رواية قلبي لم يكن لي الفصل الثالث والعشرون بقلم منه الوكيل
اتصدم الكل وجمدوا في مكانهم برعب وذهول لما شافوا واقف على الباب.. عيونه حمرا زي الد..م، وصوته بيهد الجبال اتصدم الكل وجمدوا في مكانهم برعب وذهول لما شافوا العمدة واقف على باب الأوضة.. كان بيبص لهم بنظرات نا..ر وعيونه بتقدح شرار، وصوته الجهوري هز البيت من أساسه وهو بيزعق: اقف مكااانك يا ابن الكـ..لب.. ونزل سلا..حك!
الراجل اللي كان بيولد حور اترمي على الأرض من الخوف، وقال بصوت متهدج: يا عمدة.. والله ما بإيدي! غصبوني.. أنا راجل غلبان وبولد ستات في بيوتهم، مش دكتور جراحة! دول أجبروني بالسلا..ح!
سراج بص لأخوه العمدة بصدمة وقال: إيه اللي جابك هِني يا خوي؟! ومين اللي دلك على المكان ده؟!
رد العمدة بصوت حازم: مافيش حاجة تستخبى عني واصل.. فاكرين إنكم هتلعبوا في البلد وتعملوا عمايلكم من ورا ضهري وتعدي؟! ده إنتوا بتلعبوا في عداد أعماركم!
ضاحي اتكلم بخوف ورعشة: والله يا أخوي.. أنا قولتله بلاش تعمل كدة.. البنت ملهاش ذنب، قولتله خليك في جوزها بعيد عن دي..
قاطعه العمدة بغضب: حتى كمان عندكم بديل إنكم تقـ..تلوا الراجل الغلبان ده مفيش فايده فيكو؟!
سراج زعق في ضاحي بحدة: إنت كداب يا وا..طي! ده إنت اللي كنت مخطط معايا على كل حاجة.. عايز ترمي الحمل عليا دلوك عشان خفت؟! خيبة تخيبك!
في اللحظة دي، سمعوا صوت حور بيتوجع بضعف، الراجل بص للعمدة وقال بلهفة: البنت بتنز..ف يا عمدة.. بتمو..ت في إيدي، لازم تروح المستشفى فوراً!"
رد سراج بجمود وجبروت:محدش هياخد البت دي.. ورجليها ما تعتبش برة البيت ده إلا لما أشوف جوزها جاب الواد!
العمدة زعق فيه: إنت بجح ووصل بيك الجبروت لكدة؟!
الراجل بسرعة دخل عند حور، قرب منها بهدوء وقال: خليكي معايا.. هتبقي كويسة، استحملي.
حور بدموع وصوت واطي: مش قادرة.. بنتي بتروح مني..
الراجل صعبت عليه، طلع تليفونه في غفلة من سراج وقالها بسرعة: قوليلي رقم جوزك! .. حور قالت الرقم، والراجل بعت الموقع لأدهم.
سراج لمح الراجل وهو بيبعت، جرى عليه وضر.ب رصا..صة في رجله وهو بيزعق: دي عشان الخيا..نة!.. وضر..ب التانية وقال: ودي عشان تفكر تفتح خشمك في حاجة ما تخصكش!
الراجل وقع من الوجع، والعمدة دخل وصدمته كانت أكبر لما شاف حور غرقانة في د..مها، صرخ في سراج: إنت اتجننت؟! هات السلا..ح!.. سراج وجه السلا..ح ناحية العمدة وقال بصوت حاد: متجربش مني.. متخلنيش أتصرف غلط معاك يا خوي.. أنا هاخد البت وهمشي!
العمدة بص له باشمئزاز: الفلوس عمت عينك يا سراج.. بقيت ترفع السلا..ح في وش أخوك عشان قرشين؟!
سراج ببرود: آه.. أقدر أعمل أي حاجة عشان الفلوس، أقـ..تل وأحر..ق.. ابعد عن طريقي يا عمدة!
ضاحي بيبعد السلاح بخوف: يا سراج اهدا.. عيب اللي بتعمله ده..ده اخوك الكبير انت اتهبلت في مخك!
سراج زعق فيه بغل:
اخرس إنت يا جبا..ن.. إنت اللي بعتني من أول خطوة!
العمدة بسخرية: سيبه.. خليه يكمل، ما هو كلـ..ب فلوس، يبيع أهله عشانها!
سراج قرب من حور وشالها وهو رافع السلا..ح في وش الكل: أبعدوا عني!.. العمدة وقف قصاده: سيب البت يا سراج!..
سراج بصوت جهوري ابعد عني ؟!!! وفي اللحظة اللي سراج فقد فيها تركيزه وثواني غفلة، هجم العمدة بسرعة وبرز بكامل قوته وضر..به علي أيده طير السلا..ح من إيده!
رمى العمدة السلا..ح بعيد، وقعت حور فاقدة للوعي تماماً على الأرض من ايد سراج .
في اللحظة دي سمعوا صوت عربية أدهم
ودخل البيت كالإعصار المد..مر، وبمجرد ما عينه وقعت على حور وهي مرمية على الأرض ومتبهدلة وبتنز..ف بغزارة، اتجمد مكانه للحظة قبل ما يتحول لبركان من الجنو..ن والوجع.. صرخ بصرخة ممزقة هزت أركان المكان:
حووور! يا روحي.. مين اللي عمل فيكي كدة؟! إنتي سامعاني؟! والله ما هسيبهم ولا هرحم حد فيكم!
ثار أدهم على سراج، وهجم عليه، وبدأ يضر..به بوحشية وغضب أعمى وهو بيصرخ:
"يا ابن الكلـ..ب! يا حيو..ان.. حور لو جرالها حاجة همحيك من على وجه الأرض! قسماً بالله ما هسيبك عايش!
سليم دخل معاه بسرعة عشان يخلص حور من وسط الصراع. ضاحي مقدرش يستحمل أكتر من كدة وهو شايف أخوه بيتهان تحت إيد أدهم، فاندفع بسرعة وشد أدهم عنه وهو بيزعق: ابعد عن أخويا! سيبه بقولك! العمده حاول يفكهم بس كانوا بيبعدوه عنهم
سليم استغل غفلة الكل، وجري بسرعة على حور.. شالها بين إيديه وهي فاقدة للوعي وغرقانة في د..مها، وطلع بيها برة البيت ركبها العربية بسرعة البرق، وطلع تليفونه وكلم البوليس بصوت مرعوب: الحقوني بسرعة في حاله اشتباك ف البيت القديم ومجرمين مسلحين هجمو علينا.. أرجوكم اتحركوا حالاً!
ساب حور، ورجع بسرعة لادهم عشان يساعده ..
وفي عز العركة والضر..ب المتبادل بين أدهم وسراج، وفي لحظة غفلة تامة، مد سراج إيده وجاب حاجه وضر..بها علي دماغ ادهم واقعة على الأرض،
اتأوه أدهم بصوت مكتوم، ودموعه اختلطت بالد..م الساخن اللي نزل على وشه وعيونه، ووقع على ركبتيه وهو بيحسس بإيده على الجر..ح المفتو..ح والوجع بيضر..ب في رأسه.
استغل سراج الفرصة، وسحب نفسه وهرب برة الأوضة زي الحيوا..ن الجريح.. طلع برة الشارع، وشاف عربية أدهم، ففتح بابها الخلفي بسرعة، وشد حور اللي كانت بين الحياة والمو..ت وخرجها وهو حاطط سكـ...يناً على رقـ...بتها.
خرج أدهم وراه وهو ماسك دما..غه اللي بتنز..ف، وعيونه حمرا زي الجمر.. وقف متسمر في مكانه، وصوته طلع متهدج ومخنوق من قمة القهر والرعب: سراج.. نزل السـ...كينة.. ابعد عنها! دي بتمو..ت في إيدك.. حرام عليك، دي مالهاش ذنب !
ضحك سراج بصوت هستيري وعيونه مراوغة ومرعبة، وقال : ابعد عني ! خطوة واصلة تانية وهشيل رقبـ..تها من جسمها.. أنا كدة كدة ضعت وخسرت كل حاجة، فمش فارق معايا أمو..تها وأمو..ت معاها!
أدهم قرب منه بخطوات بطيئة وحذرة جداً، عينه مش قادرة تفارق حور اللي رقبتها تحت السكـ..ينة، وصوته بقا أهدى بس مليان وعيد ودموع: بصيلي.. بصيلي أنا يا سراج.. سيبها وأنا أقسم بالله هخليك تطلع من هنا سليم ومحدش هيعرضك، بس نزل السـ..كينة.. ، اوعى تقرب منها! أقسم بالله لو جر..حتها لأكون دا..فنك مكانك!
في اللحظة دي، عربيات البوليس وصلت وحاصرت المكان كله بصوت الصافرات المرعبة، ونزل الظابط وسلا..حه في إيده، وزعق بصوت جهوري: اقف مكااانك يا متهم.. نزل السكـ..ينة فوراً وسلم نفسك، مكانك اتحاصر من كل اتجاه!
صرخ سراج في وجه الظابط بجنو.ن: ابعدوا عني يا ولاد الحرام! هاتوا لي الواد بتاعي.. وإلا والله العظيم امو..تها دلوك قدام عيونكم كلكم!
أدهم اتجنن وصرخ بوجع: يا باشا سيبه.. أنا هجيب له الواد وكل اللي يطلبه، بس سيب مراتي والنبي!
الظابط قرب منه خطوة بحذر وقال بنبرة حازمة:
هات البنت يا متهم مفيش مفر لهروبك.. انت كدا بدمر حياتك وتضيع نفسك؟! الإعدام مش سهل ، سيب السكـ..ينة واتعقل!
سراج ضحك بسخرية عمياء : مفيش فايدة واصل.. كدة كدة ميـ..ت.. أنا همو..تها وأخلص!
ولسه سراج هيديها الطعنة القا..تلة، ومن في غفلة من الجميع.. ظهر العمدة من بعيد وضر..به بالسلاح في ضهره ،
اتصدم سراج من قوة الضر..به وسخونة المفاجأة، وعينيه جحظت لورا، وفلتت السـ..كينة من إيده وساب حور اللي سقطت فاقدة للوعي تماماً على الأرض، ووقع هو كمان على رجله مغشي عليه من شدة الضر..بة والوجع.
جرى أدهم عليها كالمجنو..ن، ورمى نفسه جنبها بدموع انهارت على خدوده، وهو بيحـ..ضنها وبيصرخ: حور! حور يا حبيبتي.. ردي عليا والنبي، أنا السبب.. أنا اللي جبتك هنا.. أنا اللي حطيتك في الموقف ده!
سليم جه معاه بلهفة، وقعد يطبطب على حور ويحاول يفوقها: أدهم.. فوق معايا! مش وقت كلام، حور بتمو..ت في ايدك.. يلا بينا على المستشفى حالا!
قام أدهم وشال حور بين إيديه وقلبه بيتقـ..طع، وطلع بيها على العربية بأقصى سرعة، وسليم معاه، وعيونهم كلها خوف ودموع.
وقف العمدة وبيبص لأخوه سراج وهو واقع ومكتوف، بص للظابط وقال بصوت مليان مرار ووجع: كان لازم يتقت..ل يا باشا.. كان هيقـ..تل نفس بريئة، زي ما قتـ..ل غيرها قبل كدة.. ده واجب عليّ كأخ كبير وقبلها كراجل بيحكم بالحق والشرع، الخا.ين والظالم مالهوش مكان بينا.
رد الظابط بهدوء واحترافية: أنت عملت اللي عليك يا عمده وأنقذت حياة البريئة دي.. والمحكمة هتقدر كل الظروف دي وتصرفك البطولي بس انا متقلقش هيكون كويس وهياخد جزاته.
العمدة هز رأسه بأسى، وبص في أثر عربية أدهم اللي طارت على المستشفى، بينما البوليس أخد سراج وضاحي، وانتهت الليلة المرعبة على أمل إن حور وبنتها ينجو من المو..ت!
وفي العربية، كان أدهم قاعد ورا ومنيم حور على رجله، وقلبه بينز..ف قهر ووجع وهو بيمسح وشها بدموعه وبيلح عليها بصوت مكـ..سور: قومي يا حور.. متوجعيش قلبي عليكي أكتر من كدة، أنا مش هقدر أعيش من غيرك.. فوقي والنبي! بسرعه يا سليم بالله عليك، هتمو..ت في إيدي!
كان سليم عرقان بغزارة ومركّز بصة عينه في الطريق بجنو..ن وهو داس بنزين على الآخر:
أنا بجري أهو يا أدهم.. هانت، والله قربنا، اهدا بس وهتكون كويسة!
وصل المستشفى بأقصى سرعة، ونزل أدهم زي المجنو..ن، فتح باب العربية وشال حور بين إيديه وهي غارقة في د..مها وجسمها بار..د، ودخل يجري زي الإعصار على الطوارئ وهو بيصرخ بأعلى صوته في الدكاترة:
دكتووور! الحقونا بسرعة.. مراتي بتمو..ت، دي ولدت في السابع وفي نز..يف حاد!
جرى الطاقم الطبي بسرعة، أخدوها على سرير ودخلوا بيها على اوضه العمليات .
وقف أدهم قدام از..از باب العمليات، عيونه متبتة جوة ومش راضي يتحرك، واقف مقهور وعاجز.. وفي نفس الوقت، دماغه كانت لسه بتنز..ف من ضر..بة، وجر..ح كتفه اللي واخد فيه رصا..صة بدأ ينز..ف ويهد حيله. وقف سرحان وموجوع، عيونه بتبدأ تقفل من شدة التعب والإرهاق، وبيفتحها بالعافية ومش شايف قدامه.
قرب منه سليم بقلق شديد، حط إيده على كتفه وقال بصوت مرتبك: أدهم.. أنت كويس؟! حور قوية وهتعدي منها، ادعيلها بس وماتقلقش..
لكن صوت سليم كان جاي لأدهم بعيد ومكتوم كأنه في قاع بير. استغرب سليم لما لقاه مش بيرد، فهز إيده قدام عيونه بقلق وقال: يا بني! أدهم.. أنت سامعني؟!
قبل ما سليم يكمل كلمته، كانت عيون أدهم غامت تماماً، ووقع مغشياً عليه على أرضية المستشفى من كتر النز..يف والإرهاق العصبي والجسدي.
اتخض سليم، ونزل على ركبتيه جنبه بلهفة وصدمة، وصر..خ بصوت عالي لمسؤولي الطوارئ: دكتورر بسرعة! هنا.. حد يلحقنا!
وبعد مرور أربع ساعات طويلة من التوتر والضغط العصبي، كان سليم واقف قدام أوضة ادهم، وطلع تليفونه برعشة وقرر يطمن ساره، ففتح الخط وقال بصوت منهك:
عامله ايه يا ساره.. أنا عارف انك زعلانه بس انا آسف، إن الفرح باظ وخرب واليوم كله اتدمر.. شكله مش مكتوبلنا نفرح، لازم يحصل خابور يعكر حياتنا.
قالت ساره بصوت دافئ وحنون من الناحية التانية ليطمن قلبه: كل اللي بيحصل ده يا سليم ولا يفرق معايا، وبردو محدش في الدنيا هيقدر يبعدنا عن بعض.. أنت وحشتني أوي، ونفسي كلنا نرجع أقوى زي زمان.. طمني، هما كويسين؟ أجيلك المستشفى؟
رد سليم بنبرة حازمة بس فيها حنان: لا يا حبيبتي، متجيش.. أنا موجود هنا وهتابع كل حاجة وهطمنك.. بس والنبي، خلي بالك من الواد عشان ادهم ميعملش مصيبه ومتخليهوش يتحرك في حته لوحده لحد ما أجيلك.
في نفس اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة، وطلع أدهم منه وهو ساند على الحيطة وبيتحرك بالعافية الشديدة، ووشه أصفر وشاحب من كتر الد..م اللي خسره.
بص سليم عليه وقال بسرعة لساره: اقفلي أنتي دلوقتي يا ساره.. هخلص اللي في إيدي وأرجع أكلمك تاني، سلام... وقفل الموبايل، وجرى قرب من أدهم بضيق وقلق:
يا بني أنت إيه حكايتك؟! كل مرة كده تتعب وتدمر نفسك! هو أنا كل شويه هقعد أشيل وأسند فيكو؟!
رد أدهم بصوت ضعيف جداً ومتحشرج، كأن الكلام بيطلع بصعوبة من صدره: فينها يا سليم.. حور فين؟ أنا عاوز أشوفها والنبي.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة ودافية عشان يطمن قلبه وقال: اطمن يا عم .. حور بقت كويسة وزي الفل، وبنت اخويا في أحسن حال.. بس فيه حاجة صغنونة كدة لازم تعرفها.
أدهم أول ما سمع جملة حور بقت كويسة قلبه دق بفرحة وسكـ..ينة هدت النا.ر اللي فيه، بس ملامحه رجعت تقلق بخوف وتوتر، وبص لسليم بعيون شاربة الرعب:
حد فيهم جراله حاجة؟! متخبيش عليا يا سليم !
بلع سليم ريقه بتوتر وهو بيفرك إيديه ببعضها، وقال بحذر: يا عم اهدى، مفيش شر.. بس عشان البنت اتولدت بدري في الشهر السابع.. فالدكتور نقلها دلوقتي لحضانة الأطفال عشان تطمن على نفسها وتكتمل، يعني هي في الأمان بس محتاجة كم يوم في الحضانة لحد ما وزنها ونفسها يظبطوا!
بص أدهم لسليم بعيون مليانة قهر وغصة في زوره، وقال بصوت مهزوز ومش مصدق: في الحضانة؟! يعني حتة مني ومنها محطوطة جوة صندوق إز..از ومش عارف أحضـ..نها؟! يا رب.. دي لسه طالعة من المو..ت، وبنتنا كمان بتصارع عشان تتنفس.. ليه يا سليم؟! إيه الحظ ده كله؟!
طبطب سليم على كتفه بحزن وقال: يا أدهم اهدا واشكر ربنا إنهم على وش الدنيا وبخير، دي مرحلة وهتعدي وهتخرج وتقعد في حضنكم.
سكت أدهم لحظة وهو بيحاول يستوعب الوجع، وقال بلهفة وإصرار وعايز يشوفها: طب أنا عايز أشوف حور دلوقتي حالا.. وديني ليها.
مسكه سليم من دراعه وقال برفض: تشوف مين يا مجنو..ن؟! دي لسه طالعة من العمليات ومفاقتش أصلاً، إنت ناسي إنها كانت بتمو..ت ونز..فت كتير؟! مش هتقدر تكلمك ولا هتحس بيك دلوقتي.
لكن أدهم صمم بعناد جنو..ني وقال: مش هيهمني.. حتى لو نايمة، أنا لازم أكون جنبها وأمسك إيدها،
راح سليم معاه وهو شايفه مهلوف عليها ومنهار، ووقفوا قدام الدكتور اللي بص لأدهم بحالة كتفه وجر..ح دماغه وقال برفض قاطع: يا بشمهندس مينفعش.. ممنوع الزيارة نهائي دلوقتي في العناية، المدام في حالة حر..جة جداً ومحتاجة هدوء تام وخطورة على صحتها لو حد دخل.
حاول سليم يتدخل وهو شايف أخوه واقف بيمو..ت على روحه، وقال بنبرة ترجي: يا دكتور بالله عليك.. الراجل حالته زي ما انت شايف، واخد رصا..صة في كتفه وضر..به على دماغه ومستحمل عشان مراته، خليه يدخل دقيقة واحدة من غير ما يعمل أي صوت أو يكلمها.
بص الدكتور لأدهم لقى عينيه مليانة دمو..ع وعجز، فصعب عليه حالته وتنفس بضيق وقال: طيب.. دقيقة واحدة بس ومن غير أي إزعاج ولا كلام كتير، عشان الأمن ما يعترضش.
دخل أدهم بخطوات بطيئة وثقيلة كأن رجليه مش شايلته، قرب من السرير وشاف حور نايمة على السرير ووشها أبيض زي الورق، وموصلة بالأجهزة والمحاليل. قعد على الكرسي جنبها ببطء، مد إيده الرعشة ومسك كف إيدها البارد، ونزلت دموعه على إيدها بصوت مكـ..سور: حقك عليا يا حور.. أنا السبب في كل ده.. لو كنت فتحت عيني وخدت بالك منك كويس مكنش حصل اللي حصل.. أنا أسف على كل دقيقة خوف عيشيتيها بسببي، قومي يا روحي.. مش هقدر أعيش من غيرك، البيت من غيرك ولا حاجة، وبنتنا مستنياكي.. فوقي عشاني.
وفجأة، وبحركة ضعيفة جداً وكأنها حسّت بوجوده، كف إيد حور اتحرك مسافة بسيطة وضغطت على إيده بضعف، مسح أدهم عينه بسرعة وشد على إيدها بلهفة وقال:
حور!.. سامعاني يا حور؟ أنا معاكي.. أنا أدهم.
بدأت حور تحرك شفا..يفها وطلع صوتها مش واضح ومتـ..قطـ..ع وهي بتقول كلام متخبط وتايه بين البنج والتعب: بنتي .. أدهم.... متسيبنيش يا أدهم.. بتمو..ت.. آآه..
ميل أدهم عليها بسرعة وباس كف إيدها وهو بيترعش وقال بنبرة دافية ومهدجة: أنا موجود يا حور.. والله موجود وجنبك ومش هسيبك ابداً.. اطمني، إنتي وبنتنا بقيتوا في الأمان، اهدي يا حبيبتي.
رجعت حور سكتت تاني وهدت تماماً، وكل ده وهي مغمضة عينيها ونايمة في عالم تاني. فضل أدهم قاعد جنبها، بيطبطب بحنان ويمسح على وشها الباهت بإيده، وطبع بو..سة طويلة على جبينها، ومن كتر الإرهاق والوجع اللي كان في جسـ..مه، نزل براسه بهدوء وبقى نايم على إيدها وهو مغمض عينه ودموعه ناشفة على خدوده.
مرت الأيام والشهور لحد ما عدت تلت شهور كاملة، واليوم ده كان غير كل اللي فات.. كانت حور واقفة قدام المرايا بتجهز نفسها وبتحط لمساتها الأخيرة وهي حاسة بنبضات قلبها السريعة من الفرحة والتوتر الجميل.
فجأة، حسّت بإيدين قوية دافية بتحيط بوسطها من ضهرها، ودفن أدهم رأسه في رقبتها وهو بيشم ريحتها باستمتاع وعشق كأنه بيرتوي منها بعد عطش طويل، وقال بصوت دافئ ومهدج: أخيراً جه اليوم اللي نتقابل فيه من غير مشاكل ولا بهدلة.. كنت مستني اللحظة دي من سنين يا حور.
لفت حور جسـ..مها بحب ناحية أدهم، ولمست خده بكف إيديها بحنان ورقة، وقالت بصوت رقيق: وأنا مكنتش مصدقة إننا هنوصل لليوم ده بهدوء.. حاسة إني في حلم يا أدهم، خايفة أصحى منه.
ابتسم أدهم بعشق، ومسك إيدها وبا..سها برقة وغرام طويل على كفها، وبعدين مسك إيدها التانية وقال بحماس:
ده مش حلم يا قلبي، تعالي معايا.
خدها من إيدها وطلعوا برة البيت، وركبوا العربية وكان معاهم بنوتهم الصغيرة ليلي . ساق أدهم لحد ما وصلوا لمكان هادئ على النيل، ونزلوا من العربية.
قرب منها وقال بابتسامة غامضة: اقفلي عينك دي خالص ومتفتحهاش غير لما أقولك.
بصتله حور وهي بتبتسم وقالت بارتباك لطيّف: بس أنا في إيدي ليلي يا أدهم، هقفل عيني إزاي بس؟
قرب منها أدهم بحنية وخد ليلي من إيدها بحذر وقال:
أهو يا سستي، خدتها منك وبقت في حضـ..ني.. يلا، اقفلي عيونك بقى وما تفتحيش غير لما أطلب منك.
غمضت حور عيونها بضحكة خفيفة، ومسك أدهم إيدها وبدأ يمشي بيها ببطء وهدوء على الأرض.. فتحت عيونها لاقت قدامها مركب كبير متزين كله بأنوار ساحرة، والطريق اللي مؤدي ليه مفروش بورد أحمر ومنور بشموع رومانسية دافية.
اتفتحت عيون حور على الآخر بذهول وفرحة عارمة، وقالت بدموع الفرح: يا الله يا أدهم!.. إيه ده كله؟! كل ده عشاني أنا؟!
بص في عيونها بحب دايب، وقال بصوت عذب يلامس الروح: عشانك يا روح أدهم.. يهون عليا العمري كله عشان أشوف الضحكة دي منورة عيونك.
وقرب منها أكتر وهمس بشعر دافئ يصفها بيه:
سألوني عن عيونك قولت كالنجم اللامع في سماء عمري..
يا من ملكتي الروح والقلب.
تعالي يلا نخش المركب يا أجمل حاجة حصلت في حياتي.
مشيت معاه وهي بتبص للورد والشموع اللي على الأرض بامتنان وسعادة. أول ما دخلوا المركب، نادى أدهم على الداده اللي جابها خصيصاً عشان تساعدهم، وقال:
خدي ليلي ، وخلي بالك منها كويس عقبال ما أخلص السهرة مع المدام.
جت الداده تاخد البنت، بس حور نطت بخوف أمومي وقالت بسرعة وهي ماسكة في ليلي: لا يا أدهم.. أنا خايفه على البت، سيبها معانا بالله عليك مش هعرف أسيبها!
شاور أدهم للداده بابتسامة مطمئنة عشان تمشي، وبعدين مسك كف إيد حور بحب وقال: يا حبيبتي متخافيش خالص، دي مش هتخرج برا حدود المكان، دي في نفس المركب معانا.. اهدي يا قلبي وسيبيني أدلعك لوحدنا شوية.
بعد ما الداده أخدت ليلي بهدوء، شاور أدهم للقبطان وقال:
امشي يا ريس، اتحرك بينا.
خد أدهم حور ودخلها الجزء الخاص اللي كان مجهز بشكل يخطف الأنفاس؛ ترابيزة صغيرة عليها أحلى الأكلات، ومليانة شموع واضاءات، وورد منتشر في كل مكان، وأنوار دافية وبلالين هادية معلقة برقة.
حور أول ما شافت المفاجأة دي، عيونها دمعت من شدة التأثر، ورمت نفسها في حضـ..نه وقالت بصوت مهزوز من السعادة: أنا بحبك أوي يا أدهم.. مش متخيلة إننا خلاص بقينا مع بعض في الأمان ده، ربنا ما يحرمني منك أبداً.
شدد أدهم على حضـ..نها ودفن وجهه في شعرها، مسح دموعها بحنان وقال: ولا يحرمني منك يا نبض قلبي.. انسى أي وجع فات، اللي جاي لينا إحنا وبس.
قعدوا مع بعض على الترابيزة، وبدأوا ياكلوا في أجواء هادية ورومانسية، وقعد أدهم يفتكر معاها المواقف القديمة ويقول لها كلام حلو ينسيها قسوة الماضي والمشاكل اللي كادت تفرقهم، وكانوا بيضحكوا من قلبهم كأنهم وُلِدوا من جديد.
وبعد الاكل، شغل موسيقى هادية وناعمة، ومد إيده ليها بابتسامة ساحرة: تسمحي لي بالرقصة دي يا مراتي الجميلة؟
ابتسمت بحياء وحطت إيدها في إيده، وبدأوا يتحركوا ببطء مع نغمات الموسيقى. قرب منها أكتر وهو بيشم ريحتها باستمتاع، وهمس في ودنها بكلام غزل جريء ودري: ريحتك دي بتجنن عقلي.. تبتسمي تتوهيني، وتتكسفي تخليني أجن بزيادة.
حسّت حور بكسوف شديد ووشها احمر، وبصت للأرض، فضحك أدهم بخبث ولطف وقال: أنا كنت عامل حسابي على الكسوف ده .. بس بما إن بقالي كتير مقربتش منك.. جه اليوم بقى أخيرًا اللي تكوني فيه في حضـ..ني بعد عذاب!
بعد الرقصة، خدها أدهم على الأوضة اللي كانت جوة المركب ومتزينة والسرير متزين، وقفل الباب وراهم. حور وقفت في نص الأوضة بخوف وتوتر خفيف وقالت بصوت متردد:أدهم.. ايه اللي جبنا هنا ؟!
استغرب أدهم وقرب منها بخطوات بطيئة وقال: اهدي إنتي ليه خافية مني كده يا حور؟! ده احنا معانا ليلي ، ودي مش أول مرة نقرب من بعض.. مالك؟!
بلعت حور ريقها بتوتر وقالت بخجل: أنا.. مقصدش يا أدهم، بس عشان المكان جديد عليا.
قرب منها أكتر، وبإيد حنونة رفع خصلة من شعرها وراء ودنها، وقال بصوته الدافي الحنون: أنا جايبك هنا عشان نبعد عن صداع الدنيا ونريح دماغنا من أي عالم تاني.. إحنا لوحدنا، وعايز أعوضك عن كل ثانية خوف عشتيها بسببي.. أنسى كل حاجة وسيبي نفسك ليا.
بلعت ريقها بتوتر وهي تايهة في عيونه، فحاول أدهم بكل حنية وطمأنينة يقضي على خوفها، وقعدها بحذر على السرير، وبدأ بلمساته الدافئة وكلماته الناعمة يطمن قلبها، لحد ما حور استسلمت لدفء اللحظة وتاهت معاه في عالمهم الخاص.
بعد شوية حلوين، أدهم اتنفس ببطء، وبص على حور وقال بحب وخوف عليها: انتي كويسه؟؟
حور بصت عليه وابتسمت وقالت بصوت دافئ: بالعكس، أنا مبسوطه ومكنتش اتخيل أن أرجع من تاني في حضنك يا أدهم.
أدهم ابتسم برقة وقرب منها طبع قُبلة على جبينها، ورد عليها بحنان: أنا كنت قاعد على أعصابي وقلقان عليكي موت، بس خلاص، مادام انتي بخير، إنتي كدا طمنتيني وريحتي قلبي.
كمل كلامه برومانسية تدوب الحجر: إنتي مش مراتي وبس، إنتي روحي اللي بتمشي بيها، وكل دقة في قلبي باسمك.. بحبك يا حور، بحب وجع قلبي فيكي وبحبك وانتي قريبة مني كده.
وقبل ما حور ترد، قطع اللحظة الرومانسية دي رنين تليفونه المزعج.. المتصل كانت الدادة. أدهم بضيق واضح رد وهي بتقول بصوت مرتبك: أدهم بيه، .. ليلي مش راضية تسكت خالص عماله تعيط!
أدهم قفل المكالمة ورمى التليفون بغيظ، فحور قامت من جنبه فوراً خافت عليها. بس أدهم بسرعة البرق مسك ايدها وشدها ليه وقال بصوت حنين ومليان تعلق:رايحة فين يا ست الكل؟ تعالي هنا.. أنا لسه مشبعتش منك !
حور بصتله بضيق مزيف وقالت وهي بتحاول تفلت ايدها:
مش هقدر أسيب بنتي مع حد غريب وهي بتعيط بالشكل ده!
بعد دقایق، حور كانت لبست هدومها عشان تروح تشوف بنتها. أدهم بص لمراته وهي خارجة وابتسم بابتسامة واسعة وغلبانة وقال لنفسه بصوت عالي شوية:
.شكل الست ليلي هتتعبني في حياتي ومش هتخليني أتهنى بقرب مراتي أبداً.. يارب استرها معايا الفترة الجاية دي!
بعد شويه، والهدوء التقيل، أدهم كان قاعد علي السرير
فجأة، دخلت حور عليه، ملامحها كانت غرقانة في القلق، ودموعها مش قادرة تخبيها، وقالت بصوت متهدج ومكـ..سور وماسكه ليلي:أدهم.. أرجوك الحقها، ليلي.. ليلي تعبانة أوي ومش قادرة تتنفس!
أدهم، بمجرد ما سمع كلمة ليلي وتعبها، رمى السجارة فوراً وطفّاها في الطفاية بلهفة وقلق سيطر على كل ملامحه. وقف بسرعة وقرب من حور بذهول وخوف وقال بصوت عالي شوية من شدة التوتر وهو شايف ليلي: مالها؟!! حصلها إيه؟ طمنيني!
حور مسحت دموعها اللي نزلت بغزارة وباصه ليلي وقالت بصوت متقطع:
مش عارفة يا أدهم.. الحرارة بقت عالية أوي، بدأت تغيب عن الوعي مني، لازم نروح الدكتور فوراً، الحالة مش مستنية!
أدهم ما استناش ثانية زيادة، وهو شايف وشها شاحب من الحمى.. قرب منها بحذر، لمس جبينها اللي كان بيغلي من السخونة
بص لحور اللي كانت ماسكه بنتها، وقال بسرعة وحزم:
حور هاتيها.. والبسي بسرعة، هنطلع على المستشفى دلوقتي، مش هنستنى دقيقة!
شال أدهم ليلي بين إيديه برفق شديد، كأنها قطعة قز..از خايف تتكـ..سر، وقلبه بيعتصر من منظره وهي في حضـ..نه بالشكل ده، وفضل يهمس في ودنها كلمات طمأنة رغم خوفه الكبير:اهدي يا قلب بابا.. احنا معاكي، مفيش حاجة هتحصلك، والله ما هسيبك.. بس افتحي عينك يا ليلي.
أدهم خرج من الأوضة بخطوات سريعة ومليانة قلق وخوف، وراح جري على القبطان وقال له بحزم: لف المركب وترجع بينا للمكان اللي أخدتنا منه حالاً!
القبطان ما ترددش ثانية، ورجع بالمركب وفعلاً رجعوا بسرعة.
أول ما وصلوا ونزلوا على البر، أدهم كان شايل ليلي اللي عندها تلت شهور وحور حواليه، وجري بيهم على العربية ومنطلقين بأقصى سرعة على أقرب مستشفي عشان يلحقوها.وووو
