رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الرابع والعشرون
- مين أنت؟!
خرجت الكلمة من بين شفتي بهاء بنبرة حادة آمرة، تحمل غضب رجل اعتاد أن يفرض هيبته على الجميع، لكن خلف تلك النبرة القوية تسللت لمحة خاطفة من التوجس، وهو يجوب بعينيه ظلام الليل من حوله بحثًا عن صاحب الصوت.
جاءه الرد على الفور، ببرود تقطر منه الكراهية:
- أنا عملك الأسود يا بهاء!
تصلب الجد في مكانه، وانقبضت أصابعه حول الهاتف.
- أنا اللي جاي أشفي غليلي منك ومن عاصم.. كل اللى حصل ده كان البداية.
لم يجب بهاء.
ظل صامتًا، يستمع فقط، وكأن الكلمات شلّت قدرته على الرد.
- أنا القاضي اللي هيحكم عليك.. وأنا برضه الجلاد اللي هينفذ الحكم فيك، وعلى كل الجرائم اللي إنت ارتكبتها زمان!
اتسعت عينا بهاء، لكن صوته لم يخرج.
كل كلمة كانت تسقط عليه كضربة، وتفتح في داخله أبوابًا حاول دفنها منذ سنوات.
- هدمر لك حياتك كلها زي ما دمرت حياتي.. وهخليك تدفع تمن كل حاجة عملتها!
ظل بهاء صامتًا، عاجزًا عن مقاطعته، بينما راحت أنفاسه تتسارع شيئًا فشيئًا.
وهو يستمع إليه:
- اللعبة لسه في أولها يا جدو!
توقفت الكلمات لحظة، قبل أن يأتيه الصوت أكثر قسوة:
- بس الأول... عاصم!
توقّف لحظة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة مشبعة بالشماتة، قبل أن يتابع بنبرة تقطر حقدًا:
- أنا مش عايز أقتله... الموت راحة، وأنا مش هديهاله! أنا عايزه يفضل عايش ويتعذب... عايزه ينحرق قلبه على مراته، ويفضل طول عمره غرقان في الندم، عشان ما سمعهاش حتى للحظة... ما اداهاش فرصة تدافع عن نفسها، ولا حاول يعرف الحقيقة منها!
اتسعت ابتسامته أكثر، وتابع باستمتاع واضح:
- عايزه كل ما يفتكرها، يفتكر إنه كان ممكن يسمعها... كان ممكن يديها فرصة واحدة بس، لكنه اختار يحكم عليها من غير ما يسمعها! وعايزه بعد كده يعرف إن مراته كانت شايلة ابنه... ابنه اللي ما لحقش حتى يعرف بوجوده!
ضحك ضحكة قصيرة ساخرة، ثم قال ببرود مخيف:
- عايزه قلبه يتحرق عليهم هما الاتنين .عايزه يعيش مع الندم ده كل يوم، وكل ليلة، وكل مرة يفتكر إنها كانت واقفة قدامه وكان ممكن يسمعها، لكنه ما عملش كده!
ثم تابع بنبرة أكثر قسوة:
- وهدمّر حياته حتة حتة....كل حاجة تعب عشان يبنيها. عايزه يتعذب، ويتلوى من الندم والعجز، وكل ما يفتكر إنه وصل لآخر وجعه، أفتح له باب وجع جديد!
ثم ابتسم بشماتة من جديد، وقال:
- وبعد ما أخلص منه وأخليه يتمنى لو كان الموت أخده من زمان... هفوق لك إنت يا رأس الأفعى! وساعتها هخليك تدفع تمن كل حاجة عملتها!
توقف بهاء عن التنفس للحظة.
لم يستطع الرد.
لم يكن ما أرعبه هو التهديد وحده، بل الطريقة التي تحدث بها الرجل عن عاصم... تلك النبرة الباردة الواثقة، وكأنه لا يهدده بالموت، بل يتفنن في رسم طريق طويل من العذاب له.
وماذا فعل عاصم لهذا الشبح ليجعله يتفنن في تعذيبه بهذا الشكل المريب؟!
كيف يمكن أن يحمل شخص كل هذا الحقد، ويخطط لأن يرى إنسانًا ينهار أمامه قطعةً تلو الأخرى؟!
ارتجفت أنفاس بهاء، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
هذا الرجل لا يريد قتل عاصم...
إنه يريد أن يتركه حيًا، ليشاهده يتعذب، وينحرق قلبه، ويغرق في الندم والعجز، حتى يصبح كل يوم يعيشه عقابًا جديدًا له.
ولأول مرة، شعر بهاء أن الأمر تجاوز حدود الانتقام...
هناك حكاية كاملة خلف هذا الحقد، حكاية لا يعرف عنها شيئًا، وربما تكون أخطر بكثير مما يتخيل.
ولأول مرة أيضًا، تسلل إلى قلب بهاء شعور لم يتوقع يومًا أن يشعر به تجاه عاصم...
التعاطف.
رغم كل الغضب الذي يحمله في قلبه تجاهه، ورغم أنه ما زال يرى فيه الرجل الذي ظلم حفيدته، إلا أن ما سمعه الآن جعل شيئًا بداخله يرتجف.
شعر بهاء بوخزة مؤلمة في صدره.
لأول مرة، لم يستطع أن يرى عاصم بعين الغضب وحدها...
بل رآه إنسانًا مقبلًا على عذاب قاسٍ، ورغم كل ما بينهما، شعر بالشفقة عليه.
صمت الشبح لحظة، وكأنه يتلذذ بالثواني الأخيرة من رعب الجد، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة ساخرة، وقال بنبرة مليئة بالشماتة:
- سلام...يا دكتور الاخلاق!
وانطلقت من فمه ضحكة سخرية كبيرة، طويلة، مستهزئة، تقطر تشفيًا وقسوة سادية، ترددت في أذن بهاء عبر سماعة الهاتف.
ثم انقطع الخط فجأة.
وتظلمت الشاشة، معلنة إغلاق السكة في وجهه بعنف.
ظل بهاء قابضًا على هاتفه، عاجزًا عن الحركة، وكأن عقله رفض استيعاب ما سمعه.
كانت الضحكة الأخيرة لا تزال تدوي داخل رأسه...
ـ يا دكتور الأخلاق!
أغمض عينيه بقوة، وحاول أن يستعيد تماسكه، لكن الكلمات التي سمعها عادت تتردد في عقله من جديد، جملة تلو الأخرى.
لم يكن أكثر ما أرعبه هو التهديد...
بل ما لم يقله الرجل.
هو عرف إيه؟!
فتح بهاء عينيه فجأة.
هل عرف شيئًا عن الماضي؟
هل عرف حقيقة الجثة؟
هل عرف أن لينا ما زالت على قيد الحياة؟
أم أنه يعرف سرًا آخر... سرًا لم يخطر له حتى أن أحدًا يستطيع الوصول إليه؟
قبض على الهاتف بقوة، وشد فكه.
الرجل لم يذكر شيئًا بشكل صريح، لكنه تحدث بثقة شخص يعرف أكثر مما ينبغي.
وهذا تحديدًا ما جعل الأمر أكثر خطورة.
تحركت قدماه أخيرًا بخطوات واهنة وتائهة ليدخل من باب البلكونة.
وما إن دخل، حتى وقع بصره على زوجته الراقدة فوق السرير، غارقة في نومٍ ثقيل فرضه عليها الإنهاك والصدمة.
توقف مكانه.
ظل ينظر إليها للحظات في صمت، وعيناه تحملان حزنًا عميقًا.
كان مشهدها بهذا الضعف كافيًا ليعيد إلى ذاكرته انهيارها منذ أن وصلها خبر موت لينا... وكأن جسدها لم يحتمل الصدمة، فاستسلم لها تمامًا.
تنهد بهاء زفرةً طويلة مثقلة، ومسح وجهه بيده، محاولًا أن يستعيد تماسكه.
اقترب من السرير، وألقى على زوجته نظرة طويلة، ثم تمتم بصوت خافت:
ـ يا رب... استرها علينا.
استدار بعدها ببطء، واتجه نحو باب الغرفة.
خرج، وأغلقه خلفه بهدوء، ثم بدأ يهبط الدرج إلى الطابق السفلي.
كانت خطواته ثقيلة، وأنفاسه لا تزال مضطربة.
ومع كل درجة، كانت الأسئلة تتكاثر داخل رأسه.
تلك السخرية اللاذعة بلقب "دكتور الأخلاق" استقرت كخنجر في صدره، ونبشت كل القبور التي اعتقد أنه أغلقها بإحكام وغمرها بالتراب منذ سنوات طويلة...
وخاصة تلك الليلة التي مات فيها والد عاصم.
تيقن بهاء أن هناك كابوسًا بلا ملامح قد انبعث من جديد؛ كابوسًا يعرف أسراره، ويعرف الماضي الذي دفنه، ويستطيع أن يحرق تاريخه الأكاديمي، ويسحق اسم عائلته، ويجرّ عاصم إلى قضية رأي عام تنهي اسمه ومستقبله.
تذكر كيف ظل لسنوات مقاطعًا حفيدته لينا، متمسكًا بكبريائه، دون أن يدري أن هذا الشبح سيعود ليتخذ من لينا تحديدًا خنجرًا مسمومًا يغرسه في روحه وفي روح عاصم معًا.
والآن فقط، بدأ بهاء يستوعب السادية المرعبة التي يُدار بها هذا الانتقام.
تذكر بغصة حارقة كلمات سارة الصادمة التي أخبرته بها مؤخرًا خلف الأبواب المغلقة:
"لينا كانت حاملاً!"
انقبض صدر الجد بقهر، ونيران الندم تلتهمه، وهو يدرك أنه تستر بشهادة الزور على جثة ميتة، ليجد نفسه اليوم عاجزًا تمامًا.
لا يعرف مكان حفيدته الحامل.
ولا يعلم إن كانت في أمان...
أم تحت رحمة هذا الوحش الكاسر.
بينما عاصم...
عاصم المسكين مكسور خلف القضبان، ، ويحترق تحت وطأة اتهامه بقتل زوجته، والفضيحة التي تحولت إلى قضية رأي عام، وجاهل تمامًا بأن زوجته التي طردها كانت تحمل طفله في أحشائها.
هذا الشبح لم يكن يريد إنهاء حياتهم بضربة سريعة.
بل أراد هندسة عذاب نفسي متكامل.
عاصم يذوق عذاب الفقد الموهوم...
والجد يحترق بعجز المعرفة...
وسر الحفيدة الحامل ينهش روحه.
سنوات طويلة حاول بهاء دفنها ونسي عددها، وتمنى لو تُمحى من ذاكرته للأبد.
لكن الماضي لم يمت.
والجلاد المجهول عاد ليمسك بجميع خيوطهم، ويحطم ثوابتهم بدم بارد.
ظل بهاء للحظات جامدًا في مكانه، والهاتف ما زال في قبضته، وعيناه مثبتتان أمامه دون رمشة، كأن عقله رفض أن يستوعب أن المكالمة انتهت.
توقفت يده للحظة في الهواء، ثم هبطت إلى جواره مرتجفة، قبل أن ينظر إلى الشاشة السوداء في ذهول، وكأنه ينتظر أن يضيء الهاتف من جديد ويخبره أن ما سمعه لم يكن سوى كابوس.
لكن الشاشة ظلت مظلمة.
ارتجف فكه، وانقبضت ملامحه، بينما خرجت أنفاسه متقطعة وثقيلة، وبدأ صدره يعلو ويهبط بعنف.
أغمض عينيه بقوة، وحاول أن يستعيد تماسكه، لكن الكلمات التي سمعها عادت تتردد في عقله من جديد، جملة تلو الأخرى.
لم يكن أكثر ما أرعبه هو التهديد...
بل ما لم يقله الرجل.
هو عرف إيه؟!
فتح بهاء عينيه فجأة.
هل عرف شيئًا عن الماضي؟
هل عرف حقيقة الجثة؟
هل عرف أن لينا ما زالت على قيد الحياة؟
أم أنه يعرف سرًا آخر... سرًا لم يخطر له حتى أن أحدًا يستطيع الوصول إليه؟
قبض على الهاتف بقوة، وشد فكه.
الرجل لم يذكر شيئًا بشكل صريح، لكنه تحدث بثقة شخص يعرف أكثر مما ينبغي.
وهذا تحديدًا ما جعل الأمر أكثر خطورة.
ظل بهاء واقفًا للحظات، عاجزًا عن ترتيب أفكاره، قبل أن تتحرك قدماه أخيرًا.
خطوة...
ثم أخرى...
بخطوات واهنة وتائهة، واصل هبوطه على الدرج، وكأن جسده يتحرك وحده بينما عقله ما زال عالقًا في تلك المكالمة.
كان عليه أن يفكر...
أن يستعيد كل ما سمعه حرفيًا، وأن يربط بين كلماته وبين أسراره القديمة.
هو عرف إيه؟
المشكلة أن الشبح لم يترك له خيطًا واحدًا يستطيع أن يمسك به.
لا اسم...
ولا وجه...
ولا سبب واضح.
فقط كلمات مبهمة، وتهديدات يعرف صاحبها جيدًا أين يضعها.
وصل بهاء إلى نهاية الدرج، فتوقف للحظة.
رفع عينيه نحو باب غرفة مكتبه.
كان عليه أن يفكر...
أن يستعيد كل ما سمعه حرفيًا، وأن يربط بين كلماته وبين أسراره القديمة.
أخذ نفسًا عميقًا، وحاول أن يعيد إلى وجهه صلابته المعتادة.
ثم اتجه نحو المكتب.
لكن قبل أن يمد يده إلى المقبض، توقف للحظة، وهمس بصوت خافت مشحون بالتوتر:
ـ يا ترى... إنت عرفت إيه يا ابن الـ...؟
ابتلع بقية كلماته، وشد قبضته حول الهاتف.
ثم فتح الباب ودخل.
---
وفي الجانب الآخر من المدينة...
وفي بؤرة الظلام حيث تُطبخ المكائد...
وضع الشبح هاتفه على الطاولة الفخمة ببطء، والابتسامة السادية لا تفارق شفتيه بعدما أذاق بهاء أولى قطرات الرعب.
التفت ببرود نحو الظل القابع في زاوية الغرفة، وبدأت ملامح خطته التالية تتشكل في عقله كخيوط عنكبوت محكمة.
هو لا يريد تدميرهم فحسب...
بل يريد أن يسحق عاصم ببطء شديد، ويجعله يتلوى حزنًا وحرمانًا من كل ما يملك، بينما يظل الجد محترقًا بعجز المعرفة، وسر الحفيدة الحامل التائهة ينهش روحه.
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه، وتمتم بفحيح منخفض ومخيف:
- العدّ التنازلي بدأ... يا بهاء!
ساد الصمت.
ظل يحدق أمامه للحظات، وكأن ما فعله ببهاء لم يكن سوى البداية.
ثم اتسعت ابتسامته أكثر، وقال ببرود:
ـ ولسه اللي جاي... هيكون أوجع.
استدار ببطء، واختفى داخل الظلام، بينما بقي هاتفه ساكنًا فوق الطاولة...
وكأن المكالمة التي انتهت للتو لم تكن سوى أول خيط في شبكة أكبر بكثير.
---
فى النيابة
ساد وجومٌ قاتل في الممر الطويل، وتلاقت عينا سليم بعيني المحامي بنظرات تبوح برعبٍ عاجز.
على المقعد الخشبي، كان كوب الليمون منسيًا دون أن يلمسه أحد.
أما عاصم، فكان يجلس ساكنًا كتمثالٍ من الشمع؛ جسده متصلب، عيناه متسعتان، جاحظتان، مثبتتان على الفراغ في نظرة حادة لا تتزحزح، بينما يتردد في أعماقه صدى الكلمات الكابوسية:
يومين في المية... لينا... المشرحة... قتل.
امتدت يد العسكري لتقبض على ساعد عاصم، وقال بنبرة رسمية:
ـ اتفضل معايا يا دكتور... الجواب طلع.
لم يتحرك عاصم في البداية، وكأن الكلمات لم تصل إليه.
ثم نهض ببطء شديد، وسار مع العسكري بخطوات ثقيلة، خالية من أي مقاومة.
تحرك سليم والمحامي خلفهما، يرافقانه حتى نهاية الممر، دون أن ينطق أحد بكلمة.
كانت خطوات عاصم تتردد في المكان بصوتٍ ثقيل، وكل خطوةٍ كانت تبدو وكأنها تقرّبه أكثر من واقعٍ لم يستطع عقله حتى الآن استيعابه.
خرجوا من مبنى النيابة، واتجهوا إلى الساحة الخارجية، حيث توقفت سيارة الترحيلات في انتظار انتهاء الإجراءات.
فتح العسكري الباب الحديدي، ثم أشار إلى الداخل:
ـ اطلع يا دكتور.
وقف عاصم أمام باب السيارة للحظات.
لم ينظر إلى المحامي.
لم ينظر إلى العسكري.
بل استدار ببطء نحو سليم.
كانت عيناه تحملان شيئًا أكبر من الكلام؛ خوفًا، وانكسارًا، وذهولًا، وكأن كل ما حوله فقد معناه في لحظة واحدة.
اقترب سليم منه، ووضع يده على كتفه، ثم احتضنه بقوة.
وقال بصوتٍ ثابت، رغم الألم الذي خنق صدره:
ـ ما تخافش يا عاصم... أنا معاك، ومش هسيبك.
ظل عاصم ينظر إليه طويلًا.
لم يجب.
لم ينطق بكلمة واحدة.
فقط ألقى عليه نظرة صامتة، ثم استدار وصعد إلى سيارة الترحيلات.
أغلق العسكري الباب الحديدي خلفه.
طاخ!
بقي سليم والمحامي واقفين في مكانهما، يتابعان السيارة وهي تتحرك ببطء، ثم تبتعد شيئًا فشيئًا حتى اختفت عن أعينهما.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
ثم أطلق المحامي زفيرًا طويلًا، وقال:
ـ شكل اللي جاي مش هيكون صعب... ده هيكون أصعب بكتير.
ظل سليم يحدق في الطريق الذي اختفت فيه السيارة، ثم أجابه بهدوء حاسم:
ـ أصعب... آه. لكن مش مستحيل.
ثم استدار إليه بالكامل، وقال:
ـ اسمعني يا متر... عاصم مستحيل يقتل لينا. أنا أعرفه كويس، ومستحيل يلمس شعرة منها، فما بالك إنه يقتلها.
هز المحامي رأسه ببطء، بينما تابع سليم بنبرة أكثر حدة:
ـ اللعبة دي أكبر من مجرد اتهام عادي يا متر، وفي طرف تالت حرّك الخيوط دي كلها عشان نوصل للنقطة دي بالذات. وأنا مش هسمح للمؤامرة دي إنها تضيّع مستقبله وتدفنه ورا جريمة ما ارتكبهاش.
نظر إليه المحامي بثبات، ثم قال:
ـ وأنا معاك. بس لازم نمشي في كل خطوة بالقانون، ونراجع كل حاجة اتثبتت رسميًا لحد دلوقتي.
أومأ سليم.
أما المحامي، فأخرج هاتفه، ونظر إلى الصورة المحفوظة عليه من المحضر، ثم قال:
ـ أنا هاخد صورة المحضر دي معايا، وهروح البيت أدرسه كويس، وأراجع كل الإجراءات اللي اتعملت لحد دلوقتي، وأجهز نفسي عشان نبقى مستعدين بكرة... لازم أكون معاه في النيابة وقت التحقيق.
ـ تمام.
توقف المحامي لحظة، ثم صافح سليم بقوة.
ـ نتقابل بكرة بدري.
ـ إن شاء الله.
استدار المحامي وغادر المكان، بينما ظل سليم واقفًا وحده للحظات، يتابع خطواته حتى ابتعد.
وما إن اختفى المحامي من أمامه، حتى اهتز هاتف سليم في جيبه.
أخرجه بسرعة، فنظر إلى الشاشة.
نجاة هانم.
ضغط على زر الإجابة.
ـ أيوه يا نوجة.
جاءه صوتها مشحونًا بالقلق والضيق:
ـ أيوه يا سليم... طول النهار وأنا برن عليك، يدى جرس ومحدش بيرد! عاصم فين يا ابني؟ طمني عليه.
أغمض سليم عينيه للحظة.
كان يعلم أن عليها أن تعرف، لكن ليس كل شيء.
ـ يا نوجة، عاصم كويس... متقلقيش عليه. أنا كنت معاه لحد ما خلصنا إجراءات النيابة.
تعلقت أنفاس نجاة للحظة قبل أن تسأله بسرعة:
ـ طيب هو فين دلوقتي؟!
ـ هيقضى الليلة في الحجز، وبكرة الصبح هيرجع النيابة عشان التحقيق.
شهقت نجاة بقلق:
ـ في الحجز؟!
ـ أيوه، بس اطمني. هو كويس، ومحدش أذاه، وأنا كنت معاه لحد ما خلصنا الإجراءات. والمحامي هيكون معاه بكرة وقت التحقيق.
ساد الصمت للحظة في الطرف الآخر، قبل أن يأتي صوت نجاة أكثر ضعفًا:
ـ أنا عايزة أشوفه يا سليم... عايزة أطمن عليه بعيني.
رد سليم فورًا:
ـ حاضر يا نوجة. هحاول أرتب لك إنك تشوفيه، وأول ما أعرف حاجة هبلغك.
ـ بالله عليك يا سليم... أنا قلبي مش مطاوعني.
ـ متقلقيش. هفضل متابع معاه.
وكانت سيلا تقف بجوار والدتها منذ بداية المكالمة، تتابع حديثها مع سليم بقلق شديد، وعيناها ممتلئتان بالدموع، بينما تحاول بصعوبة أن تمنع نفسها من الانهيار.
ولم تستطع سيلا التماسك أكثر، فمدت يدها نحو والدتها وقالت بصوت مرتجف:
ـ هاتي يا ماما... عايزة أطمن عليه.
نظرت إليها نجاة بحزن، ثم ناولتها الهاتف دون اعتراض.
أمسكت سيلا الهاتف بيد مرتجفة، وقربته من أذنها، وقالت وهي تحاول حبس شهقاتها:
سليم !
تجمد سليم للحظة.
ثم جاء صوتها المختنق بالبكاء:
ـ أبيه عاصم فين يا سليم؟!
خفض سليم عينيه، وشعر بوخزة مؤلمة في صدره.
صوتها كان يحمل خوفًا حقيقيًا، والخوف على عاصم كان واضحًا في كل شهقة تخرج منها.
ـ سيلا...
قاطعته وهي تبكي:
ـ أنا عايزة أشوفه يا سليم... عايزة أطمن عليه.
تنفس سليم ببطء، وحاول أن يحافظ على ثبات صوته:
ـ حاضر يا سيلا. هحاول أرتب لكم تشوفوه.
ـ أرجوك ياسليم أناخايفة عليه أوى.
أغمض سليم عينيه للحظة، ثم قال بنبرة هادئة:
ـ عارف... بس اطمني. هو مش لوحده. أنا معاه، والمحامي معاه، وبكرة هنبدأ خطوة جديدة. إن شاء الله ربنا يفرجها.
ظل صوت بكائها مسموعًا للحظات، قبل أن تقول بنبرة ضعيفة:
ـ متسبهوش يا سليم...
تغيرت ملامح سليم، وقال بثبات:
ـ مش هسيبه.
انتهت المكالمة بعد كلمات قليلة من نجاة وسيلة، وبقي الهاتف في يد سليم للحظات.
رفع عينيه نحو الطريق الذي اختفت فيه سيارة الترحيلات.
كان المكان قد عاد هادئًا، لكن رأسه لم يكن كذلك.
ظلت جملة سيلا تدور في ذهنه:
متسبهوش يا سليم...
خفض هاتفه ببطء، ثم شرد للحظات.
كان هناك شيء آخر يلح عليه منذ أن سمع خبر الجثة.
شيء لم يجد له تفسيرًا منطقيًا حتى الآن.
كيف ظهرت الجثة بهذه السرعة؟
ظل صامتًا، ثم ضيّق عينيه وهو يستعيد ما حدث.
الجثة وصلت إلى المشرحة منذ وقت قصير.
والإجراءات لم تكتمل بعد.
ومع ذلك...
كان الجد بهاء قد طلب دفنها بسرعة شديدة.
والأغرب من ذلك كله...
أنه بدا واثقًا إلى هذا الحد.
عقد سليم حاجبيه.
لم يكن يستطيع أن يقول إن بهاء يعرف أن الجثة ليست لينا.
لا دليل على ذلك حتى الآن.
لكن هناك شيئًا واحدًا أصبح واضحًا أمامه:
الجد بهاء يعرف شيئًا... شيئًا لم يظهر في الملف.
رفع سليم رأسه، وثبتت عيناه على الطريق.
ـ في حاجة غلط...
قالها بصوت خافت، ثم أضاف بحسم:
ـ وأنا لازم أعرفها.
أعاد الهاتف إلى جيبه، واتجه إلى سيارته.
لكن هذه المرة، لم يكن تفكيره منصبًا على قضية عاصم وحدها...
بل على الجد بهاء.
---
هز إبراهيم رأسه موافقًا:
ـ طب خلاص، هكلمه ونشوف رأيه.
وفي تلك الأثناء، أخرج إبراهيم هاتفه ليتصل بالدكتور صلاح، بينما عادت إيمان لترتيب بعض الأغراض، واستمرت سعاد في تجهيز الحقائب على عجل استعدادًا للسفر.
خطا إبراهيم واسعًا نحو ركن هادئ في الصالة، وضغط على زر الاتصال ووضع الهاتف على أذنه. رن الهاتف مرتين قبل أن يأتيه صوت الدكتور صلاح المتعب:
ـ أهلاً يا عمي إبراهيم، كنت لسه هكلمك.
تنهد إبراهيم وقال بنبرة جادة ومستعجلة:
ـ أهلاً يا صلاح يا ابني، تعبناك معانا في وقت متأخر زي ده. سعاد لسه قايلالي حالا على موضوع البنت "لينا".. طمني عليها الأول، والمسألة التانية والمهمة دلوقتي: إحنا كنا بنجهز الشنط عشان نسافر دلوقتي، فهل حالتها الصحية تسمح بالسفر والحركة، ولا في خطورة عليها وعلى الجنين؟
على الجانب الآخر من الخط، نزل الخبر على صلاح كالصاعقة. صمت لثانية من الصدمة، وشعر بارتباك مفاجئ حاصره، فرفع يده تلقائيًا ليعتدل في جلسته ويعدل نظارته الطبيعية على جسر أنفه.
قال صلاح بنبرة متهدجة ومضطربة للغاية:
ـ مسافرين؟! مسافرين فين يا عمي فجأة كده؟ وليه أصلاً؟ وهترجعوا إمتى؟
تغيرت نبرة صلاح تمامًا وظهر عليها الضيق والوجوم المفاجئ، ولم يكن ذلك الضيق بسبب مشقة السفر، بل كانت ملامح إيمان وصورتها تقفز إلى مخيلته؛ شعر بغصة لأن سفرهم المفاجئ يعني ابتعادها.
قاطعه إبراهيم بحسم وضيق وقت:
ـ بعدين.. بعدين يا ابني هفهمك كل حاجة، إحنا مستعجلين جدًا والوقت ضيق. قولي بس عن لينا؟
تنحنح صلاح محاولًا استجماع شتات نفسه، ثم قال محاولًا استعادة نبرته المهنية:
ـ أيوة يا عمي.. هي ممكن تسافر معاكم عادي، بس بشرط؛ متجهدش نفسها نهائي في الحركة، ولازم تتابع مع طبيب نسا كويس أول ما توصلوا.
تنهد إبراهيم بارتياح وقال باختصار:
ـ إن شاء الله.. مع السلامة.
وأغلق إبراهيم السكة فورًا دون أن ينتظر ردًا آخر.
أنزل صلاح الهاتف عن أذنه ببطء، وظل ينظر إلى الشاشة بذهول بعد أن انقطع الخط فجأة. شعر بضيق يجتاح صدره، ودارت في عقله الكثير من التساؤلات الحائرة. رفع يده مرة أخرى يعدل نظارته الطبيعية بتلقائية وهو يقطب حاجبيه، وتمتم باستغراب شديد ونبرة قلقة:
ـ غريبة.. ليه مسافرين فجأة كده؟!
وفي تلك الأثناء داخل المنزل، كانت إيمان تقف في زاوية الغرفة، تطوي قطعة ملابس أخرى بآلية، لكن عقلها كان في مكان آخر تمامًا.
ما إن سمعت نبرة والدها الحازمة وهو يغلق الهاتف مع صلاح، حتى شعرت بغصة مريرة في حلقها، واجتاحتها موجة عارمة من الحزن والذنب.
تذكرت مناقرتها له هذا الصباح، وكيف تعمدت إحراجه وإثارة ضيقه كعادتها لتداري دقات قلبها المتسارعة كلما اقترب منها؛ فهي تحبه بجنون، لكنها تدفن هذا الحب وراء جدار من المشاكل والمشاحنات الطفولية حتى لا يكشف أحد سرها، بينما هو يعشق تفاصيلها، لكن خجله الشديد يمنعه من البوح.
شعرت بالندم لأنها بالغت في قسوتها معه في الصباح، والآن هي ترحل فجأة، في عتمة الليل، دون أن تمنحه حتى فرصة لمشاكسة أخيرة أو نظرة وداع تشرح له سبب هذا الهروب المفاجئ وتطمئن قلبه الخجول.
انحنت فوق الحقيبة لتخفي دمعة متمردة فرت من عينيها، ونظرت إلى هاتفها الملقى على الفراش بحسرة، تودع في صمت جزءًا من قلبها ستتركه هنا.
ما إن خرج الجميع من الشقة، حتى اتجهت سعاد نحو السلم، بينما كان إبراهيم يتجه إلى الأسفل.
وفور أن لمحها إبراهيم وهي تتجه ناحية السلم، نظر إليها باستغراب شديد وقال:
ـ رايحة فين يا ولية ؟! العربية مستنيانا تحت!
التفتت إليه سعاد، وأشارت بيدها وهي تقول:
ـ استنى بس!
ـ استنى بس!
مسح إبراهيم وجهه بيده في ضيق، وقال:
ـ اللهم طولك يا روح!
صعدت سعاد درجتين، ثم اتكأت على حاجز السلم (الدرابزين)، ورفعت عينيها إلى أعلى، وقالت بصوت مسموع:
ـ مع السلامة يا أم عبده! شدّي حيلك في الوحدة بقا!
ثم أضافت وهي تبتسم بمكر:
ـ بكرة تقعدي تلفي حوالين نفسك في الشقة، ومش هتلاقي حد يعبرك ولا يروي عطشك للرغي والنم!
ثم أمالت رأسها قليلًا، وارتسمت على وجهها ملامح حزن مصطنع، قبل أن تخفي ابتسامة مشاغبة وهي تقول بنبرة مكسورة متصنعة:
ـ وأنا بقى لما أوصل، هبقى أدور لي هناك على أم عبده تانية أتخانق معاها... أكيد مش هتكون حرباية زيك، بس أهو ألاقي أي حد أتخانق معاه شوية نكسر بيه ملل اليوم!
وفور أن سمعها إبراهيم، صاح من أسفل السلم بصوت عالٍ وغاضب:
ـ يا سعااااد!
ثم أكمل بغيظ:
ـ شكلي هرتكب جناية الليلة!
التفتت سعاد إليه بسرعة، وقالت وهي تهبط الدرج:
ـ خلاص يا خويا.. جاية أهو!
ثم لحقت بهم، واتجه الجميع إلى السيارة استعدادًا للانطلاق.
ركب الجميع السيارة، وقبل أن يُغلق الباب بالكامل، أطلّت سعاد برأسها من النافذة، ورمقت البناية بنظرة أخيرة، ثم هتفت بملء فيها وهي تشير بوعيد مضحك:
ـ مع السلامة يا حارة عِرّة!
انفجر كل من في السيارة بضحك صاخب متواصل، بينما دار المحرك وتحركت السيارة مخلفة وراءها المكان.
ومع تزايد السرعة، بدأت ضحكاتهم تتلاشى تدريجيًا في أذن لينا، لتنسحب إلى عالمها الخاص المعزول.
أسندت رأسها ببطء على زجاج النافذة البارد من الداخل، وراحت تراقب الشوارع الممتدة والمباني المجهولة التي تمضي متلاحقة؛ فلم تكن هذه الأماكن تشبهها، ولم يكن هذا الطريق ينتمي إليها يومًا.
تسللت يدها برفق لتستقر فوق بطنها، وبدأت تتحسس موضع الجنين بحركات دائرية حانية، كأنها تبثه طمأنينة تفتقدها.
لم تحرك شفتيها، لكن صوتًا هادئًا ومثقلًا بالتساؤلات كان يتردد في أعماق عقلها وهي تناجيه:
«مش عارفة يا حبيبي اللي جاي مخبي لنا إيه.. كل حاجة بتتغير حوالينا، وأنا خايفة.. خايفة من الأيام الجاية، ومن مكان لسه مش عارفة ملامحه».
ابتلعت ريقها بهدوء، بينما انعكست أضواء الشارع السريعة على عينيها السارحتين.
تطلعت إلى عتمة الطريق الممتد أمام عجلات السيارة، وشعرت بفضول غامض يجتاح صدرها؛ رحلة كاملة تنطلق بهم نحو المجهول، تاركةً خلفها كل ما هو مألوف، لتبدأ معها صفحات جديدة تمامًا.. صفحات بيضاء لا تدري بأي حبرٍ ستُكتب.
