الخلفي، ليغلق السائق الباب ببطء وينطلق بالسيارة في طريقها.

أدار الجد وجهه بالكامل نحو النافذة الزجاجية الداكنة، يراقب الأشجار والبيوت التي تمر مسرعة في الغسق.

رفع كفه المرتعشة ووضعها فوق موضع قلبه، وفي تلك اللحظة فرت دمعة حارة من عينه، مسحها بظهر يده بسرعة، وهو يتمتم محركًا شفتيه بصوت كاد لا يُسمع:

ـ يا ريت تسامحوني في الوجع اللي هسببه ليكم... بس مفيش قدامي حل غير كده.

ظل صامتًا طوال الطريق، وعيناه معلقتان بالفراغ خلف زجاج السيارة.

لكن خلف هذا الصمت كان عقله يعمل بلا توقف.

هو وحده يعرف الحقيقة.

الجثمان الذي رآه في المشرحة لم يكن لينا.

عرف ذلك منذ اللحظة التي وقف أمامه، ولم يكن هناك مجال للشك بالنسبة له.

لكن الحقيقة لو خرجت الآن، كل شيء سينهار قبل أن يبدأ.

عاصم يجب أن يعتقد أن لينا ماتت.

والعيلة يجب أن تعتقد الشيء نفسه.

أما هو... فسيبحث وحده عن الحقيقة.

من الذي  يخدعهم بموت لينا؟

ومن أين جاء ذلك الجثمان؟

ومن الذي يقف خلف كل هذه اللعبة؟

كان عليه أن يصل إلى الإجابة بنفسه، وأن يعرف من يحاول طمس حقيقة اختفاء لينا بهذه الطريقة.

وفي الوقت نفسه، كان هناك حساب آخر لم ينتهِ بعد.

حساب عاصم.

أغمض الجد عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء وهو ينظر إلى الطريق أمامه.

ـ سامحيني يا لينا...

قالها بصوت خافت، ثم سكت.

السيارة تكمل طريقها نحو القصر، بينما كان القرار قد حُسم داخله.

سيترك الجميع يصدقون أن لينا ماتت...

إلى أن يعرف من أراد أن يجعل موتها حقيقة.

---

على الجانب الآخر، ومع بداية دخول المساء بعد ذلك اليوم الطويل الذي عاشوه في رعب منذ الصباح، حوّلت ساعة كاملة من الانتظار صالون القصر إلى زنزانة مشدودة الأعصاب، تظهر في تصرفات كل الموجودين.

كانت الجدة تجلس على طرف مقعدها المخملي، وقبضتها المرتعشة تشد بثقل على مقبض عصاها الآبنوسية، بينما يطرق طرف العصا على الأرض ضربات متتالية سريعة لا تتوقف.

أما ممدوح فكان يخطو خطوات واسعة ومضطربة يقطع بها الصالون جيئة وذهابًا، يمسح بكفه الخشن عرق جبينه الممتد حتى عنقه، وعيناه مسمرتان على شاشة الهاتف.

وبجانبه تجلس زوجته ياسمين، تعقد حاجبيها بقلق وتمد يدها من وقت لآخر لتمسك بطرف جاكيته محاولة لجم حركته المتوترة.

في الركن المقابل، كانت تجلس نهلة وابنتها فريدة.

نهلة تتكئ بمرفقها على مسند المقعد وتتأفف بصوت مسموع وهي تقلب وجهها بزهق وتنظر لساعتها كل دقيقة، بينما فريدة تلوح بهاتفها في الهواء بملامح ممتعضة وتلوي بوزها بضيق.

نهلة وهي تنفخ بزهق وتضرب قدمها بالأرض:

ـ وبعدين بقى في حرقة الدم والتعطيلة دي؟ بقالنا ساعة كاملة محبوسين هنا! ما تنطق يا ممدوح وتخلصنا! مستحيل نصدق إنك مش عارف جدك جمعنا كلنا كده ليه.. أنت دايمًا كاتم أسراره! أنا أصلًا من ساعتها عندي ميعاد مهم في الكوافير وسايباه وقاعدة!

فريدة وهي تتحرك في مقعدها بعدم صبر:

ـ فعلًا يا ممدوح، مش لايقة عليك خالص دور مش عارف حاجة ده.. جدو مبيتحركش خطوة من غير ما يبلغك، قولي بقى في إيه! أنا المفروض رايحة عيد ميلاد صاحبتي والناس مستنياني هناك، والوقت بيضيع في مفيش بسبب الانتظار ده!

التفتت الجدة برأسها نحو فريدة وأمها، ورمقتهما بنظرة حادة، ثم رفعت عصاها وضربت بها الأرض ضربة قوية دوت في أرجاء الصالون.

سكتت الاثنتان فورًا.

أشاحت الجدة بوجهها عنهما، والتفتت بكليتها نحو ممدوح، وامتدت يدها المرتعشة لتمسك بذراعه.

بدأت عيناها تترقرقان بالدموع.

ـ ريحني يا حبيبي.. ريح قلبي وقولي في إيه؟ أنت عارف إنهم مش فارق معاهم وموراهمش غير التفاهة، بس أنا قلبي قايد نار من ساعة ما كلمته.. قولي جدك مخبي إيه؟

توقف ممدوح فجأة، ومسح وجهه بكلتا يديه بعنف، ثم انفجر بنفاذ صبر:

ـ يا جماعة ارحموني! بقالنا ساعة على الحال ده وقسمًا بالله ما أعرف حاجة.. أنا زيي زيكم مش عارف! جدي كلمني أول ما خرج وقالي اجمع الكل ولما آجي هتعرفوا وقفل السكة.. هكدب عليكم ليه في وقت زي ده؟!

ربتت ياسمين على ظهره محاولة تهدئته:

ـ اهدى يا ممدوح.. ووحدوا الله يا جماعة، إن شاء الله جدو يوصل بالسلامة ويفهمنا في إيه.

فجأة، ومع زيادة عتمة السماء خارجًا، اخترقت أضواء كشافات سيارة الجد زجاج الصالون، فأضاءت الجدران للحظات، وتلاها صوت احتكاك الإطارات وهي تتوقف بالخارج.

تجمد ممدوح في مكانه.

وانقطعت أنفاس نهلة وفريدة.

وشدت الجدة بكل قوتها على عصاها، وتحاملت لتقف.

ثوانٍ مرت كأنها دهر.

ثم...

تحرك مقبض الباب.

انفتح باب الصالون ببطء.

وظهر الجد ببدلته الرسمية الأنيقة التي بدا عليها التجعد، وجسده المنحني وعينيه الحمراوين.

دخل يجر قدميه، ولم ينظر في عيني أحد، بل اتجه مباشرة نحو المقعد المقابل للجدة وانهار فوقه، ساندًا كفّيه المرتعشتين على ركبتيه وهو يطالع الأرض بشرود.

تراجع ممدوح خطوة للخلف وظهره مفرود بتوجس، بينما تقدمت ياسمين خطوة وضمت كفيها إلى صدرها، واعتدلت نهلة وفريدة في جلستهما بشغف مفاجئ.

أما الجدة فظلت واقفة، ممسكة بعصاها، وعيناها معلقتان بوجه الجد.

اقترب ممدوح منه بسرعة:

ـ في إيه يا جدي؟ أعصابنا باظت من الانتظار والقلق بقالنا ساعة.. حضرتك كنت فين؟

رفع الجد رأسه ببطء، ونظر في فراغ الصالون، ثم خرج صوته متحشرجًا كالخشخشة:

ـ كنت في المشرحة...

عند هذه الكلمة، أفلتت الجدة عصاها لتسقط على الأرض محدثة رنينًا حادًا، ووضعت كفها على صدرها، وهي تحدق في وجه الجد.

ممدوح:

ـ مشرحة؟! مشرحة ليه يا جدي؟ مين اللي هناك؟!

وضعت ياسمين يدها فوق فمها لتكتم أنفاسها المتسارعة، بينما تبادلت نهلة وفريدة نظرة سريعة وخاطفة، وانكمشت ملامح الملل من وجهيهما لتحل محلها نظرات متوجسة متطلعة.

رفع الجد كفه المرتعش في الهواء ليوقف سيل الأسئلة، وبلع ريقه بصعوبة وهو يضغط بأصابعه على بنطال بدلته حتى ابيضت مفاصله.

ـ النيابة كلمتني.. وطلبت مني أروح هناك عشان أتعرف على جثة...

أغمض عينيه بشدة، ففرت دمعة حارة حفرت طريقها على تجاعيد وجهه الشاحب، ثم نطق بالكلمة:

ـ ... جثة لينا!

هزت الجدة رأسها بعنف، وكأنها ترفض أن تستوعب ما سمعته، ثم صرخت بأعلى صوتها:
ـ لأااااا! لينا لأ! حبيبتي لينا لأ!

وانفجرت في البكاء، وهي تضرب على صدرها بيد مرتعشة:

ـ دي حبيبتي... دي حبيبتي! مستحيل تكون ماتت... مستحيل!

اقتربت منها ياسمين بسرعة، وحاولت احتضانها وتهدئتها:

ـ يا تيتا... اهدي، والنبي اهدي!

لكن الجدة لم تستطع التوقف عن البكاء، وظلت تردد وسط شهقاتها:

ـ لينا... يا حبيبتي... يا ضنايا...

ثم فجأة ارتخت أصابعها، وترنح جسدها، قبل أن تميل إلى الخلف وتفقد وعيها.

ـ تيتاااا!

صرخت ياسمين، بينما اندفع ممدوح نحوها وأمسك بها قبل أن تسقط.

التفت ممدوح بسرعة إلى فريدة:

ـ اتصلي بدكتور فخري بسرعة!

وفي اللحظة نفسها، حمل جدته بين ذراعيه، واتجه بها فورًا نحو غرفة الضيوف الملاصقة للصالون.

أسرعت ياسمين وفتحت له الباب، فدخل ممدوح ووضع جدته برفق فوق السرير.

أما فريدة، فأخرجت هاتفها واتصلت بدكتور فخري.

وبعد لحظات، أغلقت الهاتف وقالت:

ـ الدكتور جاي حالًا.

دخل الجد خلف ممدوح مباشرة، ووقف بجوار السرير، وعيناه لا تفارقان وجه زوجته الشاحب.

مد يده وأمسك كفها بين أصابعه، وظل واقفًا بجوارها.

كان قلبه يعتصره القلق.

هو الذي أخبرها بالكذبة...

وهو الذي رأى بنفسه كيف تحطم قلبها عندما صدقت أن لينا ماتت.

ضغط على يدها برفق، وأخفض عينيه.

ـ سامحيني يا حبيبتي...

قالها في داخله.

لم يكن يريد أن يكذب عليها، لكن لم يكن أمامه حل آخر.

كان عليه أن يعرف أين لينا، ومن الذي يقف خلف اختفائها.

ولو كشف الحقيقة الآن، لضاعت فرصته الوحيدة في الوصول إليها.

مرت الدقائق ثقيلة...

ممدوح واقف بجوار السرير، وياسمين تمسح على جبين الجدة، وفريدة تنتظر وصول الطبيب، بينما ظل الجد ممسكًا بيد زوجته لا يتركها.

وبعد نحو ربع ساعة، وصل دكتور فخري إلى القصر، ودخل غرفة الضيوف مسرعًا.

ـ وسعوا كده يا جماعة... خلوني أشوفها.

ابتعد الجميع، وانحنى الطبيب لفحص الجدة.

تحسس نبضها، وقاس ضغطها، وفحص تنفسها، ثم ظل يتابع حالتها للحظات.

رفع رأسه أخيرًا وقال:

ـ متخافوش... هي أغمي عليها من شدة الصدمة والانفعال، والضغط نزل عليها فجأة. حالتها مستقرة، بس محتاجة راحة وممنوع أي انفعال عليها دلوقتي.

سأل ممدوح بسرعة:

ـ يعني هي كويسة يا دكتور؟

ـ الحمد لله، مفيش خطر عليها. بس لازم ترتاح، وأول ما تفوق محدش يفتح معاها أي كلام يزعلها أو يخليها تنفعل.

أومأ ممدوح:

ـ حاضر يا دكتور.

ظل الجد ينظر إلى زوجته للحظات، ثم اقترب منها وضغط على يدها مرة أخرى.

ـ ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي.

ثم ابتعد عن السرير وخرج من الغرفة.

بعد أن أعطى دكتور فخري تعليماته لممدوح، غادر القصر.

بقي ممدوح وياسمين وفريدة بجوار الجدة، بينما خرج الجد إلى غرفته.

دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، لكنه لم يستطع البقاء في الداخل.

اتجه إلى الشرفة، وفتح بابها، ثم خرج إلى الهواء الطلق.

وقف أمام السور، ووضع يديه عليه، وأخذ نفسًا عميقًا.

أغمض عينيه للحظات.

كل ما حدث منذ الصباح مر أمام عينيه من جديد...

لينا...

الجثمان...

صرخة زوجته...

والكذبة التي اضطر إلى قولها أمام الجميع.

فتح عينيه ببطء، وظل يحدق في الظلام أمامه.

ـ سامحيني يا حبيبتي...

تمتم بها، ثم سكت.

لم يكن يريد أن يكذب عليها.

لكنه لم يكن يملك رفاهية قول الحقيقة.

كان عليه أن يعرف أين لينا، ومن الذي يقف خلف اختفائها، حتى لو اضطر أن يحمل هذا الذنب وحده.

وفجأة...

اهتز الهاتف داخل جيبه.

انتفض الجد قليلًا، وأخرج الهاتف بسرعة.

رقم مجهول.

ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم ضغط زر الإجابة.

ـ ألو؟

لم يأتِه رد للحظات.

ثم انساب صوت غريب من الطرف الآخر، باردًا ومتهكمًا:

ـ برافو يا جدو...

تصلبت ملامح الجد.

ـ مين؟

ضحكة خافتة تسللت من الطرف الآخر.

ـ اللي عملته النهارده باعترافك إن الجثة للينا... وفر عليا خطط كتير.

تجمد الجد في مكانه، وشدت أصابعه على الهاتف.

ثم قال بحدة:

ـ إنت مين؟!
-----


تعليقات