رواية لولا الغرام الفصل السابع والعشرون
«بسم الله لا قوة إلا بالله»
«لا إله إلاّ أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.»
«لم تكن مجرد عابرٍ مرّ في فلكي، بل كنت المرآة التي كشفت لي عن عالمٍ بكرٍ لم أكن أعلم بوجوده، تعلقتُ بانعكاسكَ حتى تلاشت حدودي وذابت في حدودك، فصرتَ الهواء الذي يملأ رئتيّ، والسكينة التي تحميني من ضجيج الأيام، رسمتَ معي تفاصيل الغد، حتى أصبحت خطاي لا تسير إلا نحوك، ولا ترى عيناي الوجود إلا من خلالك.
وفي لحظة لم أحسب لها حسابًا، غبتَ عن سَمائي وتركتني في شتاءٍ دائمٍ وقاسٍ لا يرحم، منذ رحيلك، وأنا أتجرع مرارةً لا يشبهها شيء، غصة عالقة في حلقي، وطعم لاذع يفسد عليّ مذاق الأيام، حتى الأماكن التي كانت تضجُ بصدى ضحكاتنا، أراها الآن موحشة ومخيفة، وتلك الذكريات التي كانت تسعدني، باتت سياطاً تجلد قلبي بلا رحمةٍ.»
"دليلة صادق بدران "
"رغدة كامل إبراهيم "
بقلمي«روز أمين»
_________♕_________
أشرقت شمس اليوم التالي للخطبة دافئةً وهادئة، لتنشر دفأها على أفراد العائلة الذين ما زالوا يجمعهم بيت "صادق"، بعد ليلة طويلة غمرتها البهجة وسادها الفرح.
استيقظ الجميع بنشاط، وتناولوا طعام الإفطار معًا في أجواء عائلية دافئة، قبل أن تبادر" منى" بإعداد القهوة والشاي، لينتقل الجميع بعدها إلى الحديقة للاستمتاع بنسمات الصباح.
جلست الفتاة في دلال بجوار والدها، تتأمل وجوه الحاضرين بسعادة بالغة، حينما ولج "أشرف" إلى الداخل غائبًا لثوانٍ، قبل أن يعود وبيده حقيبة صغيرة أخرج منها علبة قطيفة زرقاء اللون تخطف الأنظار.
تقدم بخطوات واثقة نحو حبيبته، وقف أمامها بابتسامة واسعة ، باسطًا يده بالعلبة وهو يقول:
-دي هديتك من أبو عبدالله مديري في الشغل يا دليلة.
انتفضت واقفة من مقعدها،وقد التمعت عيناها بدهشة غامرة، ثم أشارت إلى صدرها بحماس طفولي وهي تقول:
-باعتها ليا أنا؟!
اتسعت ابتسامته وأومأ برأسه محفزًا إياها وهو يقرب العلبة منها:
-افتحيها وشوفيها.
بأنامل مرتجفة من شدة الحماس وتحت نظرات الجميع المترقبة والشغوفة، فتحت العلبة،ثم حبست أنفاسها وهي تتأمل سحر الفخامة الكامن في تلك الإسوارة الذهبية، قبل أن تطلق صيحة إعجاب من فرط الانبهار:
-واو، دي تحفة أوي يا أشرف.
لم تتمالك نفسها من الفرحة، فأخذت تدور على أفراد العائلة واحدًا تلو الآخر لتستعرض جمالها أمامهم، نظر والدها إلى الإسوارة بإعجاب وربت على كتف ابنته قائلًا بحنان:
-حلوة قوي يا حبيبتي، مبروك عليكِ.
تفحصت السيدة"رقية" الإسوارة بعين الخبيرة، ثم وجهت نظرة عتاب طفيفة إلى نجلها وهي تقول:
-ما شاء الله، دي تقيلة أوي، محطتهاش امبارح مع الشبكة ولبستها لعروستك ليه؟!
رد مدافعًا عن وجهة نظره بذكاء وثقة:
-وأحطها في شبكتي ليه وهي هدية يا جدتي؟ وبعدين هو دهبي كان قليل؟!
هنا تدخلت "عايدة"لتؤيد كلام والدتها، ولكن بنبرة لم تخلُ من التهكم والمغزى، حيث قالت
لم تفوت "عايدة" الفرصة، فتدخلت لتؤازر كلام والدتها، ممررةً كلماتها بنبرة ساخرة تحمل في طياتها الكثير من التلميحات:
-جدتك عندها حق، كان لازم تطلعها وتوريها للكل، على الأقل دي تقيلة وعيار 24 وتملى العين.
ثم التفتت ترمق" منى" بنظرة ذات معنى وأردفت بحدة مبطنة:
-علشان الناس اللي عايشة في الدور وفاكرة إنها جابت الديب من ديله عشان حتة هدية،يفوقوا لنفسهم ويعرفوا حجمهم كويس.
أخذت "منى" نفسًا عميقًا وهي تبتلع غصتها، بعد أن أدركت على الفور أن "بهاء" وزوجته، هما المرمى المقصود بهذا الكلام المسموم، بينما رمق "صادق" شقيقته بنظرة تحذيرية صارمة جمدت بقية الكلمات على شفتيها.
حاول السيد"عزام" تلطيف الأجواء وكسر هذا التوتر ، فالتفت إلى نجله الأكبر قائلاً:
-يلا يا علي جهز عربيتك أنت وأخوك وكلم السواقين يجهزوا علشان نتكل على الله.
نظر إليهم "صادق" بدهشة واعتراض واضح:
-هتروحوا فين يا حاج؟ أنتوا قاعدين معانا يومين إن شاء الله.
عقب معترضًا بلطف ووقار:
-مش هينفع يا صادق، إحنا عملنا لك زحمة في البيت وتعبنا أم أحمد معانا ليها يومين
ثم التفت إلى "منى" وباد العرفان في نبرته:
-كتر ألف خيرك .
قابلت كلماته بابتسامة بشوشة تنم عن كرم أصلها وردت فورًا:
-تعب إيه بس يا أستاذ عزام، أنتوا مشرفينا.
تجاذب الجميع أطراف الحديث بين إصرار"صادق" على بقائهم وتمسك الضيوف بالرحيل حرصًا على عدم الإثقال عليهم.
وفي النهاية، رضخ لرغبتهم، واتفق الجميع على المغادرة، مع بقاء "أشرف"،" علي"، و"داليا" ليومين آخرين.
_________♕_________
انتهى من ورديته الشاقة بنجاح، وأخيرًا تنفس الصعداء وهو يغلق باب غرفته الصغيرة خلفه، ليعزل نفسه مؤقتًا عن ضجيج منصة النفط القابعة وسط مياه البحر.
بدأ يجمع ثيابه ويضعها في حقيبته بنظام وهدوء، يملؤه شعور خفي بالراحة بعد شهرين كاملين من العمل المتواصل، قاطع خلوته دخول اثنين من زملائه المهندسين، حيث اتكأ أحدهما على حافة المكتب الصغير وابتسامة ودودة تزين وجهه وهو يسأله:
-خلاص مسافر يا رشيد؟
التفت إليه دون أن يدع ما في يده، وأجابه بابتسامة حانية:
-آه يا ماجد، بلغوني إن الطيارة هتوصل بعد ربع ساعة.
تلقّف الشخص الآخر أطراف الحديث، واضعًا يديه في جيبيه، واستدار نحوه يرمقه بنظرةٍ مازحة:
-يا بختك يا سيدي، رايح للقاهرة الساهرة والوجوه الحسنة ومُتع الدنيا كلها، وسايبنا هنا للبحر والبريمة والخناشير.
توقف عما يفعله فجأة، واستدار نحو زميله بملامح تقطر ذعرًا مفتعلاً أتقن تمثيله، وقال وهو يشير بيده بخوف مرح:
-عينك يا حبيبي للهليكوبتر تولع بيا أنا والكابتن المسكين.
انفجر الثلاثة بالضحك لتعلو أصواتهم ، ليرد عليه زميله محاولاً تبرئة نفسه بداعابة:
-أنا مش بحسدك يا هندسة، ده أنا بقر بس.
تجددت ضحكاتهم الصاخبة، قبل أن يلتفت المهندس الثاني نحو المدعو "ماجد" مشيرًا بإصبعه إلى ملامح "رشيد" المتبدلة:
-شايف وشه منور إزاي يا ماجد؟
أومأ برأسه مبتسمًا، وتحدث بنبرة يملؤها التفهم:
-ما طبيعي يفرح يا عبد الله، مش راجع لأهله بعد شهرين سحلة في البريمة؟!
غمز بعينيه مغيّرًا نبرته إلى مزاح أكثر عمقًا، يحمل في طياته تلميحات يفهمها الرجال جيدًا:
-أهله؟ أنت طيب أوي يا ماجد، الفرحة ولمعة العيون دي أنا عارفهم كويس أوي، دي فرحة لقى الحبيب بعد الغياب.
أطلق "رشيد" ضحكة مجلجلة هزت أركان الغرفة الضيقة، وبادله بنظرة ساخرة هز فيها رأسه باستهزاء مبطن:
-حبيبه آه، لا شكلك فاهم يا باشمهندس.
ضحك صديقاه، ليلتفت المدعو ماجد يسأله بفضول:
-مش هتتغدى قبل ما تمشي ولا إيه؟ ده الشيف عامل لنا فتة موزة تستاهل بقك.
حمل حقيبته وعلقها على ذراعه بقوة ونشاط، مستعدًا للانطلاق نحو القاهرة، وقال ممتنًا:
-مني ليك يا هندسة، وألف هنا على قلوبكم.
خطا خارج الغرفة، وأغلق الباب وراءه، ثم طاف أرجاء المكان وراح يصافح أصدقاءه والعمال، يودعهم بكلمات طيبة ووعود باللقاء، حتى هبطت الطائرة الهليكوبتر على المهبط المخصص لها محدثة جلبة وصخبًا.
صعد على متنها، لتنتشله من قلب البحر الشاسع وتضعه على البر، هناك، كانت سيارة خاصة بانتظاره، انطلقت به لتلحق بموعد سيارة النقل الجماعي"الأوتوبيس" المتجه صوب العاصمة.
صعد إلى مقعده، وأسند رأسه مستحضرًا السكينة وهو يردد بصوت خافت «دعاء السفر»، أخرج من حقيبته نسخة من المصحف الشريف، وشرع يرتل آياته بتدبر، وما هي إلا دقائق حتى تسلل النعاس إلى جفنيه المثقلين من طول السهر وعناء العمل، فاستسلم لنوم عميق يطوي به مسافات الطريق الطويل، محلقًا في أحلامه نحو لقاء عائلته.
_________♕_________
في المساء، تحدث أشرف إلى خاله، وطلب منه بهدوءٍ أن يسمح له بأخذ "دليلة" إلى السينما، ولكي يطمئنه ويحصل على موافقته دون تردد، أخبره أن "علي' و" داليا" سيكونان معهما في هذه النزهة.
وافق بالفعل، لكنه أراد الاطمئنان أكثر، فنادى ابنه الصغير أحمد وطلب منه أن يرافقهم، وأوصاه سرًا ألا تغيب عيناه عن شقيقته، وألا يترك خطيبها ينفرد بها أو يقترب منها.
وصلوا جميعًا إلى قاعة السينما، ووقفوا معًا يتأملون لافتات الأفلام المعروضة في حيرة، التفت نحو دليلة وسألها باهتمام دافئ وصوت حنون:
-يلا اختاري هندخل فيلم إيه يا دليلة؟
لم يعجب الأمر الفتى الذي تدخل بدافع الغيرة قائلاً:
-أشمعنى دليلة اللي تختار؟
ضحكت داليا من رده العفوي، وداعبته قائلة:
-علشان هي العروسة والخروجة كلها على حسها يا أستاذ أحمد.
زفر الفتى بضيق طفولي وأشار بيده إلى الملصقات:
-دليلة هتختار فيلم عربي أكيد، لكن أنا عاوز أشوف فيلم Spider-Man
اقترب علي من الصغير وهو يحمل طفلته على كتفه، ثم طوق كتفه بذراعه الأخرى ليحتويه بهدوء قائلاً:
-خلينا النهاردة نتفرج على ذوق دليلة، وبكرة هاجي أنا وأنت وأدخلك الفيلم اللي أنت عاوزه، اتفقنا؟
هدأت ثورة غيرته وانفرجت أساريره بابتسامة رضا وقال:
-أوك يا أبيه.
بينما اعاد أشرف على دليلة السؤال من جديد، وكانت تتنقل بعينيها بين عناوين الأفلام بحيرة، قبل أن تبتسم برقة وتقول:
-إيه رأيكم نشوف "مافيا" لـ منى ذكي لأني بحب تمثيلها قوي؟
وافق الجميع على اختيارها وقبل الدخول، ابتاع أشرف لها المثلجات و"الفشار"، ولم ينس أن يجلب المسليات لباقي العائلة.
دلفوا جميعًا إلى تلك القاعة المظلمة، وهناك نفذ "أحمد" وصية والده بدقة شديدة، إذ حشر جسده في المقعد الفاصل بين الحبيبين تمامًا.
ومع بداية العرض، اندمج الجميع مع أحداث الفيلم على الشاشة، أما العاشقان فكانا في عالمٍ موازٍ لا يراهُ أحدًا سواهما، لم تمنعهما المسافة ولا وجود الفتى بينهما من عيش لحظاتهما الخاصة، فقضيا الوقت كله يسرقان النظرات الشغوفة من خلف رأس أحمد،ويتبادلان بابتسامات دافئة عذبة،تخفي مشاعر أعمق، وتحمل في طياتها ما عجزت عنه الكلمات.
وعندما انتهى الفيلم، خرجوا معًا وتناولوا وجبة عشاء شهية في أجواء مليئة بالبهجة، ثم عادوا إلى المنزل والسرور يملأ قلوبهم.
_________♕_________
في بيت كمال، كان الهدوء يملؤ غرفة الطعام والجميع يلتفون حول السفرة لتناول وجبة العشاء، كسر كمال الصمت حين التفت صوب زوجته وسألها بنبرة هادئة:
-ما اتصلتيش بـ منى اطمنتي عليها؟
توقفت رغدة عن تناول طعامها، وأومأت برأسها قائلة:
-اه كلمتها، والحمدلله كويسين.
تابع كمال وعيناه تترقبان إجابتها:
-هديت يعني؟
أطلقت رغدة تنهيدة، وأجابت بهدوء يغلفه التعقل:
-اه الحمدلله، على فكرة منى بتحب أشرف جداً وبتحترمه بس كإبن لأخت جوزها، هي كل اعتراضها عليه خوف على بنتها من اختلاف الطباع وفرق التفكير مش اكتر.
واستطردت تفسر وجهة نظرها:
-دليلة طول عمرها متربية في المدينة وحياتها مرفهة، وهو متربي في الارياف فالطباع مختلفة.
لم تكد تنهي كلماتها حتى قاطعها وائل، الذي كان يستمع إلى الحوار بتركيز شديد، إذ اندفع معترضًا على هذا المنطق بنبرة حادة، امتزجت بمرارة العتاب وهو يقول:
-ده تفكير طبقي بحت يا ماما، مفيش حاجة اسمها ريف ومدينة، المقياس الحقيقي للانسان هو الأصل والتربية، وأن البني آدم يحترم نفسه ويحترم اللي حواليه، أي حاجة بعد كدا مجرد مظاهر وشكليات ملهاش أي قيمة.
ارتسمت ابتسامة إعجاب وفخر على وجه كمال، وهو يرى نضج ابنه يتبلور أمامه في كلمات حاسمة، التفت إلى رغدة وقال مؤيداً:
-اهو ابنك جاب لك المفيد، الولد محترم وكفاية انه تربية راجل خلوق زي الأستاذ عزام.
لم تجد مفرّاً أمام قوة الحجة سوى أن تومئ برأسها تسليمًا بالواقع، ثم نطق لسانها بنبرةٍ رقيقة تحمل دعاءً صادقاً ينبض من قلبها:
-عندك حق، ربنا يكتب لها كل الخير ان شاءالله.
_________♕_________
في منزل عبد الرحمن، حل المساء حاملاً معه بهجة اللقاء، حيث استُقبل رشيد بترحيب حار وفيض من الأشواق من والديه وشقيقته بسمة.
استيقظ في الصباح، وقرر الدخول للاغتسال عل الماء الدافئ يزيل عن جسده عناء السفر الطويل، خرج من الحمام يلف جسده ببورنس قصير، وشعره المبتل يقطر ماءً على كتفيه.
ما إن رأته والدته حتى هرعت إليه بخطوات متوجسة، وراحت تقول له بحذر:
-خليك مكانك يا حبيبي وانا هجيب لك هدومك تلبسها جوة في الحمام.
نظر إليها بريبةٍ لم يخلُ منها الاستغراب، وبادرها بالسؤال:
-ليه يا ماما في ايه؟!
أجابته بنبرة يكسوها الإحراج:
-يمنى مرات اخوك قاعده في الصاله بره، ما يصحش تطلع عليها كده.
أومأ برأسه متفهماً، وقال بطاعة هادئة:
-حاضر يا ماما.
عاد إلى الحمام مجدداً، وبعد دقائق معدودة خرج وهو يرتدي كامل ثيابه، فور خروجه وقعت عيناه على بسمة وهي تنهمك في كنس أرضية الصالة، بينما كانت يمنى، زوجة شقيقه، تجلس على الأريكة المريحة في استرخاء تام، وقد تربعت في جلستها تتابع فيلماً على شاشة التلفاز باندماج شديد، وكأنها في بيتها الخاص تماماً.
تقدم نحوها في وقار، وقال باحترام:
-ازيك يا يمنى؟
عدلت من جلستها، ورمقته بابتسامة هادئة وهي تقول:
-ازيك انت يا باشمهندس.
سألها وعيناه تتلفتان حوله:
-امال كريم فين؟
ردت عليه بلا مبالاة وهي تتابع التلفاز:
-في الشغل وزمانه على وصول.
ثم تابعت موضحة وهي تهز كتفيها لأعلى:
-اصله كلمني في التليفون وقال لي ان ماما عزمانا على الغدا، وقالي انزل اساعدها في الطبيخ، بس ماما قالت لي انها قربت تخلص ومش محتاجاني.
أومأ لها برأسه في هدوء، ثم تجاوزها متجهاً نحو شقيقته الصغرى، طبع قبلة حانية على رأسها وقال برقة:
-وحشتيني.
التفتت إليه بابتسامة صافية، ولفت ذراعيها حول خصره، بحب قائلة:
-وانت اوي يا رشيد.
تجاوزها ودخل إلى غرفته، ألقى نظرة على المرآة يصفف شعره، ونثر رذاذًا من عطره المفضل، ثم مضى نحو المطبخ، حيث كانت والدته تجلس على المقعد، مطأطئة رأسها فوق الخضروات، تنهمك في تقطيعها لإعداد السلطة.
تسلل من خلفها بخفة، واحتضن كتفيها من الخلف مقبلاً رأسها بحنان بالغ وهو يقول:
-وحشتيني يا سمسمة.
التفتت إليه وعيناها تفيضان بالشوق والحنان،وراحت تتمتم:
-يا نور عيون سمسمة.
ثم تنهدت بعمقٍ كأنها تطرد همًا ثقيلاً، واستأنفت حديثها بنبرةٍ تفيض بالرجاء والتوسل:
-مش ناوي تريح قلبي بقى يا حبيبي؟
دار حولها وجلس على المقعد المقابل لها، وقال مداعباً وعيناه تبتسمان:
-يعنى في الآخر طلعت انا اللي تاعب لك قلبك يا ماما؟!
تنهدت بقلة حيلة وقالت بحزم :
-متلفش وتدور عليا يا ابن عبدالرحمن، انت عارف انا اقصد ايه كويس.
واسترسلت قائلة بتوسل:
- طب لو مش عاوز تاخد نسرين بنت خالتك، عندك سارة أخت يمنى، بنت مؤدبة وزي الفل.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، وقال وهو يحاول طمأنتها:
-انا نفسي تريحي نفسك وتبطلي تشيلي همنا.
هتفت باعتراض نابع من غريزة الأمومة:
-امال هشيل هم مين يا حبيبي لو مشلتش همكم؟
ضحك رشيد من أعماق قلبه وقال بدعابة:
-هو أي هم يتشال وخلاص يا ماما، فيها ايه لما تروقي دماغك وتعيشي مرتاحة؟
ثم تحولت ملامحه إلى الجدية، واكتست نبرته بالعمق وهو يتابع:
-وبعدين عاوزك تعرفي حاجة لو فهمتيها صح هترتاحي وتريحيني معاكِ، أنا مش هتجوز نهائي غير لما أولاً أكون نفسي وابقى قادر أعيش الست اللي معايا في مستوى تستحقه ويليق بيها.
ثم أخذ نفساً عميقاً، وراح يضيف بجدية وحزم:
-وقبل كل ده، مش هتجوز غير اللي قلبي يدق لها ويشاور عليها، فريحي نفسك.
زفرت بحدة ممزوجة بالدعاء له:
-الله يهديك ويصلح حالك يا ابني.
دلفت بسمة إلى المطبخ وقالت مقاطعة حوارهما:
-بابا جه وبيسأل عليك يا رشيد.
نهض على الفور وخرج إلى الصالة، ليجد والده قد جلس بالفعل يتبادل أطراف الحديث مع يمنى، تقدم نحوه بابتسامه وصافحه قائلاً:
-حمدالله على السلامة يا بابا.
أجابه الأب ببشاشةٍ ارتسمت على محياه:
-الله يسلمك يا رشيد.
جلس إلى جوار والده، وسرعان ما انخرطا معاً في حديث ممتد، يتنقلان فيه بسلاسة بين شؤون السياسة وتفاصيل الحياة اليومية.
دلفت بسمة إلى المطبخ بخطوات هادئة، متأملة والدتها التي كانت تتحرك بنشاط ، وقالت بنبرة حانية:
-محتاجة مني حاجة يا ماما؟
التفتت إليها سامية وهي تضع طبق السلطة داخل "المبرد" بحرص، وأجابتها وعيناها تتفقدان المكان:
-شوفي صنية الرقاق في الفرن لو وشها أحمر خرحيها.
تحركت نحو الفرن لتنفيذ ما طلبته والدتها، وفي تلك الأثناء، قطعت يمنى الصمت بدخولها المفاجئ إلى المطبخ، عارضةً المساعدة وهي تقول:
-تحبي اساعدكم في حاجة يا ماما؟
استقبلتها بابتسامة بشوشة ربتت بها على قلبها، وقالت بنبرة ترحيبية دافئة:
-تسلميى يا بنتي احنا خلصنا خلاص، روحي اقعدي مع عمك وانا وبسمة هنغرف الاكل ونطلعه على السفرة.
بمجرد أن استدارت وغادرت المطبخ، زفرت بسمة بضيق مكتوم التمع في عينيها، والتفتت إلى والدتها وراحت تقول عاتبة:
-ليه مخلتهاش ساعدتنا يا ماما؟، لازم تخليها تندمج معانا لانها بقت واحدة من البيت خلاص.
تنهدت سامية بملامح يكسوها عدم الاقتناع، وحركت رأسها وهي تقف حائرة أمام ابنتها:
-دي اول مرة تنزل تتغدى معانا من وقت حوازها يا بنتي، معقولة نشغلها كدا من اول يوم؟
نظرت إليها بسمة بنظرة لوم صريحة، وضيقت عينيها معترضة على مبررات والدتها:
-هو انت مصدقة الكلام اللي بتقوليه ده يا ماما؟ هما اه مش بينزلوا بس كل يوم بيتعمل حسابهم في الاكل،ولو أنا مطلعتوش، كريم بييجي ياخده بنفسه.
انعقدت حاجبا الأم وتنهدت تنهيدة ثقيلة تحمل بداخلها عذراً ومحاولة لتهدئة الموقف:
-اخوكِ موظف ومرتبة قليل يا بنتي واهو بيحاول يوفر على قد ما يقدر.
هزت بسمة رأسها بعقلانية، ممسكة بوعاء الطعام لتفرغه، وقالت بنبرة حاسمة يملؤها العتب:
-وانا ما اعترضتش ولا من حقي، بس على الاقل زي ما بيوفروا من ورانا، يمنى تنزل ذوقيا تساعدنا في شغل البيت.
واستطردت بأسى:
-على الاقل تغسل المواعين اللي ضهرنا بيتكسر كل يوم واحنا واقفين قدام الحوض بالساعة واكتر.
_________♕_________
وصل كريم إلى المنزل، ودلفت خطواته بحيوية وهو يتقدم نحو رشيد ليصافحه بحفاوة بالغة، قائلاً بابتسامه واسعة:
-ازيك يا رشيد، حمدالله على السلامة.
احتضنه رشيد وربت على ظهره بذات الحفاوة والترحاب، ورد بنبرة دافئة:
-الله يسلمك يا كريم.
في تلك الأثناء، خرجت سامية من المطبخ، ووجهها ينضح بالبشاشة والحبور، وقالت لنجلها الأكبر:
-حمدالله على السلامة يا كريم، اطلع غير هدومك وعلى ما تنزل اكون غرفت الغدا.
لم تمر سوى دقائق معدودة حتى كان الجميع يجتمعون حول مائدة الطعام، الأجواء يملؤها الدفء وصوت الأطباق والأدوات يمتزج بضحكات عفوية وهمسات دافئة، تناول رشيد من الطعام، وتذوقه باستمتاع حقيقي قبل أن يلتفت لوالدته قائلاً:
-تسلم ايدك يا ماما، الملوخية حلوة اوي.
فاضت ملامح سامية بالحنان، وأجابته بحنوٍ بالغ:
- ألف هنا يا حبيبي، ده انا عملاها مخصوص علشان عارفة انك بتحبها.
ساد صمت قصير قطعه كريم بتنهيدة ثقيلة، غلفها بنبرة مازحة لكنها خرجت من أعماق قلبه الذي بات مثقلاً بالغيرة:
-يا بختك يا باشمهندس، ياريتني كان اسمي رشيد كنت خدت شوية دلال على دلع، وكان زماني متربع في قلبك زيه يا ست الكل.
برغم أن الكلمات قيلت في إطار المزاح، إلا أن وقعها كان ثقيلاً ولامس قلوب الجميع بجفاء خفي، ضيق عبد الرحمن بين حاجبيه ، ووجه لكريم عتاباً طفيفاً يمتزج بالذكريات:
-خلي حد غيرك يتكلم عن الدلع يا سي كريم، ده انت جيت على شوقة ولهفة ومكنش فيه اطفال غيرك في البيت، جدك وجدتك الله يرحمهم دلعوك دلع، مفيش حد في الدنيا شافه.
ثم ابتسم مكملاً حديثه:
-ده انا كنت كل يوم اتخانق مع امك بسببك واقولها خفي دلع على الواد ليفسد.
ارتسمت الابتسامة على وجوه الحاضرين، وراحوا يتذكرون، التفتت سامية نحو رشيد، وقالت بنبرة تحمل اشتياقاً عميقًا:
-مش عمر كلمني من كام يوم يسلم عليا؟ قولت له بقى كده يا واد يا ندل متحضرش فرح كريم؟ قالي غصب عني والله يا خالتي، معرفتش اخد اجازة.
وتابعت بسعادة فشلت في اخفائها:
-هينزل بعد خمس ايام.
ضحكت بعفويةٍ أظهرت نقاء سريرتها، وتابعت حديثها:
-قالي المحشي بتاعك وحشني اوي يا خالتي، قولت له هعمل لكم كل الانواع لما تنزل بالسلامة انتَ وسامر ومحمود.
تجاوب الجميع مع حديثها بحماسٍ، إلا كريم، فقد انغرس في صدره ضيقًا مكظوم، وبدت ملامحه متجهمة وهو يراقب اهتمام سامية الزائد بأخيه وأصدقائه، وحتى تلك النبرة اللينة التي كان عبد الرحمن يخصّه بها.
كان عقله عاجزاً عن استيعاب أن هذا الاهتمام ليس تمييزاً، بل هو تدفق طبيعي لحب وشوق جارف لابنهم المغترب، الذي أصبح طيفاً عابراً لا يزورهم إلا كل شهرين أو يزيد.
وسط هذه الأجواء، التفتت يمنى نحو رشيد لتسأله بفضول هادئ:
-هو انتوا بتاكلوا ايه وازاي هناك يا باشمهندس؟
لم يمهلها كريم فرصة لسماع الإجابة من رشيد، بل تداخل متهكماً بنبرة حادة مبطنة بالتهكم:
- البشمهندس قاعد باشا هناك يا حبيبتي، عندهم شيف مخصوص وكل يوم يطبخ لهم انواع واصناف.
واستطرد بحقدٍ ظهر بين حرفه:
-عايش عيشة ملوك يعني.
رسم رشيد ابتسامة هادئة على ثغره، وحاول امتصاص تهكم شقيقه قائلاً:
-مش اوي كده يا كريم، انت فاكرني محاسب قاعد على مكتب ولا ايه؟
ثم ضحك بخفة وأردف:
-ده كفاية علينا صوت البريمة.
بينما كان ضجيج مناقشاتهم وضحكاتهم يملأ الغرفة، كانت هناك روح أخرى شاردة تماماً، تائهة في عالم موازٍ لا يمت لواقع المائدة بصلة.
لم تكن بسمة حاضرة إلا بجسدها، أما وعيها فقد سافر عبر الزمن شهرين إلى الخلف، ليعود إلى ليلة زفاف شقيقها، تلك الليلة الن نُقش في ذاكرتها تاريخها، حين أطل ذلك الفارس الغامض فجأة، قبل أن يختفي مخلفاً وراءه أثراً باهتاً كأنه طيف مرّ ولم يعُد.
والآن، لم يعد أمامها مفر من مواجهة الحقيقة المريرة التي طالما أنكرتها، لقد تغلغل حبه في أعماقها، وصارت ملامحه محفورة خلف جفونها، ترافق خيالها في كل صحوة، وتستوطن أحلامها في كل منام.
تسارعت نبضاتها بدافع رغبة جامحة في سؤال شقيقها عنه، هل ما زال حبل الوصل ممدوداً بينهما؟ أم أنه طوى صفحته وتناساه تماماً، مثلما فعل معها،وتركها خلفه نسياً منسياً؟
أطلقت تنهيدة عميقة من بين حنايا قلبها المكلوم، وامتدت يدها الواهنة لتقلب الطعام في طبقها بحركات آلية صامتة، دون أن تمتد يدها إليه لتتذوق منه ولو لقمة واحدة.
_________♕_________
في بيت صادق، كان الهدوء يخيم على أرجاء المكان، داليا وعلي قد خرجا معاً للاستمتاع بوقت خاطف من الخصوصية، بينما استسلم صادق لنوم عميق. وفي المطبخ، كانت دليلة تقف بجوار والدتها تساعدها في إعداد الطعام، قبل أن تلتفت إليها وعيناها تلمعان بإصرار ممزوج بالخجل، قائلة:
-ماما انا عوزاكي تعلميني المكرونة بالبشاميل وطاجن الرز المعمر والحمام المحشي.
ثم أشاحت بوجهها مبتسمة على استحياء، وأردفت بنبرة خافتة:
-اصل اشرف بيحبهم اوي.
نظرت إليها منى بهدوء لم يخل من ملامح الحذر، وتابعت صب العصير في الكؤوس وهي تجيبها:
-حاضر يا دليلة، انا هطلع العصير لاشرف واحمد في الجنينة، وانت خلي بالك من المكرونة وانتِ بتحمريها.
انتفضت بلهفة واضحة، وحاولت التقاط صينية العصير بسرعة وهي تقول:
-طب ما اودي له انا العصير وانتِ خلي بالك من المكرونة.
ثم حاولت جاهدة اختلاق مبرر يخفي رغبتها في رؤيته، فأكملت:
-اصلي خايفة لتتحرق مني.
إلا أن نظرات منى تبدلت إلى الجدية الصارمة، وقالت مقاطعة محاولتها:
-انتِ مش لسه بتقولي عاوزة تتعلمي الطبخ؟!
حركت دليلة كتفيها بقلة حيلة مدافعة عن موقفها:
-انا قولت لحضرتك المكرونة بالبشاميل، مش المكرونة العادية.
رمقتها والدتها بنظرة حادة وحاسمة، قطعت بها أي مجال للنقاش، وقالت بلهجة آمرة:
-اعملي اللي قولت لك عليه من سكات.
ما إن حملت صينية العصير وغادرت الغرفة، حتى تراجعت دليلة خطوة إلى الوراء، وأطلقت زفرة حارّة يملؤها حنق مكتوم من تعنت والدتها، شعرت باختناق شديد من تلك الحصار الخانق والرقابة الصارمة المفروضة عليها وعلى أشرف بين جدران هذا البيت.
_________♕_________
حل المساء، ودب الهدوء في أزقة ذاك الحي الشعبي،
عاد رشيد إلى بيته محملاً بأكياس تفيض بالفاكهة المتنوعة والحلويات والشوكولاتة، ولم يغب عن باله نصيب شقيقه، إذ عزل له حصة وافرة من كل صنف، وطلب بسمة أن تصعد بها إليهم
بعدها، أعد لنفسه فنجان قهوة تفوح منه رائحة زكية، وصعد إلى ملجئه الأثير وركنه الهادئ فوق سطح المنزل، حيث السكينة التي يلوذ بها.
جلس متأملاً السكون، ثم أشعل سيجارته التي أصبحت "للأسف" عادة سيئة لم يفلح في الإقلاع عنها، بل غدت متعته الوحيدة ووسيلته المفضلة للترويح عن روحه المثقلة بالمسؤوليات.
تذوق رشفة دافئة من فنجانه،واستنشق نفساً عميقاً من سيجارته بلذة غامرة، ثم رفع بصره ونفث الدخان عالياً، ليتفرق في فضاء الليل ويختفي بين طياته.
فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت خطوات ثقيلة تصعد الدرج، ارتبك وألقى السيجارة أرضاً على عجل، ودهسها بطرف حذائه ليخفي معالم جريمته ، ظناً منه أن القادم هو أحد والديه.
وبالفعل، أطل وجه والدته وهي تلتقط أنفاسها بنهيج طفيف من أثر السلم، وقالت بحنان:
-عملت لك كباية مانجة ساقعة تروق دمك.
تلقف منها الصينية بسرعة وقال عاتباً بلطف:
-طالعة بنفسك ليه يا ماما؟ ما انا شوية وكنت نازل يا حبيبتي.
جلست بجواره لتستريح، وأجابت وهي تحرك يدها بعفوية:
-انا قولت احرك رجليا شوية بدل ما انا قاعدة ليل ونهار كده في الشقة.
ثم مالت نحوه بملامح حملت مغزى خاصاً، وأردفت خافتة:
-وبيني وبينك، فيه موضوع كده عاوزة اكلمك فيه.
انقبض قلبه وجلس بمقابلتها قائلاً:
-خير يا حبيبتي، فيه حاجة ولا ايه؟
تنهدت وأجابته بأسى:
-كريم اخوك، حساه مضايق ومش مرتاح.
ظل ينظر إليها بانتظار التوضيح، فسردت له كل تفاصيل ما يدور خلف الكواليس وما دار بينها وبين بسمة، استمع إليها بإنصات شديد، ثم اعتصمت ملامحه بالجدية وقال بنبرة حاسمة:
-اللي بيحصل ده غلط يا ماما، موضوع ان بسمة تطلع ليمنى الاكل كل يوم ده غلط، واهانة لاختي انا نفسي مقبلهاش.
ثم تابع بعقلانية متزنة:
-انا مش ضد انه يعيش معانا في البيت ويوفر، وخصوصا ان الحمدلله ظروفنا اتحسنت، بس بالاصول يا ماما.
نظرت إليه بحيرة واضحة، وسألته وهي تسلم تماماً بكلماته، مستعينةً بعقله الرزين ورأيه السديد ليخرجها من تشتتها:
-طب شور عليا يا ابني.
أجابها وعيناه تلمعان بالصرامة والحق:
-أول حاجة بسمة ما تطلعش فوق بحاجة تاني، الموضوع ده يتقفل يا ماما، انا اختي مش خدامة لحد.
واستطرد بحزمٍ:
-تاني حاجة طالما كريم عاوز يوفر يبقى يتبع الاصول، مراته تنزل تساعد في شغل البيت معاكِ، بسمة كلها كام اسبوع وهترجع كليتها وتنشغل في الدراسة، وانتِ هتبقي لوحدك، فهي تنزل تساعدك واحنا عنينا ليهم، لكن اللي بيحصل ده استغلال واستغفال
وتابع حديثه والشرر يتطاير من عينيه:
-والمفروض كريم بنفسه هو اللي كان يطلب من مراته تنزل، مش يقعدها هانم وامه واخته يخدموا عليها.
أومأت برأسها موافقة على حكمته التي وضعت النقاط فوق الحروف، فعرض عليها برفق:
-لو تحبي انا اكلمه.
انتفضت رافضة وقالت بسرعة وحذر:
-لا يا حبيبي اوعى، هيتحسس لو الكلام طلع منك انت، انا ليا طريقة هكلمه بيها.
أومأ لها متفهماً، فتهللت أساريرها ونظرت إليه بسعادة غامرة وهي تقول:
-نورت بيتك يا حبيبي، والله يا ابني ما بحس بالفرحة ولا بستطعم لقمة غير في وجودك.
حاوط كتفيها بذراعه القوية، وطبع قبلة حانية على رأسها وهو يبتسم برقة:
-ربنا يخليكِ ليا وميحرمنيش منك يا حبيبة قلبي.
نزلت سامية وعاد السكون يسكن السطح من جديد، فرد رشيد جسده على الأريكة، وراح يراقب السماء الصافية ويمعن النظر في النجوم وتحركاتها البطيئة، آخذاً نفساً عميقاً وعميقاً.
نفس السماء ونفس النجوم، كانت تتأملها روح أخرى مغتربة في مكان آخر، كانت تقف في شرفتها،لتطلق زفرة لاهبة تلاشت سريعاً وسط النسمات الليلية الباردة.
انتهى ذلك اللقاء القصير والساحر، وعاد أشرف إلى المنصورة، مخلفاً وراءه شريكة روحه وحيدة تتجرع مرارة غصتها .
بشرود تام، وقفت تتأمل النجوم وتشتكي لها لوعة الغرام، ناجتها بهمسات موجوعة عن وجع الفراق، وعن حبيبٍ مضى، وأخذ قلبها معه.
_________♕_________
في شقة الضابط هشام موافي الحديدي، جلس بمفرده داخل غرفته يستند برأسه إلى الخلف، غارقاً في دوامة من الأفكار لا تنتهي، يطوف عقله حول تلك الفتاة التي سلبت لبّه وشغلت تفكيره حتى ملكت قلبه بالكامل، باحثاً عن قرار حاسم يخطو به نحوها.
قطعت خلوته والدته وهي دلفت إلى الغرفة بخطوات حانية، واستقر بها الحال لتجلس على طرف الفراش، راحت تتأمل ملامحه الشريدة وهي تقول:
-قاعد لوحدك ليه يا هشام؟
اعتدل في جلسته والتفت إليها بملامح تكسوها الجدية:
-بفكر في موضوع شاغلني اليومين دول يا ماما.
مالت نحوه باهتمام لتسأله:
-موضوع ايه ده يا حبيبي؟
تنحنح بخفة وتحدث بحذر، محاولاً قياس ردة فعلها:
-بصراحه يا ماما انا معجب ببنت جداً، وليا فترة بفكر فيها.
انفرجت أساريرها وعلت وجهها ضحكة صافية، ربتت على كفه وقالت:
-والله كنت حاسة، اصل العُزلة في أوضتك دي مش عوايدك يا هشام.
وراحت تسأله:
-بنت حد نعرفه؟
هز رأسه نفياً وأردف مسرعاً:
-ابوها موظف بسيط في شركة حكومية.
حزن داخلها، ثم استرسل هو وراح يسرد عليها بقية المعلومات الدقيقة التي جمعها عنها من واقع تحرياته الخاصة .
استمعت إليه بإنصات قبل أن تعلق بهدوء:
-يعني عيلتها كويسة يا ابني؟
اندفع يتحدث بحماس جارف التمعت معه عيناه:
-جداً يا ماما، ناس محترمة ومتربيين على الاصول، وبنتهم اخلاقها عالية جداً، هعوز ايه انا اكتر من واحدة تصوني وتحفظ غيابي قبل حضوري؟
تسلل الحذر والتخوف إلى صوت الأم، واكتست نبرتها بمسحة من القلق وهي تقول:
-انا عن نفسي معنديش مانع طالما البنت عجباك، بس عمك حمدي هيقرفك اسأله، بنت مين واهلها وفصلها، وعندهم املاك ايه.
ثار الدم في عروق هشام، واعتصمت ملامحه بحدة دفاعاً عن كرامة من اختارها قلبه، وقال بنبرة قاطعة:
-وعمي ماله بالموضوع ده؟ الوحيد اللي كان ليه الحق يقول رأيه في الموضوع ده هو بابا الله يرحمه، عمي يحكم على ولاده، هو هيعمل عليا لواء ؟!
ثم زفر بضيق وتابع مستنكراً:
-وبعدين انا نفسي افهم هو عايش دور مش بتاعه ليه؟ محسسني ليه اننا تربية سرايات، وأحفاد الملك فاروق.
والتفت يبرر الحقيقة التي يفخر بها:
: جدي الله يرحمه كان فلاح محترم وراجل مكافح، واللي جاي كان على قد اللي رايح، ويوم ما حب يدخله هو وبابا كلية الشرطة، باع لهم فدانين من الخمسة اللي كانوا حيلته.
هزت الأم رأسها بأسى وقالت مذكرة إياه بجذور الخلاف:
-ما انت عارف انه حاططنا في دماغه من لما صفاء اختك رفضت تتجوز حازم ابنه، واتخطبت لدكتورها في الجامعة.
تابع على حديثها مكملاً بنبرة حملت مزيجاً من التهكم والارتياح:
-طب دي احسن حاجة صفاء عملتها، اهي عايشه مرتاحة مع جوزها في المانيا بعد ما اتعين في جامعة هناك، وسي حازم بتاعه طلق مراته بعد ما طلع عليها عقده وجميع امراضه النفسية، والبنت يا حرام خرجت متدمرة حرفيًا.
خرجت منه تنهيدة حارة طرد بها طيف عمه من مخيلته، ونظر إلى والدته طالباً مشورتها بصدق:
-المهم، انا محتار، مش عارف استنى لما الدراسة تبدأ واروح لها الجامعة وافاتحها، ولا اكلم اخوها واطلبها منه؟
أجابته دون تردد، بنبرة حاسمة:
-تكلم اخوها طبعاً، انت متربي وتعرف الاصول يا هشام، وطالما بتقول ان اخوها صاحبك، يبقى خليك راجل معاه وبلاش تتعداه.
هز رأسه موافقاً، وقال لها:
-تمام يا حبيبتي، بس خلينا نصبر شوية لحد ما صفاء تنزل اجازة، دي أختي الوحيدة وأكيد مش هخطب من غيرها.
وافقته الرأي، بينما شعر هو بارتياح كبير بعد أن وجد في كلمات والدتها الحكيمة بوصلة حاسمة تقوده للخطوة الصحيحة.
_________♕_________
مضت أيام إجازة أشرف كطيفٍ عابر لم يدم طويلاً، حيث قضى تلك المدة متنقلاً بين المنصورة والقاهرة، فما وجد فرصة سانحة إلا وغمر فيها دليلة بحبه الجارف وحنانه واهتمامه البالغ.
كان يصحبها في نزهات كثيرة، ويهاديها بعطايا يترك لها كامل الحرية لتختارها على ذوقها الخاص، كل ذلك جعلها تتعلق به بطريقة جنونية تخطت حدود الوصف، حتى غدت لا تعرف للنوم سبيلاً إلا على نبرات صوته في الهاتف، وأصبح هو ملاذها، وعالمها، وكل ما تملك في هذه الدنيا.
واليوم، حان موعد سفره، إذ حضر بالأمس رفقة فاطمة وعلي، وباتوا جميعاً في منزل صادق ليتسنى لهم الاستيقاظ باكراً ومرافقته إلى المطار
حتى رغدة وكمال وصلا أيضاً لمشاركته لحظات الوداع الأخيرة، والان، دقت ساعة الفراق الحتمية.
وقفت دليلة معه في ردهة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة كشلالٍ لا ينقطع، شعرت في تلك اللحظة وكأن روحها توشك أن تخرج من جسدها وتتركها جثة هامدة إن خطى حبيبها خطوة واحدة خارج الباب.
استشعر الجميع ثقل الموقف، فتراجعوا إلى الخلف تدريجياً، تاركين لهما مساحة من الخصوصية لتوديع بعضهما البعض.
وقفت أمامه ووجهها غارقًا بالدموع، وقالت بنبرة متحشرجة يملؤها الرجاء:
-هو انت لازم تسافر؟
كانت عيناهُ هو الآخر تترقرقانِ بالدموع،لكنه اعتصرها بكبرياء رجلٍ يتمزق من الداخل، ثم أجابها بصوتٍ متهدجٍ يقطرُ ألمًا ولوعة:
-غصب عني والله يا حبيبتي، ياريت كان بايدي، بس ده شغلي اللي هيبني لنا مستقبلنا يا دليلة.
تضاعف انهمار دموعها، وقالت بصوت يقطر وجعاً وهزيمة:
-بس انا خلاص اتعودت على وجودك يا أشرف، مش هينفع اقعد سنه بحالها مشوفكش فيها.
أمام حالة الانهيار شبه الهستيري التي تملكتها، حاول تهدئتها وبث الأمل في قلبها، فاقترب ووعدها بصوت حانٍ:
-هحاول انزل في اجازة نص السنة، صدقيني السنتين اللي فاضلين هنزلك فيهم كل ست شهور، وبدل ما اقعد شهر، اقعد 15 يوم.
في تلك اللحظة، تقدّمت فاطمة بقلبٍ منفطر على حالهما، جذبت دليلة إلى صدرها تحتضنها برفق وهي تقول:
-اهدي بقى يا حبيبتي، ومتزديهاش عليه، هو اصلا تعبان علشان مسافر وسايبك.
دفنت وجهها في أحضان عمتها مجهشة بالبكاء، تحت نظرات الذهول والحزن الشاخصة من عيني والدتها. كانت منى في حالة صدمة حقيقية، إذ لم يخطر ببالها قط أن شهرًا واحدًا من الإجازة كفيلٌ بأن يعلق ذلك الرجل ابنتها به إلى هذا الحد الجنوني.
كيف لجمال "دليلة" أن يتضاعف ويزدهر، وتتبدل ملامحها بالكامل إلى سعادة مفرطة بوجوده، ثم ينطفئ هذا كله في لمح البصر برحيله؟
خطى صادق نحوهما بملامح حزينة، واحتضن دليلة برفق وهو يقول مستعجلاً إياهم:
-كفاية يا دليلة علشان نلحق ميعاد الطيارة.
بدأ أشرف يودع الجميع وسط دموعهم المنسكبة، وانهيار والدته التي تشبثت به في عناق طويل مرير، رافضة إفلاته، آصرة على الذهاب معه إلى أرض المطار لتكحل عينيها به حتى اللحظة الأخيرة.
وقبل أن يهم بالخروج، وقف أحمد أمامه وعيناه تلمعان بالتأثر، وقال بصوت خفيض:
-ابقي كلمني على رقم تليفوني المحمول يا أبيه.
ابتسم أشرف بمرارة، واحتاط وجه الفتى بكفيه وقال له برقة:
-حاضر يا حبيبي.
وتابع وهو يربت على كتفه قائلاً:
-المهم انت خلي بالك من نفسك ومن مذاكرتك.
ثم تحولت نظراته المليئة بالشجن نحو محبوبته القابعة في انكسارها، وأردف موجهاً حديثه للصغير:
-وخلي بالك من دليلة.
ما إن نطق باسمها حتى جهشت في بكاء مرير، واهتز جسدها بضعف، في تلك الأثناء، كان صادق يراقب المشهد وعيناه تلمعان بارتياح حقيقي وصدره يمتلئ بالسكينة، لقد نجح أشرف بذكائه ونقاء سريرته في التقرب من أولاده، وامتلك قلوبهم بطريقة آسرة وجذابة.
شعر براحة عميقة تنبئ بأن أولاده قد وجدوا أخاً وسنداً حقيقياً، وأنه لو غاب عن الدنيا لأي سبب، فسيكون مطمئناً تماماً بأن هناك بديلاً يستندون إليه، وأنهم في أمان مطلق معه.
حتى منى، لم تكن بمنأى عن هذا التأثير، إذ نجح أشرف في استمالتها وجعلها ترتاح له إلى حد ما، وذلك بعدما أيقنت في أعماقها أن سعادة ابنتها وراحة قلبها لن تكونا إلا معه.
اقترب من دليلة خطوة أخيرة، وهمس لها بعينين تترجانها:
-وحياة اشرف عندك لتبطلي عياط، وانا هفضل اكلمك في التليفون طول الطريق.
شهقت وسط دموعها وأجابته بنبرة طفولية باكية:
-مش هيسمحوا لك تشغله في الطيارة.
حاول رسم ابتسامة يخفي وراءها غصته، وقال مداعباً إياها برقة:
-هستخدمه في الحمام من وراهم.
تقدّم كمال يربت على كتف أشرف مستعجلاً، وقال لدليلة بنبرة هادئة:
-خلاص بقى يا دليلة، سيبي الراجل علشان يلحق طيارته.
استمرت في بكائها، وكان مشهد الوداع مأساوياً ومؤثراً إلى الدرجة التي جعلت قلوب جميع الحاضرين تنفطر شفقة عليها.
تدخل علي وصادق في النهاية، وأخذا أشرف برفق من أمامها ليمضوا به نحو الخارج، بينما انهارت هي تماماً على مقعدها، تحت نظرات منى الحائرة والمليئة بالوجع، إذ باتت ترى أن تعلق ابنتها بهذا الرجل قد وصل إلى مرحلة مخيفة تفوق طاقة الاحتمال.
مضت الساعات، سافر أشرف مغادراً أرض الوطن، وعادت فاطمة وعلي من المطار مباشرة إلى المنصورة، في حين استأذن كمال ورغدة وعادا إلى شقتهما.
تسللت إلى غرفتها بخطواتٍ واهنة، كأنما تجرُّ خلفها ثقل العالم بأسره، وما إن أغلقت الباب حتى رن هاتفها، كان أشرف يتصل بها، وكأنه ينتظر استقرار خطاه فور وصوله ليتنفس عبر صوتها.
امتدت محادثتهما لأكثر من ساعتين، هدأت قليلاً قبل أن يستأذنها لإغلاق الهاتف، فقد نال منه التعب، ووجب عليه النوم ليقوى على مواجهة عمله في الصباح الباكر.
بمجرد أن انقطع الخط، شعرت بالوحشة تحاصر جدران الغرفة، اتجهت نحو النافذة، ووقفت تتطلع إلى الفراغ ودموعها تنساب بحرارة على وجنتيها.
حتى هذه اللحظة، لم تستوعب عقلها الحقيقة المرة، كيف رحل وتركها؟ كيف سيمكنها مواجهة الأيام وإكمال حياتها في بعده، بعد أن غدا وجوده تفصيلاً أساسياً في كل لحظة تمر بها؟لقد أصبح أشرف هو المرآة التي أبصرت من خلالها العالم، والنافذة التي أطلت منها لترى كل ما هو جميل في هذه الحياة.
فجأة، سرت قشعريرة مباغتة في كامل جسدها، وشعرت ببرودة وصقيع يجتاحان أطرافها، صقيع غريب في أجواء أغسطس الخانقة، وكأن الشتاء قد حل في قلبها وحده.
تجدد انهمار دموعها، وانبثق في عقلها ذلك السؤال الموجع الذي لا جواب له، كيف ستقوى على مجابهة الغد؟ وكيف يتسنى لرئتيها أن تتنفس الحياه بعيدًا عن سحر عينيه؟
_________♕_________
في صباح اليوم التالي، داخل منزل كمال، كان الهدوء يسكن أرجاء المكان بنعومة، استيقظت رغدة بنشاطها المعتاد، ودلفت إلى المطبخ لتعد وجبة الإفطار، قبل أن تعود إلى غرفة النوم لتبدأ في ارتداء ملابسها استعداداً للذهاب إلى العمل.
اتجهت نحو خزانة الملابس وفتحتها، ثم التفتت نحو الفراش وندهت بنبرة هادئة:
-يلا يا كمال علشان تغير هدومك ونلحق نفطر قبل ما ننزل الشغل.
لم تتلق أي استجابة، فرفعت صوتها قليلاً وهي ترتب ثيابها:
-كمال، يلا يا حبيبي كدا هتتأخر.
ساورها شعورًا بالغرابة، فكمال يتميز بنومه الخفيف للغاية، ويستيقظ عادة من أثر أي همسة أو حركة عابرة في الغرفة.
تركت الملابس من يدها فوق المقعد الخشبي المجاور، وخطت نحوه بخطوات تملأها الريبة.
اقتربت من الفراش، ومدت يدها لتهزه برفق قائلة:
-كمال، قوم يا حبيبي.
في تلك اللحظة، جرت قشعريرة باردة في أوصالها، وارتعش قلبها بعنف حين وجدته ثابتاً تماماً، لا يبدي أي حراك أو استجابة لندائها.
تحول قلقها في ثوانٍ معدودة إلى ذعر جارف، وبدأت تهزه بقوة وهي تصرخ بنبرة هيستيرية هلعة:
-كمال قوم يا كمال، قوم الله يخليك.
التقطت كف يده لتبحث عن نبضه، فلم تجد سوى برودة متسللة وجسد متيبس بشكل مفزع، انقبضت روحها وتملكتها الصدمة، لتطلق من أعماق صدرها صرخة مدوية ومفجعة، رجت أركان البيت وجدرانه:
-كمــــــــــال.
استيقظ وائل من نومه مفزوعاً على أثر ذلك الصوت المرعب، اندفع يركض في الرواق متجهاً نحو مصدر الصراخ بكامل سرعته.
ما إن فتح باب الغرفة حتى استقبلته والدته بوجه شاحب وعينين شاخصتين من الرعب، وصرخت فيه وعبراتها تنهمر بلا توقف:
-الحقني يا وائل، ابوك مبيردش عليا، اتصل بالاسعاف حالاً.
