رواية لولا الغرام الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الرابع والعشرون 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 

«لطالما كان العشقُ أسطورةً أسمعُها في رواياتِ الغُرباء، وسراباً ألمحهُ على أفقِ الحكاياتِ حتى ظننتهُ ضرباً من الخيالِ، كنتُ أعبرُ الأيامَ بقلبٍ هادئٍ، ساكنٍ، ولا مبالٍ، لكنّكَ أتيتَ فجأة ودون إنذارِ، كفجرٍ أطلَ بلا ميعاد، ومعكَ وللمرةِ الأولى، تذوقتُ من شهدِ الهوى ما كنتُ أجهلهُ، فسَرى في عروقي دفءٌ أحيا نبضاتي، وفاضَتْ من أعماق روحي مشاعرُ جارفةٌ، لم أكنْ أعلمُ بوجودها من الأساسِ.

اليومَ، أنا أُحلقَ، أتحررُ من قيودي كأنني أُولدُ من جديد، وكأنَ قلبي لم يعرف النبضَ إلا ليدقَ باسمك، الآنَ فقط، أدركتُ معنى أن يَملكَ المرءُ وطناً، فمعكَ أنتَ، وأنتَ فحسب، وجدتُ داري واستقرَ مداري.»

"دليلة صادق بدران" 
بقلمي «روز أمين» 
            ________♕_________

بلعت ريقها بصعوبة، واستدعت كل ما تملك من شجاعة وقوة للافصاح عما يجيش به صدرها، وقالت بنبرة قاطعة:
-بابا، أنا موافقة على خطوبتي من أشرف.

هبطت كلماتها عليه كغيمةٍ ألجمت لسانه وتركته يحدق فيها بذهول وعجز تام عن الاستيعاب، 
اهتز فنجان القهوة في يده وتأرجح السائل داخله، تعبيرًا عن صدمة عقله الذي عجز عن استيعاب التحول.

 لم يمر سوى أسبوعين فقط من المهلة المحددة، فهل حقًا تمكن الشاب من إقناعها في هذه المدة الوجيزة؟

نظر إليها وعيناه تائهتان في حيرة بالغة، ثم سألها بصوت تسيطر عليه الدهشة: 
-انتِ بجد موافقة يا دليله؟

نظرت إليه والنبض يتسارع في صدرها،راحت تفرك كفيها ببعضهما في ارتباكٍ شديد، بينما سرت رعشة خفيفة في كامل جسدها ، من فرط الخجل والقلق اللذين تملكاها في تلك اللحظة .

 لم تستطع النطق، فاكتفت بهزة رقيقة من رأسها تعلن بها عن موافقتها، ورغم أن "صادق" كان يرى حالة ابنته المزرية وارتباكها الفاضح، إلا أنه أصر على تكرار السؤال، كان يريد أن يخطو خطوته القادمة وهو على يقين تام بأنها راضية بكامل إرادتها، فسألها بنبرة حانية:
-انتِ متأكدة يا بنتي؟ فكرتي كويس؟! طب خدي وقتك كله وفكري تاني.

كانت تتوق لكسر حاجز الصمت وتخبره، بأن قلبها هو من حسم الأمر، وأن القلوب حين تقع في الغرامِ ،تسقط جميع قوانين المنطق.

 تنحنحت في رقة، ثم قالت بحياءٍ يكسو ملامحها:
-انا فكرت كويس يا بابا.

نطقت كلماتها وهي ترجو الله في سرها أن يكتفي والدها بهذه الإجابة، ويُجنبها مشقة المزيد من الحرج والأسئلة، في تلك اللحظة، تسللت الراحة والسكينة إلى قلبه، فارتسمت على شفتيه ابتسامة حانية. 

وضع فنجان قهوته على الطاولة بهدوء، ثم نهض ليمثل أمامها، وبلطفٍ غامر احتضن وجنتيها بكفيه وهو يقول:
-ان شاء الله هتكون أجمل خطوة أخدتيها في حياتك يا بنتي، أشرف بيحبك وهيقدر يصونك ويحافظ عليكِ.

ثم اتسعت ابتسامته، وأضاف بنبرةٍ حملت راحةً هائلة:
-كده أنا ممكن أموت وانا مطمن انك في إيد راجل بجد.
شهقت بانزعاجٍ وقد صدمتها الكلمة، ثم مالت برأسها جانبًا تستعطفه بنبرة تقطر رجاءًا: 
-بعد الشر عليك ياحبيبي، علشان خاطري بلاش تقول كدا تاني.

ابتسم لها برقة، ومرر أصابعه على خدها يمسح عنه بقايا الانزعاج،ثم تحدث بحنان دافئ:
-حاضر.

خرجت لتتفقد زوجها بعد ان انتهت من الأعمال المنزلية، فاستوقفها ذاك المشهد الدافئ،حيث كان صادق يحتضن ابنتهما ، والبهجة تفيض من ملامحه المبتسمة، بينما ترتسم على وجه الفتاة سعادة غامرة لا تخطئها عين.

اقتربت منهما وقالت بمزاح:
-ما تفرحونا معاكم

التفت إليها وضغط برفق على كتف ابنته وهو يبتسم بشدة، ونطق بصوتٍ حماسي: 
-الفرحة الكبيرة من نصيبك إنتِ يا أم العروسة.

ارتجف قلبها بهلعٍ مبهم، ونظرت إليه باستغراب، فتابع هو وعيناه تلمعان بسعادة كادت تقفز من حدقتيه، وراح يفسر لها الأمر:
-دليلة وافقت على أشرف يا منى.

نقلت نظراتها المتوجسة إلى ابنتها، ثم سألتها بعينين مترقبتين تستجديان النفي:
-ده حصل فعلاً؟

أطرقت برأسها خجلًا، واكتست وجنتاها بحمرة قانية أضفت عليها سحرًا خاصًا، لكن عينيها اللامعتين كانتا تنطقان بعشقٍ جارف وسعادة لا تسعها الدنيا وهي تهز رأسها بالموافقة.

تنفست منى الصعداء باستسلام مرير، وشعرت في تلك اللحظة وكأن الكون كله يتآمر في خفاءٍ، لتسهيل هذه الخطبة ويسير بها نحو المجهول.

 اقتربت على ابنتها واحتضنتها بقوة، ثم همست في أذنها بنبرة خافتة خالية تماماً من البهجة:
-مبروك يا دليلة.

ناجت ربها بقلب مرتجف أن يخيب ظنها، وتمنت لو أن هذا القلق الجاثم على صدرها مجرد أوهام أمومة، وهلعٍ طبيعي على ابنتها التي طالما حمتها من نسمات الهواء العابرة.

 أبعدتها عن أحضانها برفق، ثم التفتت إلى زوجها بجدية، لتنطق بصرامة لا تقبل الجدل:
-حط في دماغك يا صادق إن بنتي مش هتتجوز إلا لما تخلص كليتها، والكلام ده لازم تقوله لـ أشرف ولـ فيفي،علشان نبقى على نور من البداية.

أجابها دون أدنى تردد أو تفكير:
-ده شيء مفروغ منه يا منى.

ثم استدار نحو االفتاة واسترسل متابعًا بحماس وقوة، وعيناه تلمعان فخرًا:
-والحلم هيكمل زي ما خططتنا له، بنتي الحلوة وعدتني إنها هتبقى معيدة في كليتها.

هزت رأسها بتأكيد، فتابع يشير بيده مشجعًا:
-وهناخد الماجستير زي ما اتفقنا.

أجابته بنبرة واثقة تملؤها العزيمة: 
-أكيد يا بابا.

أما صادق، فلم تسعه الدنيا من فرط بهجته، وقال بصوت يقفز فرحًا:
- أنا هروح أكلم أشرف وأبلغه، ده هيطير من الفرح لما يعرف. 

انسحب إلى الداخل بحماس ليجلب هاتفه المحمول ويزف البشرى لابن أخته.

وقفت أمام ابنتها وجهاً لوجه، وسألتها بنبرة جادة وهي تبحث في عمق عينيها:
-فكرتي كويس يا دليلة؟

أجابتها بابتسامة رقيقة صافية:
-أيوه يا ماما.

تأملت ملامحها بتركيز، وقالت بصوت حازم يحمل في طياته نصحًا بنبرة قاطعة:
-تمام يا بنتي، الموضوع خلاص دخل في الجد، ومن النهاردة لازم تخلي بالك وإنتِ بتتكلمي معاه، وأوعي تتجاوزي معاه في الكلام ولا تسمحي له بالتجاوز

وتابعت بتأكيدٍ وذات مغزى:
- لأنه حرام وأكيد إنتِ عارفة الكلام ده، ودارساه.

ابتسمت الفتاة بخجل شديد، وراحت ترد بنبرة هادئة:
-أكيد يا ماما.

تنهدت منى بعمق وهي تتأمل ابنتها، وتأكدت في تلك اللحظة أن صغيرتها قد دلفت بالفعل إلى عالم الغرام الواسع.

 كان وجه دليلة يفيض إشراقًا، وقد صبغت حمرةُ الخجل وجنتيها، بينما التمعت السعادة في عينيها كشُهبٍ من نور، حاولت الأم أن تسكن من روع قلبها،وتمنت السعادة لها. 

ثم وجهت ناظريها نحو السماء، متضرعةً إلى الله أن يشمل صغيرتها برعايته، وأن يجعل من مخاوفها ظنوناً خائبة.

               ________♕_________

كان يجلس مع مدير الشركة، وعيناهما تلاحقان أرقامًا وحساباتٍ مصيرية تدقّق في تفاصيلها بعناية، قطع ذلك الاندماج رنين هاتفه المحمول، نظر إلى الشاشة فلمح اسم خاله "صادق"، سرت في جسده قشعريرة ارتباك لم تخف على ذاك المدير المحنك، الذي رفع عينيه عن الأوراق وسأله بفضول:
مين اللي بيدق جوالك؟

شعر أشرف بالحرج، وحاول تدارك الموقف بسرعة قائلاً: 
-ده خالي، أنا اسف يا فندم، خلينا نكمل شغل.

انتهى الرنين الأول، لكن الهاتف لم يلبث حتى انتفض مجددًا برنين لمكالمة ثانية، التفت المدير إليه بنظرة هادئة، وأشار بيده قائلاً:
-رد يا أشرف، أكيد يبغاك في شيء ضروري.

على الرغم من الشغف والفضول اللذين كانا يأكلان قلبه لمعرفة سر هذا الاتصال، إذ يعلم جيدًا أن خاله لا يصر على الاتصال بهذا الشكل إلا لأمر جلل، إلا أنه أجاب على استحياء:
-لما اخلص مع حضرتك هبقى اكلمه.

أصر المدير على موقفه، ودفع بالهاتف نحو أشرف بابتسامة هادئة، ونطق قائلاً:
-الدوام لاحقين عليه، رد يا ابن الحلال، يلا رد. 

بعد جدال قصير مغلفًا بالاحترام، استسلم أشرف وأخذ الهاتف، ثم تراجع بخطوات سريعة ليقف بجوار النافذة المطلة على الشارع. 

ضغط على زر الإجابة، وقال بنبرة هادئة يكسوها الوقار:
-السلام عليكم ورحمة الله، ازي حضرتك يا خالي. 

أتاه صوته مفعماً بالحماس، لينطق بنبرة تمازجت فيها المداعبة بالترقب:
-ما بتردش ليه يا سي اشرف، ولا هنبتدي نتقل من اولها ؟!

أجابه على الفور، وصوته يقطر أسفًا واحترامًا:
-انا اسف والله يا خالي،أنا أصلي في اجتماع مهم مع مدير الشركة.

تراجع صادق في نبرته، وظل الندم واضحًا في صوته وهو يقول:
-انا اللي آسف اني استعجلت وكلمتك، ونسيت خالص انك ممكن تكون مشغول في شغلك.

وتابع متراجعًا: 
-روح كمل شغلك ونبقى نتكلم بعدين.

لم يحتمل أن ينتهي الاتصال دون أن يحصل على سببه، فقال بسرعة ليتدارك الموقف:
-انا استأذنت من المدير، وتقدر تتكلم عادي.

ساد الصمت لثانية واحدة، سحب فيها صادق نفسًا عميقًا حمل معه كل مشاعر الارتياح، ثم قال بصوت زلزل كيان أشرف:
-انا كنت متصل علشان ابلغك ان دليلة وافقت على الخطوبة.

وقعت كلمات "صادق" في مسامعه كأنها لحن عذب لم يتوقع سماعه قط، فارتجف قلبه ولم يصدق أن أمنياته أصبحت حقيقة، وبلحظة اجتاحته فرحة عارمة ضاقت بها ضلوعه، فاندفعت الكلمات من بين شفتيه بلهفة عاشق تمازجت فيها الدهشة بالغرام:
- بجد، وافقت بجد؟

لم تفت تلك النبرة الثائرة مديره الذي كان يراقبه عن كثب، فالتفت إليه بابتسامة دافئة فهم من خلالها كل شيء.

 وعلى الطرف الآخر من الهاتف، جاءه صوت "صادق" هادئًا ومبشرًا ليقطع شكه باليقين:
-ايوا يا سيدي وافقت، أنا قولت أفرحك ويلا روح شوف شغلك، وابقى رن عليا لما تخلص علشان عاوزك ضروري.

أجابه وعيناه تشعان بريقًا، والكلمات تخرج متسارعة من فرط حماسه:
- اكيد، اول ما اروح البيت هرن على حضرتك.

أغلق الهاتف وظل متسمرًا في مكانه، والابتسامة ترتسم على وجهه ولا تأبى أن تغادره، بينما كان قلبه يرقص طربًا بداخل صدره من شدة الفرح.

 نعم، كان يستشعر في أعماقه أنها ستوافق في النهاية، فنبرات صوتها، وإجاباتها ، وحتى أنفاسها المضطربة كانت تخبره بأن قلبها بدأ يميل إليه ويبادله الحب ذاته، لكنه لم يتخيل أبدًا أن تنتهي حيرته بهذه السرعة، فهذا التوقيت تحديدًا كان يفوق كل توقعاته.

استفاق من سكرة فرحته على وقع نظرات مديره التي كانت تتابع تقلبات وجهه بفضولٍ حانٍ، فنفض عنه ذهوله سريعًا، واقترب منه بخطوات عاجلة وهو يشعر بالحرج، وراح يتحدث باعتذار:
-انا اسف يا فندم، حالا هنكمل شغلنا.

هز الرجل رأسه متفهمًا، وقال بنبرة ملؤها الود والاهتمام:
-الظاهر إنه جاك خبر زين.

لم يستطع كبت سعادته أكثر من ذلك، فأجابه بوجه مشرق:
-جداً، انا كنت طالب بنت خالي للجواز، والحمدلله خالي بلغني حالا انها وافقت.

تهللت أسارير الرجل وقام بالتربيت على كتفه بود صادق، ونطق قائلاً يثني عليه:
- والله إنك تستاهل كل خير يا أشرف، أنت شاب طموح وأمين وأخلاقك زينة، ألف مبروك، ولها عندي سلسال ذهب هدية مني لها، تقدمه لها وتقول لها، هذي هدية عمك أبو عبدالله لكِ.

أطرق رأسه حياءًا وتأثرًا بهذا الكرم البالغ، ورد بنبرة تفيض بالامتنان:
- كتر خيرك يا ابو عبدالله، والله مالو لزوم، خيرك مغرقني.

ابتسم الرجل بحنو وقاطعه بنبرة دافئة:
-ما تِقول كِذا، أنت شاب محتِرم، وأنا يعلم الله إني أعزك مثل ولدي.

شكره من أعماق قلبه، ثم عادا لمتابعة عملهما،لكن عقل أشرف كان قد غادر المكان، محلقًا في فضاءات وردية بانتظار اللحظة التي تلتقي فيها عيناه بعيني حبيته

امتن له من صميم قلبه قبل أن يعودا إلى متابعة العمل، لكن عقل أشرف كان قد شرد بعيدًا، محلقًا في سماوات الهوى،وراح يترقب بشغفٍ، تلك اللحظة التي تتوحد فيها نظرته بعيني تلك التي امتلكت كامل جوارحه.

           ________♕_________

بعد أن استعانت "داليا" و"علي" بمربية لطفلتهما الصغيرة، لتساعدهما أيضًا في بعض أعمال المنزل، بدأت وتيرة حياتهما تهدأ قليلاً ليلتقط كلاهما أنفاسه، قرر أن يأخذ زوجته وابنته لقضاء يومين في قريته الهادئة بين أحضان والديه، لكن، ومهما حاول الاثنان ترتيب تفاصيل حياتهما، كانت المشاكل تجد دائمًا طريقًا إليهما.

 فقد اشتعل داخله حين أصرت زوجته على اصطحاب المربية معهما إلى البلدة، متعللة بأنها أصبحت تفهم احتياجات الصغيرة بدقة وستوفر لها جميع سبل الراحة، بينما الحقيقة كانت تكمن في روح داليا المرهقة، فقد خاضت مؤخرًا حربًا شرسة وضغطًا رهيبًا في عملها لتصل إلى مكانة معينة، وها قد وصلت بالفعل لكن على حساب طاقتها.

 فأصبحت تتوق للاستجمام والراحة، والارتماء في أحضان الطبيعة النقية، ليغسل الهواء الصافي ومنظر الخضرة الممتدة روحها، لذا أرادت للمربية أن تتولى عبء الطفلة لتسترد هي أنفاسها. 

ورغم غضبه واعتراضه في البداية، إلا أنه تراجع أمام إصرارها، مضحيًا بضيقِهِ الشخصي،ليضمن هدوء واستقرار الرحلة، ويقضي يومين في سلام مع عائلته.

على الجانب الآخر، كانت في غمرة سعادتها، وقفت في مطبخها بكل حب تصنع وتطهو كل الأكلات والأصناف التي يعشقها ابنها وزوجته. 

أخيرًا، وصل هو واسترته،وقفت السيارة في حديقة المنزل، كان السيد "عزام" يجلس في الفيراندا بوجة بشوش يستشرف قدومهم، وما إن أبصر السيارة حتى تهللت أساريره وراح ينادي زوجته بملء صوته:
-تعالي يا أم علي، الجماعة جم

خرجت بقلب يطير من الفرح لتستقبل ابنها وزوجته وحفيدتها الغالية، ترجل من مقعده ودار ليفتح الباب لزوجته، تدلت بكامل أناقتها، مرتدية ملابس راقية تحمل علامات تجارية شهيرة، وتتزين بحلي ذهبية جديدة تمامًا غير تلك التي أهديت بها في زفافها.

استغربت فاطمة خلو يدي داليا من الصغيرة، وقبل أن تنطق بالسؤال، فُتح الباب الخلفي للسيارة وترجلت منه فتاة غريبة تحمل الطفلة بين يديها. 

التفتت نحو زوجها وهست بنبرة حائرة:
-هي مين اللي معاهم دي يا عزام؟

أجابها بهدوءٍ رزين مُحاولاً تهدئة روعها:
-الوقت نعرف يا فاطمة، الصبر طيب يا حبيبتي.

وراح يهتف بترحاب حار:
-حمد الله على سلامتكم يا ولاد، نورتوا البلد.

صعد علي درجات السلم بلمح البصر وهو يصيح ببهجة:
-البلد منورة بوجودك فيها يا حاج عزام.

انحنى على يد والده يقبلها بإجلال قبل أن يلقي بنفسه في أحضانه، متنعمًا بالدفء، وراح يهمسُ باشتياقٍ:
-وحشتني يا بابا.

بينما استقبله عزام باشتياق وحنين جارف، وظل يربت على ظهره بحنو وهو يقول:
-وإنت كمان وحشتني أوي يا علي.

لم يكد يفلت من حضن أبيه حتى ارتمى في أحضان والدته التي ضمته بشدة، وأغلقت عينيها مستنشقة رائحته وهي تطبطب على كتفه، وتقول بعتب المحب:
-كل دي غيبة يا علي؟ تلات أسابيع مشوفكش فيهم.

انحنى على يدها يُقبلها بفيضٍ من الحب والاعتذار،وهو يقول: 
-حقك عليا يا ماما، كان عندنا ضغط شديد في الشغل، والله ما كنا بنعرف ناخد كفايتنا حتى من النوم.

صعدت درجات السلم بخطوات هادئة، وهي تحمل حقيبة ابنتها الصغيرة، ثم تقدمت نحو والد زوجها بابتسامة رقيقة،وتحدثت:
-إزي حضرتك يا عمو؟ أخبار صحتك إيه؟

أجابها بوقار واحترام يفيضان بالرضا:
-الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، وفضله العظيم الذي لا يُعد. 

ثم تابع حديثه بنبرة ودودة:
- طمنيني عنك أنتِ يا بنتي. 

أجابته برقة:
- الحمد لله.

ثم تحركت نحو "فاطمة" التي كانت ما تزال غارقة في غمرة أشواقها، تحتضن ابنها وتقبله كأنه غاب عنها لسنوات. 

اقتربت منها وبادرتها بحضنٍ دافئ وابتسامة بشوشة قائلة:
-وحشتيني يا طنط.

ردت بابتسامة حانية:
-وإنتِ كمان يا داليا وحشتيني، نورتي البلد يا حبيبتي.

أشرق وجهها وقالت بامتنان:
-متشكرة يا طنط.

 التفت "علي" نحو والده الذي كان مستغرقاً في مداعبة حفيدته الصغيرة، فتقدم وأخذ الطفلة منه بلطف، واتجه بها صوب والدته،بالكاد لمحت حفيدتها حتى خطفتها من بين يديه بلهفة عارمة، وراحت تمطر وجهها الصغير وكفيها بقبلات متلاحقة تروي ظمأ الغياب.

ثم استدارت نظراتها لتستقر على تلك الفتاة الغريبة الواقفة على مقربة منهم في صمت، شعر "علي" بالحرج يلون ملامحه، فتطوع مفسراً :
-دي حنان يا ماما.

ظلت علامات الحيرة مرتسمة على وجهها، حتى تدخلت "داليا" لتنقذ الموقف وأوضحت بنبرة عملية:
-دي الناني اللي جبناها علشان ديدا يا طنط.

اتسعت عينا "فاطمة" بغير فهم، فاستدرك "علي" الأمر سريعاً، محاولاً تلطيف المبررات وتوضيح الصورة:
-دي مربية جبناها علشان تقعد مع دليلة وإحنا في الشغل يا ماما، أنا قولت يعني بدل ما البنت رايحة جاية عند حماتي، نجيب حد وتستقر بيها في البيت.

وما إن استوعبت الأم المقصد، حتى أشرق وجهها وانفرجت أساريرها، وقالت باندفاع لا يخلو من الارتياح :
-أحلى حاجة عملتها.

قطع الحاج "عزام" هذا الاسترسال مشيراً بيده نحو الباب الداخلي، وقال بكرمه المعهود:
-ادخلوا يا ولاد علشان ترتاحوا من حر الطريق.

التفت "علي" نحو المربية وقال بنبرة مهذبة:
-معلش يا حنان، محتاجك تنزلي معايا الحاجة اللي في العربية.

توجه نحو السيارة وفتح صندوقها الخلفي، وبدأ في إخراج أكياس وشنط محملة بأصناف متنوعة من الفاكهة الطازجة، والحلويات الفاخرة، واللحوم.

لمح السيد هذه الأشياء الكثيرة، فعاتبه بلين:
-إيه يا ابني اللي أنت جايبه ده كله؟ مكلف نفسك ليه؟ ما إحنا الحمد لله عندنا كل حاجة.

ربت على كتف والده وقال بامتنان عارم :
-ربنا يكتر عليك الخير يا حاج، وبعدين ده ولا حاجة جنب خيرك وخير ماما عليا.

دلف الجميع إلى داخل المنزل، ولم تمضِ فترة طويلة حتى كانت المائدة قد بُسطت بكل ما لذ وطاب من الأكلات الشهية.

تراجعت "حنان" بحرج، معتزمة أن تتناول طعامها بمفردها في الخارج، إلا أن شهامة الحاج "عزام" وإصراره حالا دون ذلك، إذ رفض تماماً وقال لها بحنو أبوي قاطع:
-أنتِ ضيفة يا بنتي ولازم تتشالي على الراس.

تهللت ملامح الفتاة بالفرح والامتنان، وأجابت بحياء يعكس تقديرها للطفه:
-متشكرة يا فندم لذوق حضرتك.
           ________♕_________

ما إن دلف "أشرف"إلى منزله، حتى كان أول ما فعله هو التشبث بهاتفه،وراح يطلب رقم خاله بلهفة لم يستطع كبحها. 

وما كاد صوت خاله يأتيه ، حتى هتف بامتنان جارف:
-أنا مش عارف أشكر حضرتك إزاي يا خالي على وقفتك جنبي، عمري ما هنسى لك المعروف ده أبدًا.

ارتسمت ابتسامة حانية على شفتي "صادق" وهو يجيبه بنبرة دافئة:
-متقولش كِده يا حبيبي، زي ما دليلة بنتي وتهمني مصلحتها، أنت كمان ابني .

 ثم استطرد بنبرة بدأت تكتسي بالجدية: 
-خلينا في المهم، فيه بعض النقات اللي لازم نتكلم فيها من الأول علشان نكون على نور، ولا قدر الله ما يحصلش أي مشاكل فيما بعد.

انطلقت الكلمات من أعماقه، تفيض بالحب، والرغبة في الإرضاء:
-إن شاء الله مش هنختلف على أي حاجة ، أنا تحت أمرك في كل طلباتك، الفرش والشبكة وكل حاجة حضرتك أو دليلة هتأمروا بيها، أنا هنفذها في الحال.

قاطعه بصوت هادئ، لكنه يحمل وقار الآشخاص الذين يزنون الرجال بمعادنها لا بأموالهم:
-يا حبيبي أنا ولا يهمني أي حاجة من اللي أنت ذكرتها دي، أنا بختار راجل لبنتي يا أشرف، بختار لها ضهر وسند وأمان تتحامى فيه من بعدي.

رد بلهفة صادقة، يقطع على نفسه وعداً مقدساً:
-اطمن يا خالي، عهد عليا لأكون لها الشمس والهوى والنفس اللي بتتنفسه، ولأشيلها جوة رموش عيوني وأقفل عليها.

أطلق زفيرًا طويلاً، تداخلت فيه مشاعر الراحة مع السكينة وهو يقول: 
-وأنا متأكد من كدا، وده اللي خلاني أحاول بكل قوتي مع دليلة.

 ثم أردف بصرامة لا تقبل اللين:
- الموضوع المهم اللي عاوزك فيه يخص تعليمها، دليلة مش هتتجوز غير بعد ما تخلص دراستها يا أشرف.

وقع الخبر على مسامعه كالصاعقة، فتبدلت ملامحه إلى مصدومة وهتف مستنكراً:
-هو حضرتك عاوزني أستنى أربع سنين بحالهم يا خالي؟!

أكد على موقفه بصلابة ، وعقب بعقلانية:
-العقل والمنطق كمان بيقولوا كِده يا أشرف، أنت الحمدلله شغلك مستقر في السعودية، ومستحيل هتسيب مكانك هناك إلا بعد عشرين سنة، ده على الأقل.

 ثم تابع بلهجة قاطعة تحمل رفضاً مطلقاً:
-وأنا أكيد مش هسمح إنك تتجوز بنتي لمدة شهر وبعدين تسافر تشوف شغلك وهي تستناك هنا لحد ما تنزلها شهر كل سنة، وتبقى لا هي اللي حصلت متجوزة، ولا مطلقة. 

وتابع مستنكرًا الفكرة: 
-ده غير لو حصل حمل وهي بتدرس، ولا ولادة وهي في أيام الامتحانات.

واستأنف برفضٍ قاطع:
- أنا مش هحمل بنتي فوق طاقتها وأعرضها للشتات ده مهما حصل.

حاول استعطافه وراح يفتش عن حلول وسطى تقيه شر الإنتظار، فقال بنبرة ملؤها الرجاء:
-أوعدك إني هحاول آخد إجازات على قد ما أقدر وانزل لها، أو ممكن نحولها انتساب وتسافر معايا وتبقى تنزل وقت الامتحانات، وبالنسبة لموضوع الحمل أنا هاخد كل الاحتياطات. 

واستطرد متلهفًا وهو يقدم المزيد من الحلول:
-هنستشير دكتورة وناخد موانع لحد ما تخلص دراستها.

حاول أن يقنعه بكل طاقته، لكن حصون "صادق" كانت أحكم من أن تخترقها تلك الوعود البالية، فظل ثابتاً على موقفه كالجبل وقال:
-الموضوع ده غير قابل للنقاش يا أشرف، ده غير إن ده رأي دليلة نفسها.

دارت بينهما عجلة الجدال طويلاً، وحين أيقن أن كل دروبه تفضي إلى سد منيع، فضل الانسحاب مؤقتاً، وغير مجرى الحديث بلهفة متجددة:
-أنا هكلم بابا وماما النهاردة علشان نجهز لقراءة الفاتحة الأسبوع الجاي إن شاء الله.

عقد الأخر حاجبيه باستغراب،وقال:
-ولازمته إيه الاستعجال، ما لما تنزل براحتك يا بني نبقى نقرأها؟

أجابه بنبرة مفعمة بالشوق، مدفوعًا برغبة عارمة في تقليص المسافات: 
-أنا لسه فاضل لي شهرين على ما أعرف آخد إجازة يا خالي، خلينا نقرأ الفاتحة الوقت، ولما أنزل بأمر الله، نبقى نعمل الخطوبة.

تلك المرة أثمر الإلحاح عن اتفاق أخيرًا، لتنتهي المكالمة ويغلق "أشرف" الخط،ضغط على زر الاتصال مرة أخري بعد أن حسم أمره على أن يهاتف "دليلة" الآن.

كانت تستند إلى إطار النافذة، سارحة بنظراتها بين الغيوم، وكأنها تبحث عن ملامحه وسط النجوم. قطع رنين الهاتف حبل أفكارها، فقفزت من مكانها بقلب يتراقص ولهفة كادت تدفعها للتعثر وهي تلتقطه من فوق "الكومود".

 لم تسعها الدنيا من الفرحة حين أبصرت اسمه، فردت على الفور وصوتها يرتجف من شدة السعادة:
-أيوا يا أشرف.

أتاها صوته دافئاً، حاملاً موجة من الهيام الذي هز كيانها :
-مبروك يا قلب أشرف، وعقله، وعمره، وحياته كلها،بحبك يا دليلة،بحبك،بحبك،بحبك.

سرت كلماته في روحها كالسحر، رافعةً إياها إلى عنان السماء، وقبل أن تلملم شتات نفسها من فرط البهجة، أردف بنبرة يمتزج فيها الشغف بجنون الهوى:
-معقولة يا بنوتة اللي عملتيه فيا ده؟ أنا قلبي كان هيقف من كتر الفرحة وهو خالي بيبلغني بموافقتك.

تسابقت الكلمات من بين شفتيها بعفوية طاغية،مدفوعةً بذعر عاشقة، وهلعًا على من وهبته نبضها وحياتها :
-بعد الشر عنك.

التقط لهفتها فابتسم، وهمس وصوته يزداد حماساً:
-خايفة على حبيبك يا دليلة؟

أشرقت ملامحها ببسمة يكسوها الحياء، ولاذت بصمتٍ رقيق، ليداعب صمتها بنبرة لائمة تقطر غنجاً ودلالاً:
-برغم السعادة اللي قلبي مش قادر يتحملها دي كلها، إلا إني زعلان منك أوي.

سألته متلهفة:
-طب زعلان منى ليه؟

راح يعاتبها بنبرة تقطر هيامًا: 
-علشان روحتي بلغتي بابا بقرارك قبلي، مش أنا بقيت حبيبك خلاص؟ يعني أي حاجة تخصنا، المفروض أنا أعرفها أول واحد.

أجابت بنبرة هادئة ومقنعة، لكي تبرر موقفها:
-بس الموضوع ده يخص بابا أكتر مننا يا أشرف، هو اللي طلب مني أكلمك، وكان مستني ردي علشان يبلغك بيه. 

ثم خفضت صوتها حياءًا وأردفت:
-وبعدين أنا مكنتش هقدر أبلغك برأيي، اتكسف يا أشرف.

تنهد بذوبان أمام رقتها وهتف:
-يا عيون أشرف أنتِ.

ساد صمت قصير رتب فيه فوضى مشاعره، وحسم أمره على مواجهتها بذاك الأمر الذي عكر صفو فرحته طوال الساعة الماضية، ليردف بنبرة غلبت عليها الجدية:
-في النقطة دي مقدرش ألومك، لكن اللي جاي ألومك علشانه، وزعلني منك بجد، هو الكلام اللي قولتيه لبابا بخصوص ميعاد جوازنا.

عقدت حاجبيها بدهشة، وسألته بعفوية:
-كلام إيه؟ أنا مش فاهمة. 

خرجت من أعماقه تنهيدة مثقلة بالأسى، تُجسد قلة حيلته أمام الواقع، رغم بهجة الانتصار المتمثلة في قبولها،ليقول بنبرة متهدجة:
-بابا قالي إننا مش هنتجوز غير لما تخلصي دراستك كلها.

ردت ببساطة وتلقائية:
-دي ماما اللي قالت كده، وبابا قالها أكيد هتخلص دراستها الأول.

سألها بنبرة متهدجة يكسوها الانكسار، تختزل عشقاً جارفاً وعجزاً قاسياً عن تصور فكرة الفراق لسنوات طوال:
-طب وأنتِ رأيك إيه؟

أجابت بوضوح واحترام لأصول عائلتها:
-أنا مقدرش أقول لبابا لأ، هو عارف مصلحتي أكتر مني، وكمان أنا حابة كده.

اعتصر الوجع شغاف قلبه في تلك اللحظة، ليوجه إليها سؤاله بنبرة يمتزج فيها لوم المحب بمرارة الخذلان:
-يعني أنتِ موافقة إننا نقعد أربع سنين بحالهم بعاد عن بعض؟ للدرجة دي مش فارق معاكِ نكون سوا يا دليلة؟

انتفضت مشاعرها مدافعة عن صدق حبها، وردت بلهفة بالغة لتنفي ظنونه:
-طبعاً فارق، بس كمان فارق معايا مستقبلي، وبعدين حتى لو أنا وافقتك، بابا وماما هيرفضوا أكيد.

أطلق زفيرًا عميقًا بدا وكأنه يفتت مخاوفه العميقة،ثم استجمع ثباته وتحدث بهدوء يقطر تحديًا وإصرارًا مبهمًا:
-خلاص يا حبيبتي، متشغليش دماغك بالحاجات دي، أنا هحلها.

تحررت نبرته فجأة من بقايا الضيق، واستأنف حديثه بطاقة متجددة وحماس بالغ:
- خلينا في فرحتنا الكبيرة، أنا والله ما مصدق نفسي لحد الوقت.

سرى الدفء في أوصالها، واجتاحتها موجة غامرة من السعادة وهي تلمس صدق لهفته وفرحته النابضة بين السطور، فسألته بنبرة خافتة يغلفها الخجل:
-للدرجة دي فرحان يا أشرف؟

رد بلهفة عاشق كاد يطير شوقاً:
-أنتِ بموافقتك دي رديتي فيا الروح من جديد يا دليلة، أنا مكنتش مصدق نفسي وخالي بيبلغني.

انفرجت شفتاها عن ابتسامة تفيض عذوبة، بينما واصل هو صب كلماته التي تنساب في مسامعها كمعزوفة موسيقية حانية:
-أنا بحبك قوي يا دليلة، وصدقيني، عمرك ما هتندمي إنك سمحتي لي أسكن قلبك، ووعد عليا، لأخليكي أسعد بنت في الدنيا كلها، هغرقك في حبي ودلالي، وقبل ما تطلبي الحاجة هتكون تحت رجليكِ، وأنا نفسي هكون موجود لخدمتك يا نور عيني.

استسلمت لسحر اللحظة، أطلقت تنهيدة رقيقة وأسبلت جفنيها، تاركةً روحها تطفو فوق أمواج غزله وعشقه المتدفق، في تلك اللحظة، تبخرت من رأسها كل تحذيرات والدتها الصارمة عن كلمات الحب والمسافات، أو ربما تعمدت تجاهل كل شيء، لتلوذ بدفء هذا الغرام، وتذوب في محراب عشقه العاصف.

لم تتركها غيمة العشق الطاغية في سمائها كثيراً، إذ أيقظها لحن صوته وهو يقول بنبرة جادة لكنها تفيض بالسرور والدفء:
-أنا هقفل معاكِ علشان ألحق أكلم بابا وفيفي وأفرحهم.

سألته بابتسامة حائرة تخفي وراءها بعض التوجس:
-تفتكر هيفرحوا؟

أجابها بيقين قاطع وهو يغمرها بدلاله مجدداً:
-يفرحوا بس؟ دول هيطيروا من فرحتهم، ومين ميفرحش إن عيلته هينضم لها أجمل بنوتة في الدنيا كلها؟

تحول قلبها كعصفور طليق يحلق في الفضاء. استمعت إليه وهو يودعها بنبرة واعدة:
-هكلمك بكرة يا قلبي، استنيني.

ورغم سطوة الخجل التي ألجمت لسانها، انتصرت لهفتها وهي ترد بنعومة:
-أكيد هستناك.

همس بحروف تكاد تقفز منها شرارات العشق:
-بحبك.

أنهى المكالمة، وتركها غارقةً في فيضٍ من السعادة، تحلق في أرجاء غرفتها كفراشةٍ ملونة تخطو أولى رقصاتها في سماءٍ من الفرح اللامحدود.

       ________♕_________

في بيت الحاج عزام، كانت الأجواء قد هدأت مع حلول الليل، بينما انزوت فاطمة في غرفتها تؤدي صلاة العشاء بقلبٍ يثقله التفكير، ما إن سلمت عن يمينها وشمالها، حتى دلف عزام الغرفة بخطواته الوقورة، نظر إليها بابتسامة حانية قائلاً:
-حرماً يا أم علي.

ردت بنبرة خفيطة هادئة:
-جمعاً يا حاج إن شاء الله.

طوت سجادة الصلاة بعناية، ثم اتجهت نحو الفراش لتجلس على طرفه، والهم يرتسم ظلاً ثقيلاً فوق ملامح وجهها، لاحظ حزنها، فاقترب وجلس إلى جوارها، وسألها بنبرة حانية:
-مالك؟ إيه اللي مضايقك؟

تنفست الصعداء في عميقة، طردت معها شحنةً ثقيلة من الكتمان، وتابعت:
-حال مرات ابنك مش عاجبني، أنا معنديش مانع إنها تجيب شغالة، بس مش من حقها تجيبها لي وتفرضها عليا وتبات كمان في بيتي.

أطلق تنهيدةً رقيقة يمتص بها حدة غضبها، وأجابها برفق وهو يستدعي روح التسامح الساكنة في أعماقها:
-اعتبريها ضيفة وخدي ثوابها يا فاطمة.

 التفتت إليه بجدية صارمة، وتحدثت بنبرة حملت نفوراً واعتراضاً لم تستطع إخفاءه:
-وجودها وأكلها وشربها على راسي يا عزام، بس أنا مش عارفة أتقبل وجود حد غريب مش من دمي يبات معايا تحت سقف بيتي.

وتابعت بحدة: 
-أعرفها منين أنا دي علشان أأمن لها وأغمض عيني في وجودها؟

حاول بث الطمأنينة في قلبها:
-ما هي بتبات مع ابنك ومراته من مدة يا فاطمة.

انتفضت ترد بسرعة وغضب غلف صوتها:
-هما حرين في نفسهم، بس ما يجبرونيش على حاجة أنا مش قبلاها يا عزام.

أدرك بحنكة السنين أن الجدال مع تلك العنيدة،لن بأتي بثماره،فمال نحوها بحنو، وطبع قبلةً دافئة على رأسها، مروضاً ثورتها بلين حديثه:
-عديها المرة دي علشان خاطري وخاطر علي، وقومي اعملي لنا طقم شاي من إيدك الحلوة دي يا ست الستات.

لم تستطع مقاومة دلاله وتقديره لها، فانفرجت أساريرها عن ابتسامة راضية، بعد أن نجحت كلماته في تحويل نار ضيقها إلى رماد بارد في ثوانٍ معدودة. 

نظرت إليه بعينين تملؤهما المودة وقالت:
-أنت الوحيد اللي بتقدر تريحني بكلامك يا عزام، في ثانية بتحول ناري لرماد.

ابتسم لحديثها، فتابعت بدعاء صادق نابع من أعماق قلبها:
-ربنا يخليك ليا، ويحميك يا حاج.

      _______♕_______

بعد قليل، كان الجميع يرتشفون الشاي معاً، انشغلت "فاطمة" بملاعبة حفيدتها الصغير،راحت تدللها ، ارتفع صوت رنين هاتف السيد "عزام"، ذلك الجهاز الحديث الذي أهداه له "أشرف" ليسهل عليهم التواصل أينما كانوا.

ضغط على زر الإجابة سريعاً ما إن لمح اسم ابنه، وبعد فيض من السلامات المتبادلة مع الجميع، ساق "أشرف" لهم خبر موافقة دليلة، لكنه سرعان ما نقل لهم شرط خاله الصارم، وهتف بقلة حيلة ونبرة مستنجدة:
-بابا،انتَ لازم تشوف لي حل في الموضوع ده، أنا عندي تمانية وعشرين سنة، لسه هستنى أربع سنين كمان؟!

كان مكبر الصوت ينقل حشرجة صوته بوضوحٍ جليّ للجميع، فجاء رد السيد بوقارٍ وهدوءٍ يزن به الأمور بميزان الحكمة:
-الناس أحرار فيما يملكون ويخصهم يا ابني، دي شروط الراجل، فيك تقبلها، وتقدر بردوا ترفضها.

عجزت عن تحمل لوعة ابنها ونبرة صوته المكسورة، فبادرت بالتدخل بنبرةٍ قاطعة :
-ولا يهمك يا حبيبي، أنا هكلم لك خالك .

التقط وعدها كمن عثر على طوق نجاة، وهتف بلهفة يترجاها:
-يا ريت يا ماما! قولي له كفاية تخلص أول سنة، وبعد كدا نتجوز وتبقى تنزل على الامتحانات.

طمأنته بجدية بالغة لتزيح الهم عن صدره:
-متقلقش واعتبر الموضوع انتهى، أنا وأبوك وعلي،وجدتك رقية هنروح لخالك آخر الأسبوع، ونتفق معاه على كل حاجة، وإن شاء الله هكلمه في الموضوع ده وأحاول أقنعه.

تنفس الصعداء، وشعر أن هذه الأجواء الدافئة هي فرصته المثالية ليفاتحهم ببقية الأمر، فقال بنبرة حذرة:
-فيه حاجة كمان لازم تعرفوها، زي ما كلنا عارفين إن خالي مجهز لدليلة دور في بيته، فأنا إن شاء الله هفرشه، علشان لما ننزل مصر، نقضي الإجازة ما بين هناك وبين شقتي عندكم.

أوشكت على الانتفاض احتجاجاً بعينين متسعتين من الصدمة، لولا أن لمح زوجها حركتها المباغتة، فأوقفها بإشارةٍ صارمة من كفه، فارتدت كلماتها إلى حلقها، وما إن أنتهت المكالمة ، حتى انفجرت ثورتها،وراحت تسأله بمرارة:
-أنت موافق على اللي حصل من صادق ده يا عزام؟ عاوز ياخد مني الواد اللي فاضل لي؟!

 ثم التفتت تشير نحو "علي" وتابعت بغصة مريرة:
- مش كفاية محرومة من أخوه، وأنا بيني وبينه نص ساعة؟! ده أنا بشوف حفيدتي كل شهر مرة، ما بلحقش أحفظ شكلها يا عزام، وعلى ما تجيني الزيارة اللي بعدها بكون نسيته.

حاولت "داليا" تلطيف الأجواء، فقالت بنبرة تقطر هدوءًا:
-يا حبيبتي ما إحنا كلنا حواليكِ اهو، وعلي بيحاول يزوركم لوحده على قد ما ظروف شغله بتسمح.

تجاهلت حديث زوجة ابنها تماماً وكأنها لم تسمعها، واستسلمت لدموعها، وباتت تندب حظها وهي تقول بدراما:
-هي دي آخرتها يا فاطمة، هيرسى عليكِ الدور ونفس اللي حصل في أمك هيحصل لك.

احتصنها علي وراح يهدأ من ورعها، بينما أطلق عزام زافرة وتحدث مستغفرًا: 
-استغفر الله العظيم وأتوب إليه، يا فاطمة اعقلي وسيبك من الكلام ده، خلينا نتكلم بالعقل، ابنك شغله في السعودية ومش عايش هنا أصلاً.

لكن كلماته كانت ترتطم بجدار عنادها، فاستمرت تضرب بكفيها على فخذيها بأسى وهي تقول:
-بقى كده يا صادق؟ هونت عليك أنت كمان، امال لو مكنتش حضرتك معايا أيام علي، بقة من من أولها بتعمل كدا؟!

 التفت السيد"عزام" إلى "علي" وأمره همساً بأن يذهب لاستدعاء جدته، فهي الوحيدة التي تملك مفاتيح عقل نجلتها.

 وبالفعل، لم تمضِ سوى دقائق حتى دلفت الجدة بوقارها المعهود، وما إن استمعت للمشكلة حتى بدأت تبسط الأمور لابنتها قائلة بوعي:
-ده اخوكِ يا فاطمة، والمصلحة واحدة، وأهو كله خير لابنك، وبدل ما يبقى عنده شقة هنا، يبقى له شقة كمان في مصر. 

ثم ربتت على كتفها بحنو وقالت بدهاء:
- هدي الدنيا وما تقفيش أنتِ وأخوكِ قدام بعض وتشمّتوا فيكم الأعادي من أولها.

تنفست "فاطمة" الصعداء ولاذت بالصمت بعد أن اقتنعت برأي والدتها،بينما تجمدت "داليا" في مكانها من أثر الصدمة والغضب المكظوم، إذ لم يكن بوسعها سوى عقد مقارنةٍ قاسية في ذهنها بين هذا الدلال والرضا المباغت، وبين عاصفة الرفض التي ضربت زواجها هي لـ أسبابٍ تكاد لا تُرى مقارنةً بما يحدث الآن.

التفتت "فاطمة" إلى والدتها وقالت بنبرة تفيض بالرجاء:
-المهم أنا عوزاكِ تضغطي على صادق في موضوع ميعاد الفرح يا ماما، ده عاوز يقعد الواد لما يبقى عنده اتنين وتلاتين سنة. 

ردت السيدة بصرامة قاطعة:
-ما تقلقيش، أنا اللي هقف له، هو عاوز عيال الولا يموتوا في ظهره ولا إيه؟!

🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤

قطع "رشيد" عمله وعاد في إجازة طارئة ليدعم شقيقه "كريم" قبل يومين فقط من زفافه، لكن فرحة العودة تلاشت فور دخوله المنزل، فالحرب الباردة المستعرة بين "كريم"و "بسمة" ووالدته لم تهدأ نيرانها بعد.

شعر بوطأة الحزن الجاثم على صدر شقيقته الصغرى، فلم يطق رؤيتها تذبل داخل غرفتها، قرر أن ينتشلها من عزلتها، ويأخذها بعيدًا ليتناولا الغداء معًا في مطعم هادئ، يطل على ضفاف النيل الساحر.
 

شاءت الأقدار أن تقودهما الخطى إلى مطعم هادئ تابع لرجال الشرطة، فُتحت أبوابه حديثًا لاستقبال العائلات والجمهور، استقرا على طاولة ملاصقة للماء تمامًا، حيث كان النهر ينساب في صمت مهيب، مداعبًا نسمات الصيف الهادئة. 

رمق ملامحها الحزينة بنظرة هادئة، وسألها بصوت خفيض وناعم، في محاولة لكسر حاجز الصمت :
-تحبي تاكلي إيه؟

أجابته بنبرة خفيضة، وقد انطفأ فيها ذلك البريق الذي ميز مرحها المعهود:
-أي حاجة.

تفرس في ملامحها المستسلمة للحزن، وضاق ذرعاً برؤية مشاغبتها المعتادة وقد تلاشت تماماً، وفي محاولة منه لتبديد هذا اليأس، بدأ يداعبها بأسلوبه  المعتاد، عله يعيد إلى وجهها ابتسامتها الغائبة: 
-أنا مبحبش أشوفك كده، وعلى فكرة، دمك بيبقى تقيل.

رفعت عينيها إليه، فامتزج الاعتراض بمرارة الانكسار في صوتها المخنوق وهي تعاتبه:
-يعني أنت عاجبك معاملة كريم وماما ليا يا رشيد؟

أطلق  تنهيدة طويلة، مغلفة بعقلانية الشقيق الأكبر وراح يواجهها بالواقع المرير:
-خلينا نعترف إن اللي عملتيه مكنش قليل، وشيء جديد على بيتنا.

هتفت بحدة، وقد ضاقت روحها من قسوة اللوم المتواصل:
-يا سيدي أنا عارفة إني غلطت لما خبيت عليكم إني رايحة المظاهرة.

 ثم استطردت باحتجاج مرير والدموع تلمع في مقلتيها:
- الموضوع عدى عليه ييجي شهر يا رشيد، مش معقول هفضل أتعاقب العمر كله على حاجة عملتها.

في تلك الأثناء، كان الضابط "هشام موافي" يهبط درجات السلم المؤدي إلى الساحة المفتوحة برفقة  أحد أصدقائه ، بعد أن قادتهما الرغبة في تناول الغداء في نادي الضباط.

وبلحظة تجمدت الدماء في عروقه وجحظت عيناه بذهول جارف،وهو يرى الفتاة بذاتها التي تغلغلت في خلايا عقله، وتسللت إلى تفكيره منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها. 

كان يطوي الأيام سراً، ويخطط للذهاب إلى الجامعة مع بداية العام الدراسي الجديد،متحججًا بأي شيء، فقط كي يلمح عينيها مجدداً، لكنه لم يتوقع قط أن تبتسم له الأقدار بهذه السرعة، وتضعها في طريقه مصادفة هي وشقيقها.

والأكثر إثارة لشغفه، أنها كانت تجلس وتتناقش بذات الحدة والمشاكسة التي سحرته في المرة الأولى. ارتسمت على شفتيه ابتسامة تلقائية دافئة غازلت ملامحه، ومع اقترابهما من طاولتها، التفت إلى صديقه وقال بصوت واثق، وعيناه مسمرتان عليها:
-روح أنت اقعد واطلب المنيو، وأنا هسلم على حد معرفة وجاي لك على طول.

اقترب من الطاولة بخطوات وثيقة، وفيما كانت تعاتب شقيقها بنبرتها الحانقة، لمحت بطرف عينيها ظلاً يقبل عليهما، رفعت عينيها بعفوية، لتلتقي نظراتها بنظراته، كان متحررًا من بذلته الرسمية، حيث كان يرتدي قميصاً قطنياً وبنطالاً من الجينز، وقد علق نظارته الشمسية بإهمال محبب في ياقة قميصه. 

كان جذاباً إلى حدٍ يثير الارتباك، يفيض طوله الفارع بهيبة طاغية، انتابتها حالة من الارتجاج الداخلي وشعرت بجسدها ينتفض، لعلها وطأة الخوف من شخصيته الصارمة، أو ربما هو نفور دفين من تلك الذكرى العاصفة التي يحملها وجهه.

 أما هو، فكان يسبح في فضاء آخر من المشاعر، ثمة حماسٍ دافئ ينتشر في عروقه، ونشوة عارمة امتزجت براحة لم يألفها منذ زمن.

استغرب "رشيد" صمتها المفاجئ وتيبس كلماتها على شفتيها، فالتفت يتبع خط نظراتها، ليتفاجأ بذلك الضابط يطأ مساحتهما. 

تقدم "هشام" نحوهما وعيناه تلمعان بابتسامة هادئة، وهتف:
-ده إيه الصدفة الحلوة دي. 

نهض "رشيد" واقفاً على الفور بدافع الاحترام والترحيب، فيما مد "هشام" يده ليصافحه بحرارة، فعقب "رشيد" ممتناً:
-هي فعلاً صدفة، بس أكيد حلوة.

رد بسرعة ونبرته تقطع الشك باليقين لتصل إلى مسامع الفتاة:
-أكيد.

ثم حول بوصلة نظراته المتأملة نحوها، وقال بنبرة حملت دفئاً خفياً:
-إزيك يا أستاذة؟

ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول استجماع شجاعتها، وأجابت بصوت خفيض:
-الحمد لله.

رمقها ببريق مشاكس في عينيه، وقال وهو يمازحها:
-شكلك اشتاقتي لمشاكسة رجال الشرطة، فقررتي تيجيي برجليكي لعقر دارنا.

انفرجت شفتاها عن ابتسامة رغماً عنها أمام مزاحه المباغت، بينما تدخل "رشيد" يشاركه المزاح ويدافع عن شقيقته بمرح:
-المرة دي يا هشام بيه هي براءة، للأمانة هي مكنتش عاوزة تخرج، وأنا اللي أصريت وجبتها هنا.

اتسعت ابتسامة "هشام" التي زادت ملامحه وسامة وقال:
-ده من حُسن حظنا يا باشمهندس.

شاور "رشيد" بيده نحو أحد المقاعد الفارغة ودعاه باحترام:
-طب اتفضل حضرتك اتغدى معانا.

أجابه باحترام ووقار، وإن كان عقله يأبى المغادرة:
-مرة تانية علشان معايا واحد صاحبي هتغدى معاه.

 ثم استطرد يسأل، وعيناه تراقبانها بترقب، بينما غلفت صوته لهفة مكتومة كادت أن تفضحه:
- أنتوا متعودين تيجوا هنا على طول؟

هز "رشيد" رأسه نفياً وهو يقول:
-لا والله دي أول مرة، واحد صاحبي جرب المشاوي هنا وعجبته، فقولت أجيب بسمة لأنها بتحبها.

عقب وعيناه تسرقان النظر إليها من جديد:
-ده من حظنا الحلو يا باشمهندس.

 ثم التفت إلى "بسمة" وقال بنبرة هادئة:
-أتمنى الأكل يعجبك، ونشوفك كتير بعد كده. 

وتابع باهتمام :
- اخترتوا ولا لسه؟

أجابه مقتصرًا:
-لسه، بس هنختار حالاً.

رفع كفه بحسم مهذب وقاطع اعتزامهما قائلاً:
-اسمح لي أنا اختار لكم المرة دي، وهدخل للشيف علشان يظبط لكم الدنيا.

رد"رشيد" معترضًا، لكنه لم يتخل عن نبرة الاحترام والوقار:
-متشكرين يا فندم، مش عاوزين نتعب جنابك معانا، إحنا هنختار.

لم يكن هشام الرجل الذي ينسحب بهذه البساطة، لذا تحدث بنبرة تملؤها الثقة:
-أنا أصلاً داخل للشيف علشان أوصيه على الغدا بتاعي، يعني لا فيه تعب ولا أي حاجة. 

ثم أردف بابتسامة واثقة: 
-أصل أنا بحب أختار قطعية اللحمة اللي هاكلها بنفسي.

واستأنف حديثه وعيناه تستقران في عيني "بسمة" بباطن يحمل مغزى عميق: 
- أنا كده، بحب أختار كل حاجة تخصني بعناية وتركيز.

ثم استدار صوب "رشيد" وقدم له هاتفه بابتسامة واثقة، قائلاً بنبرة مرحة لا تخلو من الدهاء الفطري:
-بعد إذنك يا باشمهندس تسجلي رقمك هنا، مش معقول القدر يجمعنا في نفس المكان وناكل من نفس قطعية اللحمة، وميبقاش معانا أرقام بعض.

ابتسم"رشيد" وقال بنزحة:
-ما يصحش طبعاً.

أمسك الهاتف وسجل رقمه، فطلب "هشام" الرقم فوراً لتأكيد الاتصال وتبادلا الأرقام، تنهد براحة طفيفة وقد حقق مأربه، ثم شكرهما وقال بنبرة دافئة:
-بعد إذنكم، وخدوا راحتكم المكان مكانكم.

تحرك مبتعداً نحو المطبخ تاركاً خلفه نبضات قلبٍ بدأت تتسارع بغير انتظام.

تابعت طيفه، ثم التفتت إلى شقيقها وقالت باساتكارٍ مفتعل:
-هو ليه محسسني إن النادي بتاعه؟

عدل جلسته وأطلق ضحكة خفيفة وهو يهز رأسه قائلاً بسخرية:
-دا أنتِ فظيعة، الراجل كتر خيره بيرحب بينا على اعتبار إن المكان تبع الشرطة،تقومي بدل ما تشكريه،تتريقي.

زفرت بضيق وعقدت حاجبيها معقبة:
- شكله مغرور.

رد مدافعاً بإنصاف:
-بالعكس، ده شخص متواضع جداً وشكله ابن ناس وأهله تعبوا على تربيته.

اطلقت تنهيدة حارة وأدارت وجهها نحو النهر، فاستغل صمتها ليعيد الدفة إلى مسارها الأساسي، وتابع بنبرة جادة:
-خلينا في موضوعنا، أنا مش عاجبني علاقتك بكريم، أخوكِ فرحه بعد يومين.

احتدت نظراتها فجأة، ونفثت عن ضيقها في زفرة حارة استسلمت فيها للأمر الواقع، ثم قالت بنبرة يائسة:
-وأنا كنت غلطت فيه يا رشيد؟ ما هو اللي مخاصمني ومش طايق يبص في وشي.

أجابها بهدوء، يعكس استيعابه التام للموقف:
-أنا عارف إن كريم طبعه صعب، وللأسف قلبه جامد شوية، بس في النهاية هو اخوكِ الكبير.

نظرت إليه بعينين مستسلمتين وسألته:
-يعني عاوزني أعمل إيه يا رشيد؟، دبرني. 

رد بنبرة حانية يملؤها الرجاء:
-روحي اعتذري له، مش حلوة يتجوز وأنتم مقاطعين بعض.

أطلقت تنهيدة ضيق طويلة، ثم أومأت برأسها مستسلمة لرغبته وقالت بنعومة:
-حاضر، هعمل كده علشان خاطرك أنت بس.

في تلك الأثناء، كان "هشام" يخطو خارجاً من المطبخ، لتقع عيناه مصادفةً على طاولتهما، فلمح "رشيد" وهو يحتضن كفيّ شقيقته بحنو بالغ، قائلاً لها بابتسامة يملؤها الفخر:
-يخلي لي العاقلة قلب أخوها اللي بتسمع كلامه.

اتسعت ابتسامتها، وتهللت أسارير وجهها ببريق دافئ، فاستطرد "رشيد" حديثه مداعباً إياها:
-شوفتي لما ربنا بيهديكي بتبقي زي القمر إزاي.

تجاوز طاولتهما بصمت مطبق، واكتفى بنظرة خاطفة نحوها،امتزجت بابتسامة غامضة ومبهمة، قبل أن يمضي متجهاً إلى طاولته.

 
شعرت بقلبها يهتز بعنف، وتصاعدت دقاته بغتةً في اضطراب لم تفهم سببه بعد، زفرت تنهيدة عميقة، وحاولت استجماع شتات نفسها لتستأنف حديثها مع شقيقها، بنصف عقل. 

لم يحتمل "هشام" أن تحجب مكان الطاولة ملامحها عنه، فطلب من صديقه مغادرة مكانهما، ليتخذا طاولة بديلة تقع في مواجهتهما مباشرة، هكذا، أصبح وجه "بسمة" جلياً أمام ناظريه، فيما انحجب "رشيد" بظهره عنه.

.لم تمضِ دقائق حتى هبط العمال يحملون أصنافاً تفتح الشهية، نزلت المشويات المنوعة فوق جريل كبير يتصاعد منه دخان الشواء الذكي الذي يحمل عطر التتبيلة الخاصة.

 التف حول الطاولة عاملان، وفي لمح البصر، امتلأت المساحة بأكثر من خمسة أنواع من اللحوم الفاخرة، تدعمها أطباق السلطات والمقبلات الملونة، بجانب زجاجات المياه والمشروبات الغازية المتنوعة.

بعد أن انتهى العمال من رص المائدة الفاخرة، استدار  "رشيد" ليتطلع نحو "هشام" ، وشكره بتحية وقورة من رأسه، فردها إليه بهزة طفيفة من رأسه ونظرة عين واثقة.

اعتدل ثم تأمل تلك الاصناف من الطعام المبالغ فيه، ونظر إلى شقيقته يمازحها بنبرة خفيطة ساخرة:
-هو حد قاله إنه بيطلب غدا لرؤوف غبور ولا إيه؟

لم تملك نفسها، فأنطلقت منها ضحكة عالية رنت في أرجاء المكان، وفي تلك اللحظة، التفتت عينا "هشام" نحو مصدر الصوت، ليرى وجهها المشرق بالبهجة،شعر بقلبه يرق وينبض بشدة أمام عذوبة ضحكتها التي تغلغلت في أعماقه.

وبلحظة ارتسمت على وجه ابتسامة عريضة يملؤها الشغف وهو يراقب بهجتها العفوية من بعيد.

 التفتت إلى شقيقها وقالت بنبرة مشاكسة تخفي خلفها حيرتها:
-تسمع مني؟ في الآخر هيطلع شريك في النادي .

هز رأسه، ثم أشار بيديه نحو الأطباق الفاخرة الممتدة أمامهما قائلاً بمرح:
-كلي يا حبيبتي علشان نلحق نجيب لك فستان للفرح قبل الدنيا ما تليل.

تذوقت من اللحوم بشهية وقتلت: 
-على فكرة، اللحمة تحفة بجد. 

على الجانب الآخر، كان يسبح في وادٍ آخر، إذ استسلم لجاذبيتها بالكامل ولم يقو على إزاحة عينيه عنها ولو للحظة واحدة. 

لاحظ صديقه "علاء" هذا الشرود الطويل والتركيز المبالغ فيه، فسأله بنبرة غامزة:
-اللي واخد عقلك يا هشام باشا؟

ابتسم محاولاً المراوغة، ومد يده يلتقط قطعة من اللحم الناضج من فوق الجريل ويضعها في طبقه وهو يقول:
-الريش هي اللي واخدة عقلي، مستوية على نار هادية ودايبة دوب.

التفت علاء بنظراته نحو "بسمة"، ورمقها بمغزى غلف صوته وهو يعقب:
-بس لذيذة. 

في ثانية واحدة، تبخرت مظاهر المزاح، لتجحظ عيناه واكتست ملامحه بحدة صارمة ونبرة مخيفة جمدت الدماء في العروق وهو يقول:
-علاء بيه، الموضوع ده غير قابل للمزاح.

ارتبك من هذه التحول المفاجئ وقسوة النبرة، فأسرع بالاعتذار متراجعاً:
-آسف يا هشام، افتكرت الموضوع عادي بالنسبة لك.

التقط نفسًا عميقًا يحاول بها لجم غضبه وغيرته التي اشتعلت بغتة، هو هو تفاجأ بها، وقال بصوت حازم:
-يا ريت نغير الموضوع ونخلينا في الغدا.

انتهى الجميع من تناول طعامهم وسط صمت نسبي فرضه موقف" هشام". نهض الأخير ملوحاً لصديقه بالتحرك، وتعمد المرور بطاولة رشيد، حيث استدار بجسده الفارع ووقف أمامهما قائلاً بوقار:
-فرصة سعيدة يا باشمهندس.

رد رشيد بامتنان :
-أنا أسعد يا هشام باشا.

ولم يكد ينهي كلمته حتى تحرك "هشام" على الفور، ساحباً صديقه خلفه بخطوات سريعة، ليقطع عليه أي فرصة للالتفات أو سرقة نظرة أخرى نحوها.

بعد مرور نحو عشر دقائق، لوّح "رشيد" للموظف المسؤول، وقال له بنبرة عملية:
-الشيك من فضلك.

حضر الموظف وأحابه بابتسامة مهذبة:
-الحساب مدفوع يا فندم، هشام بيه موافي حاسب قبل ما يمشي.

اتسعت عيناه بذهول عارم، والتفت إلى شقيقته هاتفاً:
-معقولة؟!

ثم أسرع بإخراج بعض النقود من جيبه ومدها نحو الموظف قائلاً:
-طب خد دول للخدمة لو سمحت.

تراجع الرجل للخلف رافضاً بوجل واضح، وعقب موضحًا:
-مينفعش حضرتك، هشام بيه حاسب على كل حاجة، ولو عرف إن حضرتك طلعت جنيه واحد، مش هيحصل كويس، لا ليا ولا للعمال.

تفهم طبيعة الأوامر الصارمة لرجال الشرطة في منطقتهم، فأعاد نقوده إلى جيبه، ثم جمع أغراضه واصطحب شقيقته مغادراً المكان. 

تحركت إلى جواره في صمتٍ تام، بينما كانت دقات قلبها تذوب بين مشاعر الاستغراب العارم، والإعجاب الشديد والشغف الدفين بـهذا الـ "هشام" الذي اقتحم عالمها بفروسية طاغية، وطريقة احترام بليغة هزت كيانها الأنثوي لأول مرة.


تعليقات