رواية حين يجبر العشق الفصل الثالث والعشرون 23 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الثالث والعشرون 

حين تهدأ العاصفة، لا يعني ذلك أن البحر عاد آمنًا...
فبعض الأمواج لا تأتي لتُغرق السفن، بل لتكشف ما كان مختبئًا في أعماقها.

وفي الحب، قد تكون لحظة الغضب أصدق من مئات الاعترافات، لأنها تكشف ما يخفيه القلب خلف كبريائه، وما يخشاه الإنسان أكثر مما يعترف به.

كانت الثقة قد تشققت، والغيرة أشعلت ما ظنه الجميع مستقرًا، وأصبح الماضي يقف بين قلبين ظنا أن الحب وحده قادر على حمايتهما.

لكن حين تدخل الأكاذيب بين العاشقين، لا يعود السؤال: من يحب من؟
بل يصبح السؤال الأخطر...
من الذي يقول الحقيقة؟

وفي مكان ما، كان هناك من يراقب كل شيء من بعيد، ينتظر اللحظة التي يظن فيها الجميع أن الحرب انتهت...

ليبدأ هو حربه الحقيقية....
.............

في صباح اليوم التالي...

كان ضوء الشمس يتسلل بخجل من بين ستائر الجناح، فيرسم خيوطًا ذهبية فوق الأثاث الهادئ، بينما وقف سلطان أمام المرآة يعدل أزرار قميصه استعدادًا لمغادرة الجناح.

كانت ملامحه ساكنة، إلا أن عينيه كانتا تحملان آثار ليلة لم تكن عادية.

لم ينم كثيرًا.

ظل عقله طوال الليل عالقًا بين كلمات حور، ونظراتها، وتحديها الأخير له... وبين سؤال واحد لم يفارقه:

كيف عرف صبري؟

أتمَّ سلطان ارتداء ساعته، وألقى نظرة أخيرة على انعكاسه في المرآة، ثم اتجه نحو الباب.

فتح باب الجناح، وخرج إلى الممر.

وقبل أن يهبط الدرجة الأولى من السلم، توقفت خطواته.

شعر بيد صغيرة تتشابك في يده.
التفت إليها باستغراب.
كانت حور تقف إلى جواره، وقد شبكت أصابعها بأصابعه بكل بساطة، وكأن شيئًا لم يحدث بالأمس.

ظل ينظر إليها للحظات.
لم يسألها.
لكن ابتسامته الصغيرة، ونظرة عينيه، كانتا تحملان سؤالًا واضحًا.

نظرت إليه حور بطرف عينيها، ثم قالت بدلال متعمد:في حاجة؟

اتسعت ابتسامته قليلًا.: مفيش... بس مش فاهم.

رفعت حاجبها وكأنها لا ترى ما يدعو لكل هذا الاستغراب.: مش فاهم إيه؟

اقترب منها قليلًا، وخفض صوته غامزاً بطرف عينيه بعبث: ولا إنتِ غيرتي رأيك؟

نظرت إلى عينيه مباشرة.
ثم تركت أصابعها تنفلت من يده للحظة، قبل أن ترفع يدها تعبث بأحد أزرار قميصه بدلال هادئ وقالت: لا يا حبيبي... أنا ما برجعش في كلامي.

تعالت دقات قلبه بسعاده عندما نادته بعفويه " حبيبي "راقبها سلطان بصمت.

فأكملت، وقد اختفت من عينيها كل آثار التردد:اللي بيني وبينك حاجة... واللي قدام الناس حاجة تانية.

ثم رفعت عينيها إليه بثبات:وإنت جوزي أنا... وحبيبي أنا.

توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة أكثر قوة:ـ وإنت الشيخ سلطان... وأنا مرات الشيخ. ومش هسمح للي بيحصل إنه يفرق بيني وبينك، وأعمل لهم اللي هما عاوزينه.

ظل سلطان ينظر إليها.
ولم يستطع أن يمنع الإعجاب من الظهور في عينيه.

كانت حور مختلفة هذا الصباح.
لم تعد تلك الفتاة التي تهتز أمام الخوف من خسارته.
كانت امرأة تعرف ما تريد، حتى وهي تحمل داخلها جرحًا لم يلتئم بعد.

ابتسم سلطان بحب، ثم قال بمشاكسة:مرات الشيخ سلطان تعمل اللي هي عاوزاه... وأنا ألم وراها.

ضحكت حور بخفة، ثم أعادت يدها إلى يده.

ـ على فكرة... أنا ممكن أغير رأيي وأمشي.

اقترب منها أكثر، وقال بثقة: لأ، خلاص... بعد الجملة دي تحديدًا، أنا مش هسيبك تبعدي عني خطوة.

ضحكت وهي تهز رأسها، ثم قالت: يلا يا شيخ سلطان، الناس مستنيانا تحت.

شد سلطان على يدها قليلًا، وقال وهو ينظر إليها: الناس تستنى.

ثم أضاف بابتسامة: أنا أهم حاجة عندي إنك إنتِ اللي مستنياني.

خفضت حور عينيها بخجل، قبل أن تسير إلى جواره.

وهكذا نزلا الدرج معًا، ويد كل منهما متشابكة في يد الآخر، وكأنهما يعلنان بصمتهما أن ما يحدث خلف الأبواب لن يسمحا له بأن يهدم ما بينهما أمام الجميع.

────────

في غرفة الطعام...

كان الجميع قد اجتمعوا حول المائدة.

هانم، وسارة، وماجدة، وعامر.

كان الحديث يدور بصورة هادئة، حتى دخل سلطان وحور.

رفع سلطان رأسه وألقى تحية مقتضبة: صباح الخير.

توقفت الأنظار عندهما.
وبالأخص عند اليدين المتشابكتين.

لم تستطع هانم إخفاء الضيق الذي عبر وجهها، بينما انقبضت ملامح سارة، وشعرت بشيء بارد يهبط في صدرها.

أما حور، فلم تحاول إخفاء يدها.
بل على العكس...
تشبثت بأصابع سلطان أكثر، ثم جلست إلى جواره.

راقبها سلطان بطرف عينه، وظهرت ابتسامة خفية على شفتيه.

قال وهو ينظر إلى إحدى العاملات: خالي حد يعمل لي قهوتي ويجيبها لي المكتب.

رفعت هانم عينيها إليه: مش هتفطر؟

سلطان بجمود : لأ، عندي شغل... وياسين مستنيني في المكتب.

قالت حور بهدوء: أنا هعمل لك القهوة وأجيبها لك المكتب.

التفت إليها سلطان مبتسماً بعشق 
كانت عيناها تحملان شيئًا من الحنان الجارف الذي لم تستطع كتمه رغم كل ما بينهما.

ابتسم لها وقال:ـ ماشي.

تدخل عامر قائلًا: أنا هفطر وأحصلك على المكتب.

رفع سلطان عينيه إليه، وتغيرت نبرته قليلًا:
لأ.....
ثم تابع سلطان:بعد ما أخلص مع ياسين ابقى تعالالي.

تسال عامر والقلق يلون ملامحه :  ليه؟

أجابه سلطان ببرود: علشان عندي كلام مهم مع ياسين ومش عاوز حد يدخل علينا.

لم يعقب عامر.
لكن نظرة سريعة تبادلها مع ماجدة كانت كافية لتكشف القلق الذي تسلل إلى كليهما.

كان هناك شيء ما.

شيء لا يريد سلطان أن يطلعهم عليه.

أما هانم، فظلت تراقب سلطان وحور بنظرات مشتعلة، بينما كانت سارة أكثر صمتًا من الجميع.

كانت تعرف أن هدوء سلطان هذا ليس طبيعيًا.

وأن وراء ذلك الهدوء شيئًا تخشاه.

────────

دخل سلطان مكتبه كان ياسين في انتظاره.

رفع سلطان عينيه إليه، ثم اتجه إلى مكتبه وجلس خلفه.: إيه الجديد عندك؟

اقترب ياسين من المكتب وقال:قدرنا نحدد مكانين ممكن صبري يكون مستخبي فيهم.

استند سلطان إلى ظهر مقعده، وظلت ملامحه ساكنة.: فين؟

بدأ ياسين يشرح له، بينما كان سلطان يستمع بكل تركيز.

لكن قبل أن ينتهي، طرق أحدهم الباب.

لم يرفع سلطان عينيه عن ياسين إلا عندما فُتح الباب.
وظهرت حور كانت تحمل فنجان القهوة بيدها.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة، وتقدمت حتى وضعت الفنجان أمامه.: قهوتك يا شيخ سلطان.

رفع عينيه إليها وللحظة، ذابت قسوة ملامحه.

لكن حور لاحظت شيئًا آخر.

ما إن عاد بصره إلى ياسين حتى تغير وجهه اختفت ابتسامته وعادت تلك القسوة الثقيلة إلى عينيه غضب.....توتر.
وشيء جعلها تشعر بأن الرجل الذي يقف أمامها الآن ليس سلطان الذي كان معها منذ دقائق.

اقتربت منه قليلًا، وسألته بهمس: إنت كويس؟

رفع عينيه إليها.

ثم قال بهدوء مصطنع:أنا كويس... بس عندي شغل مهم.

نظرت حور إلى ياسين، ثم عادت بعينيها إلى سلطان.

لم يعجبها ما رأته لكنها لم تسأله أمام ياسين.
اكتفت بإيماءة صغيرة وقالت:ماشي.
ثم استدارت وغادرت المكتب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.

ظل سلطان يتابع الباب للحظات حتى اختفت ابتسامته تمامًا.
ثم عاد بنظره إلى ياسين.

وقال بصوت منخفض، لكن نبرته كانت تحمل شيئًا مختلفًا تمامًا:كمل.

توقف ياسين لحظة، ثم قال:المكان الأول...

رفع سلطان عينيه إليه، وكانت نظرته الآن خالية من أي أثر للرجل الذي كان يبتسم لحور منذ دقائق.

قال بصرامة:عاوز كل التفاصيل... ومش عاوز احتمالات. عاوز أعرف صبري فين بالضبط.

صمت ياسين.

فأضاف سلطان:المرة دي مش هيهرب مني.

ثم انخفض صوته أكثر:المرة دي... أنا اللي هروح له.

ظل سلطان صامتًا للحظات بعد أن خرجت حور، وعيناه معلقتان بالباب المغلق، قبل أن يعيد نظره إلى ياسين.

مد يده إلى أحد أدراج مكتبه، وأخرجه ببطء، ثم سحب ملفًا أسود سميكًا ووضعه أمامه.

دفعه نحو ياسين وقال بهدوء:ده فيه كل المعلومات اللي قدرنا نوصل لها عن سارة.

مد ياسين يده وأخذ الملف، لكنه لم يفتحه.

رفع عينيه إلى سلطان منتظرًا.

فقال سلطان، وقد أصبحت نبرته أكثر جدية:
أنا بقى عاوز أعرف اللي محدش يعرفه عن سارة... حتى هي نفسها.

رفع ياسين حاجبه قليلًا.

فأكمل سلطان: كل حاجة. حياتها قبل ما تشتغل عندي، علاقاتها، الناس اللي دخلت حياتها، تحركاتها، اتصالاتها، وكل شخص اتعاملت معاه في الفترة اللي فاتت.

توقف لحظة، ثم أسند ظهره إلى مقعده وقال:مفيش تفصيلة صغيرة هنعتبرها ملهاش لازمة.

هز ياسين رأسه موافقًا، ثم قال:حاضر.

لكن سلطان لم يكتفِ.

أمال جسده إلى الأمام، وقال ببطء: وفي حاجة تانية أهم.

فتح ياسين الملف، لكنه رفع عينيه إليه من جديد.

قال سلطان: صبري عارف بموضوع جوازي من سارة... وعارف إنها بتقول إنها حامل مني.

صمت لحظة، ثم تابع: وده مالوش غير تفسيرين... مالهمش تالت.

فكر ياسين قليلًا قبل أن يجيب: يا إما صبري قدر يوصل لسارة، وعرف منها كل حاجة...

توقف لحظة، ثم أضاف: يا إما في حد تاني هنا... بينقله كل الأخبار.

ظل سلطان ينظر إليه دون أن يرمش.

ثم قال بهدوء:ـ وممكن الاحتمالين يكونوا صح.

رفع ياسين رأسه إليه باهتمام.

فأكمل سلطان : ممكن صبري يكون واصل لسارة، وفي نفس الوقت يكون عنده حد هنا بينقل له اللي بيحصل.

أغلق ياسين الملف ببطء.

فقال سلطان بحسم:علشان كده من اللحظة دي... الكل مشتبه فيه.

تغيرت ملامح ياسين قليلًا باندهاش: الكل؟

أجابه سلطان دون تردد:الكل.

ثم مال إلى الأمام، وقال: عينيك على كل اللي في الدار.

سكت لحظة، ثم أضاف:من أصغر عامل في الدار...

ثبت عينيه في عيني ياسين.: ـ لحد الحاجة هانم... أمي.

اتسعت عينا ياسين قليلًا، لكنه لم يعقب.

تابع سلطان بصرامة: مش معنى إن حد كبير أو قريب مننا إنه خارج دائرة الشك. أنا مش بطلب منك تتهم حد... أنا بطلب منك تراقب.

ثم قال بنبرة قاطعة: عاوز أعرف مين بيكلم مين، ومين بيخرج، ومين بيدخل، ومين بيتواصل مع مين، وأي حركة مش طبيعية تتسجل عندك.

توقف لحظة، ثم أضاف: ومن غير ما حد يحس إن في حاجة بتحصل.

أومأ ياسين بطاعة.

لكن سلطان أمسك بنظراته للحظة أطول، وقال: فاهم يا ياسين؟

أجابه ياسين فورًا: أوامرك يا شيخ سلطان.

ظل سلطان صامتًا، ثم قال: وحاجة أخيرة...

انتظر ياسين.
فهتف سلطان بأمر : محدش يعرف باللي بيحصل ده !!!حتى رجالتنا 

ثم أعاد سلطان الملف إلى أمامه، وقال ببرود:

ـ لو في حد بينقل الأخبار لصبري... أنا عاوزه يفضل مطمّن إننا لسه مش واخدين بالنا منه.

فهم ياسين ما يقصده، وظهرت في عينيه نظرة حادة.عشان نعرفه قبل ما يعرف إننا عرفناه.

ظهرت ابتسامة باردة على شفتي سلطان.: بالظبط.

ثم رفع عينيه إلى ياسين وقال: خليه فاكر إن كل حاجة ماشية زي ما هو عاوز.

وأردف بصوت خافت:ـ لحد ما يقع بنفسه.
....................

عادت حور إلى غرفة الطعام بخطوات هادئة، وكأن شيئًا لم يحدث.

جلست إلى مائدة الطعام من جديد، وأكملت فطورها بكل هدوء، غير عابئة بتلك النظرات التي تعلقت بها من كل جانب.

كانت هانم تراقبها بامتعاض واضح، وسارة تحدق فيها بحقد لم تحاول حتى إخفاءه، بينما ظل عامر وماجدة يتابعانها في صمت، وكأنهما ينتظران اللحظة التي ستشتعل فيها المواجهة.

رفعت حور فنجانها إلى شفتيها، وارتشفت منه بهدوء.

لكن ماجدة لم تستطع الصمت طويلًا.

وضعت ملعقتها جانبًا، وقالت بنبرة تحمل خبثًا واضحًا:ما شاء الله عليكي يا حور... نفسك مفتوحة وبتاكلي ولا كأن كان في حاجة حصلت.

توقفت حور عن تناول طعامها.
ثم رفعت عينيها إليها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة.: وهو إيه اللي حصل يا ماجدة؟

ارتبكت ماجدة للحظة من هدوئها، لكنها سرعان ما ألقت نظرة خاطفة إلى سارة، ثم عادت تنظر إلى حور، وقالت بنبرة أكثر خبثًا: يعني... قصدي على جوازة جوزك، وابنه اللي جاي في الطريق؟

ساد الصمت حول المائدة.
لكن حور لم يتغير في وجهها شيء.
وضعت الفنجان أمامها، ثم قالت بهدوء: أولًا يا ماجدة... أحب أصحح لكِ معلوماتك.

رفعت عينيها إلى سارة للحظة، ثم عادت إلى ماجدة.: جوزي مش متجوز غيري... والحمد لله.

تحرك شيء في عيني سارة.

لكن حور تابعت بثبات: والماضي ده خلص وانتهى، ومالوش أي وجود في حياته دلوقتي. ولما حصل... أنا ما كنتش فيه.

توقفت لحظة، ثم قالت بنبرة تحمل ثقة واضحة: لأن أكيد لو أنا كنت موجودة في حياته وقتها... عمره ما كان هيحصل.

لم تجد ماجدة ما تقوله.

أما سارة فشدت أصابعها حول الملعقة بعصبية.

أكملت حور بهدوء:ثانيًا... موضوع إذا كان الطفل ابنه ولا مش ابنه، ده لسه مش مضمون. ولسه بدري على ما نتأكد.

سكتت ماجدة تمامًا.
وللمرة الأولى منذ بدأت الحديث، بدت عاجزة عن العثور على جملة واحدة تستطيع أن تواجه بها حور.

لكن سارة لم تستطع تحمل المزيد.
دفعت مقعدها قليلًا إلى الخلف، وقالت بعصبية وغضب: إنتِ إزاي تتكلمي عني وعن ابني بالشكل ده؟

التفتت حور إليها ببطء.
لم ترتفع نبرتها، ولم تتغير ابتسامتها.
قالت ببرود: صوتك ما يعلاش وإنتِ بتكلميني.

ثم أضافت باستهزاء واضح : وبعدين... هو أنا جبت سيرتك؟ أو وجهت لكِ كلام علشان تتكلمي معايا كده؟

ازداد وجه سارة احتقانًا وتابعت بغل : أيوه طبعًا! مش بتتكلمي عن ابني... وابن سلطان؟

رفعت حور حاجبًا واحدًا، وقالت بقوة هادئة:ـ ومين قال لكِ إن ابنك هو ابن سلطان؟

صمتت سارة بعجز ....

فأكملت حور: إذا كان سلطان نفسه عارف ومتأكد إنه مش ابنه.

اتسعت عينا سارة، ثم قالت بغضب: لو هو مش ابنه... يبقى ابن مين إن شاء الله؟

ابتسمت حور ابتسامة صغيرة، باردة، جعلت التوتر يتضاعف حول المائدة.
وقالت: والله إنتِ اللي تقدري تقولي لنا هو ابن مين.
توقفت لحظة، ثم أضافت بإهانه: ولا إنتِ زي القطط... ما بتبقيش عارفة مين اللي حملها؟

شهقت ماجدة في صدمة، واتسعت عينا عامر، بينما وضعت هانم يدها على صدرها من شدة الغضب.

أما سارة، فتجمدت في مكانها وكأن الكلمات صفعتها أمام الجميع.

انتفضت هانم من مقعدها وهتفت بغضب: إنتِ اتجننتي؟! إزاي تقولي لها الكلام ده؟!

لم تنظر حور إليها حتى كانت عيناها مثبتتين على سارة.

أما سارة، فقد امتلأت عيناها بالدموع، وقالت بصوت مرتجف من الغضب:أنا هروح لسلطان... وأقوله يوقفك عند حدك!

استدارت لتغادر.
لكن صوت حور دوّى في المكان حاسمًا: مكانك!

توقفت سارة رغماً عنها.

قالت حور وهي تنظر إليها بثبات: سلطان ده مش مديرك، وإنتِ مش سكرتيرته زي زمان علشان يبقى ليكي الحق تدخلي وتخرجي من عنده براحتك.

ثم نهضت من مكانها ببطء.
كانت نبرتها تزداد قوة مع كل كلمة، دون أن تحتاج إلى رفع صوتها: سلطان دلوقتي هو الشيخ سلطان، كبير العامرية.

ثم أشارت إلى نفسها: وأنا هنا مرات الشيخ سلطان.

ساد صمت ثقيل والعيون كلها ترمقها بذهول ، ثم تابعت: يعني اللي عاوزة حاجة منه من حريم الدار... ترجع لي أنا الأول، وأنا اللي أقرر إذا كان يقابلها ولا لأ.

نظرت إلى سارة من رأسها إلى قدميها، ثم قالت ببرود: وأنا بقول حريم الدار... وإنتي طبعاً مش من حريم الدار.

ارتجفت شفتا سارة.

فأكملت حور تضعها في مكانها الصحيح: انتي واحدة ضيفة هنا.

ثم ابتسمت ابتسامة خالية من الود:وضيفة غير مرغوب فيها كمان.

تبدلت ملامح هانم، وكأن الكلمات تجاوزت حدود صبرها.

لكن حور لم تتوقف: بس علشان دي دار كبير العامرية، والدار مفتوحة للكل، مضطرين نستحملك.

ثم اقتربت خطوة من سارة: وإنتِ تتصرفي على الأساس ده وبس.
ثبتت عينيها في عينيها وتابعت بتهديد مبطن : وأي حاجة غير كده ساعتها ما تلوميش إلا نفسك.

انفجرت هانم أخيرً ولم تعد تحتمل المزيد : 
إنتِ إيه اللي بتقوليه ده يا محراق الشر؟! إنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟!

التفتت حور إليها.

فصرخت هانم بغل : مين إنتِ علشان تحكمي وتتحكمي في الدار؟! ده إنتِ مجرد سبية خدناكي علشان نوقف الدم!

ثم أشارت حولها بغضب:الدار دي مالهاش ست غيري أنا وبس! إنتِ فاهمة؟!

ساد الصمت والكل مترقب اي الخصمين سينتصر ...

لكن حور لم تتراجع.
بل وقفت أمامها بثبات جعل غضب هانم يبدو للحظة بلا وزن.
قالت حور:لا... أنا مش ناسية نفسي يا حاجة هانم.
ثم رفعت رأسها بكبرياء: أنا حور الرفاعي... بنت الشيخ هاشم الرفاعي، ومرات الشيخ سلطان، شيخ العامرية.

توقفت لحظة، ثم قالت:يعني بنت شيخ أب عن جد.

تغيرت ملامح هانم.

أكملت حور: ولو أنا زي ما بتقولي... جوازة لوقف الدم، ده مش هينفي الحقيقة إني مرات شيخ العامرية.
وكلمتي هي اللي هتمشي على الكل... الكبير قبل الصغير.

نظرت إلى هانم مباشرة: وده العرف اللي إحنا عايشين بيه هنا يا حاجة هانم ولا ايه؟؟؟

لم تجب هانم.
كانت عيناها تقدحان غضبًا.

اقتربت حور منها خطوة أخرى، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة قصيرة.
ثم خفضت صوتها، ولم يسمع كلماتها إلا هانم وتابعت بهدوء قاتل : وبعدين...
إنتِ كمان كنتِ في يوم من الأيام جوازة لوقف الدم لما أخوكي الصغير قتل عم سلطان ولا نسيتي ؟؟

تجمد وجه هانم واتسعت عيناها، واحتقن وجهها بغضب لم تستطع السيطرة عليه.

أما حور، فابتسمت لها ابتسامة باردة.
ثم استدارت وغادرت غرفة الطعام بخطوات ثابتة، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا.

ظل الجميع يحدقون في أثرها.
كانت ماجدة أول من خفض عينيه وهي تعيد ترتيب خطتها في مواجهة حور الجديده...

أما عامر، فظل ينظر إلى الباب الذي خرجت منه حور، وكأن شيئًا جديدًا تمامًا قد ظهر أمامه.
لم تعد حور تلك الفتاة التي دخلت دار العامرية مكسورة بحكم المجلس.
لقد بدأت تفهم قوتها...
والأخطر من ذلك كله، أنها بدأت تعرف كيف تستخدمها.

اما هانم وساره فنظرت كل منهم إلي الأخرى ، ساره بخوف من قوه حور ..
وهانم بحقد وتوعد لضرورة ازاحه حور من طريقها ....
...........................

ما إن غادرت حور غرفة الطعام، حتى خرج سلطان من مكتبه في اللحظة ذاتها.

كانت خطواته تتجه نحو الدرج، قبل أن تقع عيناه عليها.

توقفت حور عندما رأته.

اقترب منها، وكانت ملامحه أكثر هدوءًا من الساعات الماضية، ثم قال:ـ حور عندي ليكي خبر حلو 

رفعت عينيها إليه: خير ؟؟

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه، وقال:
أبوكي فاق.

تجمدت للحظة.حدقت فيه وكأنها لم تستوعب ما قاله. بابا... بجد؟!

أومأ سلطان مبتسما: ـ الحمد لله... عدى مرحلة الخطر، والدكاترة نقلوه أوضة عادية.

اتسعت عيناها، وامتلأتا بالدموع من شدة الفرح، قبل أن تندفع نحوه دون تفكير وتتشبث بذراعه.ـ بجد يا سلطان؟؟

ابتسم لها بحنان:بجد يا روح سلطان 

تنفست بعمق، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدرها فجأة.: الحمد لله...

رفع سلطان يده وربت على يدها. يلا اطلعي غيري هدومك علشان نروح نشوفه.

أومأت بسرعة، ثم صعدت الدرج بخطوات متعجلة، وهي تبتسم بسعاده ...

ظل سلطان يتابعها بعينيه حتى اختفت عن نظره.

وبمجرد أن ابتعدت، جاءه صوت عامر من خلفه:سمعتك وإنت بتقول لحور إن الشيخ هاشم فاق.

التفت سلطان إليه.

كان عامر يقف على مسافة منه، محاولًا أن يبدو طبيعيًا.

قال سلطان: الحمد لله، عدى مرحلة الخطر.

ابتسم عامر ابتسامة خفيفة: الحمد لله.
ثم سأله : تحب أجي معاك؟

هز سلطان رأسه نافيًا:ـ لا، خليك هنا في الدار.

سكت عامر لحظة، ثم قال: ـ طب ليه؟

اجابه سلطان : مفيش حاجة. خليك هنا بس.

راقبه عامر قليلًا، ثم قال بنبرة بدت عتابًا أكثر منها سؤالًا: وإنت ليه رفضت إني أجي لك المكتب وإنت وياسين؟

ثبت سلطان عينيه عليه.: عادي... كنت عاوزه في شغل.

ابتسم عامر ابتسامة صغيرة، لكنها لم تصل إلى عينيه.: ـ طب وإيه يعني؟ هو فيه شغل أنا معرفوش؟ ولا في سر عليا؟

ظل سلطان صامتًا للحظة.ثم قال بهدوء:
عادي يا عامر. إنت مكبر الموضوع وواخده  على أعصابك ليه كده؟

تنهد عامر، وخفض عينيه قليلًا، ثم قال بنبرة حملت حزنًا مصطنعًا: علشان أنا أخوك.
وأنا المفروض أكون أقرب لك من ياسين... مش العكس.

لم تتغير ملامح سلطان.
اقترب منه خطوة، وقال بهدوء شديد: إنت أخويا... وهو الرجل بتاعي.
ثم أضاف:وأنا بحب أمشي شغلي بطريقتي.

صمت قليلًا، قبل أن يقول: وأكيد لو احتجتك في حاجة... هقولك.

حاول عامر أن يبتسم.: أنا عارف إنك مش قصدك تبعدني.

أجابه سلطان بنظرة ثابتة: وأنا فعلًا مش ببعدك.

لكن نبرة صوته لم تحمل ما يكفي لإقناع عامر.

قال عامر: ماشي يا سلطان...
بس لو في حاجة تخص الدار أو العيلة... عاوزك تفتكر إن ليّا حق أعرف.

نظر إليه سلطان طويلًا: ـ وحقك محفوظ.

ثم أضاف بصرامة هادئة:بس كل حاجة في وقتها.

ساد بينهما صمت قصير.

وفجأة جاءت خطوات حور من أعلى الدرج.

التفت الاثنان إليها.

كانت قد بدلت ملابسها سريعًا، ، وبدت على وجهها لهفة واضحة لرؤية والدها.
قالت وهي تقترب: أنا جاهزة.

التفت سلطان إليها، فتغيرت ملامحه تلقائيًا، وظهرت في عينيه تلك النظرة التي لا تظهر إلا عندما ينظر إليها.
مد يده إليها:يلا بينا ...

اقتربت حور وتشابكت يدها في يده.
ثم التفتت إلى عامر بابتسامة:سلام يا عامر.

ابتسم لها ابتسامة لم تصل الي عينيه : سلام يا حور.

تحرك سلطان وحور نحو الباب ...
ظل عامر واقفًا في مكانه حتى اختفت خطواتهما.
تبدلت ملامحه تدريجيًا اختفت ابتسامته.
كان يشعر أن هناك شيئًا يحدث من حوله...
شيئًا لا يخبره به أخوه.
وكلما حاول سلطان أن يطمئنه، ازداد يقينه بأن وراء هدوئه سرًا كبيرًا.
.....................

دخل عامر إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء.

توقف للحظة عندما وجد ماجدة تتحرك ذهابًا وإيابًا أمامه بقلق، وكأنها كانت تنتظر عودته لتفرغ ما يختلج في صدرها.

وما إن وقعت عيناها عليه حتى أسرعت نحوه وقالت بانفعال: شوفت اللي حصل من حور مع أمك وسارة؟

خلع عامر ساعته ببطء ووضعها فوق الطاولة، ثم أجاب بهدوء:ـ أيوه... شوفت.

كانت ملامحه هادئة، لكن عقله كان لا يزال عالقًا عند حديثه مع سلطان.

لم يكن غضبه من حور هو ما يشغله الآن...

بل ذلك الهدوء الغريب الذي واجهه به أخوه، ورفضه أن يسمح له بالدخول إلى مكتبه أثناء وجود ياسين.

اقتربت ماجدة منه وقالت بقلق:وهنعمل إيه؟ حور كده فِوّتِها بتزيد يوم بعد يوم، وإحنا لازم نتصرف قبل ما تفرض نفسها على الدار أكتر من كده.

نظر إليها عامر لحظات، ثم قال: ـ هنتصرف إزاي؟

توقفت ماجدة أمامه، وقالت:ـ معرفش... بس لازم نعمل حاجة.

ابتسم عامر ابتسامة خافتة بلا مرح:المشكلة إن حور مش هي اللي شاغلاني دلوقتي.

قطبت ماجدة حاجبيها:ـ أمال ايه اللي شاغلك؟؟

رفع عامر عينيه إليها وقال ببطء:سلطان
ـ أنا مش مطمن له.

اقتربت ماجدة أكثر:ليه؟

جلس عامر على المقعد، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم قال: حاسس إنه بيدبر لحاجة... ومش عاوزني أعرفها.

نظرت إليه ماجدة باهتمام، ثم قالت:أنا كمان أخدت بالي خصوصًا لما رفض إنك تقعد معاه هو وياسين.

أومأ عامر ببطء.: هو ده.

ثم سكت لحظة، قبل أن يقول: أنا من ساعة ما ياسين جه وأنا مش مرتاح له.

قالت ماجدة ـ ليه؟

عامر بتفكير : ـ معرفش.
يمكن إحساس... بس أنا حاسس إن الراجل ده مش مجرد واحد سلطان بيستعين بيه في شغله.

تأملته ماجدة بقلق.

فأكمل: وبعد اللي حصل مع صبري وخطفه لحور... أنا بقيت مش مطمن أكتر.

ماجده بقلق :  يعني إيه؟

رفع عامر عينيه إليها وقال: حاسس إن سلطان وياسين بيدبروا لحاجة.

اتسعت عينا ماجدة.حاجة تخص إيه بالظبط ، بلاش تخوفني ....

هز عامر رأسه: مش عارف ودي أكتر حاجة مقلقاني.

جلست ماجدة أمامه وقالت بخوف: طب هنعمل إيه؟

ظل عامر صامتًا.مرر يده على ذقنه، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره.ثم قال:مش عارف.

نظرت إليه ماجدة بدهشة:هو انت اللي طالع عليك مش عارف مش عارف...
ـ علشان كده لازم نستنى.

هتف ماجده متساله : نستنى؟

عامر بحسم أيوه.
رفع عينيه إليها وقال بجدية: لازم نعرف هو بيدبر لإيه قبل ما نتحرك.
خطواتنا الفترة الجاية لازم تكون محسوبة كويس أوي.
لأن أي غلطة هنغلطها... ممكن تضيعنا.

صمت لحظة، ثم قال بنبرة أكثر حذرًا:سلطان مش زي الأول.

ماجدة وقد انتقل اليها خوف عامر : إزاي؟

عامر بشرود : سلطان بقى أهدى... بس هدوءه مش مطمني.

ابتلعت ماجدة ريقها.: يعني شايف إننا في خطر؟

أجابها عامر دون تردد: لو إحساسي صح... آه.
ثم نهض من مكانه، واتجه نحو النافذة.
ظل ينظر إلى الخارج للحظات، قبل أن يقول: من دلوقتي... مفيش خطوة تتاخد من غير ما نفكر فيها عشر مرات.

التفت إليها وأضاف: ولا كلمة تتقال قدام أي حد.

أومأت ماجدة ببطء.
لكنها لم تكن تعلم أن الخطر الذي يخشاه عامر لم يكن مجرد شيء يدبره سلطان...
بل أن سلطان بالفعل كان قد بدأ يراقب كل من حوله.
وكان عامر نفسه في دائره الشك ....
..................

وصل سلطان وحور إلى المستشفى، وما إن وصلا الي غرفه هاشم  حتى وجدا هارون في انتظارهم أمامها

اقترب منهما سريعًا، ثم نظر إلى حور قبل أن يقول بجدية: حور... أوعي تقولي لابوكي حاجة عن اللي عمله صبري الكلب.

تعلقت عيناها به، فتابع هارون: أبويا لسه خارج من عملية، وجسمه لسه ضعيف. مش ناقصة يعرف إن اللي حصله بسبب الكلب ابن اخوه ...

أومأت حور بصمت، وسلطان تدخل مؤكدًا:
هارون عنده حق. وأنا كمان رأيي كده. مش لازم يعرف دلوقتي خالص. لما يخرج بالسلامة ويبقى قادر ساعتها يعرف كل حاجة.

نظرت حور إلى الرجلين، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت: حاضر... مش هقوله حاجة.

ابتسم هارون لها بحنان، ثم فتح لهم باب الغرفة.

دخلت حور أولًا.
وما إن وقعت عينا هاشم عليها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة ضعيفة، رغم الإرهاق الذي كان يثقل ملامحه.

توقفت حور للحظة وهي تراه مستلقيًا فوق الفراش، ثم أسرعت نحوه، وارتمت في حضنه بحذر، وانهمرت دموعها وهي تقبل يده : حمد الله على سلامتك يا بوي... الدنيا كانت وحشة وإنت مش فيها.

رفع هاشم يده بصعوبة، وربت على ظهرها بحنان أبوي رغم ضعفه: متقوليش كده يا بتي... أنا أهو بقيت كويس والحمد لله 

ابتعدت عنه قليلًا، وظلت تمسك بيده بكلتا يديها، فقال لها وهو ينظر إليها بحنان:
وبعدين جوزك معاكي وجانبك... مش هتخافي وإنتِ في ضهره.

رفعت حور عينيها نحو سلطان، فالتقت عيناه بعينيها للحظة، قبل أن يتقدم هو من الفراش.
قال سلطان بصوت هادئ:حمد الله على سلامتك يا شيخ هاشم.

ابتسم هاشم له، وقال بصوت ضعيف:الله يسلمك يا ولدي.

جلس سلطان إلى جواره، بينما بقيت حور ممسكة بيد أبيها.

ساد بينهم هدوء قصير، لم يكن فيه سوى أصوات الأجهزة الطبية الخافتة.

تحدث هارون وهو يربط علي قدم سلطان بقوه : والله يا ابوي الشيخ سلطان ما فتناش لحظه من ساعه اللي حصل ، واللي عمله معانا دين في رقبتي ليه ....

ابتسم سلطان وتابع بعتب : عيب كلامك ده يا هارون احنا اهل ، والشيخ هاشم معزته كبيره عندي ....

نظرت له حور بعشق ، بينما تابع الشيخ هاشم بصوت ضعيف : الشيخ سلطان راجل من ضهر راجل وسيد من يفهم في الاصول .

سلطان بامتنان: تسلم يا شيخ هاشم 

ظل هاشم يتحدث معهما قليلًا، ويسأل حور عن حالها، بينما كانت تجيبه بابتسامة تخفي خلفها خوفًا لم يغب عنها منذ ليلة إطلاق النار.

وبعد وقت، نظر سلطان إلى ساعته، ثم قال:
أنا مضطر استاذن هروح مشوار شغل شوية وهرجع.

رفعت حور عينيها إليه.

فأكمل بهدوء: وإنتِ خاليكي هنا براحتك. وأنا هخلص اللي ورايا وأعدي عليكي.

أومأت حور بامتنان : ماشي 

اقترب منها سلطان قليلًا، وقال بصوت خافت لا يكاد يسمعه سواها: ولو احتجتي أي حاجة، كلميني فورًا.

ابتسمت له ابتسامة صغيرة:حاضر يا سلطان.

ثم التفت سلطان إلى هاشم: استأذنك يا شيخ هاشم.

أومأ هاشم بابتسامة متعبة:روح يا ولدي... ربنا يوفقك.

نظر سلطان إلى حور نظرة أخيرة، ثم غادر الغرفة برفقه هارون ....

تابعته حور بعينيها حتى اختفى خلف الباب، ثم عادت وجلست إلى جوار أبيها، وأمسكت يده من جديد.

نظر هاشم اليها وسالها بابتسامة مرتاحه : شكلك حبيتي جوزك يا حور ؟؟

اخفضت حور عينيها ارضاً بخجل هرباً من نظرات ابيها وهزت راسها موافقه دون صوت .
فربط هاشم علي يدها وهتف بارتياح، فقد كان يشعر بالذنب نحوها بسبب اجباره علي جوازها منه بسبب حكم المجلس : ربنا يهدي سرك يا بتي ويخلف عليكي بالخلف الصالح....

طبعت حور قبله عميقه علي يده وامنت علي دعاءه رغم خوفها من القادم : امين ....
......................

كان الطريق إلى المخزن صامتًا إلا من هدير السيارة الذي شقّ هدوء الليل.

جلس سلطان في المقعد الخلفي، ملامحه جامدة، وعيناه مثبتتان أمامه، بينما كان ياسين يقود بصمت.

منذ أن غادر المستشفى، لم ينطق سلطان إلا بكلمات قليلة، لكن ياسين كان يعرف أن ذلك الصمت لم يكن هدوءًا...

بل كان غضبًا يتشكل في داخله.

توقفت السيارة أمام المخزن.

ترجل الاثنان، ثم فتح ياسين الباب الحديدي ودخلا.

كان الرجل الذي أُلقي القبض عليه أثناء الهجوم على الشيخ هاشم جالسًا في أحد أركان المكان، ويداه مقيدتان، وقد بدا عليه الإنهاك والخوف.

تقدم سلطان نحوه بخطوات هادئة.

لم يتعجل جلس أمامه، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم وضع ساقًا فوق الأخرى، وظل ينظر إليه للحظات دون كلمة واحدة.

ارتبك الرجل أكثر تحت ثقل نظراته.

ثم قال سلطان بهدوء: قول اللي عندك.

ابتلع الرجل ريقه وقال بسرعة: أنا قلت كل حاجة يا شيخ... أنا ماليش ذنب في حاجة. أنا عبد المأمور.

ظل سلطان ينظر إليه، ثم قال ببرود:وأنا عاوز أسمع من الأول.

ارتجفت أنفاس الرجل، وقال: أنا واحد من رجالة صبري بيه... وهو اللي رتب وخطط لكل حاجة. كان مدينا الأوامر إننا نخلص على الشيخ هاشم وابنه هارون.

صمت لحظة، ثم أسرع يقول: وده اللي إحنا نفذناه... والله يا شيخ أنا كنت بنفذ أوامر وبس.

لم يتغير وجه سلطان.قال: يعني صبري هو اللي أمر بضرب النار؟

الرجل بارتعاش : ـ أيوه.

عاود سلطان يسال مره اخري : ـ وهو اللي اختار المكان؟

الرجل بخوف اجابه :  أيوه يا شيخ.

مسح سلطان طرف انفه وساله متابعاً : ـ وكان عارف إن هاشم وهارون هيعدوا من الطريق ده؟

هز الرجل رأسه: أيوه... كان عارف كل تحركاتهم.

ضاقت عينا سلطان قليلًا.ثم قال: لما قلت لياسين على المكان اللي صبري خطف فيه حور... عرفت منين؟

ارتبك الرجل:أنا معرفش إنه خطف البنت دي أصلًا... ولا كنت أعرف إنه ناوي يخطفها إلا لما ياسين سألني.

تدخل ياسين قائلًا: وهو فعلًا قال لي المكان من غير تردد.

عاد سلطان ينظر إلى الرجل: وإنت ما تعرفش أماكن تانية لصبري غير المكان ده؟

أجاب الرجل سريعًا:لا يا شيخ... معرفش.

ساد الصمت وظل سلطان ينظر إليه طويلًا.

كان الرجل يشيح بعينيه، ويتجنب النظر إليه.

وفجأة نهض سلطان اقترب منه حتى وقف أمامه مباشرة، ثم أمسكه من ذقنه وأجبره على رفع وجهه إليه، بينما أخرج مسدسه ووضعه في منتصف رأسه.

تجمد الرجل في مكانه وارتجف بدنه برعب حتي كاد ان يبول عن نفسه من شده الزعر .

وانخفض صوت سلطان، لكن الغضب الذي حملته نبرته كان أشد من الصراخ:انطق يا ابن المره ،أنا مش بحب أمور اللوع دي.

ارتعشت شفتا الرجل هاتفاً ببكاء : ـ والله ما بكدب.

اقترب سلطان أكثر وقال:قولي المكان اللي صبري مستخبي فيه.

الرجل برعب حقيقي :  معرفش.

رفع سلطان سلاحه، وأطلق رصاصة إلى جانب رأسه، دوّى صوتها داخل المخزن.

انتفض الرجل بعنف، بينما قال سلطان ببرود مخيف: التانية هتكون في دماغك... قولي هو فين؟

انهارت مقاومة الرجل، وراح يهز رأسه بعنف: معرفش! والله معرفش!

بكى الرجل من شدة الخوف: معرفش غير الأماكن اللي قلتها لياسين، والله العظيم! دي كل حاجة أعرفها!

ظل سلطان يحدق فيه لثوانٍ، ثم قال: هشوف.

خفض الرجل رأسه، وراح يتوسل: أبوس رجلك يا شيخ... والله ما أعرف حاجة غير اللي قلتها. وأنا تحت أمرك في أي حاجة تعوزها مني.

اقترب ياسين من سلطان وقال بهدوء: أنا متأكد إنه قال لي كل اللي يعرفه.

نظر سلطان إلى الرجل مرة أخيرة، ثم قال:
لو اكتشفت إنك بتكدب...ساعتها مش هتلاقي مكان في الدنيا تستخبى فيه مني.

هز الرجل رأسه بسرعة:حاضر يا شيخ... والله ما كدبت.

استدار سلطان مبتعدًا عنه، بينما تبعه ياسين.

وقبل أن يخرجا، توقف سلطان دون أن يلتفت، وقال: خليه هنا. ومحدش يقرب له لحد ما أقول.

خرج سلطان من المخزن، لكن وجهه لم يحمل أي ارتياح.
فحتى الآن...
لم يعرف أين يختبئ صبري.
والأسوأ من ذلك أن الرجل أكد شيئًا واحدًا أصبح سلطان متيقنًا منه:صبري لم يعد يتحرك بعشوائية.
كان يعرف تحركات رجال الرفاعي...
ويعرف أين يضرب...
ويعرف أكثر مما ينبغي عن حور وسلطان.
وهذا يعني أن هناك عينًا أخرى...
تراقب كل شيء من الداخل.
..........................

عاد سلطان وحور إلى جناحهما بعد زيارة هاشم في المستشفى.

كان الإرهاق واضحًا على ملامح كليهما، وما إن دخلا حتى اتجه سلطان مباشرة إلى الحمام، بينما تحركت حور نحو غرفتها لتبدّل ملابسها.

لكنها ما إن وصلت إلى الباب حتى عقدت حاجبيها باستغراب.

أدارت المقبض مرة...ثم مرة أخرى.
لم يُفتح.

حاولت دفع الباب بكتفها، لكنه ظل مغلقًا.

هتفت باستغراب : ـ إيه ده؟!

استمرت في المحاولة، حتى جاءها صوت سلطان من خلفها: في إيه يا حور؟

استدارت لتجيبه، لكن الكلمات توقفت في حلقها.

كان سلطان يقف أمامها وقد خرج لتوه من الحمام، عاري الصدر شعره المبلل تتساقط منه قطرات الماء علي جسده حتي تختفي بوقاحه خلف المنشفه الصغيره التي يلف بها خصره !!!!!

سرعان ما أشاحت حور بعينيها عنه، وقالت بتلعثم وهي تشير إلى الباب:ـ الباب... الباب مش راضي يفتح.

اقترب سلطان منها،حد الخطر ،حد احتكاك جسده الساخن بجسدها مما سبب لها قشعريره بارده علي طول عمودها الفقري ثم  انحنى قليلًا ليفحص المقبض. هاتفاً ببراءع مزيفه : فين؟ وريني كده.

ابتعدت عنه خطوة وهي تتجنب النظر إليه:
ـ أهو... حاولت كتير ومش راضي.

أمسك سلطان بالمقبض وحاول فتحه.ثم قال:
فعلًا... مش راضي يفتح.

تنهدت حور بضيق:طب والحل دلوقتي؟ أنا عاوزة آخد شاور وأغير هدومي.

لمعت في عيني سلطان لمعة مكر خاطفة، لكنه أخفاها سريعًا وقال ببراءة مصطنعة:
ادخلي خدي شاور في حمامي، وأنا أحاول أصلح الباب على ما تخلصي.

رفعت عينيها إليه هاتفه باعتراض: لا، مش هينفع... أنا مش معايا هدوم.
انا هستناك لما تصلحه وبعدين ادخل حمامي ...
سلطان ببراءه :ـ ليه تعذبي نفسك؟ إنتِ طول اليوم بره. ادخلي خدي حمام براحتك، وأنا هصلحه. شكله هياخد وقت طويل.

ترددت حور للحظات ثم تنهدت باستسلام:
ماشي.
ثم اتجهت إلى حمامه ، وقبل أن تغلق الباب خلفها، التفتت إليه بتردد: بس حاول تخلصه بسرعة.

ابتسم سلطان بنصر : حاضر علي طول .

أغلقت الباب.
وبمجرد أن اختفت خلفه، ارتسمت على شفتي سلطان ابتسامة ماكرة منتصره.....

بعد نصف ساعه ...
جاء صوت حور من خلف باب الحمام: سلطان؟
لم يجب.

انتظرت قليلًا ثم نادت مره اخري : سلطان... صلحت الباب؟

ايضاً لم يجب !!!!

عقدت حاجبيها ونادت مره اخري : ـ سلطان؟

ظل الصمت يخيّم على الجناح.

قالت بقلق: ـ وبعدين بقى؟ مش بيرد ليه ده؟

فتحت الباب قليلًا وأطلت برأسها لم تجد سلطان.
لكنها فوجئت بأن باب غرفتها مفتوح.

خرجت سريعًا وهي تلف حول جسدها منشفة كبيرة، واتجهت إلى غرفتها.

لكنها ما إن دخلت حتى تجمدت في مكانها.
اختفت كل محتويات الغرفة ، لا اثر لفراشها ولا خزانه ملابسها ....لا شيء تقريبًا.

استدارت بسرعة لتخرج، فاصطدمت بجسد سلطان العاري كما تركته قبل نص ساعه!!!

كان يقف أمام الباب، يراقبها بابتسامة هادئة.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم قالت بغضب امتزج بخجلها: إنت اللي عملت كده؟!

رفع سلطان حاجبه، وقال بثقة: ايوه ... انتي اللي بدأت اللعبة... وأنا اللي هكملها، بس على طريقتي.

شددت حور قبضتها على طرف المنشفة فوق صدرها بحمايه  هاتفه بقلق : يعني إيه؟

اقترب منها ببطء، حتي تلاشت المسافه بين اجسادهم ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
يعني إنتِ قلتي إنك مش هتسمحيلي أقرب منك لحد ما موضوع الطفل يتحل.

أومأت بحذر.

فتابع بجديه يشوبها العبث :  وأنا وافقت... وهحترم قرارك.

نظرت إليه باستغراب، فأكمل: بس من هنا لحد ما الحقيقة تظهر، إنتِ كمان هتحترمي قراري.

ازدادت حيرتها :ـ وإيه هو قرارك؟

الصق جسدها بجسده وهو يجذبها من خصرها بقوه طفيفه نحوه يأكلها بعينه ولكنه يتحكم بقوه هائله في رغبته بها وقال هامسًا:إنك تفضلي جنبي.
مرر يده بين خصلاتها النديه وتابع بهمس وقح : انك تشاركيني كل حاجه واولها سريري...
ثم انحني بجسده وحملها بين ذراعيه نحو فراشه ....
مددها عليه ثم صعد بجانبها ....

ازدادت ضربات قلبها، وقالت بخجل وهي تجذب شرشف الفراش تخفي جسدها تحته : بس أنا مش هينفع أنام كده... أنا عاوزة هدومي.

ابتسم سلطان بعبث: هدومك كلها اتنقلت.

حدقت فيه باندهاش : نقلتها فين؟

سلطان بمكر : مكان آمان ....
ثم اقترب منها واشرف عليها بجسده العاري الضخم متابعاً بوقاحه : واول قرار وهتنفذيه بالامر واحنا نايمين مع بعض مفيش حاجه اسمها هدوم هنام ملط !!!!!

جحظت عين حور من وقاحته وهدرت دقات قلبها وهتفت بدموع الخجل : مش هقدر ...

سلطان بوقاحه اكثر وهو يخلع عنه المنشفه ويلقيها ارضاً امام نظراتها الذاهله :لا هتقدري وهتقولي لي امرك يا شيخ سلطان كمان ...
حور بوجه شديد الاحمرار من شده الخجل وبعيون مغلقه : مش هقدر ومش هقول ...

طبع سلطان قبله رقيقه علي شفتيها وهمس يخفوت : طب وكده ؟؟

هزت حور راسها رفضاً ولازالت مغمضه العين ، فطبع سلطان قبله اكثر عمقاً علي شفتيها ثم فصلها بعد فتره وتابع لاهثاً : وكده؟؟

اغمضت حور عينيها اكثر ونفت براسها ، فتابع سلطان غزوه لشفتيها مره اخري وانحدرت قبلاته الملتهبه تصك ملكيته علي جيدها ومقدمه صدرها مما جعلها تصدر آنه خفيضه فسالها مره اخري: وكده ؟؟

اعلنت حور اخيراً استسلامها وغلب عشقها له رفضها وهمست بعيون مغلقه : امرك يا شيخ سلطان ...
فابتسم سلطان اخيراً بظفر وانقد علي شفتيها يقبلهما بجوع وامتدت يده وازاحت عنها المنشفه والقاها ارضاً تجاور منشفته ومارس فنون عشقه فوق جسدها يفجور عاشق وفي اللحظة الحاسمه استجمع قوته بقوه يحسد عليها وابتعد عنها وضمها داخل خضنه بقوه طابعاً قبله عميق فوق راسها هامساً بعشق : تصبحي علي حضني يا روح سلطان ...
ضمت حور نفسها داخل احضانه تخبيء نفسها وجسدها بخجل داخل حضنه الواسع وارتسمت على شفتيها ابتسامة عاشقة لرجلٍ ظنت يومًا أن عشقها له سيظل سرًا مدفونًا في أعماق قلبها، فإذا به اليوم يضمها لحضنه، يبادلها الحب ذاته الذي أخفته طويلًا.....
...............


تعليقات