رواية حين يجبر العشق الفصل الخامس والعشرون 25 لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الخامس والعشرون 

كانت الأيام تمضي بهدوءٍ ظاهري، كأن الحياة قررت أن تمنح القلوب التي أنهكها الخوف هدنةً قصيرة، وأن تترك للحب مساحةً يتنفس فيها بعيدًا عن صخب الخصومات.

وفي وسط ذلك الهدوء، كانت أشياء كثيرة تتغير بصمت...
مشاعر أصبحت أكثر وضوحًا، وقلوبٌ وجدت أخيرًا طريقها إلى بعضها، وأبوابٌ أُغلقت على أسرار لم يحن وقت انكشافها بعد.

لكن الهدوء لا يعني دائمًا أن كل شيء بخير...
فأحيانًا، تكون أخطر العواصف هي تلك التي تسبقها لحظاتٌ هادئة لا تثير الشك.

وكان القادم يحمل في طياته ما لم يكن أحدٌ يتوقعه...
أشياء ستختبر الحب، والثقة، والقلوب التي ظنت أنها وجدت أخيرًا أمانها.
...............

كان الطريق إلى دار الرفاعية هادئًا على غير عادته.

جلست حور إلى جوار سلطان، بينما ظل هو خلف عجلة القيادة صامتًا منذ أن غادرا دار العامري، وعيناه معلقتين بالطريق أمامه، إلا أن عقله كان بعيدًا تمامًا عن الطريق.

كان يفكر في ما أخبرته به الخادمة.
لم يكن أكثر ما أرعبه هو ما فعلته ماجده ، بل حقيقة أن الخطر لم يعد يأتيه من خارج أسوار داره وحدها. صار عليه أن يحسب خطواته حتى بين من يعيشون تحت سقف واحد معه.

ألقى نظرة خاطفة على حور، فوجدها تنظر إليه منذ لحظات، تراقب صمته الذي لم تعتده منه.
قالت بهدوء: مالك يا سلطان؟ إنت ساكت من ساعة ما خرجنا.

التفت إليها للحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، كأنه يريد أن يمحو من عينيها أي أثر لما يدور في رأسه : مفيش حاجة يا حور دماغي مشغولة شوية بالشغل.

ضيقت عينيها وهي تتأمله بشك: الشغل واخدك مني حتى وإحنا مع بعض..

ضحك بخفة، ومد يده والتقت كف يدها وطبع قبله شغوفه علي باطنها وتابع : مفيش حاجه في الدنيا تقدر تشغلني عنك يا حور السلطان ....—

هدأت ملامحها، وابتسمت له بحب، وخجل وعادت تنظر الي الطريق امامها ، أما هو، فعاد إلى أفكاره في صمت.

لن يخبرها الآن ، يكفي ما مرت به في الأيام الماضية، ويكفي الخوف الذي عاشته بسبب ما حدث لوالدها وخطف صبري لها لم يكن يريد أن يضيف إلى قلبها خوفًا جديدًا، خصوصًا قبل أن يتأكد مما تنوي ماجدة فعله.

بعد قليل...
توقفت السيارة أمام الدار، وما إن ترجّل سلطان حتى أسرعت حور إلى الداخل.
وجدت حور والدها جالساً مكانه في بهو الدار ،اقتربت منه، وانحنت تقبّل يده قبل أن تحتضنه بقوة.: حمد لله على سلامتك يا بابا.

ضمها هاشم إليه، وربت على ظهرها بحنان أبوي عميق.: الله يسلمك يا بنتي... وحشتيني.

ابتعدت عنه قليلًا، وأخذت تتفحص وجهه وملامحه كأنها تتأكد بنفسها أنه بخير : طمني عليك لسه تعبان؟

ابتسم هاشم بحنو : أنا كويس يا حور، متقلقيش.

وقف سلطان خلفها يراقبهما في صمت، حتى التقت عيناه بعيني هاشم، فتبادلا نظرة فهم فيها كل منهما ما لم يُقال.

وبعد قليل، اجتمع الرجال الثلاثة في غرفة المكتب.
جلس هاشم خلف مكتبه، بينما جلس سلطان وهارون أمامه...
كان هاشم ينظر إلى سلطان وهارون بنظرات ثاقبة، يعلم جيداً ان هناك امور كثيره يخفوها عنه وحان وقت معرفتها ...

تحدث مباشره وهو مثبتاً عينيه عليهم : عرفتوا توصلوا للي ضرب عليا نار ولا لسه؟

تبادل سلطان وهارون نظرة قصيرة.
ثم استقر بصر سلطان على هاشم، وقال بهدوء : عرفنا.

تغيرت ملامح هاشم قليلًا وساله : مين هو ؟؟

لم يجب سلطان فورًا.
سكت لحظة، وكأنه يعرف أن الاسم الذي سيخرج من فمه لن يكون سهلًا على رجل مثل هاشم أن يسمعه.
ثم قال ببطء: صبري الرفاعي.

تجمدت ملامح هاشم.
ظل ينظر إلى سلطان بعدم تصديق وكأنه ينتظر منه أن يتراجع عن كلماته أو يقول إنه أخطأ في الاسم هتف بعدم تصديق : صبري...؟

هز سلطان رأسه مؤكدا بثبات : أيوه.

انخفض صوت هاشم، لكن الصدمة كانت واضحة فيه: صبري ابن أخويا؟... إنت متأكد يا سلطان؟

قبل أن يجيب سلطان، قال هارون بحسم: أيوه يا أبويا. متأكدين.

ثم تابع، وعيناه تشتعلان بغضب مكتوم: ومش بس ضرب علينا نار ده عمل الأصعب من كده.

التفت إليه هاشم بسرعة هاتفاً بخوف : عمل إيه؟

اشتعلت عيون هارون بنار الغضب وهتف وهو يطحن ضروسه من شده الغضب : خطف حور.

اتسعت عينا هاشم، وكأن الكلمة أصابته في صدره مباشرة كانه تلقي ذات الرصاصه مره اخري :  خطف... حور؟

صمت بستوعب حجم الكارثه التي سمعها منهم ، شعر بقلبه يسحق بقوه داخل صدره ، اشتعلت عينيه بغضب مكبوت وتسال : ازاي ؟؟

أجابه سلطان بهدوء ثابت، وبدأ يروي له ما حدث، بينما كان هارون يتدخل من وقت لآخر يكمل ويؤكد علي حديثه ....
ظل هاشم يستمع لهم دون مقاطعة وكلما حكوا اكثر كلما اشتعلت نار الثأر والغضب في صدره اكثر واكثر ...
وحين انتهيا، بقي صامتًا لثوانٍ.
ثم ضرب كفه على سطح المكتب بقوة، فاهتزت الأشياء فوقه.: الواد ده اتجنن 

رفع رأسه إليهما، وقد اشتعل وجهه بغضب لم يستطع إخفاءه.: صبري باللي عمله ده اتعدى على شرفي، ومد إيده على بنتي... بنت عمه ! فاكر إنه يقدر يخطف حور ويعيش بعدها كأنه ما عملش حاجة؟

ثم ابتلع غضبه بصعوبة، وقال بصوت أكثر قسوة: صبري كده حفر قبره بإيده.

ظل سلطان صامتًا، يراقب هاشم دون أن يحاول تهدئته فهو يعرف أن غضب هاشم ليس أقل من غضبه هو.
هتف هاشم وهو يطحن ضروسه بغل : طيب وإنتوا إزاي لحد دلوقتي مقدرتوش توصلوا لمكانه؟

أجاب سلطان بثبات: أنا وهارون مش ساكتين يا عمي. رجالتنا قالبة البلد عليه، 
ثم أضاف بنبرة هادئة تحمل ثقة واضحة:
بس صبري واخد احتياطه كويس. مش بيتحرك بعشوائية، وبيغير مكانه باستمرار، وعارف إننا بندور عليه.

قطب هاشم حاجبيه بانزعاج واضح :يعني كده مش هتعرفوا توصلوا له بسهوله ، الواد ده لازم يتجاب ويبقي عبره لاي حد يفكر يتطاول عاي شرفنا ....

تحدث سلطان بثبات وثقه : هيحصل ، وعلشان كده انا هعمل اللي يخالي صبري يطلع من جحره ويواجهنا ...

نظر إليه هاشم باهتمام متسائلاً : ازاي ؟؟

استند سلطان إلى ظهر مقعده، وظلت ملامحه ساكنة على نحو غريب، بينما قال: صبري واخد الامان اننا مش عارفين نوصل له وكمان انا واثق انه بيراقب تحركاتنا كويس ، فانا هخاليه يحس انه انتصر واننا فقدنا الامل اننا نوصله وفي نفس الوقت هضرب ضربتي الي تخاليه بفقد توازنه ويظهر ....

تأمل هاشم وجهه طويلًا وساد صمت قصير بعدها ثم هتف هارون متسائلا بفضول : هتعمل ايه ؟؟

ارتسمت على وجه سلطان ابتسامة غامضة لم تصل إلى عينيه واجابه بغموض : هتعرف في الوقت المناسب..
ثم نهض من جلسته : انا همشي دلوقتي عندي شغل مهم هخلصه وارجع اخد حور ..
...................

ما إن غادر سلطان دار الرفاعية حتى أخرج هاتفه واتصل بياسين : قابلني في المخزن بعد ساعة.

عند المخزن .....
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب حين وصل سلطان إلى المخزن، فترجل من سيارته ودخل بخطوات ثابتة، بينما كان ياسين في انتظاره بالداخل.

كان رجل صبري  جالسًا على الأرض، مقيدًا بالحبال، وقد بدا عليه الإرهاق والخوف بعد الأيام التي قضاها في قبضه شيخ العامريه....

وما إن وقعت عيناه على سلطان حتى تغيرت ملامحه، واندفعت الدموع إلى عينيه، وحاول أن يقترب منه، إلا أن القيود منعته.
هتف بدموع : يا شيخ سلطان... ارحمني واعتقني لوجه الله. أنا معرفش حاجة، كل اللي أعرفه قلتهولك.

جلس سلطان أمامه بهدوء، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم وضع ساقًا فوق الأخرى، وظلت عيناه ثابتتين عليه متحدثا بهدوء: عارف.
وعارف كمان إنك قلت كل اللي تعرفه.

ارتجف صوت الرجل:طب حابسني ليه؟ أنا عاوز أرجع بيتي لمراتي وعيالي.

كرر سلطان كلماته ببطء، وكأنه يتذوق وقعها:مراتك وعيالك؟
ثم أشار بيده إلى ياسين دون أن يضيف كلمة.
فأخرج ياسين هاتفه، وتقدم به نحو الرجل، ثم أدار الشاشة أمامه.
ظهرت أمامه صور لزوجته وأطفاله.

تجمد الرجل في مكانه، وشحب وجهه بشده 
رفع عينيه إلى سلطان، وقد تحول الخوف في ملامحه إلى رجاء : احب علي يدك يا شيخ سلطان ، كله الا عيالي بلاش تأذيهم .

ظل سلطان ينظر إليه لحظات، ثم قال بصوت بارد:مراتك وعيالك تحت إيدي، وأنا مخلي بالي منهم طول ما إنت تحت طوعي وبتسمع كلامي.
ثم انحنى قليلًا إلى الأمام، واستقرت عيناه في عيني الرجل وتابع بتهديد: لكن لو فكرت تغدر بيا ، مراتك وعيالك هايسبقوك علي الاخره ...

خفف قلب الرجل رعباً وانهمرت دموعه وهو يقول:أنا تحت أمرك يا شيخ سلطان... مقدرش أعصي أوامرك. كل اللي هتطلبه مني هنفذه، بس بالله عليك ما تأذيهم.

ظل سلطان صامتًا للحظات، يراقب خوف الرجل حتى تأكد أنه أدرك حجم ما هو مقدم عليه.ثم قال:تمام ، ركز كويس في اللي هقولهولك ...
أنا عاوزك ترجع تاني ضمن رجالة صبري.

رفع الرجل رأسه فجأة متسع العينين : إيه؟

سلطان بثبات : هترجع لهم وتكون عيني وسطهم.

تبدلت ملامح الرجل إلى ذعر واضح وتابع بلجلجة: بس هعمل كده إزاي؟ وصبري هيوافق يرجعني ليهم بسهولة ؟؟

لم يتغير شيء في ملامح سلطان لكن لمع وميض خطر في عينه :  هتقوله إنك كنت مصاب بعد ما رجالتي  ورجالة هارون الرفاعي ضربوا عليكم نار وكانوا بيطاردوكم ، وإنك قدرت تهرب منهم وتستخبى ناحية الجبل.

أنصت الرجل باهتمام.

فتابع سلطان: وهتقوله إنك قعدت هناك فترة، وإن في راعي غنم ساكن في الجبل هو اللي لقاك وساعدك لحد ما خفيت وبقيت كويس وبعدها قررت ترجع لشغلك تاني ...

ابتلع الرجل ريقه بصعوبه :  طب وأنا هوصل له إزاي وأنا أصلًا معرفش مكانه فين؟

ارتسمت على شفتي سلطان ابتسامة صغيرة، ثم أخرج هاتف الرجل من جيبه، وراح يحركه بين أصابعه ببطء امام عينيه : مش ده تليفونك برضه؟

نظر الرجل إلى الهاتف، ثم هز رأسه سريعًا.: أيوه.

هتف سلطان بثبات : هتكلم شاهين.

تجمد الرجل مكانه واتسعت عينيه بخوف حقيقي ...

شاهين هو الذراع الايمن لصبري وهو الرجل الذي يعطيهم الاوامر ....

قال الرجل بخوف:شاهين؟!

اوما سلطان مؤكداً بثبات : أيوه. هتحكيله نفس الكلام اللي قلتهولك، وهو هيوصلك لصبري.

تردد الرجل قبل أن يقول: بس حضرتك متأكد إنه هيصدقني؟ شاهين مش سهل ومش بسهوله هيصدقني ....

مال سلطان برأسه قليلًا، ثم عاد ليستند بظهره إلى المقعد، وقال بحزم هادئ: مفيش حاجة مضمونة بس إنت وشطارتك بقي في إنك تخليه يصدقك.
لأن لو صدقك... تبقى إنت وعيلتك في أمان.
أما لو ما صدقكش...
صمت ولم يكمل جملته تركها معلقه ....

فانخفض رأس الرجل، وفهم تمامًا ما أراد سلطان أن يقوله.

قال بصوت مرتجف مستسلم: أمرك نافذ يا شيخ سلطان.

ابتسم سلطان بثقة، ثم نهض من مقعده، وعدل سترته وتابع : كده إحنا اتفقنا.

ثم التفت إلى ياسين:
ياسين هيفهمك كل حاجة مطلوبة منك، وكل خطوة هتعملها.

تحرك نحو الباب، ثم توقف لحظة دون أن يلتفت : خاليك فاكر ان روحك وروح عيالك في ايديا وانت اللي هتحدد نهايتكم بنفسك.
ثم رحل وترك الرجل خلفه يرتعد جسده برعب فقد وقع بين شقي الرٌحي.....
..................

وصل سلطان الي دار الرفاعية بعدما انهي اعماله وعاد ليأخذها...
أخرج هاتفه واتصل بحور، وما إن أجابت حتى قال بهدوء: أنا مستنيكي بره.

اجابته حور بطاعه : حاضر، جاية.

أغلق الهاتف، ثم ترجل من سيارته، وأسند جسده إلى مقدمتها، بينما عقد ذراعيه أمام صدره، ينتظر خروجها.
لم تمضِ سوى دقائق حتى ظهرت حور عند باب الدار.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه ....
ابتسامة عاشقة ارتسمت على شفتيه دون إرادة منه، وكأن مجرد رؤيتها كان كافيًا ليمحو عن رأسه كل ما أثقله طوال اليوم.

تقدم نحوها، وحين أصبحت أمامه، مال عليها وقبّل وجنتها بحنان هامساً بشوق : وحشتيني.

ابتسمت حور بخجل، ثم أخذت تتلفت حولها في قلق، تتأكد ألا أحد يراقبهما من داخل الدار هتفت بحرج : بطل جنانك ده... حد يشوفنا!

رفع سلطان حاجبه بثقة، وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق.: وإيه يعني اللي يشوف يشوف. أنا مش بعمل حاجة غلط.

نظرت إليه حور مبتسمه وتابعت بمشاكسه : طب والهيبة يا شيخ العامرية؟

اقترب سلطان منها خطوة، وثبت عينيه في عينيها، وقد تبدلت نبرته إلى دفء يحمل شوقًا واضحًا هامساً امام شفتيها بوله : الهيبة مالهاش وجود قدام عينيكي يا حور السلطان.

عضّت حور على شفتيها بخجل، ولم تجد ردًا مناسبًا، فابتعدت بعينيها عنه.

أما سلطان، فأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال وهو يفتح لها باب السيارة: يلا بينا نرجع بيتنا... علشان أوريكي إزاي أنا بتنازل عن هيبتي قدامك.

رفعت حور عينيها إلي عينيه التي تومض بوميض خطر يعدها بالكثير ، فهتفت تترجاه برقه: علشان خاطري يا سلطان... ممكن أبيت هنا النهارده؟

توقف سلطان عن الحركة، ونظر إليها باستنكار : مستحيل.

حور بدلال : علشان خاطري.

سلطان بنفي قاطع : قولت مستحيل يا حور.

اقتربت منه قليلًا، وتعلقت عيناها بعينيه وهي تقول بدلال: علشان خاطري يا سلطان أنا لسه ما شبعتش من أبويا... 
وكمان ابن هارون واحشني، ونفسي أقعد ألعب معاه شوية.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهمس قرب اذنيها :  وأنا كمان ما شبعتش منك... ومش هعرف أنام من غير حضنك.

احمر وجهها، وهمست بخجل وهي تتهرب بنظراتها منه : سلطان... بطل بقى.

ثم عادت إلى دلالها: علشان خاطري... النهارده بس.

زفر سلطان بضيق وقال:واهون عليكي تسيبيني؟

ابتسمت له بحنان وهمست بعشق صادق : 
انا عمري ما أقدر أسيبك... ولا عمرك تهون عليا ....
ثم ثبتت نظراتها عليه وتابعت بغنج وهي تلعب في زر قميصه : بس أنا وحياة غلاوتي عندك، سبني هنا النهارده.

صمت سلطان وهو يشبع عينيه منها ....
لم يكن صمتًا نابعًا من غضب، بل من صراع داخلي لم تستطع حور رؤيته.
نظر إليها طويلًا، واستعاد في ذهنه كل ما مرت به منذ دخلت حياته... زواجهما الذي بدأ بالإجبار، والخوف الذي عاشته، والأيام التي تحولت فيها علاقتهما من قيدٍ فرض عليهما إلى حب لم يعد أحدهما قادرًا على تخيل حياته بدونه.
ثم تذكر ما أخبرته به الخادمة.
لم يكن يريد أن يترك حور وحدها، ولا أن يغفل عنها ولو لليلة واحدة.

لكن عينيها الآن كانتا تحملان رجاءً لم يستطع أمامه أن يكون قاسيًا.

تنهد باستسلام، وقال:بثبتيني مش كده ...
ماشي يا حور علشان خاطرك... بس الليلة دي بس ومش هتتكرر تاني .....

أضاء الفرح عينيها.

فأكمل وهو يشير إليها بتحذير لطيف: بس اعملي حسابك وبكرة الصبح بدري هبعتلك ياسين ياخدك، علشان أبدأ يومي بيكي وبقهوتك اللي بقت ادمان ...

ثم اقترب اكثر حد الخطر وهمس امام شفتيها بشوق : ما هو مش هتحرميني من حضنك بالليل... وكمان قهوتك الصبح.

ابتسمت حور بحلاوة، وقالت بدلال: أوامرك يا شيخ سلطان.

تغيرت نظراته للحظة، وظهر في عينيه ذلك البريق الذي تعرفه جيدًا، بينما قال بالقرب منها: إنتِ بتلعبي بالنار يا حور.

ابتسمت بمشاكسة، ثم غمزت له بعينها: بس مفيش أحلى من اللعب بالنار.

أخذ سلطان نفسًا عميقًا، وكأنه يحاول استعادة هدوئه، ثم ابتسم ابتسامة تحمل وعدًا لا يخلو من المشاكسة.: تقلي في حسابك يا حور...
بس اعملي حسابك... هخلصه كله منك، واحده واحده وعلى أقل من مهلي.

اتسعت ابتسامتها، بينما تعالت دقات قلبها تقصف داخل صدرها بصخب من مغذي حديثه وقوه نظراته وتابعت بدلال اهلكه : وانا مش مستعجله ....

لم يتحمل سلطان حسنها ودلالها وهي امامه كالفاكهة المحرمة ، نظر حوله يميناً ويساراً يتاكد من خلو المكان حولهم ثم في غفله منها جذبها من خصرها بقوه فارتطمت بصدره العريض واقتنص شفتيها في قلبه محمومه اودع فيها كل شوقه ورغبته فيها .

تفاجئت حور من فعلته ولكنها ف ثواني ذابت بين يديه كقطعه تلج وضعت علي سطح شديد السخونه ....

بعد مده فصل قبلته وهمس بانفاس لاهثه وهو يطالع عينها الناعسه بنشوه قبلته : دي تصببره صغيره علي بال ما تبقي في حضني وساعتها مش هرحمك ...

ثم افلت خصرها وعاد الي هيئته الجامده : يالا ادخلي جوه ، لان ثانيه كمان وهحطك في العربيه واطير بيكي ...

رمشت حور بعينيها تستوعب حديثه ثم تحركت من امامه نحو الدار وما ان وصلت اليه حتي استدارت اليه واهدته احلي ابتسامتها : علي مهلك وانت سايق ، طمني لما توصل ....
ابتسم لها سلطان بقلب متضخم بعشقها ثم تحرك وصعد الي سيارته وانطلق بها نحو داره تاركاً قلبه معلقاً مع حوريته .....
......................

عاد سلطان إلى دار العامرية مع اقتراب المساء، واتجه مباشرة إلى مكتبه.

جلس خلف مكتبه، وأخذ يراجع بعض الملفات والأوراق التي تراكمت أمامه، محاولًا أن يمنح عقله شيئًا آخر ينشغل به بعيدًا عن حور !!!!

وفي الطابق العلوي، كانت هانم تقف أمام نافذة غرفتها حين لمحته يدخل الدار وحده.
ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى داخل الدار....
كان في داخلها شيء يؤرقها منذ فترة..
وبعد تردد قصير، غادرت غرفتها واتجهت إلى مكتبه.

طرقت الباب.

رفع سلطان عينيه عن الأوراق : ادخل...

دخلت هانم وأغلقت الباب خلفها، ثم وقفت أمامه للحظات دون أن تتكلم.

رفع سلطان عينيه إليها مستغربا ً : عاوزة حاجة يا أمي؟

هانم بضيق : أنا عاوزة أتكلم معاك.

أشار إلى المقعد أمامه: اتفضلي.

جلست، لكنها لم تستطع إخفاء التوتر الذي يملأ ملامحها وتابعت بحده : أنا عاوزة أعرف مالك يا سلطان؟

عقد حاجبيه بعدم فهم.: مالي إزاي يعني؟

ارتفع صوتها بغضب:مش عارف مالك؟! إنت اتغيرت يا سلطان.
تابعت وهي تنظر إليه بعتاب: إنت مش سلطان ابني اللي أنا أعرفه... ولا دي طريقة تعاملك معايا. إيه اللي غيرك كده؟

ثم قالت بمرارة: اتغيرت لما بقيت شيخ العامرية؟ ولا اتغيرت لما بت الرفاعية دخلت حياتك وقلبتك عليا؟

ضحك سلطان ضحكة قصيرة ساخرة، ثم ترك القلم من يده.: إنتِ شايفة إن ده سبب تغييري زي ما بتقولي؟

 هانم بغضب : أمال هيكون إيه يعني؟ ده الجديد اللي حصل في حياتك.

أسند  سلطان ظهره إلى مقعده، وسألها بهدوء: وكنت إيه قبل كده؟

أجابت دون تردد: كنت سلطان ابني اللي أعرفه.

هز رأسه ببطء متابعاً بهدوء: لا يا حاجة هانم... 
سلطان هو هو. ما اتغيرش.

تأملها للحظات، ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا: إنتِ بس بتدوري على شماعة تعلقي عليها تصرفاتي معاكي ، ويمكن حاسة إني اتغيرت دلوقتي أكتر علشان بقينا عايشين مع بعض، وبقيتي شايفة كل حاجة بعملها قدامك... مش زي زمان.

هزت رأسها بعناد.: لا طبعًا. إنت اتغيرت. إنت ما كنتش كده.

ظل سلطان صامتًا لحظات.ثم قال:أنا فعلًا اتغيرت بس مش من دلوقتي.

توقفت أنفاسها تستمع اليه بترقب ،
فتابع سلطان بصوت خافت، لكنه كان يحمل وجع سنوات كاملة: اتغيرت من زمان أوي... أوي يا أمي ...

ابتلع سلطان غصة استقرت في حلقه، ثم قال:من وانا عيل صغير عمري ما شوفت منك حنية ولا احتواء زي أي أم.
انتي كل اللي كان شاغل همك الدار... والعامرية... وإنك مرات شيخ العامرية، وإزاي تحافظي على مكانتك دي.
لما كنت باجي لك علشان أتكلم معاكي، أو أشتكي لك من حاجة زي أي طفل... عمري ما لقيت منك حضن. عمري ما لقيت طبطبة تقول لي إن الدنيا مهما حصل هتفضل بخير.

بدأ صوت هانم يضعف : يا سلطان...انا .

لكنه أكمل، وكأن الباب الذي ظل مغلقًا سنوات قد انفتح أخيرًا، ولم يعد قادرًا على إيقاف ما بداخله.: فاكرة لما جيت أدخل الثانوي؟ لما صممت أدخل مدرسة في القاهرة وبعدها الجامعة؟ أبويا رفض وقتها وكان خايف عليا.

توقفت عيناه عند وجهها بحزن : وأنا ساعتها... كان نفسي أسمع منك إنك خايفة عليا زيه بس لقيت العكس.

ارتجف صوته رغم محاولته إخفاء ذلك.: كنتِ موافقة ومرحبة إني أبعد عنك.

زاغت نظرات هانم وهربت بعينيها منه وتابعت بتبرير :  أنا كنت بعمل كده علشان خايفة عليك وعاوزاك تطلع راجل شديد، مش متدلع ....

ثم أسرعت تدافع عن نفسها: وبعدين تزعل مني لو كنت عملت كده معاك لوحدك؟ أنا كنت بعمل كده معاك ومع أخوك.

نظر إليها سلطان بألم.: ما هي دي المصيبة يا أمي.
إنتِ جوعتينا حب وحنان... معرفناش طعم حنية الأم.

انهمرت دموع هانم دون أن تشعر.
فاكمل سلطان بمراره : أبويا الله يرحمه كان بيحاول يعوضنا على قد ما يقدر، وكان أب حقيقي لينا... بس ده عمره ما عوضنا عن الحنان اللي كان المفروض ناخده منك.

ارتجفت شفتاها.

تابع سلطان: واللي كنت بستغربه طول عمري إنك عمرك ما وافقتي على حاجة أنا عاوزها.

ابتسم ابتسامة موجوعة.: كل حاجة كنت ببقى عاوزها كنتِ بترفضيها.

ثم نظر إليها مباشرة.: إلا سفري بعيد عنك.
دي الحاجة الوحيدة اللي وافقتي عليها بسهولة... كأني كنت همّ وانزاح من على قلبك.

شهقت هانم، وانهمرت دموعها أكثر.: أنا مقصدش الإحساس اللي وصلك ده.

ثم قالت باختناق: أنا والله بحبكم يا سلطان... بحبك إنت وأخوك.

رفع سلطان عينيه إليها، وكان الغضب هذه المرة ممتزجًا بجرح أعمق.: مش بالكلام يا أمي.
الحب فعل... مش كلام.

ثم أضاف بقسوة: والدليل علي كده إنك واقفة جنب واحدة عاوزة تلبس ابنك طفل مش من صلبه، لمجرد إنك عاوزة تقهري حور اللي إنتِ مش عاوزاها... ولأنك شوفتي إني متمسك بيها وعاوزها.

تبدلت ملامح هانم، وتحول حزنها إلى غضب.: شوفت؟! حور هي السبب في كل حاجه وعلشان كده انت سمحت لها تهين امك ....

ضرب سلطان بيده على المكتب، فارتجفت هانم في مكانها.

— أنا عمري ما أسمح لحد يهينك مهما كان مين!

هدأ صوته قليلًا، لكنه ظل حاسمًا: وحور لو غلطت فيكي، أنا أول واحد هحاسبها.
لكن إنتِ جربتي أصلًا تتعاملي معاها بحب وشوفتي منها العكس....

صمتت ولم تجب.

سلطان بمراره : يا حاجة هانم... إنتِ للأسف مش بتحبي حد غير نفسك ومكانتك في العامرية اللي عيشتي عمرك كله تدافعي عنها.
وحور بالنسبة لك تهديد للمكانة دي.
علشان كده بتكرهيها، وعاوزة تشيليها من قدامك بأي تمن... حتى لو التمن ده قلب ابنك وكرامته.

ساد الصمت.

كانت كلمات سلطان تسقط عليها واحدة تلو الأخرى، حتى لم تجد هانم شيئًا تدافع به عن نفسها.

وأمام صمته، لم تجد إلا آخر ما تتمسك به.

قالت من بين دموعها: إنت فاهم غلط يا سلطان... حور دي بينا وبينهم دم. وهي عمرها ما حبتك. هي عاوزة تنتقم منك.

ابتسم سلطان بسخرية : لو اللي حور بتعمله معايا وعلشاني انتقام 
يبقى أهلًا بانتقامها... وأنا موافق عليه.

حدقت فيه هانم بعدم تصديق.: يعني إيه؟

نهض سلطان من خلف مكتبه، واقترب منها، ثم قال بهدوء أنهى به الحديث: يعني راجعي نفسك يا حاجة هانم.
يمكن تكون طريقتك غلط.

ثم أضاف بصوت أكثر حزنًا: لو فعلًا عاوزة تحافظي على اللي باقي من معزتك في قلوب ولادك.

لم تستطع هانم الرد.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ، وكأنها تراه للمرة الأولى...
ليس الشيخ الذي أصبحه، ولا الرجل الذي تخشاه الدار كلها، بل الطفل الذي كان يقف يومًا أمامها طالبًا منها حضنًا، ولم تمنحه إياه.
ثم استدارت وغادرت المكتب.
وحين أُغلق الباب خلفها، توقفت هانم في الممر، ووضعت يدها على فمها حتى لا يسمع أحد صوت بكائها.
ولأول مرة في حياتها...
لم تكن تبكي لأنها خسرت معركة.
كانت تبكي لأنها بدأت تدرك أنها ربما خسرت شيئًا أكبر بكثير...
قلب ابنها.!!!!!
................

في غرفة الجلوس بدار الرفاعية، كانت حور تجلس إلى جوار والدتها، وقد استقرت بين ذراعيها كأنها عادت طفلة صغيرة تبحث عن دفءٍ افتقدته طويلًا.

كانت نسمة تجلس إلى جوارهما، تحمل صغيرها الذي أخذ يلهو ببراءة بين ذراعيها، بينما راحت نرجس تمرر كفها بحنان فوق ظهر ابنتها.

ازدادت حور التصاقًا بها، ودفنت وجهها في صدرها وهي تهمس: وحشني حضنك أوي يا أم هارون.

ابتسمت نرجس، واحتضنتها بقوة أكبر، ثم قبّلت رأسها.: وإنتِ وحشتيني أكتر يا ضي عيني.

تنهدت حور براحة، وكأنها وجدت في حضن أمها شيئًا لم تكن تعرف كم كانت تحتاج إليه.

لكن نسمة لم تترك اللحظة تمر دون مشاكسة، فقالت وهي تبتسم: حضن أمك ولا حضن الشيخ سلطان؟

رفعت حور رأسها فجأة، وحدقت بها بغيظ:
اتلمي يا نسمة! مالكيش دعوة.

انفجرت نسمة بالضحك، بينما ابتسمت نرجس وهي تربت على ظهر ابنتها.: ربنا ما يحرمك من حضن جوزك يا بنتي... سلطان ابن حلال، وشكله بيحبك.

ابتسمت حور، ولم تحاول حتى إخفاء ما في عينيها من حب.: وأنا كمان بحبه أوي يا ماما.

نظرت إليها نرجس بحنان، ثم قالت بهدوء امرأة خبرت الحياة وعرفت أن الحب وحده لا يكفي إن لم تصنه الأفعال: ربنا يصلح لكم الحال يا بنتي.

ثم أمسكت يدها بين كفيها.: بس لازم تخلي بالك من جوزك، وتكوني له الصدر الحنين. تسمعي كلامه، وما تعانديهوش في كل حاجة.

هزت حور رأسها وهي تستمع باهتمام.

تابعت نرجس: وإنتِ بنفسك حكيتي لي عن الحكاية بتاعة البت اللي اسمها سارة... يبقى لازم تكوني جنب جوزك وتقفي في ضهره.

تغيرت ملامح حور قليلًا عند سماع اسم سارة.

فتابعت نرجس بتاكيد : واوعي تديها فرصة تحقق غرضها وتبعدك عن جوزك.

ابتسمت حور بثقة.: اطمني يا ماما... 
أنا عارفة أوقفها عند حدها كويس.

ضحكت نسمة وقالت بمكر: لا واضح جدًا.

نظرت إليها حور باستغراب.: هو ايه اللي واضح ؟؟؟

أشارت نسمة إليها بطرف عينها: بدليل إنك بايتة هنا، وسايبة فرشة جوزك فاضية... وهي معاه في نفس الدار.

اختفت الابتسامة من وجه حور، وخرجت من حضن والدتها وهي تنظر إلى نسمة باستغراب.: قصدك إيه؟

رفعت نسمة كتفيها.: قصدي إنك لازم تكوني ويا جوزك، وما تسيبيش للبت دي أي فرصة أبدًا إنها تحاول تقرب منه... حتى لو إنتِ متأكدة إن جوزك هيرفضها.

أومأت نرجس مؤيدة كلامها.: مرات أخوكي عندها حق.

نظرت حور إليها.

— فتابعت نرجس تنصحها : مفيش ست تسيب فرشة جوزها باردة وتبات بعيد عنه... خصوصًا وإنتوا لسه عرسان جداد.

تنهدت حور بخجل، لكن نرجس أكملت بجدية:وسواء اللي اسمها سارة دي موجودة أو مش موجودة، ما تبعديش عن جوزك.

ثم وضعت يدها على كتف ابنتها.: جوزك كبير ناسه، وشايل حمل كبير على كتفه. لازم يرجع آخر يومه يلاقيكي مستنياه.
يلاقيكي في أحسن صورة، وتكوني راحة ليه الصدر الحنين اللي يريح فيه من تعب يومه... تسمعيه، وتطمني قلبه، وتخفي عنه حمله اللي شايله علي كتافه ....

ثم قالت بنبرة ذات مغذي : وآخر الليل يبات جوه حضنك، علشان يتعود على وجودك دايمًا.

هزت نسمة رأسها بحماس.: بالظبط كده!
ثم نظرت إلى حور وأضافت: تعوديه على وجودك، مش من أول كام شهر تعوديه على بعدك عنه.

ظلت حور صامتة للحظات، تفكر في كلامهما.
ثم قالت باقتناع:خلاص... مش هعمل كده تاني هي الليله دي بس ...

أومأت نرجس بحسم: ولا ليلة تسيبي فرشة جوزك باردة من غيرك.

نظرت حور إليها بحيرة طفولية:طب أعمل إيه؟

قالت نرجس دون تردد:ترجعي دار جوزك.
ثم ابتسمت وهي تربت على يدها.: خلاص أخدتي قعدتك معانا، النوم هنا هو اللي هيشبعك مننا يعني ؟؟

ضحكت حور بخفة وتابعت : خلاص... هكلمه أخليه ييجي ياخدني.

ابتسمت نسمة بمكر، ثم قالت:وليه تكلميه؟
خلي هارون يرجعك.

ثم مالت نحوها وقالت بخبث انثوي : وتبقي عملتيها له مفاجأة.
ولا هو الشيخ سلطان ما يستاهلش تفاجئيه؟

لمعت عينا حور، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاءها.
وفي تلك اللحظة، لم تكن تفكر في شيء سوى وجه سلطان حين يراها أمامه دون أن يتوقع عودتها.

ابتسمت نرجس وهي تراقبها، وكأنها قرأت ما يدور في عقل ابنتها.

أما نسمة، فابتسمت بانتصار وهي تقول:
روحي فاجئي جوزك قبل ما حد غيرك يفتكر يفاجئه.
......................

كانت سارة في طريقها إلى مكتب سلطان، بعدما رأته يعود إلى دار العامرية وحده دون حور.

توقفت للحظات أمام المرآة، ثم بدلت ملابسها، واختارت عطرًا بعينه... العطر الذي كانت تضعه قديمًا حين كانت تلتقي سلطان، وكأنها تحاول أن تستدعي من الماضي رجلًا لم يعد موجودًا.

ثم خرجت من غرفتها واتجهت إلى مكتبه.

وفي طريقها، لمحت هانم تخرج من هناك.

كانت عيناها حمراوين، ودموعها لا تزال عالقة على وجنتيها.

توقفت سارة لحظة، ونظرت إليها باستغراب، لكنها لم تهتم كثيرًا.

كل ما كان يشغلها هو سلطان.

طرقت باب المكتب.

جاءها صوته من الداخل : ادخل...

فتحت الباب.

رفع سلطان عينيه عن الأوراق، وما إن رأى سارة حتى انعقد حاجباه بضيق.: إنتي؟؟

ابتسمت له ابتسامة رقيقة، وأغلقت الباب خلفها.: عاوزة أتكلم معاك.

زفر سلطان بضيق، ثم قال:هي ليله مش فايته ، ثم رفع عينيه إليها وقال بنفاد صبر:
عاوزة إيه يا سارة؟

تقدمت وجلست أمام مكتبه، وظلت تنظر إليه بنظرات امتزج فيها الحنين بالرجاء.: وحشتني يا سلطان... ووحشني الكلام معاك.

أغلق سلطان الملف الذي أمامه، وقال بحدة واضحة:سارة، مالوش لازمة الكلام ده. لو في حاجة مهمة عاوزة تقوليها، قولي. مفيش؟ يبقى سبيني أشوف شغلي.

ارتجفت عيناها بالدموع.: مفيش حاجة أهم مننا... ومن ابننا يا سلطان.

تغيرت ملامحه وانعقد حاجباه بغضب وهدر فيها : سارة، مفيش حاجة اسمها إحنا.
ومفيش حاجة اسمها ابننا. إنتِ عارفة كويس إنه مش ابني، وإن اللي بينا كان ماضي وانتهى. وأنا مش عاوز أفتكره.
أنا راجل متجوز... وبحترم مراتي وبحبها...

نزلت دمعة على وجنتها وتابعت بحزن : للدرجة دي حبيتها يا سلطان؟
للدرجة دي قدرت تنسيك اللي بينا كانه مكانش موجود اصلاً. ....

نظر إليها بجمود وتابع : اللي كان بينا كان أضعف من إنه يفضل موجود.

شهقت سارة بألم، وكأن كلماته صفعتها.: كل ده بسببها؟

هز سلطان رأسه.نافياً : لا مش هي السبب أو يمكن هي تكون واحدة من الأسباب.

نظرت إليه بعدم فهم : يعني إيه؟

تنفس سلطان ببطء، ثم قال بصراحة قاسية:
يعني إنتي  حبيتي سلطان المهندس، رجل الأعمال الغني، وحبيتي الصورة اللي كنتِ شايفاها قدامك وعملتي كل اللي في وسعك علشان تقربي منه.
ولما لقيتيه هيروح منك، ظهر فجأة موضوع الحمل علشان ترجعيه ليكي.
ولما سلطان رفض، هددتي إنك هتفضحيه وسط أهله وناسه، وتحطي راسه في الطين علشان ترجعيه وما فرقش معاكي وقتها كرامته، ولا شكله قدام الناس... المهم إن سلطان يرجع لك.

خفضت سارة رأسها في خزي.: غصب عني يا سلطان...
أنا قلت كده علشان أضغط عليك، مش أكتر. لكن عمري ما كنت هعمل كده فعلًا.

نهضت من مكانها، واتجهت نحوه.
توقفت إلى جواره، ثم وضعت يدها على بطنها التي بدأت تظهر قليلًا.: قرب منه يا سلطان...
المسه بإيدك حس بابننا ...

ثم أمسكت يده محاولة أن تضعها على بطنها لكن سلطان سحب يده بعنف، ونهض واقفًا وهدر فيها بعنف افزعها :  أوعي تعملي الحركة دي تاني علشان رد فعلي المرة الجاية مش هيعجبك.

تراجعت سارة خطوة، وقد ارتجفت من نبرته.
امتلأت عيناها بالدموع.: أنا مش مصدقة إنك بتعمل معايا كده.

نظر إليها سلطان بغضب مكبوت.: وأنا عمري ما صدقت إنك تعضي الإيد اللي اتمدت لك.
أنا وقفت جنبك وساعدتك في أزمتك، وكنت فاكر إن اللي بينا، مهما انتهى، هيخلي بينا احترام.
لكن تروحي تحطي إيدك في إيد عدوي؟

ارتبكت سارة، وهزت رأسها بسرعة بنفي : لا يا سلطان... أنا عمري ما حطيت إيدي في إيد عدوك. أنا معرفش صبري ولا عمري شوفته!

سكن سلطان تمامًا لم يرمش حتى.
ثم ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة، باردة،خبيثه : وإيه اللي جاب سيرة صبري دلوقتي ولا أنا ماليش أعداء غيره؟

تجمدت ساره مكانها وشحب وجهها تماماً وهتفت بتلعثم : ما هو... إنت...
تلعثمت وهي تحاول أن تجمع كلماتها
إنت كنت سألتني قبل كده هو عرف إني حامل منك إزاي.

ظل سلطان يحدق فيها، يراقب أدق تغير في ملامحها ثم قال بسخرية باردة:آه...
وطال صمته ، صمت اربك ساره وجعل الرعب يسكنها 

ثم ابتعد عنها وقال: روحي أوضتك يا سارة.
وياريت ما تحتكيش بيا خالص لحد ما نعمل التحليل ونخلص من الفيلم ده.

نزلت دموعها بغزارة.: للدرجة دي يا سلطان؟

نظر إليها بثبات ثم قال بهدوء أشد قسوة من الغضب: وياريت بلاش تقللي من نفسك أكتر من كده.

رفعت سارة وجهها إليه، وتحول انكسارها شيئًا فشيئًا إلى غضب.: ماشي يا سلطان.
بس افتكر كلامي كويس.

نظر إليها دون اهتمام.

قالت بمرارة: بكره هتندم على كل اللي عملته معايا.
ويوم ما ست حور تبعد عنك وتسيبك... ساعتها مش هتلاقي غيري تترمي في حضنه وساعتها أنا اللي هقولك لأ.

استدارت سارة لتغادر المكتب، واتجهت نحو الباب بخطوات مثقلة بالغضب والخذلان، وما إن مدت يدها إلى المقبض لتفتحه حتى انفتح الباب من الجهة الأخرى.

تجمدت في مكانها.
كانت حور تقف أمامها ....

تلاقت عينا المرأتين للحظات؛ سارة بنظرة مشتعلة بالكراهية، وحور بنظرة هادئة تحمل شيئًا من الشماتة التي لم تحاول إخفاءها، بعدما وقفت خلف الباب للحظات وسمعت ما دار بينهما كاملًا.

أما سلطان، فبدا عليه الذهول للحظة، وكأنه لم يستوعب عودتها حتى الآن.

نهض من خلف مكتبه سريعًا، واتجه نحوها، وقد تبدلت ملامحه القاسية التي كانت منذ لحظات إلى قلق واضح.—
اقترب منها أكثر، يتفحص وجهها بعينيه وكأنه يبحث عن سبب مفاجئ لعودتها : حور ....
إيه اللي حصل و خلاكي ترجعي دلوقتي؟ في حاجة حصلت؟

نظرت إليه حور طويلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة، تلك الابتسامة التي لم تاثره ،اقتربت منه خطوة وقالت بحنان:
مفيش يا حبيبي... بصراحة مقدرتش أبات بعيد عنك.
توقفت أنفاس سلطان لثوانٍ، ثم أشرقت ملامحه بسعادة لم يستطع إخفاءها، وكأن جملة واحدة منها استطاعت أن تمحو كل ما أثقل صدره طوال اليوم.
وبحركه جريئة غير متوقعه ، استطالت حور علي اطراف اقدامها واقتربت منه وطبعت قبله رقيقه علي شفتيه وهمست بوله : وحشتني .....

تجمد سلطان لوهله غير مصدقاً فعلتها ،ثم ابتسم لها ابتسامة عاشقة، وعانق خصرها بذراعه بتملك وهمس لها بخفوت في اذنها : مش اكتر مني ..../

أما سارة، فانتقلت عيناها بينهما ببطء، تراقب تلك السعادة التي بدت على وجههم وكانهم نسوا وجودها معهم خاصه سلطان الذي تبدلت ملامحه بمجرد أن أخبرته حور أنها عادت من أجله.

اشتعل الحقد في عينيها.
ضغطت على شفتيها في غيظ، ثم استدارت وغادرت المكتب دون كلمة، وهي تتوعدهم بالجحيم في سرها ....

وما إن أغلق الباب خلفها، حتى اقترب سلطان من حور أكثر، وقال بابتسامة لم تفارق وجهه: يعني رجعتي علشاني؟

رفعت حور عينيها إليه، وابتسامتها تتسع بخجل : مش إنت اللي قولتلي إنك مش هتعرف تنام من غير حضني؟

ضحك سلطان بخفوت، ثم جذبها إليه اكثر وتابع بعبث: قلت ، طب بالنسبه للبوسه اللي كانت من شويه دي ايه ؟؟

نظرت حور الي عينيه التي تناظرها بعشق واجابته بعشق وتملك : ده اثبات ملكيه يا حبيبي ....

سلطان بعبث وهو يحملها بين ذراعيه : اوووه ، اموت انا في الاثبات ، بس انا بقي هوريكي اثبات ملكيتي ليكي هيكون ازاي 
ثم تابع بحسم : الليله يا حور هتكوني ملكي .....

كوبت حور وجهه بين كفيها وهتفت بعشق : انا ملكك من غير اثبات يا سلطان بس كان نفسي اقولك تحت امرك يا شيخ سلطان انهارده ....

سلطان بعدم فهم : يعني ايه الكلام ده .

حور بخجل وهي تتهرب من نظراته الجائعه : يعني مغلق للتحسينات يا شيخ سلطان يومين تلاته كده وابقي تحت امرك....

فهم سلطان مغذي حديثها وتابع بحسره: انا قلت هي ليله مش فايته من اولها ...

ثم تابع بعبث : بس مش مشكله هصبر نفسي بحضنك لحد ما يتم المراد ....
ثم حملها بين يديه كالعروس وصعد بها الي جناحهم وعيون الشر تتابعهم بحقد وتتوعد لهم ......
.....................


تعليقات