رواية حين يجبر العشق الفصل الرابع والعشرون
كانت بعض المعارك تنتهي حين تُسفك الدماء، وتُدفن الأسرار معها... لكن هناك معارك أخرى لا تبدأ إلا بعد أن يظن الجميع أن كل شيء قد انتهى.
ففي الوقت الذي بدأت فيه القلوب تجد طريقها أخيرًا إلى الطمأنينة، وبدأ الحب يفرض وجوده على حكايةٍ كُتبت في البداية بالإجبار، كانت خيوط أخرى تُنسج في الخفاء... خيوط لا تُرى، لكن امتدادها كان يقترب من الجميع دون استثناء.
بين أبٍ عاد من الموت حاملاً في ذاكرته سؤالًا لا يملك له إجابة، ورجلٍ بدأ يدرك أن الخطر لم يعد يأتيه من الخارج وحده، وأيدٍ خفية تتحرك داخل داره دون أن يلتفت إليها أحد...
كانت الحقيقة تقترب.
وفي الجهة الأخرى، كانت هناك قلوب ظنت أن امتلاكها للحب يكفي لحمايته، دون أن تدرك أن الحب حين يصبح نقطة ضعف، قد يتحول إلى أخطر سلاح في يد من يعرف أين يطعن.
كان الهدوء يخيّم على الجنوب ...
لكن خلف ذلك الهدوء، كان شيءٌ ما يستعد للتحرك.
..................
في جناح سلطان، كان الصباح يتسلل بخفوت من بين ستائر النوافذ، ناشرًا خيوطه الذهبية فوق سكون الغرفة.
فتح سلطان عينيه ببطء، وقبل أن يكتمل وعيه، شعر بالدفء الذي يحيط به...
كانت حور.!!!!
ابتسم بانتشاء عندما تذكر تقاربهم الحميمي الاول ليله امس ...
علي الرغم من عدم امتلاكه لها كاملاً ورغبته المتوحشه في امتلاكها الا انه منتشي بما وصلوا اليه ....
حول نظراته اليها ، كانت بين ذراعيه يكبلها بجسده الضخم ، محاطة به بقوةٍ تحمل من التملك قدر ما تحمل من الحب، وكأن ذراعيه أثناء نومه رفضتا أن تتركاها ولو للحظة.
ظل ساكنًا لثوانٍ، يتأملها.
كان شعرها الطويل منثورًا فوق صدره، وخصلاته الناعمة تتناثر حول وجهها وعلى ذراعه، بينما استقرت ملامحها في نومٍ هادئ .....
منذ أحبها، كان يتخيل تلك اللحظة...
أن يستيقظ يومًا فيجدها بين ذراعيه، مطمئنة إليه، يحيطها بجسده بحمايه وتملك ....
رفع يده ببطء، وأخذ يتخلل بأصابعه خصلات شعرها في حنان، يمررها بينها وكأنه يلمس شيئًا يخشى أن يفقده إن أفاق من حلمه.
وتضخم صدره بعشقها أكثر، حين تحركت بين ذراعيه قليلًا، ثم تمتمت بصوتٍ ناعس، مفعم بالانوثه بالكاد سمعه:سلطان...
توقفت أنفاسه للحظة.
حتى اسمه، حين يخرج منها بهذا الهدوء، كان يمتلك قدرة عجيبة على هز كل ما بداخله.
انحنى نحوها، وأغرق وجهها بقبلات رقيقة متتابعة؛ قبلة على جبينها، وأخرى على وجنتها، ثم توقف لحظة يتأمل ملامحها النائمة قبل أن يطبع قبلة حانية علي شفتيها التي نطقت باسمه للتو...
تحركت حور بتململ خفيف، عندما شعرت بملمس شفتيه الغليظه فوق شفتيها تقبلها برقه ثم بدأت عيناها تنفتحان ببطء.
وحين اكتمل وعيها، وجدت عينيه أمامها مباشرة.
تلاقت نظراتهم.
كانت عيناها لا تزالان مثقلتين بالنعاس، تحملان خجلًا رقيقًا جعل وجنتيها تشتعلان بمجرد أن تذكرت وضعهم !!
أما عيناه...
فكانتا مختلفتين تمامًا.
جريئتين، ثابتتين، تحملان ذلك التملك الذي لم يعد يخفيه عنها، وتلك الرغبه المحمومه في امتلاكها والتي تنطق بها نظراته...
ابتسمت حور بخجل، وهمست: إنت صاحي من إمتى؟
اقترب سلطان منها أكثر، وقال بصوتٍ منخفض، امام شفتيها الحمراء كحبات كرز وهو يحمل ابتسامة عاشقة: من قبل ما تفتحي عينك بشويه
رفعت حاجبيها باستغراب ناعس:وليه ما صحتنيش؟؟
مرر إبهامه برفق حميمي فوق شفتيها السفليه وقال بوقاحه دون أن يبعد عينيه عنها: عشان كنت بمتع عيني بيكي ، ثم مرر يده علي جسدها من تحت الفراش بفجور : ولسه هصبح علي ممتلكاتي بس انتي صحيتي .،،
ازدادت حمرة وجهها، فحاولت أن تخفي ابتسامتها وهي تدفن وجهها في صدره.
فضمها سلطان إليه أكثر، فهمست حور بخجل : انت بقيت قليل الادب اوي ...
ضمها اكتر داخل صدره ويديه الاخري تسير علي ظهرها العاري برقه : فين ده ، انا لسه بسخن بس اوعدك اول لما انزل الملعب هبهرك !!
أغمضت عينيها من جديد بين ذراعيه، وابتسمت بخجل وعجز لسانها علي الرد امام وقاحته ..
هتف سلطان بشقاوه : بقولك ايه ما تيجي تدعكي لي ضهري وانا بستحمي اصلي مش بعرف اطوله ...
وهم ان ينهض ويحملها علي ذراعيه ....
انتفضت حور برفض خجل ووجهها يتلون بحمره قانيه وكانت علي وشك البكاء من شده خجلها : علشان خاطري يا سلطان بلاش والنبي علشان خاطري مش هقدر .
سلطان وهو يناغشها بشقاوه: ليه بس مش هتقدري ، جربي ومش هتندمي ، ده هيكون الذ شاور تاخديه في حياتك...
اتبع قوله وهو يعض علي شفتيه باثاره وعينيه تعدها بالكثير مما جعلها تتشبث برفضها اكثر : سلطان بطل بقي والله هعيط بطل تكسفني ....
ابتسم سلطان بحنو وضمها اكثر داخل احضانه: ماشي هعديها لك المره دي بس المره الجايه موعدكيش ...
ثم اقتنص شفتيها في قبله طويله محمومه وهمس امام شفتيها بخفوت: دي احلي حاجه الواحد يبدا بيها يومه ....
ثم نهض من جانبها بجسده العاري لا يستره شيئاً مما جعلها تصرخ وتغمض عينيها بخجل وتختفي تحت الفراش ودقات قلبها تقرع كطبول الحرب ....
مما جعل ضحكاته الرجوليه تصدح في ارجاء الجناح وهو يقول بعبث: لا بقولك ايه من هنا ورايح لازم تتعودي علي كده انا اخيراً اخدت راحتي في اوضتي ، الوضع هيكون كده من هنا ورايح ....
ثم اختفت ضحكاته خلف باب الحمام اتبعه صوت مرش الماء البارد المنهمر علي جسده المشتعل بنيران رغبته وعشقه لها .....
انتهزت حور الفرصه ولفت الشرشف حول جسدها العاري باحكام وهرولت مسرعه الي غرفتها السابقه تختفي خلف باب الحمام تغلقه عليها باحكام ....
وقفت امام المراه تنظر الي ملامح وجهها الخجله وهي تتحسس وجنتيها المشتعله وانحدرت يديها نحو عنقها تتحسس الاثار الحمراء والزرقاء التي تركها علي عنقها حتي مقدمه صدرها التي تعلن صك ملكيته علي جسدها ، عضت علي شفتيها بخجل وهمست بوجل : قليل الادب بس بموت فيك ..
بعد وقت ، انتهي سلطان من ارتداء كامل ملابسه ، وقف يصفف خصلاته امام المراءه وما انتهي جمع اشياوءه الخاصه وتوجه صوب حمام حور ...
دق الباب وحاول فتحه فوجده مغلق باحكام ، ابتسم بعبث وتابع : بقي بتقفلي الباب بالمفتاح وماله هشوف له صرفه هو كمان ...
ثم ارتفع صوته يحادثها : انا نازل يا حور
انتظر لحظات، لكن لم يصله منها سوى الصمت، فابتسم سلطان وهزّ رأسه بيأس، ثم قال بصوتٍ أعلى قليلًا: سمعاني أنا نازل يا طحور.
ظلّ الباب موصدًا، فتنهد وهو يبتعد عنه، وقبل أن يخطو خارج الجناح، التفت إليه مرة أخرى وقال بنبرةٍ عابثه : بس خلي بالك المفتاح ده مش هيحميكي مني كتير.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة عاشقة، واتجه إلى الخارج، تاركًا خلفه جناحه الهادئ، وقلبه معلّقًا بتلك التي يعرف جيدًا أنها ستظل قادرة على إشعال ناره بنظره من عينها الخضراء الساحره ....
..............
هبط سلطان إلى الطابق السفلي بخطواتٍ ثابتة، وما إن بلغ الردهة حتى استوقف أحد الخادمات وقال بنبرةٍ هادئة لا تخلو من الحزم:أول ما تنزل حور هانم، خليها تعمل لي قهوتي وتجيبها المكتب.
أومأ الخادمة باحترام، بينما تابع سلطان طريقه إلى مكتبه.
كان يعلم أن الأمور من حوله بدأت تتشابك بصورةٍ أخطر مما تبدو عليه، وأن كل خيطٍ جديد يظهر أمامه لا يقوده إلى إجابة، بقدر ما يفتح أمامه بابًا آخر من الأسئلة.
جلس خلف مكتبه، وأخذ يتفحص بعض الأوراق أمامه، ولم تمر سوى دقائق حتى طُرق الباب، ثم دخل ياسين.
رفع سلطان عينيه إليه وقال مباشرة:إيه الجديد؟
اقترب ياسين من المكتب وقال: طلعنا على كل الأماكن اللي قال لنا عليها الراجل بتاع صبري، بس للأسف مفيش حاجة.
قطّب سلطان حاجبيه بانزعاج: يعني؟
اجابه ياسين بتقرير : يعني الأماكن نضيفة تمامًا. صبري مش موجود فيها، ومفيش حتى أي أثر يدل إنه كان هناك من فترة قريبة.
ظل سلطان صامتًا لحظات، يطرق بأصابعه على سطح المكتب في بطء، ثم قال:تفتكر الراجل ده بيكدب علينا؟
هزّ ياسين رأسه نافيًا: مش من مصلحته يكدب. هو تحت إيدينا، وعارف إنه كده كده ميت... يا إما صبري يوصل له ويخلص عليه، يا إما إحنا لو اكتشفنا إنه بيضحك علينا.
رفع سلطان عينيه إليه، وقال بهدوءٍ عميق: برضه مش هنثق فيه.
توقف قليلًا، ثم أردف: الثقة حاجة الراجل ده لسه ما أثبتهاش. هنضغط عليه بطريقة تخليه تحت إيدينا أكتر، لحد ما نعرف كل اللي عنده.
أومأ ياسين موافقًا، بينما أسند سلطان ظهره إلى مقعده، وأردف: أما صبري... أنا هعرف ازاي اخاليه يظهر بنفسه.
تسأل ياسين بعدم فهم : إزاي؟
ابتسم سلطان ابتسامةً خافتة لم تحمل أي مرح، وقال: لما أقعد مع الشيخ هاشم وهارون وأشوف هما بيفكروا في إيه. لو صبري فعلًا بيدبر لحاجة، يبقى لازم يكون متابع لكل خطوة بتحصل حوالين الرفاعية والعامرية وساعتها هنحط له الطُعم اللي يخليه يطلع من مخبأه برجليه.
ظل ياسين صامتًا للحظة، ثم قال: في حاجة كمان تخص صبري.
رفع سلطان نظره إليه باهتمام.: ايه هي ؟
أخرج ياسين ورقة مطوية من بين ملفاته، ومدها إليه.: لما بدأت أدور وراه، وأجمع معلومات عن كل أملاكه وتعاملاته، لقيت العقد ده.
تناول سلطان الورقة، وقلبها بين يديه وساله :عقد إيه؟
اجابه ياسين ي عقد بيع أرض بيملكها صبري في أطراف البلد... باعها لعامر أخوك.
تجمدت ملامح سلطان للحظة ،رفع عينيه ببطء إلى ياسين : عامر أخويا؟
هز ياسين راسه مؤكداً ...
فعاد سلطان إلى الورقة، وبدأ يقرأ بنودها بعينين أكثر تركيزًا، ثم قال: بس عقد البيع من سنة.
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ متفحصة: وارد يكون بينهم شغل قديم... أو حتى عادي، أرض اشتراها منه من زمان. مش معنى إن اسمه موجود في عقد إن بينهم حاجة.
قال ياسين بثبات: لو كان الموضوع كده، مكنتش جيت لك بالعقد.
رفع سلطان عينيه إليه بعدم فهم ..
فأكمل ياسين: اللي مثبت في العقود إن البيع تم من سنة. لكن الحقيقة إن العقد ده من حوالي اربع شهور بس.
ضاقت عينا سلطان.:يعني إيه؟
ياسين يتقرير : يعني صبري دفع رشوة لواحد في الشهر العقاري علشان يسجل العقد بتاريخ قديم.
ساد الصمت داخل المكتب.
لم يعد سلطان ينظر إلى الورقة باعتبارها مجرد عقد بيع... بل باعتبارها قطعة أخرى من الصورة التي بدأت تتشكل أمامه.
أنزل الورقة ببطء، ثم قال: يعني عاوز تقول إن علاقة عامر بصبري بدأت من قريب... وتحديدًا من ساعة ما استلمت المشيخة؟
توقف قليلًا، وكأن الجملة التالية أثقل من أن يقولها بسهولة.: ومن ساعة جوازي من حور؟
أومأ ياسين بتأكيد.: بالظبط كده.
ظل سلطان ساكنًا للحظات، وعيناه ثابتتان على نقطةٍ مجهولة أمامه.
كان أكثر ما يثير غضبه في الأمر أن الشك لم يعد يطرق بابه من الخارج... بل بدأ يتسلل إلى داخل بيته.
وعامر لم يكن رجلًا عابرًا في حياته هو اخاه !!!
قال سلطان أخيرًا بصوتٍ منخفض: يعني أول واحد مشتبه فيه هو عامر؟؟؟
اومأ ياسين مؤكداً : للاسف ..
رفع سلطان عينيه إلى ياسين، وقد عاد الجمود إلى ملامحه، لكنه كان جمود الرجل الذي اتخذ قراره بالفعل: خلي عينك عليه... وعلى كل تحركاته.
ومش عاوزه يحس بأي حاجة غريبة.
ثم مال قليلًا إلى الأمام، وقال بحزم: خليه يتحرك على راحته ، وخاليك وراه وشوف لسه في ايه مستخبي ....
اوما ياسين باحترام : حاضر يا شيخ سلطان
محتاج مني حاجه تاني ....
سلطان وهو يعود الي اوراقه مره اخري : لا شكراً ، روح شوف شغلك ....
...................
هبطت حور إلى الطابق السفلي بعدما فرغت من إعداد نفسها، وما إن وطأت قدماها الردهة حتى لمحت ماجدة جالسة في الصالة.
ألقت عليها تحية الصباح بهدوء، ثم التفتت إلى إحدى الخادمات قائلة:لو سمحتي، اعملي لي نسكافيه.
أومأت الخادمة باحترام، وقبل أن تتحرك قالت:حاضر يا حور هانم... بس الشيخ سلطان أمرني إن أول ما حضرتك تنزلي، تحضري له قهوته وتوديها له المكتب.
توقفت حور للحظة، ثم شعرت بحرارةٍ خفيفة تصعد إلى وجنتيها رغماً عنها.
كان يكفيها أن تسمع اسمه حتى يتبدل شيء خفي في ملامحها.
قالت بهدوء:حاضر، أنا هعملها.
وتوجهت إلى المطبخ، بينما تابعتها ماجدة بعينين ضيقتين، قبل أن تنهض وتلحق بها.
وقفت حور أمام الموقد، منشغلة بإعداد القهوة، حين دخلت ماجدة خلفها، وقالت بنبرةٍ حملت خبثًا واضحًا:واضح إن الشيخ سلطان ما بقاش بيشرب قهوته غير من إيدك.
لم تلتفت إليها حور، واكتفت بتحريك القهوة في هدوء.
تابعت ماجدة: بصراحة ليكي حق... تستقوي بيه على الكل، وما يهمكيش حد أبدًا. تدوسي على أي حد يقف في طريقك، ما دام الشيخ سلطان واقف في ضهرك.
توقفت يد حور للحظة، ثم عادت إلى ما كانت تفعله، وقالت دون أن ترفع عينيها إليها:أنا مش بستقوى على حد، معاذ الله.
ثم رفعت الفنجان، وصبت القهوة فيه بعناية، وأضافت بنبرةٍ هادئة لكنها قاطعة: أنا بس بوقف كل واحد عند حدّه... وبحطه في المكان اللي يستاهله.
استدارت بعدها، وحملت الفنجان، وتركت ماجدة واقفة خلفها دون أن تمنحها فرصةً أخرى للكلام.
اشتعل الغيظ في عيني ماجدة.
ولم يكن ما أغضبها كلمات حور وحدها، بل أنها قالتها أمام الخادمة التي كانت تقف بالقرب منهما، والتي أخفت ابتسامةً صغيرة وهي تنشغل بإعداد كوب النسكافيه.
التفتت ماجدة إليها فجأة، وقالت بحدة: إنتِ! اطلعي هاتي لي تليفوني من أوضتي.
ارتبكت الخادمة وقالت:حاضر، بس أحضر لحور هانم النسكافيه بتاعها الأول، وأجيب لحضرتك التليفون.
صرخت ماجدة: لما أقولك على حاجة تنفذيها على طول! روحي هاتي التليفون، وبعدها ابقي اعملي لها اللي هي عاوزاه.
انكمشت الخادمة أمام حدتها، ثم أسرعت إلى الخارج.
وما إن اختفت خطواتها، حتى التفتت ماجدة حولها.
نظرت إلى باب المطبخ، ثم إلى الممر المؤدي إلى الصالة، وتأكدت أن لا أحد يراقبها.
اقتربت من كوب النسكافيه الموضوع على الطاولة.
أخرجت من جيبها زجاجةً صغيرة، فتحتها وافرغت بعض النقاط منها إلى الكوب، ثم أعادت الزجاجة إلى جيبها مره اخري وأخذت نفسًا عميقًا.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باردة.
لكنها لم تنتبه إلى أن الخادمة كانت قد عادت في تلك اللحظة، وتوقفت عند مدخل المطبخ ورأت كل شيء.
تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها رعبًا، قبل أن تحاول إخفاء اضطرابها.
اقتربت من ماجدة ومدت إليها الهاتف قائلة بصوتٍ مرتجف: اتفضلي... تليفون حضرتك.
انتزعت ماجدة الهاتف من يدها، ثم قالت بتهكم: يلا اعملي النسكافيه للست حور قبل ما تطين عيشتك.
أسرعت الخادمة إلى إعداد الكوب، بينما ظلت ماجدة واقفة فوق رأسها تراقب كل حركة تقوم بها.
كانت الخادمة تعمل ويداها ترتجفان، وعيناها لا تفارقان الكوب للحظة.
وما إن انتهت، حتى حملته بين يديها.
قالت ماجدة ببرود: يلا روحي حطيه باره علي الترابيزه في الصاله—
أومأت الخادمة دون أن تنطق.
خرجت من المطبخ متجهة إلى الصالة، بينما مشت ماجدة خلفها بخطواتٍ ثابتة.
لكن وجه الخادمة كان قد تغير تمامًا...
فقد أصبحت تحمل في يديها كوبًا لا تعرف إن كان سيصل إلى حور أم أن عليها أن تفعل شيئًا قبل فوات الأوان.
................
طرقت حور باب المكتب طرقًا خفيفًا، ثم فتحته ودخلت.
كان سلطان جالسًا خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق، وما إن رفع عينيه إليها حتى تبدلت ملامحه بالكامل.
ابتسمت عيناه قبل شفتيه، واستقرت نظراته عليها بنظرةٍ جريئة لم تستطع حور احتمالها طويلًا، فاحمرّ وجهها وخفضت عينيها في خجل.
اقتربت من المكتب، ووضعت فنجان القهوة أمامه، لكنها حرصت على أن تترك بينهما مسافةً آمنة، وكأنها تعرف جيدًا أن الاقتراب منه في تلك اللحظة لن يكون في صالحها .
رفع سلطان حاجبه وقال بمشاكسة: مالك واقفة بعيد كده ليه؟
أجابته وهي تتحاشى النظر إليه:لا عادي… أنا بس مش عاوزة أعطلك، شكلك مشغول.
ترك سلطان الأوراق من يده، وقال وهو ينظر إليها بعشق واضح:مفيش حاجة في الدنيا دي تشغلني عنك.
وقبل أن تفهم ما ينوي فعله، مد يده إليها وجذبها بغتته لتستقر جالسة على ساقه، ثم أحاط خصرها بذراعه وقال بعبث: وبعدين أنا ما بعرفش أكلمك غير وإنتِ جوه حضني.
اتسعت عيناها خجلًا، وهمست: سلطان… إحنا في المكتب، وممكن حد يدخل علينا.
ابتسم بثقة: محدش يقدر يدخل عليّا من غير إذن. وحتى لو حصل… أنا مش بعمل حاجة غلط.
ضحكت حور باستسلام من جنونه، ثم قالت بخجل وهي تتحاشي النظر داخل عينيه التي تلتهمها: أمي كلمتني وقالت لي إن بابا هيطلع النهارده من المستشفى.
ارتسمت السعادة على وجه سلطان لرؤية فرحتها، وقبّل وجنتها قبلةً رقيقة قبل أن يقول:عارف… هارون لسه قافل معايا وقالي.
ترددت حور لحظة، ثم رفعت عينيها إليه بخجل:طب… هو ممكن يعني أروح بيت أهلي؟ عاوزة أطمن على بابا.
مال سلطان برأسه قليلًا، وقال بمشاكسة: تدفعي كام؟
ضحكت حور وعضت علي شفتيها بخجل، وقالت: اللي إنت عاوزه.
اظلمت عين سلطان برغبه وقال بهمس وقح امام شفتيها : لو على اللي عاوزه… فهو كتيييييييير ، بس ممكن أخد منك تصبيرة صغيرة.
وقبل أن تفهم معذي حديثه اقترب منها وطبع قبلةً طويلة على شفتيها، قبله عاشقه محمومه ابتلع فيها ثغرها الرقيق فبادلته حور قبلته بخجلٍ واضح، ناسِيةً للحظاتٍ كل ما حولها وما ان شعر باتسجابتها حتي تعمق اكثر في قبلته واخذ يمتص لسانها ويرتشف رحيقها بفجور ويديه تضغط علي جسدها يلصقها بجسده ..
وفي غمرة مشاعرهم الملتهبه ، جاء طرقٌ خافت على باب المكتب ،لكن كليهما لم ينتبه إليه.
ثم فُتح الباب فجأة، وانطلق صوت هانم الغاضب المتخشبة مكانها من الصدمه :
سلطااان!
ابتعد سلطان قليلًا، ورفع عينيه إليها بثباتٍ شديد، بينما كانت حور قد تجمدت من شدة الخجل، وحاولت النهوض من مكانها، إلا أن ذراع سلطان أحاطت بخصرها مانعةً إياها من الهرب، فدفنت وجهها في صدره، متحاشيةً النظر إلى هانم.
قال سلطان بحدةٍ هادئة: انتي إزاي تدخلي عليّا مكتبي من غير استئذان؟
رمقته هانم بنظرةٍ غاضبة وقالت: خبطت وإنت مردتش! واضح إنك مش فاضي.
اشتدت ملامح سلطان: وده مش مبرر إنك تدخلي عليّا من غير ما أسمح لك.
شهقت هانم باستنكار: إنت بتقول لي أنا الكلام ده؟ أنا أمك يا سلطان !!
ظل سلطان هادئًا، وقال بنبرةٍ ثابتة:وعلشان إنتِ أمي، أنا بقولك الكلام ده. لأنك المفروض أكبر من كده بكتير… والمفروض التصرفات دي ما تطلعش منك.
احتقن وجه هانم، فقد شعرت أن كلمات ابنها صفعتها وأهانتها أمام حور، دون حتي ان يرفع صوته عالياً …
فقالت بغضب:أنا عاوزة أتكلم معاك.
رد سلطان، ببرود دون أن يغير جلسته أو يسمح لها بالانفراد به:اتفضلي، سامعك.
أدركت هانم أنه لن يمنحها الفرصة التي أرادتها، فنظرت إلى حور بنظرةٍ خبيثة وقالت:مراتك عاوزة تروح للدكتور.
فهم سلطان مقصدها على الفور، لكنه تعمد أن يتظاهر بعدم الفهم.
نظر إلى حور التي تصلب جسدها بمجرد سماعها لكلماتها الخبيثه وعلمت من تقصد…
سالها سلطان بقلق مصطنع:مالك يا حبيبتي؟ إنتِ تعبانة وعاوزة تروحي للدكتور وما قولتليش ؟؟
ابتسمت حور محاولةً وقد فهمت عليه واجابته برقه : لا يا حبيبي، أنا كويسة ومش تعبانة.
رفع سلطان عينيه إلى والدته، وقال ببرود: غريبة، اومال ليه بتقولي لي إن حور تعبانة وعاوزة تروح للدكتور وهي كويسة؟
طحنَت هانم أسنانها من الغيظ وقالت: مش قصدي الست حور… أنا أقصد سارة، أم ابنك.
ساد صمتٌ ثقيل.
لكن سلطان لم يترك الفرصه لوالدته ان تحقق غابتها..
فقال بحسم قاطع: وأنا لآخر مرة بقولها لك… سارة مش مراتي، واللي في بطنها مش ابني.
ثم نظر إلى حور، وأكمل أمام والدته بلا تردد:مراتي هي حور وبس.
رفعت حور عينيها إليه، وامتلأ قلبها بسعادةٍ لم تستطع إخفاءها وودت لو تقبله امام والدته…
كانت كلماته قد حفظت لها كرامتها، وأكدت أمام والدته أن مكانتها عنده ليست موضع نقاش.
قالت هانم بنفاد صبر: ماشي يا سلطان. المهم إنها بتستأذنك، عاوزة تروح للدكتور تطمن على اللي في بطنها، وأنا هروح معاها.
قال سلطان بلا مبالاة: ما تروح. وأنا مالي بيها؟ عندك العربيات والسواقين ماليين الدار. خدوا أي عربية وروحوا، مش لازم يعني تاخدوا الإذن مني.
نظرت إليه هانم بعدم تصديق: إزاي يا سلطان؟ مش عاوزنا ناخد الإذن منك؟ إنت كبيرنا.
استند سلطان إلى ظهر مقعده، وقال بجمود:طالما إنتِ عارفة إني كبيركم، يبقى المفروض اللي بقوله تسمعيه وتنفذيه من غير نقاش.
صمت لحظة، ثم تابع: بس إنتِ بتعملي اللي على مزاجك. وأنا سايب كل واحد براحته يعمل اللي هو عاوزه… بس ما يجيش يزعل في الآخر .
تغيرت ملامح هانم، ونظرت إليه بقلق، ثم انتقلت عيناها إلى حور.
وجدتها تنظر إليها في هدوءٍ وثقة، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة لم تستطع هانم احتمالها.
استدارت بغضب، وخرجت من المكتب وأغلقت الباب خلفها.
وبمجرد أن اختفى صوت خطواتها، رفعت حور وجهها عن صدر سلطان، ونظرت إليه بخجلٍ ممزوج بسعادة.
ابتسم لها سلطان وقال بمشاكسة: ها كنا بنقول ايه قبل ما ندخل علينا ….
ازداد احمرار وجنتيها ولكنها تجرات ومدت يدها تداعب لحيته باناملها الرقيقه ،وهمست وهي تنظر داخل عينيه بعشق : هو انا قلت لك انا بحبك قد ايه ..
هدرت دقات قلب سلطان بصخب داخل صدره واشتعلت نيران هوجاء داخل مقلتيه تود ابتلاعها داخل صدره وهمس بخفوت: لا مقولتيش …
ابتسمت حور بحلاوه وهمست بعشق : يحبك يا شيخ سلطان …
فقد الشيخ سلطان قدرته علي الصمود امام حسنها وعشقها : شيخ ايه بقي ، الشيخ سلطان مش قدك يا حور السلطان ثم اكتسح شفتيها بقبله عاصفه يعدها معها بكثير من العشق والشغف في انتظارهم …..
………………..
خرجت حور من مكتب سلطان بخطواتٍ هادئة، وما إن ابتعدت قليلًا حتى وصل إلى مسامعها صوت ماجدة الغاضب من ناحية الصالة.
اقتربت لتجدها واقفة أمام إحدى الخادمات، بينما كانت الأخيرة ترتجف خوفًا.
قالت الخادمة معتذرة: أنا آسفة يا ست ماجدة… وقع غصب عني.
صرخت ماجدة في وجهها: غصب عنك إيه؟! إنتِ مش شايفة إنك دلقتي كوبايه النسكافيه بتاع حور هانم على الأرض؟!
اقتربت حور منهما، وقالت بهدوء: في إيه؟ بتزعقي لها كده ليه؟
التفتت ماجدة إليها، وحاولت أن تخفي ارتباكها خلف غضبٍ مصطنع:الحيوانة دي دلقت كوباية النسكافيه بتاعتك على الأرض.
نظرت حور إلى الكوب الملقى على الأرض، ثم عادت بعينيها إلى ماجدة وقالت:وإيه يعني؟ مش مهم. بس ده مش مبرر إنك تزعقي لها بالشكل ده.
ارتبكت ماجدة للحظة، ثم قالت محاولةً تبرير موقفها:الحق عليّا… أنا بزعق لها علشانك.
أجابتها حور ببساطة : خلاص، حصل خير.
ثم التفتت إلى الخادمة، لكن ماجدة سبقتها وقالت بحدة:روحي اعملي لها واحد تاني.
هزت حور رأسها برفض:لا، أنا مش عاوزة. أنا هطلع ألبس وأروح دار أبويا.
تغير وجه ماجدة للحظة، وانقبض فكها بقوة لان خطتها قد تحطمت أمام عينيها.
قالت حور وهي تتجه إلى الدرج:عن إذنك.
صعدت إلى غرفتها دون أن تلاحظ النظرة المشتعلة التي تبعتها بها ماجدة قبل ان تسير بخطوات غاضبه نحو غرفتها وهي تفكر في طريقه اخري لتنفيذ خطتها ….
وما إن اختفت حور وماجده عن الأنظار، حتى نظرت الخادمة حولها، ثم أسرعت في الاتجاه الآخر.
لم يكن أمامها سوى شخصٍ واحد يمكنها اللجوء إليه.
طرقت باب مكتب سلطان، ثم دخلت بعدما سمح لها.
رفع سلطان عينيه عن الأوراق، وقال: في إيه؟
اقتربت الخادمة بخطواتٍ مترددة، وقالت:شيخ سلطان… أنا لازم أقول لحضرتك على حاجة مهمه اوي حصلت …
تغيرت ملامحه بقلق : قولي.
ابتلعت الخادمة ريقها وقالت:الست ماجدة شوفتها كانت بتحط حاجة في النسكافيه بتاع حور هانم.
نهض سلطان من مقعده دفعةً واحدة وهدر فيها بغضب: بتقولي إيه؟!
ارتجفت الخادمة من حدة صوته، فأعاد سلطان سؤاله بقلقٍ أشد:وحور شربت منه؟
هزت الخادمه راسها نفياً وتابعت بارتجاف : لا يا شيخ سلطان… والله ما شربت. أنا شفت الست ماجدة وهي بتحط حاجة في الكوباية، وهي فضلت واقفه معايا لحد ما طلعت بالكوبايه في الصاله باره ، بس انا حسيت انها عاوزه تاذيها فعملت نفسي انكعبلت ودلقت الكوبايه علي الارض…
ثبت سلطان عينيه عليها وسالها : تعرفي إيه اللي حطته ؟؟
هزت رأسها بسرعة: معرفش يا شيخ سلطان. كانت إزازة صغيرة، وأنا ما شفتش إيه اللي جواها وهي خابتها بسرعه في جيبها …
ظل سلطان صامتًا للحظات، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
ثم قال بنبرةٍ حاسمة: اسمعيني كويس.
أومأت الخادمة بطاعه …
سلطان بامر حاسم : من اللحظة دي، خلي بالك من حور هانم كويس أوي. أكلها وشربها مسؤوليتك.
ثم اقترب منها قليلًا وأضاف بلهجةٍ لا تحتمل النقاش:أي حاجة تحصل، مهما كانت صغيرة، تبلغيني بيها فورًا. وممنوع تاخد أكل أو شرب من أي حد من غير ما تكوني موجودة.
الخادمه بطاعه : حاضر يا شيخ سلطان.
مد يده إلى جيبه، وأخرج بعض المال، ثم وضعه في يدها.
نظرت الخادمة إليه بتردد، فقال بامر : خديهم.
الخادمه بحرج : بس يا شيخ سلطان…
قاطعها بحزم: مش عاوز كلام كتير ، دي حاجه بسيطه .
ثم ثبت عينيه عليها وقال: وأوعي تخافي من حد انتي في حمايتي من اللحظة دي، …بس لو حصل لحور أي حاجة إنتِ أول واحدة هتتحاسبي …
ازداد ارتباك الخادمة، وأومأت سريعًا:حاضر يا شيخ سلطان.
ثم خرجت من المكتب.
وظل سلطان واقفًا مكانه، وعيناه مثبتتان على الباب المغلق.
لأول مرة، لم يعد سلطان يخشى عدوًا يقف خلف أسوار داره… بل بدأ يخشى من يقف داخلها، ممن منحهم يومًا أمانه، ولم يخطر بباله أن يأتيه الغدر من حيث ظنّ أنه مصدر امان ….
………….
