رواية لولا الغرام الفصل السادس والعشرون 26 بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل السادس والعشرون 

«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.» 


«لطالما تمحورت حياتي حول هدفٍ واحد، كيف أمهدُ لكِ الأرضَ لتصبح فردوساً تحت قدميكِ، وأتسلقُ جدارَ السماءِ لأقطفَ من قلبها بعضَ النجومِ وأنثرَها كي تمحو ظلامَ ليلكِ وتضيءَ دربكِ.

واليومَ، بعد أن تأملتُكِ ورأيتُ فيضَ حبورِكِ، شعرتُ وكأن أجنحةً تنبتُ في روحي، وكأنني لم أعد أطأُ الأرضَ، بل أصبحتُ طيراً يسبحُ في الفضاءِ.

فحين رأيتُ السعادةَ اليومَ وهي تتدفقُ من بين عينيكِ، تلاشتْ مخاوفي وكأنها لم تكنْ، ومع تلك اللمعةِ الساحرةِ في حدقتيكِ، شعرتُ وكأنَ الكون قد حبس أنفاسَهُ ليسمعَ دقاتِ قلبي، في لحظةٍ، امتلأ كوني بفيضانٍ من السكينةِ، ليتحررَ قلبي من جميعِ أثقالِهِ التي حملها طوالَ أعوامٍ لأجلكِ.» 

"صادق بدران"
بقلمي «روز أمين» 
               _______♕_______

ما إن لمحته واقفاً في الحديقة، يتكئ على جانب السيارة بانتظار نزول الجميع،حتى خفق قلبها بقوة وغمرتها موجة عارمة من الفرح جعلتها تشعر كأنها تطير فوق السحاب.

كان أول ما فعله هو توجيه نظراته تلقائياً نحو الأعلى، وتحديداً صوب نافذة غرفتها، وهنا التقت عيونهما في لحظة توقف فيها الزمن، ويا لروعة العيون حين تتحدث بعد غياب مرير وشوق جارف، لم تكن مجرد نظرة، بل كانت فيضاً من العواطف الساكنة التي انفجرت دفعة واحدة.

في بحر عينيه رأت فجر عمرها الجديد، وفي عمق عينيها عثر هو على دياره بعد طول تيهةٍ واغتراب. 

تسارعت نبضات قلبه بجنون صاخب وهو يتأمل طيفها الماثل أمامه، فبدت لعينيه كالنجمة الساطعة التي بددت عتمة ليله، وأعادت الضياء إلى سماواته المظلمة. 

كان يرتدي بنطالاً من الجينز يعتليه قميص أبيض ناصع، بدا وسيمًا للغاية، جسده الممشوق وجاذبيته التي تبدلت كلياً نحو الأفضل جعلته أكثر أناقة وعنفواناً من ذي قبل.

بينما هي، تراقصت في أعماقها رعشات رقيقة كرفرفة الفراشات، وعجزت عيناها عن مفارقة وجهه، ظلت تتأمل ملامحه بشغف،حتى امتدت يدٌ فجأة لتسحبها من ذلك الحلم الجميل، وتعيدها إلى أرض الواقع. 

التفتت مذعورة لتجد والدتها ترمقها بنظرات عاتبة ومليئة باللوم القاسي، ثم باغتتها بصوت حازم:
-ما ينفعش اللي بتعمليه ده، كده غلط.

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وأطرقت رأسها نحو الأرض، وقد شل الخجل تفكيرها أمام نظرات أمها العاتبة، زفرت منى بمرارة، أردفت وهي تهم بالمغادرة:
-أنا نازلة استقبلهم، وانتِ متنزليش غير لما بابا ينده لك.

أومأت برأسها في خنوعٍ وخجل، بينما التفتت "منى" نحو "ندى" وقالت بحرصٍ:
-ابقى انزلي معاها يا ندى، بلاش تسبيها لوحدها.

أجابتها الفتاة بطاعة واحترام:
-حاضر يا طنط.

رمقتها والدتها بنظرة أخيرة، وتنهدت باستسلام قبل أن تغادر الغرفة وتغلق الباب خلفها، زفرت "دليلة" بقوة كمن استردت أنفاسها المكتومة، ثم أشارت بسبابتها نحو الباب المغلق، وقالت بنبرة محتقنة:
-شوفتي يا ندى، شوفتي ازاي مش طايقة الموضوع؟

ثم تابعت بمرارة وحزن انكسر في صوتها:
-دي مش متحملة أبص على أشرف. 

اقتربت منها محاولة تهدئة روعها ومواساتها،وهي تقول:
-طنط أكيد ما تقصدش، هي خايفة حد يشوفك من قرايبك، يعني خايفة عليكِ يا حبيبتي.

أغلقت عينيها ببطء، وحاولت تنظيم أنفاسها المتسارعة لتستعيد ثباتها.

 دنت ندى منها أكثر، ووضعت كفيها على كتفيها وقالت وهي تربت عليهما بحنو:
-روقي كده وبلاش تسمحي لاي حاجة تضيع عليكِ فرحتك بمقابلة حبيبك.

وما إن أتى ذكره،تبدّلت ملامحها وتلألأت عيناها ببريق الفرح، ثم قالت بنبرة حالمة يملؤها الهيام:
-لو شوفتيه عامل ازاي يا ندى، اتغير كتير عن زمان، بقى يجنن. 

              _______♕_______

استقبل "صادق" أفراد عائلته الذين توافدوا تباعاً للمبيت في المنزل استعداداً لحفل الخطوبة المرتقب غداً. 

هبطت" منى" الدرج بوقار، وتقدمت لتُلقي السلام بحفاوة وترحاب على والدة زوجها وشقيقاته، وما إن وصلت إلى حيث يقف "أشرف"، حتى بادرها بالاقتراب، وقد ارتسمت على وجهه البشوش ابتسامة مفعمة بالسعادة والود وهو يقول:
-ازيك يا مرات خالي، أخبار صحتك ايه؟

بادلته ابتسامة مجاملة باهتة، ثم أجابته بنبرة هادئة:
-الحمدلله يا أشرف، حمدالله على سلامتك.

كان يدرك في قرارة نفسه أنها لا تكن له الكثير من الحب، بل وتتوجس منه، لذلك جاء اليوم عاقداً العزم على كسر هذا الجليد، لم يكن هدفه مجرد نيل قبولها، بل أراد أن يزرع في قلبها وداً حقيقياً له، فهي في النهاية والدة حبيبته، ولا بد لعلاقته بها أن تكون وطيدة ومتينة.

 لذا تابع حديثه بذكاء وابتسامته تتسع لتشرق في وجهه:
-ماشاء الله عليكِ، الناس بتكبر وحضرتك بتصغري، اللي يشوفك يقول اخت دليلة مش أمها.

تسللت كلمات الإطراء إلى نفسها، فابتسمت له برقة وهي تقول:
-ميرسي يا اشرف، كلك ذوق.

مالت "عايدة" نحو "أماني"وراحت تهمس في أذنها بتهكم،وهي تتابع المشهد بنظرات ثاقبة:
-شايفة البكش بتاع ابن أختك، الواد ثبتها بكلمتين وكل بعقلها حلاوة.

ابتسمت أماني بوقار، ثم عقبت بنبرة خافتة تحمل الكثير من التعقل:
-بس هو ما كذبش فعلاً يا عايدة،" منى" الله اكبر عليها، برغم المرض بس سبحان الله، اللي يشوفها فعلاً ما يدهاش سنها أبداً.

لوت عايدة فمها بجدية ممتزجة ببعض التهكم، وقالت بنبرة حادة:
-واللي زي دي تكبر ليه يا حبيبتي، انتِ مش شايفة اخوكِ بيعاملها ازاي؟ دي عايشة ولا الهوانم، طلباتها كلها مجابة، ده غير الحب والاحترام.

ثم تنفست الصعداء بمرارة وتابعت وهي تنظر الى شقيقتها:
-السن ده يبان على اللي زي حالتنا، من كتر الهم اللي شايلينه. 

وجهت "منى" حديثها نحو "فاطمة" وهي تسألها باهتمام:
-أمال علي وداليا مجوش معاكم ليه يا أبلة؟

ارتسمت علامات البهجة على وجه فاطمة وهي تجيبها:
-عندهم شغل، وهييجوا بكرة ان شاءالله.

أردفت بود:
-ييجوا بالسلامة ان شاءالله

ثم جالت عينيها بين الحاضرين، فلم تجد سوى السيد "عزام" وزوجته وابنه، والحاجة "رقية" وابنتيها أماني وعايدة، ثم تساءلت مستفسرة:
-امال فين باقي العيلة؟

أجابتها فاطمة:
-هييجوا بكرة كلهم.

هزت رأسها متفهمة، ثم دلفت إلى المطبخ لإعداد واجب الضيافة بزوارها، في االزاوية كانت "وفاء" تجلس إلى جوار الحاجة رقية وتتبادلان أطراف الحديث في أمور الدنيا، بينما اتجه "أحمد" ليجلس بجانب "أشرف" الذي أراد أن يكسر الحواجز ويتقرب من الصغير، فقال له بنبرة ودودة مشجعة:
-ماشاء الله عليك يا أحمد، كبرت وبقيت راجل.

ابتسم الفتى وتحدث مجيباً:
-انت كمان شكلك كبر يا أبيه.

انطلقت ضحكة خفيفة منه وعقب عليها ممازحاً:
-بقيت عجوز يعني ولا ايه؟

ضحك وقال مسرعاً:
-لا طبعاً، اقصد ان شكلك اتغير عن زمان.

اتسعت ابتسامة أشرف، واسترسل في الحديث معه واضعاً كل اهتمامه ليكسب ودّ الفتى الصغير ويتقرب منه.

 
تأمل "صادق" المشهد بارتياح عميق، وتسلل إلى قلبه يقين دافئ بأن أشرف لن يكون مجرد زوج لابنته، بل سيكون أخاً وسنداً حقيقياً لابنه في المستقبل.

التفت عزام نحو صادق وقال له مداعباً بابتسامة وقورة:
-شوفت الزمن يا صادق، الايام لفت بسرعة والاستاذ جاي يخطب بنت تلميذه لابنه.

رد وعيناه تلمعان بالاحترام والتقدير:
-تصدق بالله يا استاذي، أنا ما مفرح قلبي ومخليني متحمس للجوازة دي، غير ان جوز بنتي هيكون تربية أستاذ جليل ورجل حكيم زيك.

أخجلت كلماته الصادقة السيد ، فاحمرّت وجنتاه وقاراً وهو يجيبه بنبل:
-دليلة دي ست البنات، وتستاهل سيد الرجالة، يا زين ما ربيت يا صادق.

كان يجلس على أحر من الجمر، يعبث بساعة يده تارةً، وبأزرار قميصه تارةً أخرى، لا يكاد يستقر في مقعده، وقد أوشك الشوق أن يفتك به لرؤية حبيبته.

 نحى خجله جانباً، ووجه حديثه إلى خاله بنبرة هادئة، حاول من خلالها إخفاء لهفته: 
-هو انا مش هشوف عروستي ولا ايه يا خالي؟

انطلقت ضحكات الحاضرين في أرجاء الغرفة، وقالت عايدة بضحكة رنانة:
-العريس مستعجل يا صادق،قوم أنده لبنتك.

أراد صادق أن يمازح ابن أخته ويسكب بعض الزيت على نيران اشتياقه، فقال مدعياً اللامبالاة وهو يشير بيده عبثاً:
-لسه اليوم طويل يا اشرف، ادينا قاعدين مع بعض شوية، يعني هي العروسة هتطير؟

لم تطق فاطمة رؤية لوعة ابنها،فتدخلت على الفور لتهدئ من روع قلبه العاشق المستعر،ووجهت عتاباً لطيفاً إلى شقيقها قائلة:
-اخص عليك يا صادق، قوم انده للبنت. 
وتابعت كي تعفي نجلها الحرج: 
-البنت وحشتني وعاوزة اشوفها.

ابتسم أمام إصرارهم، ثم التفت إلى ابنه قائلاً:
-قوم انده لـ اختك يا احمد.

نهض الفتى بنشاط وهو يقول: 
-أوك يا بابا.

صعد الدرج مسرعاً ودخل غرفة شقيقته قائلاً بابتسامة عريضة:
-دليلة، بابا بيقولك انزلي علشان العريس عاوز يشوفك.

خفق قلبها بعنف وتملك منها التوتر،ثم سألته بصوت متهدج :
-هو اللي قال عاوز يشوفني؟

أومأ برأسه مؤكداً وهو يبتسم باتساع:
-ده اشرف ده طلع لذيذ اوي، انا حاسس اننا هنبقا اصحاب.

أشرقت ملامحها بكلمات شقيقها، وربتت على كتفه بحنو وسعادة، ثم ركضت لتقف أمام مرآتها وجسدها يرتجف بكامله من فرط التوتر.

 التفتت نحو "ندى" لتسألها بقلب يرتجف:
-شكلي حلو يا ندى؟

أجابتها بعينين تلمعان بالسعادة لأحلها:
-زي القمر يا ديدا.

لم يهدأ روعها، بل راحت تتفقد مظهرها بذعرٍ وهي تقول:
-طب حجابي معدول؟ الفستان شكله حلو؟!.

ضحكت ندى محاولة تهدئتها وراحت تربت على يديها:
-يا بنتي والله زي القمر، بطلي توتر بقى، وترتيني معاكِ. 

تنهدت بعمق وسحبت نفساً طويلاً لتستجمع شتات نفسها، ثم تحركت برفقة ندى نحو الباب، كانت تهبط درجات السلم وهي تفرك كفيها باضطراب، بينما كانت نظرات السعادة تتلألأ في عينيها كقطرات الندى. 

التفتت إلى ندى وهمست بلوعة:
-مش قادرة اصدق اني خلاص هشوفه قدامي وأملي عيوني منه يا ندى.

ابتسمت بخفة، وقالت بنبرةٍ تملؤها الدعابة:
-يخربيت الحب وسنينه. 
               _______♕_______

دلفت من الباب فبدت كالقمر في ليلة تمامه، دارت بعيناها لتتفحص الوجوه الحاضرة، متجنبةً النظر إليه هو بالذات، خشية أن تفضحها نظراتها وتكشف عن غرامها الدفين وتفضحها أمام الجميع. 

أما هو، فما إن وقعت عيناه عليها حتى انتفض واقفاً بغريزة باغتته، بينما راحت دقات قلبه تتسارع بعنف وجنون.

 تمنى في تلك اللحظة لو يملك الحق في أن يركض نحوها، ليخبئها بين ضلوعه ويعوض بضمتها شوق السنين وحرمانه منها.

تقدمت نحو عزام الذي نطق مرحباً بسعادة غامرة :
-أهلاً أهلاً بست البنات، ألف مبروك يا بنتي.

أجابته بملامح غلبها الخجل:
-الله يبارك في حضرتك يا عمو.

اندفعت نحوها فاطمة لتضمها بقوة، والبهجة تلمع في عينيها وهي تهتف بحفاوةٍ:
-ألف مبروك يا قلب عمتك.

بادلتها العناق بحرارة مردفة:
-حبيبتي يا عمتو، الله يبارك في حضرتك.

ثم توجهت نحو جدتها رقية، وانحنت لتقبل يدها باحترام، فطبطبت السيدة على ظهرها بحنان قائلة:
-مبروك عليكِ ابن عمتك يا دليلة، ربنا يتمم لكم على خير، ويديني العمر لحد ما اشوف عيالكم ان شاءالله.

تضاعف خجلها من كلمات الجدة، وتحركت بخطى بطيئة حتى أصبحت واقفة أمام مالك قلبها، رفعت عينيها لتلتقي بنظراته التي كانت تتجول بجنون فوق ملامحها، قبل أن تستقر وتثبت في عمق عينيها. 

 
بسط يده نحوها باهتزاز، بينما ارتجفت شفتاه من لوعة الشوق وهو يهمس قائلاً:
-ازيك يا دليلة؟

أما هي، فكان حالها يفوق الوصف، إذ أخذ قلبها يقرع كطبول حربٍ طاحنة، نظرت إليه، وفي لحظة واحدة شعرت بأنها تغرق في بحر عينيه، اجتاحتها مشاعرُ مبهمة جياشة لم تألفها من قبل. 

 كانت تظن أن محادثاته الهاتفية معها هي منتهى الهيام، لكنها أدركت الآن أن النظر في عينيه عالم آخر تماماً من الغرام. التفتت شفاها المرتجفة وراحت تجيبه بهمسٍ خافت:
-الحمدلله.

كانت نظرات الاستغراب والدهشة تحيط بهما من كل جانب، فالجميع يتساءل في صمتٍ،متى نمت جذور هذا الحب وتعمقت هكذا؟وكيف وصلا إلى هذه المرتبة من العشق والهيام؟"

أرادت منى جذب انتباه أشرف فتحدثت مشيرة إلى ندى: 
-دي ندى صاحبة دليلة يا أشرف.

أجابها بهدوء ونبرة مسترخية:
-أنا شوفتها قبل كده عندكم.

تذكرت منى الأمر، بينما التفتت ندى إليه قائلة بابتسامة:
-ألف مبروك يا عريس.

شكرها وعلامات الامتنان على وجهه مردفاً:
-عقبالك.

ردت بنبرة رقيقة:
-ميرسي.

ثم انسحبت برفقة منى نحو المطبخ لمساعدتها في إعداد الضيافة.

تنحت فاطمة جانباً، وأشارت إلى دليلة نحو الأريكة وتمتمت:
-تعالي يا حبيبتي اقعدي جنب خطيبك.

نظرت إلى والدها تستأذنه خلسة، فهز رأسه موافقاً بابتسامة صامتة، تقدمت وجلست، وجلس هو إلى جوارها تاركاً مسافة كافية بينهما، انشغل الحضور في أحاديثهم الجانبية، فاستغل هو تلك الفرصة، واقترب هامساً بكلمات زلزلت كيانها بالكامل:
-وحشتيني يا عمري.

نظرت إليه ولاذت بالصمت، غير أن لهفة عينيها المشتعلة كانت تنوب عنها في الرد وتفضح شوقها.

تابع حديثه بهمسٍ عذب:
-عارفة، أنا كنت بتخيل شكلك كل يوم واقول اكيد السنين غيرتها، وكنت متأكد انك بقيتي أحلى.

ابتلع ريقه محاولاً استجماع ثباته وهو يتأمل عمق عينيها، ثم أضاف:
-بس بصراحة، عمري ما تخيلت ولا جه في بالي اللي انا شايفة قدامي ده.

ابتسمت بخجل شديد، وظلت تفرك يديها بتوتر واضح، فداعبها سائلاً:
-طب انا هفضل اتكلم وارد على نفسي كده كتير؟

أجابته بنبرة خجولة مرتبكة:
-عاوزني أقول ايه؟

مال نحوها هامساً بعينين تشعان غرامًا:
-قولي أي حاجة، المهم اسمع صوتك.

همست بهدوء والخجل يلون وجنتيها:
-أنا مكسوفة اوي يا أشرف، حاسة ان العيلة كلها بتبص علينا.

ارتسمت على شفتيه إبتسامة عذبة وهو يجيبها بنبرة تقطر غزلاً:
-ما لازم يبصوا، حد يلاقي عروسة قمر كده وما يبصش عليها؟

تبسمت برقة وهي تغرق في نظرات عينيه المليئة بالهيام، مرت ساعة من الوقت، وقفت منى ترتب أطباق الغداء على المائدة بنشاط، تعاونها ندى وأماني التي التفتت فجأة وسألت باستغراب:
-هي رغدة مش معاكِ ليه يا منى؟

أجابتها وهي تضع آخر الأطباق فوق الطاولة:
-جت طبخت معايا وخلصت ومشيت، علشان لسه مجهزتش الفستان اللي هتحضر بيه بكرة.

أومأت أماني متفهمة، وسرعان ما اجتمع شمل العائلة حول المائدة يتناولون طعامهم في أجواء يملؤها الدفء والمرح.

بعد الانتهاء من تناول الطعام، دلفت منى إلى المطبخ لإعداد القهوة، فتبعتها وفاء على الفور. 

وقفت خلف ابنتها، وقالت بنبرةٍ مثقلة بالهم:
-بهاء مقموص ومش عاوز يحضر الخطوبة.

التفتت إليها وعلامات الدهشة ترتسم على وجهها وراحت تسألها:
-وبهاء مقموص ليه ياماما؟!

أطلقت تنهيدةً حارة محملة بالأسى قبل أن تجيبها:
-بيقولي صادق عزمني امبارح في التليفون زيي زي الغريب، وانك مخدتيش رأيه في العريس قبل ما توافقوا عليه.

تنهدت باستسلام وحيرة، ثم سألتها:
-طب والعمل ايه الوقت؟ يعني ينفع يسيبني اقف بطولي من غير اخويا الوحيد في خطوبة بنتي؟

أطلقت زفرةً مثقلة بالأسى، ثم أردفت قائلة:
-خلصي القهوة وتعالي نروح له البيت، بهاء عِنيد، وممكن مراته تسخنه وميجيش بجد.

نظرت إليها منى وخرج صوتها متهدجاً يملؤه قهر الانكسار وهي تسألها:
-وهقول لأهل صادق ايه؟ رايحة اتحايل على اخويا علشان ييجي يقف جنبي ويشرفني قدامكم؟!

صمتت وفاء تفكر لبرهة، ثم تابعت بحماس بعد أن لمعت في ذهنها فكرة:
-قولي لهم ان بنتك ناقصها شوية حاجات لبكرة، وهتنزلي معايا نجيبهم.

وبالفعل، خرجت منى لتقدم القهوة للحضور، ثم قالت بنبرة هادئة ومعتذرة:
-أنا آسفة يا جماعة، مضطرة أسيبكم لوحدكم، بس دليلة ناقصها شوية حاجات لبكرة ولازم انزل مع ماما نجيبهم سوا.

ردت عليها فاطمة بمودة:
-روحي مشوارك يا حبيبتي واحنا مش غرب، المهم ترجعي قبل المغرب علشان ننزل نشتري الشبكة.

أومأت برأسها، بينما عقبت وفاء مؤكدة:
-ان شاءالله مش هنتأخر، بعد أذان العصر على طول هنكون هنا.

وقبل أن تتحرك منى من مكانها، استوقفها أشرف قائلاً باحترام:
-بعد اذنك يا مرات خالي، كنت حابب أخد دليلة ونخرج علشان تختار معايا البدلة اللي هحضر بيه الخطوبة بكرة.

قاطعتهم الجدة رقية بتهكم ونبرة حادة لا تخلو من اللوم:
-هي العيلة كلها مستنية تشتري حاجاتها قبل الشبكة بيوم؟!

التفت إليها بهدوء، و أجابها قائلاً:
-وانا لحقت اشتري حاجه يا جدتي؟، ده انا لسه واصل امبارح. 

 ثم استدار ينظر إلى دليلة بحنان وتابع مستأذناً من منى مجدداً: 
-وبعدين انا ودليلة كنا متفقين نختارهم سوا علشان نجيب الكرافتة بلون فستانها.

وتابع مستأذنًا:
- قولتي ايه حضرتك؟

أجابته بنبرة هادئة تنم عن احترامها الشديد لزوجها وتقديرها له:
-استأذن من خالك يا اشرف، ولو وافق خد معاكم خالتك أماني.

هنا تدخل صادق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صافية وهو يقول:"وأنا معنديش مانع بعد موافقتك طبعاً يا ام العروسة.
 
لقد عقد صادق وأشرف اتفاقاً مسبقاً بضرورة كسب رضا منى وإحاطتها بالاهتمام البالغ، رغبةً منهما في تبديد أي توجس لديها، وحتى يطمئن قلبها لـ أشرف وتتقبله في حياة ابنتها. 

 ابتسمت منى لرد زوجها، ثم غادرت المنزل برفقة والدتها متوجهتين إلى بيت أخيها.
            _______♕_______

وصلتا إلى منزل بهاء، فاستقبلتهما الخادمة بأدب مرشدة إياهما إلى غرفة استقبال الضيوف وهي تقول باحترام:
-هدي خبر للهانم بوجودكم حالاً.

التفتت إلى ابنتها وقالت بنبرة حانقة تملؤها السخرية:
-اتفرجي الشغالة وقلة أدبها، بدل ما تقول هانده لكم البيه، تقول هدي خبر للهانم 

أجابتها منى محاولةً تهدئة الأجواء المتوترة وقبل أن يتفاقم الأمر:
-خلاص يا ماما بالله عليكِ، خلينا في اللي احنا جايين عشانه.

تنهدت وفاء بضيق ولاذت بالصمت، وبعد دقائق معدودة، دلفت إلهام إلى الغرفة، وعلى وجهها ابتسامة زاهية لكنها مزيفة، ثم مالت تقبل وفاء قائلة:
-أهلاً أهلاً يا طنط، نورتي البيت.

ردت وفاء بنبرة هادئة لكنها جافة:
-ده نورك يا حبيبتي.

ثم اتجهت نحو منى وقامت ايضًا بتقبيلها، ونطقت بمجاملة:
-ألف مبروك لدليلة يا منى.

أجابتها بابتسامة باهتة:
-الله يبارك فيكِ يا إلهام، عقبال ما تفرحي ب أدهم وعمر.

أشارت لهما نحو الأرائك بكبرياء،ونطقت قائلة:
-اتفضلوا ارتاحوا، بهاء جاي حالا.

جلستا، بينما اتخذت إلهام مجلسها ومطت جسدها واضعةً ساقًا فوق أخرى في استعلاء واضح.

 أقبل عليهما بهاء وهو يرتدي روباً منزلياً فوق منامته، فتقدم ورحب بوالدته، ثم التفت نحو منى التي بادرت بالحديث باستحياء وقلق:
-معلش يا بهاء، جاين لك في وقت مش مناسب، بس معنديش وقت غيره والله.

رد عليها بنبرة جادة وحاسمة:
-كلام ايه اللي بتقوليه ده يا منى؟ ده بيتكم،وتشرفوا في أي وقت.

هنا تنحنحت وفاء، وقالت بنبرة عتاب حانية لتستعطف بها قلبه:
-أنا جبت اختك اهو وسيبنا الضيوف لوحدهم علشان خاطرك، يارب ما تكسفنا بكرة وتيجي تقف في ضهرها.

 قطب حاجبيه بصرامة، وخرج صوته حازماً ينم عن ضيقٍ مكتوم وهو يقول:
-هو حضرتك فاكراني زعلان علشان محدش جالي بيتي ودعاني يا ماما؟!

رمقته بنظرة ساخرة وعقبت:
-اومال ايه مشكلتك يا بهاء؟

رد بنبرة حادة ارتفع فيها صوته بانفعالٍ شديد:
-مشكلتي ان بنتك ما اخدتش رأيي في جوازة بنتها يا ماما، ولا كأني خالها. 

حافظت منى على هدوئها رغم شعورها بالمرارة، وأجابته مدافعة عن نفسها:
-وهو انا بشوفك يا بهاء علشان اخد رأيك؟ ده احنا  يدوب بنشوف بعض في المناسبات.

هتف بحدة قاطعاً حديثها:
-الموضوع ده بالذات كان لازم تكلميني يا منى، لانه نسب ويخصنا كلنا. 

ردت وفاء بقلة حيلة ونبرة غير مستوعبة:
-أنا بردوا مش فاهمة انت زعلان ليه؟

أجابها بلهجة حاسمة ومستنكرة:
-الولد مش مناسب لدليلة يا ماما، البنت رقيقة ومتربية وعايشة طول عمرها في المدن، هتروح تعيش ازاي في الفلاحين؟ والولد نفسه مش مناسب ليها، ده فلاح يا ماما

ثم تابع مؤكداً كلمته وكأنها وصمة عار:
-فلاح. 

راحت وفاء تدافع عن زواج ابنتها قائلة:
-طب ما صادق هو كمان فلاح، واهي اختك عايشة معاه زي الفل، راجل محترم ولا عمره في يوم زعلها.

عقب بنبرة مشككة:
-ومين قالك ان الولد ده هيبقى زي صادق؟

 ثم تابع بكبرياء وغرور: 
-أصلاً النسب ده من الأول مكنش مناسب، صدقيني انا لو كنت كبير وواعي وقت جوازة منى، كان لا يمكن اوافق على الجوازة دي أبداً.

زفرت منى بضيق شديد من تقليله لزوجها، بينما قالت وفاء بتهكم واضح:
-الحمدلله يا حبيبي انك كنت صغير.

تجاهل تهكم والدته، والتفت يوجه حديثه لمنى بتساؤل مستنكر:
-وانتِ ازاي موافقة على المسخرة دي؟ تقدري تقولي لي بنتك هتعيش ازاي في الأرياف؟

سردت له تفاصيل الاتفاق والوعود، فهز رأسه بتشكيك تام وقال:
-وانتِ مين قالك انه صادق في وعوده؟ مش يمكن بيجاريكم لحد ما ينول مراده، وبعدها يروح يعمل مشروعه في المنصورة ويستقر هناك؟" ثم أردف بجدية وتحذير: 
-ده مش صادق يا منى، ده ابن فيفي، وكلنا عارفين قد ايه هي ست عندية وكلمتها بتمشي على الكل.

وجدت إلهام في هذه النقطة فرصة سانحة للتدخل، فقالت بتدخل سافر ونبرة مسمومة:
-بهاء معاه حق يا منى، الست اللي اسمها فيفي دي صعبة أوي.

تجاهلت منى حديثها تماماً، وتحدثت بحكمة وعقلانية تليق بأم تحترق حيرة على ابنتها: 
-بص يا بهاء، انا هقول لك على اللي جوايا بصراحة علشان ترتاح، انا مربية بنتي وعارفة طباعها كويس، البنت علشان ملهاش أي تجارب، علشان كدا انبهرت بكلام اشرف و وعوده

واستأنفت بتأكيد قاطع:
- بس انا متأكدة انها لما تقعد معاه فترة الاجازة وتتعامل معاه مباشر وتشوف طباعه، هي بنفسها اللي هتروح لابوها وتقول له انها مش عوزاه، لأن بنتي وهو زي الشرق والغرب.

زفر بحدة من منطقها وعقب مستنكراً:
-يعني انتِ بتراهني ببنتك وبمستقبلها، في حاجة انتِ مش متأكدة انها هتحصل يا منى؟

ثم تابع بحدة:
-ثم من امتى وانتِ شخصيتك ضعيفة كده؟!

هنا لم تتحمل منى المزيد، فصاحت بألم وحيرة وعيناها تلتمع بالدموع:
-وانا بايدي ايه اعمله اكتر من اللي عملته يا بهاء؟ انا اتكلمت كتير واعترضت وجادلت، بس للاسف، صادق متمسك بابن اخته وشايف ان ده الراجل الوحيد اللي هيبقى سند للبنت. 

واستطردت بضيق:
- ودليلة اتعلقت بالولد بشكل هيستيري، عاوزني امشي رأيي على جوزي واقف له واعند قصاده واخرب بيتي بايدي؟ ولا اكسر قلب بنتي واخليها تكرهني باقية عمرها؟

تدخلت وفاء بجدية لتنهي هذا الجدال العقيم، فهتفت قائلة:
-أنا مش عارفة انتوا تعابين نفسكم ليه، الولد زي الفل وبيحب البنت، وهيعمل المستحيل علشان يسعدها، وبكرة لو كان ليا عمر هفكركم.

أمام دموع أخته وإصرار والدته، تراجع بهاء ووعدهم في النهاية بأنه سيحضر الغد ويقف بجانبهم، تنفست منى الصعداء، ونهضت مسرعة برفقة وفاء، وغادرتا المنزل لكي تلحقا بضيوفهما.

              _______♕_______

خرجت برفقة أشرف وعمتها أماني، كانت تسير إلى جواره وهي تشعر كأنها فراشة تحلق في السماء من فرط بهجتها. 

انطلقوا بين المحال حتى وقع اختيارهم على البدلة المنشودة، وانتقوا رابطة العنق بدقة لتتطابق تماماً مع لون فستانها الموف الرقيق.

توجهوا بعد ذلك إلى متجرٍ للأحذية، لتبدأ دليلة في انتقاء ما يناسبه على ذوقها الخاص، ورغم قلة درايتها بهذه الأمور، فقد أراد أن تكون تفاصيل مظهره من اختيارها، رغبةً منه في تدليلها، وإشعارها بمدى أهميتها ومكانتها لديه. 

مال نحوها وهمس بهيام أذاب قلبها:
-عقبال ما نشتري بدلة الفرح وانتِ معايا يا قلبي.

نظرت إليه وعيناها تنطقان بعشق جارف لم تعد تقوى على مداراته، وأجابته بنبرة رقيقة:
-يارب يا أشرف.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، ثم عادوا إلى المنزل والسرور يملأ قلوبهم.

بعد صلاة المغرب، تجمع العروسان بصحبة فاطمة ومنى، واتجهوا صوب محل المجوهرات لشراء الشبكة. 

وقفت دليلة أمام واجهة العرض الزجاجية في حيرة شديدة، فقلة خبرتها بمثل هذه الأمور جعلتها عاجزة عن الاختيار. لاحظت فاطمة ارتباكها، فاحتضنتها بحنان وقالت لتطمئنها:
-نقي كل اللي نفسك فيه يا حبيبتي.

اقترب منها أشرف، وغمرها بنظراته الداعمة وهو يقول بنبرةٍ تفيض بالشهامة والمحبة:
-اللي تعوزه كله في ثانية هيبقى تحت رجليها.

ثم تابع وهو يغرق في سحر عينيها:
-شوفي اللي نفسك فيه، وشاوري لي عليه كله.

التفتت الفتاة إلى الصائغ، وقالت بنبرة خجولة ولكن متحمّسة:
-أنا عاوزك تكتبي لي اسامينا على الدبل، وكمان التواريخ.

أثارت الفكرة إعجاب أشرف بشدة، ونظر إليها بعيون تفيض بالحب والعشق المتيم. 

تدخلت فاطمة ومنى لمساعدة العروس في انتقاء بقية قطع الذهب المناسبة، ثم قام العروسان بقياس الدبلتين، ودون الصائغ الأسماء والتواريخ عليهما بدقة.

غادرا المتجر وخطواتهما تتراقص بفرحٍ عارم، يتبادلان الضحكات كعصفورين وجدا أخيراً موطناً يجمعهما في بستان العشق.

 عندما وصلوا إلى المنزل، امتدت السهرة حتى ساعات متأخرة من الليل، حيث اجتمع الكل في الحديقة يتسامرون ويتبادلون الأحاديث الشيقة الدافئة. 

أما الحبيبان، فقد انزويا في ركن بعيد وهادئ، يتبادلان الهمس ويخططان لمستقبلهما معاً، والغرق في تفاصيل مستقبلهما الواعد يزيد من سعادتهما التي لا توصف.

                  _______♕_______

في منزل عبد الرحمن المسيري، وتحديداً في شقة كريم وعروسه بالطابق الثاني، كانا يجلسان معاً يتابعان التلفاز بتركيزٍ، فجأة، اعتدلت يُمنى في جلستها والتفتت إلى زوجها قائلة بنبرة يغلفها الملل:
-هو احنا مش هنخرج نتعشى برة ولا ايه يا كريم؟ احنا لينا اسبوع بحاله ما خرجناش ولا اتحركنا من البيت

نظر إليها بملامح هادئة وأجابها:
-هو احنا يا حبيبتي هنقضيها خروج طول الوقت؟

 ثم تابع بمزاح وهو يجذبها إلى أحضانه محاولاً تشتيت انتباهها: 
-وبعدين مالها قعدة البيت بس؟

تلمست ذراعه وابتعدت عنه برفق وهي تتدلل عليه قائلة:
-يا حبيبي احنا لسه عرسان جداد، يعني طبيعي نخرج كل يوم ونتفسح ونشوف الدنيا.

تنهد صامتاً، وغرق في أفكاره يبحث عن مخرج لهذه الأزمة، فالواقع أنه لا يملك في جيبه شيئاً، وقد استدان من شقيقه رشيد مبالغ كثيرة منذ فترة الزفاف، وحتى والدته لم يسلم من الاستعارة منها. لكنه أقنع نفسه أن هذه المرة ستكون الأخيرة، ولن تضر في شيء.

 أمسك يدها وطبع عليها قبلة حانية وقال:
-تمام يا حبيبتي، هنقضي اليوم بكرة كله برة، ونتعشى كمان.

ثم نهض واقفاً وأردف:
- أنا نازل اطمن على الجماعة تحت.

رمقته بنظرة دلال تفيض بالأنوثة وعقبت:
-ما تتأخرش عليا، انت عارف، انا مش بقدر اقعد في الشقة من غيرك.

أرسل لها قبلة في الهواء بابتسامة، ثم غادر متوجهًا إلى الطابق الأرضي.

دلف إلى شقة والدته فوجدها تجلس في المطبخ أمام الطاولة، تنشغل بإعداد مخلل الزيتون، ما إن رأته حتى هتفت بترحاب:
-أهلاً يا حبيبي، انا عندي بامية ولحمة من الغدا، احط لك تتعشى؟

أجابها نافياً برأسه:
-لا يا ماما اتعشيت مع يُمنى.

جلس في المقعد المواجه لها، وسأل مستفسراً:
-أمال بابا وبسمة فين؟

أجابته وعيناها على وعاء الزيتون:
-بابا في اوضته بيقرأ قرآن، وبسمة بترتب دولاب رشيد وبتنضف له الاوضة، علشان اجازته بعد يومين ان شاءالله.

سيطر عليه التوتر وبدأ يفرك كفيه ببعضهما بقلة راحة، ثم تنحنح قائلاً بصوت خفيض:
-ماما، كنت محتاج منك 500 جنية سلف.

توقفت يدها ونظرت إليه باستغراب تام، ثم عقبت:
-انت يا ابني مش لسه واخد مني 500 من اسبوع؟

أجابها بنبرة يكسوها بعض الحرج :
-أصل يمنى عاوزة تخرج وانا معييش فلوس.

زفرت بيأس وضيق من تبديده للأموال وقالت:
-وهي يمنى كل اسبوع هتخرج؟ انت موظف يا حبيبي، ودخلك على قدك، ولازم مراتك تمشي على قد مرتبك.

ثار كبريائه واندفع يقول بحدة:
-يا ماما دي عروسة، هو انتِ هتعملي زي رشيد وتقعدي تديني مواعظ؟

ردت بنبرة جادة وحاسمة:
-الموضوع مش محتاج لا مواعظ ولا حكم، انت يا ابني واخد من وقت تجهيزات فرحك مني ومن اخوك اكتر من عشر تلاف جنية، وده مش تفكير واحد عاقل يا حبيبي.

هتف باحتدامٍ أعمى، وقد نهشت الغيرة صدره من شقيقه:
-وايه يعني لما اخد منه؟ ده مرتبة قد مرتبي ييجي عشر مرات

انتفض جسدها من وقع الصدمة، وقالت بنبرةٍ يملؤها الذعر: 
-صلي على النبي في قلبك يا كريم، اخوك بيجيب القرش بالغلب والتعب، ولا انت فاكره قاعد هناك مرتاح؟ ده شغال في بريمة وطالع عينه، وده رزقه.

وهتفت تذكره:
-والراجل كتر خيره مش مقصر معانا في حاجة، حتى شقتك شطبها لك مع البيت، وساعد في فرشها، وبيديني مصروف محترم للبيت، ده غير مصاريف اختك اللي متكفل بيها كلها. 

 ثم رمقته بنظرة لوم عاتبة وتابعت: 
-عاوزه يعمل ايه اكتر من كده يا كريم؟!

استبد به الغضب وأعماه الندم على المجيء، فصاح بحنق:
-خلاص يا ماما، انا غلطان اني اتعشمت فيكِ وجيت لك.

استدار وتحرك نحو باب الشقة كالإعصار الهادر، لكن خطوته تعثرت على صوتها وهي تركض خلفه لاهثة وهي تناديه بلهفة:
-استنى يا كريم. 

توقف مكانه وظهره مواجه لها، فلم يحتمل قلبها أن يغادر ابنها المنزل وهو يحمل في صدره غضباً تجاهها، اقتربت منه ولمست ظهره بحنان قائلة:
-استناني هنا خمس دقايق.

دلفت إلى غرفتها على عجالة، وفتحت محفظة نقودها لتخرج له المبلغ المطلوب، ثم عادات وأعطته النقود تحت وطأة تأنيب ضمير شديد، لشعورها بأنها بتصرفها هذا تدفعه دفعاً نحو الطمع بما في يد شقيقه، وتفسد طباعه. 

لكنها غريزة الأم التي لم تقو على رؤية ولدها محتاجاً وهي تملك القدرة على مساندته.

               _______♕_______

أشرقت شمس اليوم التالي في منزل صادق، فاستيقظ الجميع بهمة ونشاط، وبعد تناول وجبة الإفطار، انطلقت النساء نحو المطبخ لبدء تحضيرات طعام حفل الخطوبة المنتظر. 

كانت دليلة قد أوصت والدتها بإعداد كل الأصناف التي يفضلها أشرف، وعلى رأسها "المعكرونة بصوص البشاميل الغنية باللحم المفروم".

ظهرًا، صعدت فيفي وعايدة وأماني ليجلسن مع الجدة رقية وصادق في بهو الاستقبال يرتشفون مشروب الشاي، بينما استمرت منى ورغدة ووالدتهما وفاء في المطبخ يتابعن اللمسات الأخيرة للتجهيزات.

في تلك الأثناء، هبطت دليلة من غرفتها تبحث عن أشرف بعينين مشتاقتين فلم تجده، توجهت نحو الحديقة لعلها تلمحه هناك، لكن خطوتها تسمرت عند غرفة المعيشة المؤدية إلى الحديقة"الليفنج"، حيث رأته مستلقياً على الأريكة مستغرقاً في نوم هادئ. 

وقفت أمامه صامتة، راحت تتأملُ ملامحه المرتخية بشغفٍ، بينما راحت دقات قلبها ترفرف كسرب طيور مبتهجة.

 أخيراً، بات حبيبها أمام عينيها حقيقةً لا خيالاً، كم سهرت تحلم بهذه اللحظة، وتناجي طيفه في ليالي الفراق. 

فتح عينيه بغتة، فإذا بطيفها يلوح أمامه كحلم ملموس، اتسعت شفته بابتسامة رائعة، وانبثق من حنجرته صوتٍ متحشرج من إثر النعاس، يقطر عذوبة ورومانسية وهو يقول:
-وحشتيني.

أجابته بنبرة يكسوها خجل شديد:
-صح النوم.

مد يده نحوها داعياً إياها للاقتراب، فتملكها الارتباك وتراجعت خطوة للخلف دون أن تمد يدها إليه.

ضحك بخفة من خجلها العذب، ثم اعتدل في جلسته وأشار إلى المساحة الفارغة بجواره قائلاً:
-تعالي اقعدي جنبي.

تحركت بخطى بطيئة وجلست إلى جواره، فالتفت إليها وبدأ يتبادل معها أطراف الحديث، ثم سألها فجأة بنبرة حانية:
-انتِ فرحانة اننا هنتخطب؟

شعرت في تلك اللحظة وكأن قلبها سيتوقف عن النبض من فرط الفرحة والنشوة، هل يعقل أنها تجلس الآن بجوار الشخص الذي اختاره قلبها وتمناه، وأنه سيصبح خطيبها رسمياً بعد ساعات، وفوق كل هذا يسألها إن كانت سعيدة بجواره؟

التفتت إليه والبهجة تحلق بها في سماء العشق، بينما تلونت وجنتاها بحمرة الخجل الطاغي، وهي تتمتم برقة: 
-أكيد مبسوطة.

التمعت عيناه ببريق مفعم بالخبث المحبب لدى العشاق، وثبت نظراته عليها، فقد كان ظامئاً لسماع اعتراف صريح يروي لهفته، دنا منها وسألها مداعباً:
-ليه؟

اشتد خجلها وعجز لسانها عن الرد، فنهضت واقفة على الفور وقالت بخجلٍ:
-أنا هطلع بقى احسن ماما تدور عليا ومتلاقنيش.

وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، امتدت يده لتتمسك بكفها، وقال بلهفة وعشق جارف انعكس في عمق نظرته:
-خليكِ قاعدة معايا شوية.

سحبت يدها من قبضته بسرعة وخوف من أن يلمحهما أحد، وقالت متلعثمة:
-مش هينفع، تعالى انت فوق واقعد معانا.

تأمل ملامحها المرتبكة، وبصوت ينضح بالهيام والعشق الذي زلزل أركانها، قال:
-دليلة، أنا بحبك قوي.

بلعت ريقها بصعوبة أمام نظراته المشتعلة وصوته الهائم الذي اخترق وجدانها، فاكتفت بابتسامة ساحرة، ثم استدارت وركضت صاعدة الدرج بسرعة، تحت وطأة نظراته العاشقة التي ظلت تلاحق طيفها حتى اختفت عن عيناه،فأطلق تنهيدة حارة تنم عن مدى عشقه لتلك الصغيرة التي سلبت لُبه.
                _______♕_______

اكتمل شمل العائلة بوصول داليا وزوجها علي، وتوافد بقية أفراد عائلة صادق من أشقائه وأزواجهم وأبنائهم، وكان من بينهم محمد برفقة زوجته وأولاده.

ضجت الصالة الكبرى بالحاضرين وحواراتهم المبهجة، وفي غمرة هذا الصخب، صعدت دليلة إلى غرفتها ثم هبطت وهي تخفي شيئاً ما وراء ظهرها بمرحٍ طفولي، فجأة، وقفت أمام داليا وقالت بابتسامة حماسية:
-معايا مفاجأة لدليلة الصغيرة.

ابتسمت داليا بينما عقب علي متسائلاً بفضول:
-طب يلا ورينا.

أخرجت من وراء ظهرها ثوبًا صغيراً فاتناً، يتطابق تماماً في تصميمه ولونه الموف الرقيق مع فستان خطوبتها، ونظرت إلى الطفلة قائلة بحنان:
-ايه رأيك في فستانك يا ديدا؟ ده نسخة من فستان خطوبتي.

ما إن وقعت عينا الصغيرة على الفستان حتى هللت فرحاً، وأخذت تقفز وتشير إليه بحماس، بينما غمرت السعادة قلب داليا لهذه اللفتة الراقية.

نهض علي من مقعده وتقدم نحو دليلة، وطبع قبلة حانية على رأسها شاكراً إياها وهو يقول:
-طب احبك اكتر من كده ايه يا بنت استاذي؟

انتفض أشرف من مكانه، وتقدم بخطى سريعة ليجذب دليلة برفق بعيداً عن علي، وقال بنبرة تملك مفتعلة غلفها المزاح:
-طب ابعد يا حبيبي وخاف على روحك. 

انفجر الحضور جميعاً بالضحك على غيرة أشرف العفوية، بينما راحت دقات قلب تلك العاشقة ترفرف بنشوة عارمة، فقد أثلج صدرها ذلك التملك المحبب الذي أظهره حبيبها أمام الجميع.

توالى بعد ذلك وصول صديقات دليلة، وصعدن معها جميعاً إلى غرفتها لمشاركتها لحظات التجهيز، بدأت خبيرة التجميل عملها وسط أجواء صاخبة من ضحكات الفتيات وانبهارهن بالعروس.

 وأثناء ذلك، هبطت إحدى صديقاتها إلى الطابق السفلي لترتشف بعض الماء، ولم تمر دقائق حتى عادت إلى الغرفة ووجها ينطق بالانبهار، هتفت قائلة بلهفة:
-يا نهار ابيض يا بنات، انا شوفت واحد زي القمر قاعد تحت، عليه عيون تسحر.

ثم التفتت نحو العروس وتابعت بمزاح: 
-بصي بقى يا دليلة، انتِ لازم تعرفيني عليه.

ابتسمت بهدوء وخمنت قائلة:
-ده اكيد دكتور شهاب ابن عمتو اماني، أو وائل ابن خالتو.

ردت الفتاة بإصرار:
-انا مش عاوزة تخمينات، انا عاوزة اعرف هو مين بالظبط،علشان أنا نويت خلاص يكون حبيبي.

التفتت دليلة إلى ندى وقالت:
-انزي معاها يا ندى وشوفي مين ده.

استجابت ندى ورافقت الفتاة إلى الأسفل، وبعد مضي خمس دقائق، عادتا إلى الغرفة والجدية تكسو ملامحهما، لمحت دليلة تعابير وجهيهما عبر انعكاس المرآة، فسألت بفضول:
-طلع مين يا ندى؟

حاولت ندى التهرب من نظراتها وأجابت باقتضاب:
-مش مهم.

أصرت وأعادت السؤال بنبرة أكثر حزماً،حين شعرت الصديقة الأخرى بالخجل الشديد، فقالت ندى بصوت خفيض:
-طلع أشرف يا دليلة.

ساد الصمت بالغرفة، وانعقدت ألسنة الفتيات لثوانٍ، قبل أن تنفجر دليلة في ضحك متواصل، لتتبعها بقية الصديقات وكأن ضحكتها كانت عدوى سرت في الأرجاء. 

أخذت الفتاة تتلعثم بالحديث قائلة بندمٍ حذر:
-أنا اسفة يا دليلة، مكنتش اعرف انه خطيبك.

لوحت دليلة بكفها بلا مبالاة،وقالت بهدوء:
-يا بنتي عادي، بتتأسفي ليه؟ هو انتِ كنتي تعرفي؟

ثم التفتت إليهن جميعاً، ورمقتهن بنظرة تحذيرية مفتعلة وتابعت ضاحكة: 
-بس اديكم عرفتوا كلكم، اللي هلاقيها بتبص عليه هي حرة، هعلقها في السقف بدل المروحة. 

تعالت ضحكات الفتيات مجدداً في أرجاء الغرفة، بينما عادت خبيرة التجميل لتكمل وضع لمسات المكياج الأخيرة على وجه العروس الفاتنة.
               _______♕_______

دقت الساعة الثامنةُ معلنةً بدء الحفل المنتظر، نزلت دليلةُ درجات السلم بخطواتٍ هادئة كأميرةٍ توجها العشق، بينما كان أشرف يقف في الأسفل يترقب وصولها بلهفة

ما إن رآها تتهادى وهى تضع يدها في يد والدها، حتى رفرف قلبه بعنف، وتسمرت عيناه عليها بذهول، فقد كانت تفيض جمالاً ورقة، وثوبها الموف يلتف حول جسدها بأناقة بالغة تناسب قوامها الممشوق، كل تفصيلة فيها بدت متناغمة ومثالية.

وصلت إليه، فتقدم وتسلم يدها من والدها، لتتحرك إلى جواره بجسد ينتفض فرحاً وسعادة لا تسعهما الأرض.

بدأت نغمات الموسيقى تصدح في الأرجاء، وجلس العروسان في مكانهما المخصص وسط تدافع الحضور لمباركة هذا الارتباط السعيد. 

أقبل بهاء ترافقه زوجته إلهام، وتقدم نحو دليلة ماداً يده بوجاهة وشموخ وهو يقدم لها علبة قطيفة فاخرة قائلاً:
-مبروك يا دليلة.

تسلمت منه العلبة بابتسامة رقيقة وأجابت:
-ميرسي يا خالو.

تدخلت إلهام، وقالت بنبرة متعالية لا تخلو من حب الظهور:
-مش تفتحيها وتفرحي حماتك هدية خالو يا حبيبتي؟

لوت فاطمة فمها بتهحكمٍ واضح، بينما فتحت دليلة العلبة، فالتقت عيناها بأسورة ذهبية صيغت ببراعة وإتقان، فهتفت بانبهار صادق:
-ذوق حضرتك يجنن يا خالو.

ارتسمت ابتسامة رصينة على شفتي بهاء، ثم تبادل السلام مع الحضور بكبرياء معهود، قبل أن ينزوي في مقعد بعيد برفقة زوجته يتأملان الأجواء بوجوهٍ غير راضية.

وعلى الجانب الآخر من القاعة، وقفت سوزان زوجة محمد إلى جوار منى، ورمقتها بنظرة غامضة وهي تهمس بحِدة:
-مش عارفة ابارك لك ولا اواسيكِ يا منى. 

نظرت إليها بصمت مرير، فتابعت سوزان بذهول واستنكار تام:
-انا بجد مصدومة يا منى ومش مصدقة اللي عملتيه في بنتك، ابن فيفي يا منى؟!

تنهدت بعمق وحاولت استجماع تعقلها وهي تجيب:
-عمتها بتحبها، واكيد اشرف هيحافظ عليها وترتاح معاه يا سوزي.

عقبت سوزان بلوم لاذع:
-بالذمة انتِ مصدقة نفسك؟ راحة ايه اللي بنتك هتشوفها مع فيفي يا مؤمنة، امال لو مكنتيش مجربة ومعاشراهم وحافظة طباعهم؟

ردت منى بنبرة يكسوها الاستسلام وقلة الحيلة:
-وانا بايدي ايه اعمله بس يا سوزي؟

هتفت سوزان بقوة محرضة إياها:
في ايدك كتير يا حبيبتي، دي بنتك.

واستأنفت بحدة وشراسة:
- والله لو انا مكانك لهديت الدنيا فوق دماغهم كلهم.

عقد لسانها العجز عن الرد، فرفعت عينيها نحو السماء بقلبٍ واجف،راحت تلوذ بخالقها وتدعوه في سرها أن يحمي ابنتها، قائلة:
- « اللهم إن كان في أشرف خيرٌ لابنتي في دينها ودنياها فاقدره لها واجمع بين قلبيهما، وإن كان يحمل لها شراً في طياته فاصرفه عنها واصرفها عنه، واكتب لها الخير حيث كان.» 

في تلك الأثناء، تقدمت فاطمة وهي تحمل علبة الذهب وتفتحها بزهو، وانطلقت في الخلفية الأغنية الشهيرة لتلك المناسبة "يا دبلة الخطوبة" ليشتعل المكان بالتصفيق والغناء الجماعي، كانت فاطمة تقف والسعادة تكاد تطير بها، فطالما تمنت دليلة زوجة لابنها، ورغم مخاوفها السابقة من أن تتسبب الخلافات في تفريقها عن شقيقها صادق، إلا أن رؤية السعادة الطاغية في عيني ابنها والفرحة الهيستيرية التي تكسو ملامح ابنة أخيها، جعلت قلبها يلقي بكل الهموم وراء ظهره ويسلم العنان للفرحة.

كان أشرف يُلبس دليلة قطع الذهب واحدة تلو الأخرى، حتى بلغت الإثارة ذروتها مع اللحظة المنتظرة، لحظة الدبل، انزلقت الدبلة بسلاسة في إصبع دليلة، قبل أن توجه هي أناملها لِتُلبسه دبلته. في تلك الثواني، تملكتها دهشة عارمة،لم تكن تصدق أن الحلم أصبح حقيقة، وأنها غدت خطيبته رسمياً، تحمل اسمه وعهده في يمينها.

تلاقت عيناهما في نظرة طويلة هائمة، فمال نحوها وهس بعشق هز وجدانها:
-بحبك، بحبك اوي.

ابتسمت له بخجل أضفى عليها سحراً فوق سحرها، أومأت لهما أماني لتشجيعهما، فانطلقا يرقصان معاً وسط هتافات الحاضرين، كانت تتوهج فرحاً، وهذا الفرح زادها حسناً وجمالاً لدرجة جعلت والدتها تتابعها بعينين قلقتين، وهي تهمس بالمعوذتين سراً خشية عليها من أعين الناظرين. 

وقفت الجدة وفاء إلى جوار ابنتها وقالت بنبرة حاسمة وهي تشير للعروسين:
-شايفة بنتك وفرحتها يا منى؟

أجابت بنبرة شابتها مسحة من الأسى الخفي:
-خايفة عليها يا ماما.

ردت وفاء بحدة لتبدد هواجسها:
-من ايه؟ البنت بتحبه ومبسوطة، ده انا عمري ما شوفت دليلة فرحانة بالشكل ده الا معاه، سيبي بنتك تعيش وتفرح يا منى.

زفرت بتنهيدة طويلة مستسلمة للأمر الواقع، وقالت لنفسها بمواساة،:
-«من المستحيل أن يخطئ كل هؤلاء وأصيب أنا بمفردي، بالتأكيد أنا المخطئة.»

اقتربت منها شقيقتها رغدة، واحتضنتها بحنان قائلة:
-مبروك يا منى، ألف مبروك يا حبيبتي.

رمقت شقيقتها بابتسامة دافئة، واستسلمت رويداً رويداً لأجواء البهجة الصاخبة من حولها، سامحةً للفرحة أخيراً أن تطرق باب قلبها وتستقر فيه.

انطلقت دليلة في سعادتها فراحت تدور معه كالفراشة المنطلقة، وفستانها الموف يتطاير حولها بنعومة ليعكس خفة جسدها المنتفض فرحاً، كانت الابتسامة لا تفارق شفتيها، وعيناها تلمعان ببريق ساحر، كأنها تحلق في سماء لا يشاركها فيها أحدٍ سواه. 

أما هو، فكان يرقص بزهو ورجولة طاغية، وعيناه مثبتتان على وجهها، لا يرى في المكان غيرها، يحيطها بذراعيه وكأنه يخبر العالم بأسرها أن هذه الفاتنة قد أصبحت ملكه أخيراً.

لم تمضِ لحظات حتى اندفعت صديقات دليلة وبنات عماتها للالتفاف حولهما في حلقة مبهجة، يصفقن بحماس ويتمايلن بسعادة غامرة، تعبيراً عن فرحتهن العارمة بصديقة عمرهن.

انضم إليهن شباب العائلة، فتقدم شهاب ووائل ومحمد، يشاركون أشرف رقصته بضربات أقدامهم الحماسية وهتافاتهم التي أشعلت الأجواء، بينما كانت داليا تقف على مقربة وتصفق بيد الصغيرة وهي تبتسم للفتة الفستان المتطابق.

وفي وسط تلك الحلقة الصاخبة، مال أشرف نحو أذن حبيبته، وهمس من بين شفتيه ونبرة صوته تنطق بالهيام:
-مش قادر اصدق اني خلاص حققت حلمي وبقيتي خطيبتي يا دليلة، حاسس إن قلبي هيقف من كتر الفرحة. 

التفتت إليه، وازدادت وجنتيها حمرةً من الخجل والدلال، وقالت بصوت خافت تملؤه السعادة الطاغية:
-بعد الشر عنك يا أشرف،انا من كتر ما أنا فرحانة حاسة اني بحلم، ومش عاوزة اصحى من الحلم ده أبداً.

تلاقت نظراتهما في عناقٍ صامت، بينما غمرت المكان زغاريد فاطمة المبهجة، وارتفعت أكفة الحاضرين بالتصفيق مشاركةً لهما تلك اللحظات الغالية، لينقاد الجميع طواعيةً للطاقة الايجابية الآسرة التي بثها العروسان في المكان. 

كان صادق يراقب فرحة دليلة الطاغية بعينين تلتمعان بالتأثر، فشعر في تلك اللحظة بيقين تام أنه اختار لها الرجل الصحيح، ذاك الذي يملك بمجرد وجوده أن يزرع السعادة في قلب ابنته.

 تسللت الراحة إلى وجدانه واطمأن على مستقبلها، تقدم حتى وقف إلى جوار زوجته منى، وقال بنبرة حانية:
-شايفة فرحة دليلة يا منى؟

التفتت إليه والابتسامة ترتسم على وجهها براحة لم تعهدها منذ مدة، وأجابته باقتناعٍ بعدما رأت سعادة نجلتها:
-ربنا يسعدها يا حبيبي.

ورغم كل تلك السعادة، تحركت غيرة الأب في صدر صادق حين رأى أشرف متمسكاً بكفي ابنته يراقصها بهيام، فتقدم نحوهما بخطى واثقة، وجذب يد ابنته برفق وهو يقول لأشرف بمزاح :
-كفاية عليك لحد كدا يا حبيبي.

اتسعت ابتسامة أشرف تقديراً واحتراماً للموقف، واكتفى بإيماءة وقورة من رأسه وهو يشير بيده نحو دليلة، ثم تراجع خطوتين إلى الوراء بكل هدوء، تاركاً لهما المجال. 

غمرت السعادة قلبها وهي تشعر بكفي والدها تحيط بيديها، ليبدأ مشاركتها الرقص بابتسامة عريضة، كانت بهجة صادق تفيض من ملامحه وتنعكس في بريق عينيه، حتى بدا للحاضرين وكأنه هو العريس في ليلة زفافه.

 مال على رأس ابنته وطبع عليه قبلة حانية دافئة وهو يهمس بصوتٍ يقطر منه الفرح:
-مبروك يا قلب ابوكِ.

نظرت إليه وعيناها تلمعان وتتراقصان من فرط البهجة، وأجابته:
-الله يبارك فيك ياحبيبي.

وقف الحضور جميعاً يتابعون المشهد باستغراب ممتزج بالإعجاب، فقد بدا صادق في تلك اللحظات كشاب في العشرين من عمره، وكأن الفرحة العارمة قد انتزعت من عمره سنوات وسنوات لتعيد إليه شبابه. 

لم تتمالك فاطمة نفسها أمام هذا المشهد المهيب، فركضت نحو المطبخ وعادت مسرعة وهي تحمل قبضة من الملح، وأخذت تنثره فوق رأس شقيقها وابنته وهي تهتف بصوت جهوري:
-الله اكبر، اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه.

وراح الجميع من حولها يرددون وراءها بحماس وتأمين على الدعاء، التفت صادق وأشار بيده لـ منى وأحمد ليشاركاهم الساحة، فانضما إليهم على الفور، وراحت العائلة ترقص معاً بسعادة غامرة وتناغم شديد سرق أنظار الحاضرين.

ولم تكتفي الليلة بهذا القدر من البهجة، إذ اقترب "علي عزام" ومعه صغيرته "دليلة" وراح يرفعها بين ذراعيه، لتنخرط الطفلة في رقصة عفوية مع العروس، متألقةً بفستانها الموف الناعم، الذي يحاكي تفاصيل ثوبها في تناغم بديع لفت جميع الأنظار.

سحبت دليلة "الطفلة الصغيرة" من يد والدها برفق، واحتضنتها،وراحت تدور بها في وسط الساحة بضحكاتٍ صافية، وسعادةٍ غامرة بدت جليةً للعيان، لتترك في قلوب جميع الحاضرين ذكرى ليلةٍ لا تُنسى،
نُسجت تفاصيلها من من خيوط الفرح والمحبة. 


تعليقات