رواية لولا الغرام الفصل الخامس والعشرون
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«كُنتُ أحسبني طائراً حُراً لا يقعُ في الشِباكِ، قلعةً منيعةً شُيِدت أسوارها لتقاومَ سهامَ الغرامِ، كُنتُ أَمُرُ على حكاياتِ العُشاقِ بابتسامةٍ ساخرةٍ، مستنكرًا كيف لِلوعةِ غرامٍ أن تكسرَ وقارَ الرجالِ، بل وأسخرُ في سري من قصائدِ السهرِ.
لكنكِ جئتِ كالفجرِ، بلا استئذانٍ ولا ضجيجٍ، فإذا بالحصون التي قضيتُ عُمري أرفعُ بنيانها تذوب أمام سحر عينيكِ، وإذا بذاكَ الصخرِ الذي ظننتهُ قلبي يتحولُ إلى حديقة ياسمينٍ تتنفسُ طيفكِ.
عجباً لي، كيف هُزمتُ بنبرة صوتٍ؟ حتى أني أصبحتُ غريباً عن نفسي، أترقّب إطلالتكِ، وأتبعُ خطاكِ، أتذوقُ بذهولٍ طعم الغرام الذي طالما أنكرته، لأجدني غارقاً فيكِ، بل وممتناً لهذا الغرقِ.»
"هشام موافي الحديدي"
بقلمي «روز أمين»
_________♕__________
داخل منزل "عبد الرحمن المسيري"، خلف باب غرفته، كان "كريم" يتحرك بخطوات متسارعة وهو ينسق ثيابه بعناية فائقة، يستعد للخروج لإنهاء ما تبقى من ترتيبات زفافه المرتقب، والذي لم يعد يفصله عنه سوى يومين اثنين.
قطع استغراقه صوت طرقات خفيفة على الباب، فهتف بنبرة مقتضبة:
-ادخل.
انفتح الباب ببطء مواربًا، وتسللت عبره "بسمة" لتتوقف عند العتبة، أخذت تتأمله بنظرات مترددة، قبل أن تخطو نحوه خطوةٍ حذرة، وراحت تهمس بصوت خفيض يفيض برجاءٍ دفين:
-ممكن ادخل؟
التفت نحوها، ليتجمد وجهه بملامح جافة وقاسية، تجاهلها تماماً وشاح بنظره إلى الجهة الأخرى، لم تستسلم لاعراضه عنها، بل تقدمت بخطوات ثابتة حتى وقفت قبالته، وهمست بكلمات لومٍ وعتاب هز كيانها:
-وبعدين يا كريم، هتفضل تعاملني كده لحد امتى؟
صمتت للحظات لتبتلع غصتها، ثم تابعت وعيناها تلمعان بدموع حبيسة:
-يرضيك تتجوز وتبدأ حياة جديدة ومراتك تدخل البيت واحنا متخاصمين؟!
تجاهل كلماتها المليئة بالرجاء، وتحرك صوب المرآة، يلتقط مشطه ويمرره بين خصلات شعره بعصبية مكتومة، ثم قال بحدة اخترقت أذنيها:
-اهو كله من عمايلك السودة.
تنهدت بضيق وقد نفدت طاقتها، فهتفت مدافعة عن نفسها:
-ما خلاص بقى يا كريم، مكنتش غلطة اللي هتفضل تحاسبني عليها بقية عمري دي.
خطت نحوه حتى غدت تلاصق كتفه، ونظرت إلى انعكاس وجهه في المرآة بعيون تفيض بالاعتذار والندم:
-خلاص بقا.
تصلبت يده في الهواء، ثم ترك المشط من يده ببطء. التفت إليها، وأطلق تنهيدة طويلة كأنما يزيح بها جبلاً من الهموم عن صدره.
تعمق في ملامحها، وقال بنبرة تخلت عن قسوتها المصطنعة:
-انا بدوس عليكِ مش علشان انا قاسي ولا جاحد.
صمت لبرهة مستجمعاً عاطفته التي يحاول مداراتها، ثم أردف:
-أنا خايف عليكِ يا حمارة.
لم تتمالك نفسها من الرد بحدة رداً على إهانتهُ المعتادة:
-طب ليه الغلط طيب؟
ابتسم في داخلهُ لكنه حافظ على جدية ملامحه، وثبت عينيه في خاصتيها قائلاً بلهجة حاسمة:
-يا بت افهمي، سكة المظاهرات والسياسة والاقسام دي مش سكتنا، ابوكِ لو كان عرف كان قطم رقبتك.
قالت مُبتسمةً في محاولةٍ لاسترضائه:
-واهو الموضوع عدى يا سيدي وربنا ستر وبابا معرفش.
ثم ألقتْ عليه نظرة عتابٍ أخيرة، تحمل في رقتها رجاءً بالصفح:
-ايه بقى؟
لم يقو على الصمود أمام عينيها المستعطفتين، فاستسلم لنداء قلبه، وتلاشت قسوته تماماً وهو يقول بنبرة دافئة:
-متعمليش كده تاني.
لم تكد الكلمات تخرج من فمه حتى اندفعت نحو صدره، وارتمت في أحضانه بقوة وهي تقول:
-حاضر.
انفتح الباب فجأة وخطا "رشيد" إلى داخل الغرفة، اتسعت ابتسامته العذبة ما إن وقعت عيناه على ذلك العناق الأخوي، ليداعبهما بغيرته المصطنعة وهو يقول بمزاحٍ:
انا بغير خلوا بالكم.
ابتعدت ونظرت إلى شقيقها وهي تطلق ضحكة صافية من قلبها،بينما استدار "كريم" نحوه وقال بتهكم:
-يا عم اهي قدامك اهي، ابوس إيدك خدها وريحني من زنها.
لوح "رشيد" بيده ملوماً إياهها بمرح، وهو يقول:
-اتفضلي، هو ده اللي بعتيني علشانه.
اتسعت عيناها بذهول مصطنع، ونظرت إلى شقيقها بوعيد مازح:
-بقى كده، ماشي يا سي كريم، ابقى شوف مين اللي هيكوي لك هدومك بعد كده.
رمقها بنظرة غارقة في التهكم وراح يقول وهو يعدل ياقة قميصه :
-انتِ هبلة يا بت، انا فرحي بعد بكرة، يعني خلاص، بقيت مستغني عن خدماتك.
علقت بابتسامة متهكمة:
-صحيح، اخرت الغز علقة.
ثم نقلت نظراتها نحو "رشيد" وسألته بفضول حذر:
-يا ترى انت كمان هتندل معايا زي اخوك ولا ايه ظروفك يا باشمهندس؟
جاء رده هادئاً، حازماً، وواثقاً:
-متقلقيش يا حبيبتي، الهندسة مستقر هنا إلى ما لا نهاية، انتِ اللي هتديني استمارة ستة واخلص منك قريب ان شاءالله.
ابتسمت ساخرة قبل أن تعلق بتهكمٍ واضح:
-مستقر اه، أمك اتصلت بخالتك وطلبت منها تحيب"نسرين "وييجوا بحجة انها تساعدنا في تنضيف البيت، وزمانها على وصول.
وتابعت بسخرية:
-يــا،يا جناب المستقر .
ارتفع حاجبهُ بذهول مباغت وقال سريعاً:
-كويس انك قولتي لي، يدوب ألحق أعمل قهوتي واهرب بيها على السطوح.
انشقت عن ثغر كريم ابتسامة ساخرة وهو يتدخل في الحوار، مصوباً نظراته الفاحصة نحو شقيقه:
-وهي أمك هتغلب، دي احتمال تبعتها لك تأكل البط والحمام في العشة، واحتمال الدكتورة تجود من عندها و تزغط دكرين البط كنوع من استعراض المواهب قدامك يا عريس.
تعالت ضحكاتهم، خطت بسمة بخفة نحو شقيقها المتكئ على إطار الباب وقالت:
-انا هروح أعمل لك القهوة.
نظر إليها وراح يحدثها برجاء :
-بوش يا بسوم الله يبارك لك، مش صايصة زي بتاعت كل مرة.
توقفت ممتعضة، ومدت شفتيها بدلال قائلة:
-أنا بعمل قهوة صايصة يا رشيد؟
هز رأسه مؤكداً بلا تردد:
-حصل.
اشتعل حماسها وتحدت قائلة:
-طيب يا رشيد، انا بقى هدخل اعمل لك فنجان قهوة، هخليك تحلف بيه العمر كله، ومهما شربت في أفخم الكافيهات، بردوا مش هتوصل لجماله.
ابتسم مجارياً حماسها:
-ارجوكِ اعملي كده.
غادرت متجهة نحو المطبخ، ليعود الصمت إلى الغرفة مجدداً، التفت إلى شقيقه الأكبر وسأله باهتمام:
- مش محتاج أي حاجة اعملها معاك؟
أجابه بامتنان:
-تسلم يا هندسة.
ثم تردد قليلاً قبل أن يضيف بابتسامة حذرة:
- بس لو تشوف لي معاك 500 جنية يبقى كتر خيرك.
اتسعت عيناه بدهشة واستنكار، ثم رمقه بنظرة حادة وهو يقول:
-يا ابني انت مبتشبعش فلوس، انا مش لسه مديك ألف امبارح بالليل، ده غير الخمسة اللي ادتهم لك قبل ما اسافر اخر مرة.
حرك كتفيه مداعباً الموقف لتخفيف وطأة لومه:
-اعمل ايه بس يا رشيد، الجواز اصله طلع مكلف أوي، عامل زي البلاعة.
تنهد الأخر بعمق، وهز رأسه باستسلام :
- حاضر يا سيدي، بس حاول تلم ايدك شوية يا كريم، ومش كل حاجة عروستك تقول لك عليها تقول أمين.
دافع عن رغبته في إسعاد شريكة حياته بنبرة عاشقة:
-يا ابني مش عروسة وعاوزة تفرح؟
تحرك باتجاه شقيقه، وأردف بوقار ونضج:
-تفرح في المعقول، وعلى قد ظروف جوزها يا كريم، "لا يكلف الله نفسًا الا وسعها" يا حبيبي.
ثم وضع يده على كتف أخيه وثبت نظرته في عينيه ليؤكد كلماته الأخيرة:
-لازم من البداية تتحمل ظروفك، وتتأقلم على قد دخلكم، علشان بعد كده ما تتمردش عليك وتطالبك بحاجات فوق طاقتك .
_______♕_______
كانت تجلس في غرفتها فوق السرير، ممسكة بهاتفها وعلامات الضجر تكسو ملامحا وهي تقول بنبرة يملؤها اللوم :
-على فكرة يا اشرف انا زعلانة منك.
رق قلبه ولم يحتمل حزنها، فعاجلها بنبرة دافئة تفيض دلالاً، عساها ترضى:
-يا خبر، ويا ترى قلب اشرف زعلان منه ليه؟
على الرغم من الفرحة العارمة التي اجتاحت كيانها لسماع كلماته المدللة، إلا أنها قاومت مشاعرها وتصنعت البرود، وحافظت على صوتها الجاد الممتزج بالعتب:
- انت ازاي تقول لــ بابا انه يحولي انتساب؟
ثم تابعت بعتاب أشد وطأة:
-انت مش عارف ان ألسن كلية عملية و مفيهاش انتساب؟! ولا انت عاوزني انقل لكلية تانية تكون نظرية، للدرجة دي مش همك مستقبلي؟
تلقى كلماتها بذهول كمن أصابته صاعقة، وانقلب دلاله إلى انكسار وحزن عميق من قسوة اتهامها، لذا جاء صوته مدافعاً بصدق:
-انا يا حبيبتي مش خايف على مستقبلك؟ ازاي تقولي كده يا دليلة!
ثم تابع حديثه بنبرة يقطر منها الصدق:
-ده انا اول حاجة وعدتك بيها انتِ وخالي اني هخليكي أسعد واحدة في الدنيا كلها، وهنفذ لك أي حاجة حتى من قبل ما تطلبيها.
تنهدت برقة، قبل أن ترد عليه بعتابٍ ناعم:
-ما هو طلع كلام يا اشرف، بس على ارض الواقع روحت تطلب من بابا اني أحول انتساب.
حاول تبرير موقفه وتوضيح سوء التفاهم قائلاً:
-صدقيني يا قلبي أنا مكنتش أعرف ان ألسن مفيهاش انتساب.
تسلل الشجن إلى نبرتها، فخفتت، وراحت تسترجع غصتها التي مازالت مستقرة في أعماق صدرها:
-انت عارف اني خزلت بابا وكسرت له حلمه في اني ادخل كلية الطب.
التقطت نفساً عميقاً لتستجمع قواها، وتابعت ببراءة والغصة تخنق صوتها:
-بابا حبيبي لما لقاني مقهورة، قعد معايا ورسمنا حلم جديد انا وهو، وانا وعدته اني هتعين معيدة في كليتي، ومش بس كده، أنا هعمل ماجستير ودكتوراة.
ثم اشتعلت عيناها ببريق من الحماس والإصرار وهي تضيف:
-لازم تساعدني علشان أعوض بابا واخليه يبقي فخور بيا يا أشرف.
أصغى إلى كلماتها المشتعلة بالحماس بابتسامة حانية تمددت على وجهه، كمن يشاركها غزل خيوط حلمها، ثم أردف بنبرة تجسد الدعم المطلق:
-وانا معاكِ في أي حاجة هتخليكِ مبسوطة يا حبيبتي، حتى لو الحاجة دي هتبعدك عني فترة.
أخذ يبحر في أفكاره، باحثاً عن حل يضمن لها تحقيق حلمها ، ودون أن يضطر للابتعاد عنها خطوة واحدة، ولأنه يمتلك عقلاً ذكياً اعتاد لغة الحسابات والأرقام، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى لمعت في رأسه فكرة بارعة، فهتف بنبرة متهللة:
-انا جات لي فكره حلوه قوي، تحقق لك حلمك، وفي نفس الوقت هنكون مع بعض.
تعلق قلبها بكلماته، وسألته بلهفة واشتياق لم تملك القدرة على مداراتهما:
-ايه هي؟
استرسل يشرح خطته بثقة:
-بصي، انا هحاول اقنع خالي اننا نتحوز بعد ما تخلصي السنة الاولى في الجامعة، وطول الاجازة هتقضيها معايا في السعودية، وقبل الدراسة ما تبدأ هتنزلي، وأنا هحاول أنزل لك كل تلات شهور اسبوع مثلاً أو عشر أيام، ونقضيها كده لحد ما تخلصي كليتك.
ثم تابع بنبرة حماسية:
-وكده نبقى حققنا المعادلة، اتجوزنا وبقينا مع بعض، وفي نفس الوقت انتِ بتدرسي وبتحققي حلم بابا.
وعلى الرغم من الفرحة العارمة التي غمرت وجدانها إثر كلماته، إلا أن مخاوفها أبت أن تتركها، فقالت بصوت متأثر يكسوه القلق:
-طب ما كده هتفضل بردوا نفس المشكلة.
عقد حاجبيه وسألها مستفهماً:
-اللي هي ايه؟
أفصحت عما يجيش في صدرها بتخوف:
-بعد ما اتخرج المفروض هسافر لك السعودية، وكده مش هينفع أتعين معيدة .
كان يمتلك جواباً حاضراً لكل سؤال يطرحه عقلها الحذر، وكأنه رسم تفاصيل مستقبلهما بدقة ولم يكن تفكيره وليد اللحظة، أجابها بهدوء مطمئن:
-بسيطة، خليكِ في مصر، وانا سنتين تلاتة كمان وأكون كونت لي مبلغ محترم، واجي أعمل لي أي مشروع في البلد واستقر.
راح يوضح لها أبعاد حساباته:
-أنا الحمدلله يا حبيبتي، مرتبي من الوظيفتين كويس قوي، قولي هقعد لي سنتين تلاتة كمان مع الاربع سنين بتوع جامعتك، يبقوا سبع سنين، هكون عملت فيهم اللي يكفينا.
تنهد بعمق، وتبدلت نبرته إلى عاشق ولهان ذابت قلبهُ وهو يهمس:
-وارجع لك، وساعتها مش هخرجك من جوة حضني أبداً.
كانت كلماته بمثابة بساط سحري ينقلها إلى عالم آخر، عالم دافئ وخالٍ من العقل والمنطق، وينبض بغرامٍ صاخب ومشاعر بكرٍ تتذوق لذتها على يديه لأول مرة.
استقبلت مشاعره وذابت بداخلها بنهم، كمسافر أمضى عمره في صحراء قاحلة، وما إن وجد نبع ماء حتى ارتوى منه حتى الثمالة.
سألها بنبرة حماسية متأملة:
-ايه رأيك يا قلبي؟
بلا ذرة تردد، أجابته كأنها واقعة تحت تأثير تعويذة سحرية:
-أنا معاك في كل اللي تشوفه صح يا اشرف.
تنهدت بعمقٍ ثم انسابت كلماتها بصوت هيمان يفيض عذوبة:
-المهم نكون مع بعض.
غمرته سعادة طاغية فور سماعه اعترافها الأول، وبدت روحه كأنها تلامس غيم السماء، فسألها بصوت هامس يفيض هيامًا:
-انتِ عوزانا نكون مع بعض يا دليلة؟
استردت وعيها فجأة وأدركت مغزى ما تفوهت به دون وعيٍ، وراحت توبخ نفسها وغبائها.
أغمضت عينيها وهمست بحياءٍ شديد:
-أكيد يا أشرف.
لكنه لم يكتفِ بهذا القدر،بل كان كظمآنٍ يطمع في الارتواء من فيض غرامها، فباغتها بسؤالٍ حاصر به ما تبقى من حصونها:
-بتحبيني قد ايه يا نور عيون أشرف؟
انتفض قلبها بعنف إثر سؤاله المباغت، فأطبقت جفونها وضغطت على شفتيها بخجل عارم، شعر بحيائها خلف الهاتف، ومع ذلك أصر بنبرة عاشقة:
-على فكرة، انا مش هقفل غير لما اسمعها.
سألته محاولةً التملص بخجل:
-تسمع ايه؟
رد وعواطفه تفيض من صوته:
-بحبك يا أشرف.
ابتسمت بحرج ولاذت بالصمت، فحثها قائلاً:
-يلا، انا مستني اسمعها.
لم تجد سبيلاً للنجاة سوى الفرار، فافتعلت حجة وقالت له:
-طب روح كلم بابا قبل ما ينام، وبكرة نبقى نكمل كلامنا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مفعمة بالخيلاء، وشعر بنشوة الصياد الذي اقتنص أثمن اعتراف، ليرد بصوت يقطر هياماً وسط ذهولها الشديد:
-كده انا اخدت اعتراف أقوي من كلمة بحبك نفسها.
حاصر محاولتها للهروب بابتسامة منتصرة، وتابع مستغلاً دهشتها، ليصيغ اعترافها بطريقته قائلاً:
-مكنتش متخيل إني شاطر أوي كده وقدرت أخطف قلبك، بالشكل اللي يخليكِ مستعجلة نكون مع بعض زي ما انا مستعجل بالظبط يا قلبي.
ارتسمت على ثغرها ابتسامة خجولة، وقررت إنهاء هذا الضغط اللطيف الذي يمارسه عليها، فقالت لتتخلص من حصار عشقه:
-طب يلا روح بقا، بابا بينام بدري يا اشرف.
أجابها بهمس دافئ لامس روحها:
-حاضر، انت تؤمري، يا نن عين أشرف من جوة.
________♕_________
صعد "رشيد" إلى السطح هرباً من ضغط والدته والحصار الذي باتت تفرضه عليه مؤخراً لإجباره على الزواج.
تنفس الصعداء في الهواء الطلق، ثم أخرج هاتفه وقد حسم أمره على الاتصال بالضابط "هشام الحديدي" ليعبر له عن امتنانه وشكره على موقفه النبيل معهم في النادي.
في تلك الأثناء، كان "هشام" يجلس برفقة والدته في ردهة المنزل، يرتشفان الشاي الدافئ وعيونهما معلقة بالتلفاز الذي تعرض فيلماً قديماً.
اهتز الهاتف معلناً عن اتصال وارد، ألقى نظرة سريعة على الشاشة، وتفاجأ بالاسم، فنهض واقفاً على الفور حين علم أنه شقيق تلك المشاكسة التي احتلت تفكيره في الأونة الأخيرة.
التفت إلى والدته وقال بعجلة:
-ده واحد صاحبي بيتصل، هكلمه من البلكونة عشان تعيشي براحتك مع الفيلم ومصدعكيش.
رمقته بنظرة ذات معنى، وخرجت كلماتها بمشاكسة مرحة، متمردة على وقار وجهها المعتاد:
-علشان الفيلم بردو ولا عشان تتكلم براحتك مع الجو؟
وتابعت متهكمة:
- قال واحد صاحبه قال.
رد عليها بابتسامة ساخرة:
-جو ايه وأرض ايه،ما تبطلي بقى دور المحقق كونان اللي عايشة لنا فيه طول الوقت ده يا انتصار.
أمسك هاتفه وتوجه بخطوات سريعة نحو الشرفة المطلة على الشارع ، ثم أجاب بنبرة تغلفها الهيبة والوقار:
-أهلاً يا باشمهندس.
جاءه صوت "رشيد" عبر الطرف الآخر مفعماً بالاحترام:
-أهلاً بحضرتك يا هشام بيه.
وتابع ببعض الحرج والتحفظ:
-اتمنى مكونش أزعجتك ولا اكون اتصلت في وقت مش مناسب لحضرتك.
أجابه بأسلوب راقٍ يحمل الكثير من الود وبساطة تعمد بها كسر الكلفة والحواجز بينهما:
خالص، وبعدين انت مسموح لك تتكلم في اي وقت.
شعر "رشيد" بالامتنان لتواضعه، فرد بهدوء:
-متشكر يا فندم، أنا اتصلت علشان أشكرك على اللي عملته معانا في النادي، حقيقي لافتة...
قاطعه بنبرة مرحة وخفيفة متجاوزاً عبارات الثناء المعتادة:
-الموضوع بسيط ولا يستحق الذكر
واستطرد بلُطفٍ زائد:
- تعرف، احلى حاجة في الموضوع إيه، اني سمعت صوتك.
سرى في نفس "رشيد" شعور بالارتياح الشديد لشخصية "هشام"، فقد راق له هذا المزيج من الاحترام والتقدير للآخرين، خاصة وأن هناك فئة ليست بالقليلة من رجال الشرطة يتملكهم الغرور والتعالي فوق الجميع وفوق القانون نفسه، مما أساء للصورة العامة، لكن "هشام" كان تجسيداً لنموذج مختلف تماماً.
استغل "هشام" هذا القبول وقرر التودد أكثر ليدخل إلى دائرة "رشيد" المقربة، فقال بذكاء ولباقة:
-ايه رأيك اعزمك بكرة في أي مكان على فنجان قهوة، ونقعد ندردش شوية؟
أجابه بنبرته الهادئة المعتادة:
-ده شرف ليا أكيد يا فندم، بس بكرة وبعده حنة وفرح اخويا الكبير.
ابتهجت أساريره وعلق بهدوء:
-ألف مبروك، وعقبالك.
شكره قائلاً:
-الله يبارك في حضرتك، وعقبالك لو مكنتش متجوز، ولو مت...
قاطعه للمرة الثانية مجيبا إياه برزانة:
-لسه يا باشمهندس، دعواتك.
علت وجهه ابتسامة عفوية، ثم دعا له بصدقٍ:
-ربنا يرزقك ببنت الحلال، اللي تستاهل تكون زوجة لحد محترم زي جنابك.
أمّن على دعائه متمنياً في سره أن تكون هي بعينها. شعر "رشيد" ببعض الحرج ، فقال على استحياء مغامراً بالدعوة:
-كنت أتمنى لو حضرتك تشرفنا، بس انا عارف مشغوليات جنابك.
رد بلهفةٍ كمن يقتنص فرصة انتظرها طويلاً:
-أكيد ليا الشرف احضر.
اتسعت عينا الآخر بذهول واندهاش من موافقته الفورية ، وسأله بغير تصديق:
-بجد حضرتك هتحضر؟
أكد له بجدية واهتمام:
-قولي العنوان والميعاد بالظبط وان شاء هكون موجود.
راح يملي عليه تفاصيل العنوان بدقة، وفجأة، دوت في المكان نبرة صوتها المألوفة والمشاكسة وهي تقترب حاملة بين يديها القهوة الساخنة:
-عملت لك فنجان قهوة اتحداك تكون شربت زيه في أي مكان.
تصلب "رشيد" في مكانه والتفت نحوها بسرعة، مشيراً بسبابته على شفتيه بتحذير صارم لتصمت، فابتلعت بقية كلماتها، حاول تدارك الموقف وتغيير مجرى الحديث بسرعة قائلاً لـ "هشام":
-تمام يا فندم، هستناك تشرفنا.
أدرك "هشام" بذكائه لمن يعود هذا الصوت، وابتسم وهو يجيب:
-أكيد، تصبح على خير يا باشمهندس.
رد بوقارٍ:
-وحضرتك من أهله.
دققت النظر في عينيه، وسألته بنبرة تفيض بالفضول:
-كنت بتكلم مين؟
أجابها بجدية مصطنعة:
-وانت مالك يا حشرية؟
ثم تابع يلومها بنبرة حازمة:
-وتاني مرة لما تلاقيني بكلم حد صوتك ما يطلعش.
وضعت كوب القهوة على الطاولة المجاورة بهدوء، ثم اقتربت تداعب وجنتيه برقة ومشاكسة قائلة:
-انتِ بتغيري عليا يا بيضة؟
نفض يدها عن وجهه وقال محذراً :
-اتلمي.
زفرت بضيق مصطنع، وعقبت وهي تتراحع للخلف:
-انا غلطانة اني بدلعك.
ثم التفتت إليه وتابعت بسخرية تنقل له واقع الحصار بالأسفل:
-أمك بتقول لك انزل سلم على خالتك ونسرين.
زفر بضيق ونفاد صبر من هذه المحاولات المستمرة، وقال متهرباً:
-انزلي ولو سألتك تاني قولي لها حاضر وتوهي.
رفعت كتفيها بقلة حيلة دلالة، وقالت:
-انت حر.
استدارت وتركته لتنزل إلى الأسفل، بينما تحرك هو نحو مقعده، وجلس يرتشف قهوته في استجمام تام، مستمتعاً بسكينة الليل وهدوء النسمات التي أنسته ضغوط العائلة ولو لحين.
_______♕_______
في غرفة "صادق"، كان يجلس على طرف فراشه واضعاً الهاتف على أذنه، يستمع بتركيز إلى "أشرف" الذي كان يطلعه على ما توصل إليه من حلول وتنازلات لتقريب وجهات النظر.
ورغم كل ما سمعه، كان التردد لا يزال ينهش عقله، فما كان من "أشرف" إلا أن قال بنبرة حملت بداخلها كل معاني الرجاء:
-يا خالي ارجوك بص لي بعين الرحمة واعتبرني ابنك.
أجابه بنبرة صادقة خرجت من أعماق قلبه:
-وهو انا مش بعتبرك ابني يا اشرف؟
رد عليه ضاغطاً بنعومة:
-طب لو فعلاً ليا غلاوة عندك توافق، من الاخر يا خالي انا مش هقدر استنى اربع سنين بحالهم، انا بحبها، والله العظيم هشيلها جوة عيوني وهعمل المستحيل عشان تكمل تعليمها وتحقق كل اللي بتتمناه واكتر كمان.
تنهد بضيقٍ وهو يطرح عليه أكبر مخاوفه:
-طب وانا اضمن منين اني بعد ما اوافق وتتجوزوا، ما يحصلش حمل وبنتي مستقبلها كله يضيع؟
بادر إلى تبديد شكوكه بوعد قاطع:
-قبل الفرح هنروح لدكتورة وحضرتك هتكون معانا علشان تطمن.
ظل يلح عليه ويستميت في اقناعه، حتى ضعفت مقاومة "صادق" أمام هذا الإصرار الجارف، فقال مستسلماً:
-تمام يا اشرف، بس الجواز بعد سنة تانية، مش اولى، البنت حتى تكون كملت عشرين سنة.
ورغم أنه كان يمني نفسه بالزواج بعد سنتها الأولى، إلا أنه وافق على الفور، فعامين في الانتظار تبدوان بالتأكيد أرحم بكثير من أربع سنوات عجاف بعيداً عن حبيبته.
أنهى المكالمة بعد أن أغرق خاله بعبارات الشكر والامتنان.
في تلك الأثناء، كانت "منى" قد خرجت للتو من الحمام الملحق بالغرفة، وعلامات الصدمة ترتسم على وجهها بعد أن التقطت مسامعها أطرافاً من الحديث.
سألته بذهول نابع من خوفها:
-ايه الكلام اللي انا سمعته ده يا صادق؟ انت هتجوز البنت في اجازة سنة تانية بجد؟
زفر باستسلام،ثم تحدث محاولاً تهدئتها:
-الولاد متفقين مع بعض يا منى، وموافقتي كانت تحصيل حاصل.
انتفضت وصاحت بحدة معترضة، والرفض يشعل عينيها:
-انت سامع نفسك بتقول ايه؟ هي مين دي اللي اتفقت وقررت؟
ثم أشارت نحو الباب بذهول عارم وتابعت:
-دليلة العيلة اللي معندهاش اي خبرة بقت بتتفق وتقرر وانت تأمن وراها؟!
وقفت تلهث وتتنفس بصعوبة جراء الانفعال والتعب وهي تضيف بمرارة:
-بنتك ضاعت خلاص يا صادق، بقت لعبة في ايد ابن اختك، وكل اللي يقولها عليه تقوله امين.
نهض مسرعاً صوبها بعدما رأي اعيائها، أمسك بيدها يسندها بحنو وهو يقول بلهفة:
-اهدي يا منى وتعالي اقعدي.
أجلسها برفق على المقعد، وناولها كوباً من الماء البارد لتستعيد أنفاسها، وبعد أن ارتشفته وهدأت ثورتها قليلاً، بدأ يشرح لها بهدوء تفاصيل الاتفاق والضمانات التي قدمها "أشرف"، فما كان منها إلا أن هزت رأسها بحدة ورفض مطلق:
-ده كلام بينيمك بيه يا صادق، ووقت الجد هيعمل اللي في دماغه ومحدش ساعتها هيقدر يعترض ولا ينطق، لانها هتكون مراته ومحدش ليه الحق يراجعه.
حاول بث الطمأنينة في قلبها وقال مدافعاً:
-والله يا منى انت ظالمة الولد، اشرف بيحبها بجد وهيعمل المستحيل عشان يسعدها، وبكرة هفكرك.
تنهدت بعمق، مستسلمة للأمر الواقع، وإن كانت نظراتها تحمل تعجباً كبيراً من ثقة "صادق" المبالغ فيها.
اقترب منها وطبع قبلة حانية على جبينها وهو يقول:
-اهدي يا حبيبتي واتمنى لهم السعادة، وان ربنا يتمم لهم الموضوع على خير.
دعت الله في سرها أن يكذب ظنونها، ويثبت "أشرف" مع الأيام أنه الرجل المناسب لابنتها.
_______♕________
انقضى الليل وأشرقت شمس يوم جديد، حاملة مع خيوطها الذهبية آمالاً تتجدد ووعوداً تولد من رحم الانتظار.
كان في طريقه إلى عمله، يقود سيارته والراحة تكسو ملامحه، أمسك بهاتفه ليتصل بوالده ويزف إليه البشرى، قائلاً بابتسامة وصوتًا يتراقص فرحًا:
-ايوا يا بابا، انا كلمت خالي ووافق خلاص على جوازنا في اجازة سنة تانية.
جاءه صوت "عزام" الوقور عبر الهاتف، مشوباً بنبرة تحذيرية :
-اوعى تكون رخمت على الراجل لحد ما وافق يا اشرف.
أسرع يطمئنه بهدوء وثقة:
-لا يا بابا اطمن، انا طمنته.
وراح يقص على مسامع والده تفاصيل الحوار والاتفاق الذي دار بينه وبين خاله، فانسابت الراحة إلى قلب ذاك الذي كان يخشى تعقد الأمور.
وتابع موجهاً حديثه لوالده:
-لما ترجع البيت ابقى بلغ ماما وقول لها مفيش لزوم تفاتح خالي في حاجة.
تنهد الرجل بارتياح شديد وعقب على كلامه قائلاً بنبرة فخورة:
-تمام يا حبيبي، احسن حاجة عملتها انك كلمته راجل لراجل، انا مكنتش مطمن لتدخل امك وجدتك معاه، وكنت حاسس ان فيه مشكلة هتحصل بسبب كده.
أجابه بتفاؤل تبددت معه كل المخاوف:
-ان شاءالله مش هيكون فيه اي مشاكل يا بابا.
أمن والده على كلامه بصدق:
-ان شاءالله يا ابني، ربنا بتمم لك على خير ويسعدك يا حبيبي.
خرج صوته محملاً بصدق غامر وهو يهتف:
-يارب يا بابا.
ثم تابع بنبرة حملت الكثير من الرجاء والتعلق بدعوات والده:
-متنسانيش في دعواتك يا حاج عزام.
ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة صافية نابعة من قلبه المحب، وأجابه بصوت دافئ يفيض حناناً:
-وانا بعمل ايه غير اني بدعي لك انت واخوك ليل ونهار يا ابني، ربنا يحميكم ويحفظكم ويطهر قلوبكم، ويكفيكم شر كل ذي شر، ويهدي نفوسكم للخير.
________♕_________
مضى الوقت سريعاً كالبرق، وأقبل موعد الزفاف المنتظر، تسارع الجميع في الاستعدادات والتحضيرات اللازمة
أُقيم الحفل في قاعة راقية، حجزها "رشيد" من ماله الخاص ليقدمها كهدية مميزة لشقيقه في ليلة عمره.
ارتدت بسمة ثوباً انتقته بعناية على ذوقها بمساعدة رشيد، كان في غاية الأناقة والنعومة، فبدت فيه كأنها أميرة خرجت للتو من قصص الخيال.
وصل الجميع إلى محيط القاعة، وانطلق "رشيد" برفقة شقيقه لإحضار العروس من صالون التجميل. وما إن عادوا ووقفوا أمام البوابة، حتى صدحت موسيقى استقبال العروسين تملأ المدى صخباً وبهجة. وقف "كريم" إلى جوار عروسه "يمنى"، مال بجسده نحوها وهمس بنبرة حانية:
-جاهزة يا قلبي؟
أجابته بارتباك واضح لون وجنتيها بحمرة خفيفة:
-جاهزة يا حبيبي، بس مرتبكة شوية.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واثقة مطمئنة، ثم قال ليهدئ من روعها:
-ده طبيعي ياقلبي.
بأيدٍ متشابكة وخطواتٍ واثقة بطيئة، عبرا السجادة الحمراء نحو داخل القاعة، في تلك اللحظة، هب الحضور واقفين وسط عاصفةٍ من الهتاف والتصفيق الحار، بينما اتجهت الأنظارُ صوب العروس التي خطفت القلوب بفستانها الأبيض الناصع، الذي جعلها تبدو كملكةٍ متوجة في ليلة عرسها.
بينما أطل رشيد ببدلة فخمة أبرزت تناسق جسده الرياضي، فبدا بامتياز كأحد نجوم السينما وسامةً، وخطف الأنظار بحضوره الطاغي والرائع.
على الجانبين، وقفت والدة "كريم" ووالدة العروس، وبدأتا في رش الملح فوق رؤوسهما ابتهاجاً.
هرعت "بسمة" نحو والدتها تحاول جذب كيس الملح من يدها قائلة باحتجاج هامس:
-ايه اللي بتعمليه ده بس يا ماما، انت فاكرة نفسك واقفة في الحارة؟
نهرتها والدتها جاذبة الكيس بقوة وهي تتابع ما تفعل بجدية وإصرار:
-اوعي يا بت، ده انا بغزي العين عن اخوكِ بدل لا قدر الله ما واحدة تضربه عين تجيبه الارض هو وعروسته.
تنهدت "بسمة" بيأس وأشاحت بوجهها قائلة:
-مفيش فايدة.
تهادت خطوات العروسين حتى وصلا إلى المكان المخصص لهما وجلسا، بينما كانت الأجواء تشتعل فرحاً.
وفي زاويةٍ أخرى من القاعة، كانت نسرين تتابع رشيد بنظراتٍ تفيض إعجاباً وشغفاً، لم تكن تنكر قط انجذابها الشديد لشخصيته القوية وهيبته الطاغية، لكن صده المستمر كان يغرس كل مرة تراه فيها خنجراً في كبريائها الجريح.
اقتربت منها والدتها وهمست في أذنها:
-تعالي نسلم على ابن خالتك.
جذبت يد والدتها برفق قائلة بألم مكتوم وعزة نفس:
-هو مين اللي يروح يسلم على التاني يا ماما، مش هو من أصحاب الفرح بردوا، يعني المفروض يرحب بالضيوف.
عقبت والدتها مستنكرة نبرتها:
-هو احنا ضيوف يردوا يا نسرين؟
أصرت الفتاة على موقفها رافضة التزحزح. وفجأة، لمحت "رشيد" يتقدم بخطوات واثقة نحوهما، ألقى السلام على خالته التي استقبلته بترحاب شديد وضمته بحنو وهي تقول:
-عقبال ما افرح بيك يا حبيبي.
قبل رأسها وقال بابتسامة هادئة:
-في حياتك يا خالتي ان شاءالله.
ثم التفت صوب "نسرين" ومد يده إليها بمصافحة رسمية وراقية قائلاً:
-عقبالك يا دكتورة، ان شاءالله نفرح بيك قريب مع الانسان اللي يستاهلك.
نطقت برقة وعينين التمعت فيهما خيوط السعادة:
-متشكر يا رشيد، عقبالك.
هز رأسه بهدوء وانسحب بوقار ليمارس مهامه في استقبال بقية الحضور.
التفتت "نسرين" فوراً إلى والدتها وقالت بنبرة انتصار خافتة:
-شوفتي يا ماما، اهو جه لوحده اهو، ياريت بقى تبطلي تسرع وترخصيني بحركاتك دي.
هتفت "زينب" معترضة بفخر أعمى:
-ارخصك ده ايه يا بت، ده انتي دكتورة صيدلانية قد الدنيا، هو يطول ياخد قمر زيك.
ابتسمت بزهو وإشادة لإطراء والدتها، وظلت واقفة تتابع طيف "رشيد" بعينيها أينما تحرك.
توجه العروسان صوب ساحة الرقص ليبدآ رقصتهما الأولى، وكانت الفرحة تغمرهما وكأن الأرض لا تتسع لبهجتهما.
انشغل "عبد الرحمن" وزوجته "سامية" في استقبال الضيوف والترحيب بهم، بينما استغلت "بسمة" فرصة وقوف "رشيد" وحيداً لدقائق، فاقتربت منه وقالت بنبرة جادة تحمل بعض العتاب:
-مش حرام يا رشيد، البنت بتحبك.
ثم سألته مباشرة وعيناها معلقتان بوجهه:
-ليه بتصدها كده؟
خرجت تنهيدته محملةً بالأسى، واعتلت وجهه غيمةٌ من الهم وهو يفيض بصدق حديثه:
-انا بعمل كده لمصلحتها يا بسمة، انا مبفكرش في الجواز نهائي، وأي واحدة هرتبط بيها حاليًا هبقى بظلمها، ونسرين غالية عليا، واتمنى لها حياة احسن كتير من الحياة اللي هتعيشه معايا لو اتجوزنا.
لم تكد تفتح فمها لتجادله أو تعقب على كلماته، حتى لاحظت تبدل نظراته تماماً؛ إذ تعلقت عيناه فجأة بباب القاعة الرئيسي، ليتركها في مكانها ويمضي بخطواتٍ مسرعة متلهفة.
كاد قلبها يتوقف من فرط المفاجأة حين التفتت عيناها نحو بوابة القاعة، لتجده يخطو إلى الداخل بطلته المهيبة.
وقف يتلفت بعينيه باحثاً عن وجهٍ بعينه، وما إن لمح "رشيد" يتقدم نحوه حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة جذابة أسرت القلوب.
كان وسيمًا بشكل مبالغ فيه، كأنه فارس خرج للتو من بين سطور الروايات الوردية، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، ينساب تحتها قميص من نفس اللون، وتتوسطه رابطة عنق نبيذية اللون تزيد من جاذبيته.
كان ساحراً لدرجة جعلت معظم فتيات القاعة ينقلن نظراتهن إليه بفزع وانبهار، أما هو، فلم تكن تهمه كل تلك الأعين، كانت عيناه تدوران وتبحثان عن واحدة فقط، جاء الحفل وقصد المكان لأجلها.
وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، ارتجف قلبه بين ضلوعه بقوة، وشعر برغبة عارمة في أن يركض نحوها ويضمها إلى صدره أمام الجميع.
جف حلقها وابتلعت ريقها بارتباكٍ عندما التقت نظراتهما، فأسرعت بالنظر بعيداً، في محاولةٍ يائسة لإخفاء قرع الطبول المتسارع في صدرها.
استقبله "رشيد" بحفاوة ومصافحة حارة قائلاً:
-شرفتنا ونورت الفرح يا هشام باشا.
ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ صافية، ثم أجابه بنبرةٍ غلفها الود:
-الفرح منور بناسه يا باشمهندس.
رافق "رشيد" ضيفه نحو "عبد الرحمن" ليعرفه به، ثم اتجها نحو العروسين لتهنئتهما، قبل أن يجلس على طاولة مخصصة لكبار رجال العائلة.
ورغم أن "بسمة" كانت تسرق النظرات إليه بين الحين والآخر، إلا أنه حافظ على وقاره واحترامه للرجال الجالسين بينهما، فلم يلتفت صوبها رغماً عن الشوق الجارف الذي كاد يفتك به لرؤية عينيها.
وفجأة، قرر أن يسرق نظرة سريعة لطمأنة قلبه، لكن النيران اندلعت في صدره بغتةً، حين رأها تقف وتتحدث مع "سامر"، وكان الأخير يمازحها بينما تبدو هي مندمجة في الحديث وتضحك برقة.
بلحظة تحول شوقه إلى غضبٍ عارم كبركان ثائر يوشك أن يدمر كل ما حوله، تملكه الرعب من فكرة أن يكون هذا الشاب حبيبها، أو ربما خطيبها، فرغم خلو أصبعها من الخواتم، إلا أن الشكوك نهشت عقله فربما لم يشتروا خاتم الخطبة بعد.
حين نهض "رشيد" برفقة والده للاشراف على البوفيه، وجدها فرصة سانحة، بدأ يراقب تحركاتها بدقة، وما إن رآها تغادر القاعة متجهة نحو الممر المؤدي إلى دورات المياه، حتى انتظر ثوانٍ معدودة وتبعهما بخطوات واثقة.
ما إن خرجت من الحمام، حتى باغتها بالوقوف أمامها، ودون أدنى تردد تحدث بقوة:
-ازيك يا بسمة؟
التقطت أنفاسها وسط ارتباكها وأجابت:
-الحمد لله
لم يمنحها فرصةً لالتقاط أنفاسها، بل حاصرتها عيناه اللامعتان بنيران الغيرة وهو يلقي سؤاله الاستجوابي:
-مين اللي كنتي واقفة معاه جوة؟!
رمقته باستغراب ودهشة من هجومه المفاجئ، فتابع يحدد لها بحدة:
-اللي لابس بدلة رصاصي.
ابتلعت ريقها من شدة وطغيان نظراته، وأجابته بصوت خافت مرتعش:
-ده سامر زميل رشيد اخويا، ويعتبر متربي مع رشيد.
هدأت ثورته قليلاً، وسألها بنبرة منخفضة تحمل التملك:
-زي اخوكِ يعني؟
هزت رأسها إيجاباً بنعم، فاستطرد موجهاً لها أمراً صارماً لا يقبل النقاش:
-ما تبقيش تقفي مع حد تاني وتضحكي ،علشان أنا مبحبش كده .
عادت لتبتلع ريقها من جديد، فنبرته الجادة الحازمة لم تترك لها مجالاً للمعارضة، وفجأةً، تلاشت ملامحه القاسية وهو يتأمل تفاصيل حجابها وثوبها، ثم قال بنبرةٍ دافئة تذيب الصخر:
-على فكرة، فستانك حلو قوي.
ثم أمال برأسه قليلاً، وهمس وعيناه تغرقان في عينيها بنظرةٍ تفيض بالرومانسية:
-بس عيونك أحلا .
ألقى كلماته الساحرة واستدار يغادر المكان بخطوات سريعة متلاحقة، تاركاً إياها في حالة من الصدمة،
لتقف مشدوهةً بعينين متسعتين وملامح يكسوها الذهول.
حاولت تنظيم أنفاسها المتلاحقة، ووضعت يدها فوق موضع قلبها الذي كان يدق بعنف كطبول حرب طاحنة، لم تكن صورته وهو غاضب تفارق خيالها، والكم الهائل من الراحة والاعجاب الذي شعرت به حين تغزل بها، جعل قلبها يهوي صريعاً في شباك عشقه.
توجهت من الممر إلى القاعة بعد أن استعادت شتات نفسها، لتجده يقف مستأذناً من شقيقها "رشيد" الذي علق بأسف:
-على طول كدا يا فندم؟
أجابه بوقار ولباقة:
-كفاية كده علشان عندي ميعاد، وكمان علشان تعرف ترحب بضيوفك وتقف مع اخوك.
وتابع بابتسامة هادىة:
- انا من وقت ما جيت وانا مكتفك جنبي.
صافح الجميع مودعاً، وفي طريقه إلى البوابة برفقة "رشيد"، التقت خطواته بخطواتها. توقف أمامها مباشرة، ونظر إليها قائلًا:"ازيك يا بسمة؟
ابتلعت ريقها محاولة السيطرة على ارتباكها الواضح، وأجابت بصوت مرتعش:
-الحمدلله.
نظر إليها بعينين تفيضان بالحنو والوعود، نظرة جعلت الفراشات تداعب أسفل بطنها وقلبها يرفرف عالياً في سماء عشق عينيه، ثم قال:
-عقبالك.
لم تقو على النطق، فاكتفت بهز رأسها بخجل، ليتابع هو طريقه إلى الخارج برفقة شقيقها الذي خرج لتوديعه.
تنفست الصعداء بعمق، وأطلقت زفرة طويلة وكأن أنفاسها كانت مكتومة ومحتبسة طوال فترة وجوده.
________♕_______
خرج من الحفل واستقل سيارته، يقودها بآلية وعقله مشتت بالكامل،راح يطوف بشوارع المدينة دون وجهة محددة، حتى وجد نفسه يصف السيارة أمام ضفاف النيل .
ترجل منها ووقف يستنشق الهواء البارد، وهو يستغرب حاله بشدة، لم يكن يفهم مطلقاً ما الذي يحدث له، ولا كيف تحول إلى شخص آخر لا يعرفه.
أخذ يوبخ ذاته على ما فعله مع تلك الفتاة منذ قليل، كيف سمح لنفسه بالضعف والركض خلفها كالمراهقين؟ كيف اندفع وراء غضبه ليحاسبها على هوية الشخص الذي تقف معه؟
عامت أفكاره في بحر من اللوم العنيف وهو يتساءل كيف عرض هيبته واسمه للخطر وهو يذهب خلفها، وماذا لو رآهما أحدًا، كيف كان سيكون موقفه وهيبته كضابط شرطة؟
كانت كل هذه الأسئلة تعصف برأسه بعنف وتطالبه بالتعقل، وفجأة، طاخ قلبه بكل هذا المنطق، وحطّم القواعد والقيود بكلمة واحدة صدمت روحه،
"أنا أحبها"
.نعم، لقد استطاعت تلك الشرسة المشاكسة أن تقتحم عالمه الحذر بنعومة، وتكسر قيوده الحصينة التي طالما تفاخر بها.
نظر إلى السماء الصافية وكأنما يرى فيها وجهها، فارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة غارقةً في الرضا، هو الذي قضى عمره كله لا يؤمن بالحب ويرفض الانصياع له، يقف الآن مبهوراً، غارقاً بكل كيانه في عمق عينيها، يحمل في صدره امتناناً عظيماً لتلك اللحظة التي هزمت كبرياءه، وجعلته يعشق هذا الضياعَ.
______♕______
مر الوقت سريعاً كقطارٍ لا يتوقف، تعلقت "دليلة" بـ "أشرف" إلى حد الجنون، حتى أصبحت لا ترى الدنيا ولا تبصر جمالها إلا من خلال عينيه.
عاد من ديار الغربة في السعودية بالأمس، حيث استقبله "علي" في المطار واصطحبه مباشرة إلى المنصورة.
كان الشوق يمزق صدره، وكاد يجن لولا أنه كبح رغبته في الذهاب إليها أولاً، فخوفه على مشاعر والدته، ومنعاً للمشاحنات التي قد تثيرها إن تركها وتجاهل تجهيزاتها الفاخرة واستعدادات الطعام التي عكفت عليها لأسبوع كامل، جعله يتراجع، فهو اليوم يعود إلى أرض الوطن للمرة الأولى منذ سنوات طوال.
قضى يومه الأول بين أحضان عائلته، وفي اليوم المشهود، احتشد أفراد العائلة جميعاً واستقلوا الحافلات متجهين صوب القاهرة إلى منزل "صادق"، لشراء" الشبكة" والمبيت هناك استعداداً لحفل الخطوبة المنتظر غداً.
في غرفتها، كاد قلبها يتوقف من فرط الفرحة الطاغية، انتقيت أجمل فساتينها وارتدته بعناية، فاليوم ستكحل عينيها برؤية حبيبها بعد غياب السنين، واليوم ستستقبله بثوب جديد، فطوال عمرها لم تره سوى ابن عمتها، أما الليلة، فستنظر إليه بعيون الحب.
كانت تقف أمام مرآتها والتوتر يغمرها، بينما تولت "ندى" تزيين وجهها برقة، لاحظت "ندى" ارتعاش جسدها، فأمسكت بيدها محاولة طمأنتها وقالت:
-يا بنتي اهدي شوية، جسمك كله بيتنفض يا دليلة.
التقطت أنفاسها بصعوبة بالغة وأجابت بنبرة واجفة:
-خايفة اوي يا ندى، مش عارفة هعمل ايه لما اشوفه.
ابتلعت ريقها وتابعت بهمس مرتعش:
-خايفة قلبي وعيوني يفضحوني قدامهم يا ندى.
تعالت ضحكات "ندى" لتبدد توتر الأجواء، وعقبت بمرحٍ:
-سبحان مغير الاحوال، اللي كان يسمعك من تلات شهور بس وانتِ بتتكلمي عنه ومش طيقاه، ما يشوفك الوقت وانتِ عيونك بتطلع فراشات.
انفتح الباب وولجت "منى"، وما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تسمرت في مكانها من فرط الذهول، فقد تجلى على ملامح "دليلة" جمال ساحر لم تعهده فيها من قبل، وكأن الفرحة الطاغية قد انعكست على وجهها لتزيده نورًا، بينما صبغت حمرة السعادة وجنتيها برقة.
تلمست موضع قلبها، وراحت تقرأ المعوذتين في سرها لتحصن ابنتها من كل عين حاسدة، فربما كانت هي الأخرى بحاجةٍ لأن يطمئن قلبها برؤية هذه الفرحة العارمة التي تشع من عيني صغيرتها. اقتربت منهما وسألت بنبرةٍ تفيض حناناً:
-جاهزين؟
أجابتها "دليلة" بنبرة متلهفة:
-اه يا ماما.
بينما كُنَّ غارقاتٍ في تبادل أطراف الحديث، تناهت إلى مسامعهنَ أصوات محركاتٍ تعلن وصول السيارات، ولم تكد دليلة تستمع إلى الصوت حتى نفد صبرها، فاندفعت تهرول صوب نافذة الغرفة لتسترق النظر وتُكحّل عينيها بطلته، تحت نظرات والدتها منى التي وقفت ترمقها باستغرابٍ وذهولٍ شديد من هذا التحول المفاجئ لشخصية ابنتها إلى النقيض تماماً
أزاحت "دليلة" الستار بلهفة ونظرت من النافذة، وفجأة.
