رواية لما قلت لا الفصل الثاني بقلم داليا سالم
بعد المقابلة، كل حاجة حصلت أسرع مما توقعت. مش هو اللي استعجل، بالعكس، كان كل شوية يقول لي:
— لو حاسة إن في حاجة مش مريحاكي قولي.
وأنا كنت أقول:
— مفيش.
ودي كانت أول كذبة صغيرة، لأن كان في حاجات مش حاجات فيه هو، حاجات فيا أنا. كنت كل ما حد يسألني عنه أقول:
— كويس.
كل ما أمي تقول:
— ارتحتي له؟
أقول:
— آه.
كل ما خالتي تقول:
— ده ابن ناس.
أهز راسي، وبدأت أتعود على وجوده بسرعة. بقى في حياتي شخص ببعت له لما أوصل الشغل، وشخص يعرف إني لما أكون متضايقة بسكت، وشخص لو قلت له «أنا كويسة» يعرف من صوتي إني مش كويسة، ودي كانت حاجة حلوة. حلوة لدرجة إني خفت منها. أنا مش متعودة حد يعرفني بالشكل ده. مرة كنت راجعة من الشغل ومضايقة، بعت لي:
— مالك؟
قلت:
— ولا حاجة.
اتصل.
— قولي.
— مفيش.
— سارة.
— نعم؟
— أنتِ لما بتقولي مفيش بالطريقة دي بيبقى في كتير.
ضحكت غصب عني.
— المدير اتخانق معايا.
— ليه؟
حكيت له. فضل ساكت لحد ما خلصت، وبعدين قال:
— طب أنتِ زعلانة من نفسك؟
— لأ.
— يبقى خلاص، ما تزعليش.
— يا سلام!
— أعملك إيه يعني؟
— ولا حاجة.
— طب اضحكي.
— مش عايزة.
— خلاص، هفضل على الخط لحد ما تضحكي.
وفعلًا فضل ساكت. أنا اللي ضحكت في الآخر، ومن يومها بدأت أحبه. مش الحب الكبير اللي الناس بتتكلم عنه. الحب اللي بييجي مرة واحدة ويخلي الدنيا كلها تتغير... لا. كان حاجة أهدى، كان بيكبر في التفاصيل في إنه يفتكر إني ما بحبش السكر الكتير في إنه يبعت لي لما يوصل في إنه يسألني عن يومي حتى لو يومه كان أسوأ في إنه مرة قال لي:
— أنا بحب إنك مش بتتكلمي كتير.
سألته:
— ليه؟
قال:
— علشان لما بتتكلمي بحس إن الكلام له قيمة.
فضلت ساكتة وقتها. يمكن الجملة كانت عادية بالنسبة له. بالنسبة لي لأ. أنا طول عمري كنت حاسة إن هدوئي عيب. إن سكوتي مشكلة. إن لازم أبقى أخف، وأجرأ، وأعرف أرد، وأعرف أطلب، وأعرف أقول «لأ». لكن هو كان أول شخص يخليني أحس إن مش لازم أكون شخصًا تاني علشان أتحب. بعد شهرين اتخطبنا. يوم الخطوبة كنت مبسوطة، أو كنت فاكرة إني مبسوطة. كل الناس كانت حواليَّ. أمي بتعيط، خالتي بتضحك، صحابي بيصوروني، وأنا لابسة فستان مش شبه اختياراتي أصلًا، لكنهم قالوا إنه حلو. كريم كان واقف بعيد، وكل شوية يبص لي ويبتسم. لما قرب مني قال:
— تعبانة؟
قلت:
— شوية.
— نرجع؟
ضحكت.
— دلوقت؟
— لو عايزة.
بصيت له.
— أنت مش مبسوط؟
— مبسوط.
— أمال؟
— علشان أنتِ مبسوطة، مش علشان الناس كلها مبسوطة.
ما رديتش. لكن يومها وأنا راجعة البيت، فتحت الموبايل وكتبت له: أنا مبسوطة... رد بعدها بثواني: وأنا كمان... ابتسمت. كنت محتاجة أقولها لنفسي أكتر مما كنت محتاجة أقولهاله. أنا مبسوطة، أنا اخترت، أنا اللي وافقت، أنا اللي كنت أقدر أقول لأ. يمكن كنت بكرر الكلام ده علشان أصدقه. بعد الخطوبة بأسبوع، حصل أول موقف صغير. كنا بنتكلم، فقلت له:
— أنا مش عايزة أعيش مع أهلك بعد الجواز.
سكت، أنا قلقت.
— زعلت؟
— لأ.
— طب ساكت ليه؟
— بفكر.
— في إيه؟
قال بهدوء:
— أنا كنت فاكر إننا هنعيش معاهم أول سنة.
ما قلتش حاجة فضل ساكت، وبعدين قال:
— بس لو ده هيضايقك، ندور على حل.
ارتحت. انتهى الموضوع، أو أنا فكرت كدا، بعدها بأيام، قال لي:
— أمي بتقول إنك قليلة الكلام.
ضحكت.
— هي عندها حق.
— وأنا شايف ده مش عيب.
— طب ما أنت شايف كل حاجة فيا حلوة.
قال:
— مش كل حاجة.
بصيت له.
— إيه اللي مش حلو؟
ابتسم.
— إنك بتفكري كتير ومش بتقولي.
سكت، قال:
— أنا مش هعرف أساعدك في حاجة أنتِ مش بتقوليها.
هزيت راسي.
— حاضر.
لكنني لم أكن أعرف أن كلمة «حاضر» دي تحديدًا، هتكون أول حاجة لازم أتعلم أبطل أقولها. لأني بدأت أوافق. أوافق علشان ما أعملش مشكلة. أوافق علشان ما أبانش صعبة. أوافق علشان ما أخسرش شخصًا كويس، وأحيانًا، الإنسان مش بيلاحظ أنه بيخسر نفسه، لأنه مشغول جدًا بمحاولة انه ميخسرش الآخرين. بعد ست شهور، كنت مخطوبة رسميًا، وكل الناس شايفاني أسعد واحدة، وأنا فعلًا كنت سعيدة. بس كان جوايا سؤال صغير بدأ يظهر. كل مرة أقول «معلش»، كل مرة أتنازل، كل مرة أغير رأيي. كان السؤال يكبر: هو أنا بختار ده فعلًا؟ وفي يوم، كريم سألني سؤالًا بسيطًا جدًا:
— تحبي فرحك يبقى عامل إزاي؟
فتحت بوقي علشان أجاوب، لكن ما لقيتش إجابة، ودي كانت أول مرة أخاف بجد. لأني اكتشفت إنني طوال الشهور اللي فاتت كنت أعرف بالضبط إيه اللي هو عايزه، وإيه اللي أمي عايزاه، وإيه اللي أهله عايزينه، وإيه اللي الناس مستنياه. لكن لما سألني أنا: أنتِ عايزة إيه؟ ما عرفتش.
فضلت ساكتة قدامه. كريم كان مستنيني أجاوب، وأنا فعلًا كنت بحاول أجاوب. مش علشان السؤال صعب، علشان أول مرة حد يسألني عنه بالشكل ده، قال:
— سارة؟
— أيوة.
— سرحتي في إيه؟
— بفكر.
— في إيه؟
ضحكت بتوتر.
— مش عارفة.
ابتسم.
— يعني إيه مش عارفة؟
— يعني مش عارفة عايزة الفرح يبقى عامل إزاي.
— عادي.
— مش عادي.
بص لي شوية.
— ليه؟
حركت كتفي.
— علشان المفروض أعرف.
— مين قال؟
— كل البنات بتبقى عارفة.
ضحك.
— مين قال لكِ كده؟
— معرفش.
— طب نعمل إيه؟
— مش عارفة.
ضحك تاني.
— واضح إن كلمة «مش عارفة» عندك حل لكل حاجة.
ضحكت غصب عني، لكن بعد ما قفلنا، فضلت قاعدة لوحدي، فتحت صور الأفراح. فساتين، ورد، قاعات، كيك، دعوات، وبعد عشر دقايق قفلت كل حاجة، ولا صورة لمستني، ولا واحدة. دخلت أمي الأوضة.
— بتعملي إيه؟
— ولا حاجة.
قعدت جنبي.
— مالك؟
— مفيش.
بصت لي.
— تاني؟
ضحكت.
— إيه؟
— «مفيش».
سكتنا، وبعدين قالت:
— كريم مضايقك؟
— لأ.
— عايزة تكملي؟
بصيت لها. السؤال كان بسيط. لكن المرة دي ما جاوبتش بسرعة، قالت:
— سارة؟
— آه.
— إيه؟
— عايزة أكمل.
هزت راسها.
— يبقى مالك؟
ما قدرتش أقول لها إني عايزة أكمل، لكن مش عارفة أنا رايحة على فين. إني بحبه، لكن مش عارفة إذا كنت بعرف أحب نفسي وأنا معاه. إني مرتاحة، لكن جزء مني بدأ يختنق من فكرة إني بقيت فجأة مسؤولة عن إسعاد ناس كتير. كنت فاكرة إن المشكلة في الجواز، طلعت المشكلة فيا. أنا طول عمري بعمل الحاجة علشان الناس ترتاح. في المدرسة كنت البنت اللي بتدي كشكولها لأي حد. في الشغل كنت اللي تمسك شغل زميلتها علشان «معلش هي تعبانة». في البيت كنت اللي تقوم تجيب الحاجة بدل أختها. حتى لما حد يطلب مني حاجة ومش عايزة، كنت أقول:
— حاضر.
وبعدها أقعد لوحدي أندم إني وافقت. لكن مش بندم قدام حد. كنت أتعلم الصمت أكثر مما أتعلم الكلام. بعدها بأسبوع، رحنا نختار حاجات البيت. أنا كنت متخيلة اليوم ده من وأنا صغيرة، لكن لما دخلت المحل، كريم قال:
— اختاري.
بصيت له.
— إيه؟
— أي حاجة تعجبك.
— أنت اختار.
— لأ، أنتِ.
وقفت قدام حاجات كتير. ترابيزة، ستاير، أطباق، مفارش. كل حاجة كنت بقول:
— حلوة.
لحد ما البائع نفسه بدأ يضحك.
— حضرتكِ كل حاجة حلوة؟
ضحكت.
— تقريبًا.
كريم بص لي وقال:
— سارة، دي بيتك.
الكلمة وقفتني... بيتي. أنا مش بشتري حاجات لبيت أمي. أنا بختار المكان اللي هعيش فيه. مسكت طبق أبيض في إيدي.
— ده.
— عجبك؟
— آه.
— خلاص ناخده.
بصيت له.
— أنت مش هتشوف حاجة تانية؟
— ليه؟
— يمكن مش أحسن اختيار.
— طالما عجبك يبقى أحسن اختيار.
رجعنا البيت ومعانا حاجات كتير، وفي العربية، قال:
— فرحانة؟
بصيت من الشباك.
— آه.
— متأكدة؟
— آه.
— حاسس إنك بتقولي آه علشان أنا عايز أسمعها.
التفت له.
— أنت ليه بتعمل كده؟
— إزاي؟
— كل شوية تسألني إذا كنت متأكدة.
— علشان لو مش متأكدة، ألحق أعرف.
سكت، وبعدين قلت:
— طب لو أنا مش عارفة؟
قال:
— نستنى.
— تستنى إيه؟
— لحد ما تعرفي.
بصيت له. كان بيقولها بمنتهى البساطة. كأن الدنيا فعلًا ممكن تستنى، لكن أنا كنت متعودة إن كل حاجة لازم تحصل في وقتها. الخطوبة في وقتها، الجواز في وقته، الفرح في وقته، الخلفة في وقتها، وكل ما الوقت يعدي، الناس تسأل: «لسه؟» كنت خايفة أتأخر عن حاجة أصلًا مش عارفة إذا كنت مستعدة لها، وفي ليلة، وأنا قاعدة مع أمي، قالت لي:
— خالتك بتقول نحدد الفرح.
حسيت بقلبي انقبض.
— دلوقت؟
— أمال إمتى؟
— مش عارفة.
— سارة، أنتِ بقالك سنة مخطوبة.
— عارفة.
— والراجل كويس.
— عارفة.
— وبيحبك.
— عارفة.
— وأنتِ بتحبيه.
سكت، بصت لي.
— ولا لأ؟
المرة دي ما قدرتش أهرب، قلت:
— بحبه.
— أمال؟
اتنفست.
— أنا خايفة.
أمي قربت مني.
— من إيه؟
بصيت لها.
— إني أعيش حياة أنا اخترتها علشان الناس شايفاها مناسبة ليا، مش علشان أنا فعلًا عايزاها.
سكتت أمي فترة طويلة، وبعدين قالت:
— طب يمكن أنتِ مش خايفة من الجواز.
— أمال؟
— يمكن خايفة من إنك لما تختاري لنفسك، تطلعي غلط.
بصيت لها. الجملة وجعتني لأنها كانت صح. أنا مش كنت بخاف من الاختيار. أنا كنت بخاف من نتيجة الاختيار. كنت عايزة حد يختار لي. علشان لو فشل، ألومه. لكن لو اخترت بنفسي، هبقى أنا المسؤولة، وفي اليوم التالي، لما كريم سألني:
— نحدد؟
بصيت له وقلت:
— آه.
ابتسم.
— متأكدة؟
المرة دي ما قلتش «آه» على طول. بصيت له، وفكرت، وبعدين قلت:
— لأ.
اختفت ابتسامته شوية.
— لأ إيه؟
— مش متأكدة.
سكت، وأنا لأول مرة ما حاولتش أصلح صمتي. ما قلتش «بهزر». ما قلتش «بس عادي». ما قلتش «خلاص نعمل اللي أنت عايزه». فضلت ساكتة، قال بهدوء:
— طيب.
— زعلت؟
— آه.
قلبي وقع، كمل:
— بس مش منك.
— أمال؟
— من إنك وصلتي للمرحلة دي وأنتِ مش عارفة تقوليلي إنك خايفة.
بصيت في الأرض... قال:
— أنا مش محتاج واحدة توافق عليا علشان أنا كويس.
رفع عينيه ليَّ.
— أنا محتاج واحدة تختارني وهي عارفة إنها كانت تقدر تقول لأ.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، حسيت إني مش مطالبة أكون العروسة المثالية، ولا البنت اللي بتوافق، ولا البنت اللي ما بتعملش مشاكل. كنت سارة وبس، لكن مكنتيش أعرف أن اختباري الحقيقي لم يبدأ بعد. لأن اليوم الذي قلت فيه «لأ» لأول مرة، مكنش كريم هو الوحيد الذي سمعها. أمي سمعتها، خالتها سمعتها، وأهله سمعوها، وكل شخص كان عنده صورة معينة عني، بدأ يسأل: إيه اللي حصل لسارة؟
بعد كلامي مع كريم، الموضوع ما انتهيش، بالعكس، كأنه بدأ. أمي ما علقتش كتير، بس من يومها وهي بتبص لي بشكل مختلف، مش زعلانة، لكن مستغربة. مرة وأنا في المطبخ قالت:
— أنتِ متغيرة.
كنت بغسل طبق.
— إزاي؟
— مش عارفة.
— يعني إيه مش عارفة؟
— بقيتي بتقولي رأيك.
ضحكت.
— هو دي حاجة وحشة؟
— لأ، بس غريبة عليكِ.
كملت غسيل الطبق، قالت بعد شوية:
— كريم زعلان؟
— مش عارفة.
— اتكلمتوا؟
— آه.
— قال إيه؟
— قال نستنى.
— نستنى إيه؟
— لحد ما أبقى عارفة.
سكتت، وبعدين قالت:
— هو كويس.
— عارفة.
— وبيحبك.
— عارفة.
— ومش بيضغط عليكِ.
— عارفة يا ماما.
بصت لي.
— أمال أنتِ مستنية إيه؟
قفلت الحنفية.
— نفسي أعرف.
قالتها لي بطريقة خلتني أضحك رغم إني كنت متضايقة.
— أنتِ طول عمرك مستنية تعرفي.
— يمكن.
— هتعرفي إمتى؟
بصيت لها.
— لما أبطل أخاف من الإجابة.
ما ردتش، لكن بعد ما دخلت أوضتي، فضلت أفكر في الجملة دي. يمكن أنا فعلًا ما كنتش محتاجة وقت علشان أعرف إذا كنت عايزة كريم. أنا كنت محتاجة وقت علشان أعرف إذا كنت قادرة أختار كريم من غير ما أخاف من رأي أي حد. الأيام اللي بعدها كانت غريبة. كريم ما اختفاش، وما بطلش يسأل عليا، لكن حاجة صغيرة اتغيرت. بقى سايب لي مساحة، قبل كده كان ممكن يبعت: وصلتِ؟ وبعدها: أكلتِ؟ وبعدها: عاملة إيه؟ دلوقت كان يسأل مرة، ولو قلت له مشغولة، يقول: خلاص، لما تفضي ابقي كلميني. في الأول ارتحت، بعدها بدأت أقلق. مرة بالليل قلت له:
— أنت زعلان مني؟
— لأ.
— متأكد؟
— آه.
— طب ليه بقيت ساكت؟
ضحك.
— أنتِ اللي طلبتي وقت.
— أنا ما طلبتش إنك تبعد.
سكت ثواني.
— وأنا ما بعدتش.
— حاسة إنك بعيد.
— يمكن علشان لأول مرة مش بحاول أقنعك بحاجة.
معرفتيش أقول إيه، قال:
— سارة، أنا عايزك تختاريني، مش تختاري الجواز علشاني.
فضلت ساكتة، وبعدين قلت:
— ولو ما اخترتكش؟
اتأخر في الرد.
— هزعل.
حسيت بقلبي انقبض... كمل:
— بس هزعل وأنا محترم قرارك.
الكلام كان بسيط. بس أنا لأول مرة أفهم إن الحب ممكن يكون فيه مساحة. مش كل حب لازم يمسك في إيدك ويقول لك ما تروحيش. في حب يقول لك: روحي، ولو رجعتي هكون هنا، وده خوّفني أكتر. لأن الشخص اللي بيديني الحرية، بقى أغلى من الشخص اللي كنت محتاجة أهرب منه.
بعد أسبوع تقريبًا، حصلت أول مشكلة حقيقية. كنا قاعدين في بيتهم، أنا وأمي وخالتي، وأمه كانت بتتكلم عن الفرح.
— إحنا شايفين إن القاعة دي مناسبة.
بصيت لكريم.هو كان ساكت، أمه كملت:
— والميعاد كمان اتكلمنا فيه.
أنا ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— ميعاد إيه؟
بصت لي.
— إحنا اتفقنا على آخر الشهر.
حسيت إني مش فاهمة.
— اتفقتوا؟
قالت:
— أنا ومامتك.
بصيت لأمي... هي سكتت. بعدين بصيت لكريم هو كان باصص لي، واضح إنه ما كانش عارف، قلت:
— بس إحنا لسه ما قررناش.
أمه قالت:
— يا حبيبتي، ما أنتِ موافقة.
حسيت بالجملة كأنها اتقالت في مكان غلط. موافقة على إيه؟ إني أتجوزه؟ آه. لكن موافقتي على كل شيء بعد كده كانت فين؟ قلت بهدوء:
— أنا موافقة عليه، بس ميعاد الفرح لسه ما اتحددش.
خالتـي ضحكت:
— يا بنتي ما هو خلاص، هتفرق شهر ولا شهرين؟
بصيت لها.
— تفرق لي.
الصالة كلها سكتت... أمي بصت لي، وأنا نفسي اتفاجئت من الجملة. أول مرة أقولها قدام ناس. أول مرة ما أضحكش بعدها علشان أخفف الجو، أمه قالت:
— هو إحنا بنعمل حاجة ضدك؟
— لأ.
— أمال؟
— بس أنا عايزة أكون موجودة في القرار.
قالتها وهي بتبص لكريم:
— كلمها أنت.
هو فضل ساكت ثواني، وبعدين قال:
— هي عندها حق.
أمه اتضايقت.
— يعني إحنا بنعمل إيه؟
— مفيش حاجة، بس الفرح بتاعنا إحنا.
سكتت، وأنا فجأة حسيت إنني مش لوحدي. مش لأن كريم وقف في صفي، لكن لأنه ما خافش من إنه يقول إن لي رأي. رجعنا البيت وأنا مش مرتاحة. مش بسبب الفرح. بسبب نفسي. لأول مرة اكتشفت إن كلمة صغيرة مني ممكن تغير شكل جلسة كاملة، وإن الناس ممكن تزعل، وإن الدنيا ما تقعش. في الليل، أمي دخلت عليَّ.
— أنتِ زعلتيهم.
بصيت لها.
— عارفة.
— ليه عملتي كده؟
— علشان ده قراري.
— ما هو محدش منعك.
— كانوا محددين كل حاجة من غيري.
سكتت، وبعدين قالت:
— أنتِ بقيتي عنيدة.
ضحكت.
— يمكن.
خرجت. أنا عارفة إن أمي ما كانتش تقصد تجرحني. هي ببساطة مش متعودة عليَّ، وأنا كمان مش متعودة عليَّ. اليوم ده نمت وأنا لأول مرة حاسة إني عملت حاجة لنفسي. لكن الصبح، لما صحيت، لقيت رسالة من كريم:
«صباح الخير. أنا فخور بيكِ.»
ابتسمت، كتبت:
على إيه؟
رد:
علشان قلتي اللي عايزاه من غير ما تعتذري بعده.
فضلت باصة للرسالة، وبعدين كتبت:
أنا خايفة.
رد:
– من إيه؟
– إني أتغير وأبقى شخص وحش.
اتأخر شوية، وبعدين قال:
اللي بيخاف يبقى وحش غالبًا بيكون أبعد واحد عنه.
قفلت الموبايل. قمت أعمل فطار، كنت بقطع الطماطم لما أمي دخلت، قالت:
— كريم اتصل.
— قال إيه؟
— عايز يكلمك.
مسحت إيدي في الفوطة واتصلت به، رد بسرعة:
— صباح الخير.
— صباح النور.
— عندي خبر.
— إيه؟
— الفرح مش آخر الشهر.
سكت.
— أمال؟
— بعد شهرين.
ابتسمت من غير ما أحس.
— ليه؟
— علشان أنتِ قلتي إنك محتاجة وقت.
— وأنت وافقت؟
— أنا أصلًا كنت مستنيكِ تقولي.
ضحكت.
— أنت غريب.
— عارف.
— كريم؟
— نعم؟
— شكرًا.
سكت، وبعدين قال:
— متشكرينيش.
— ليه؟
— علشان ما عملتش حاجة.
— عملت.
— إيه؟
بصيت قدامي.
— خليتني أحس إن رأيي مهم.
ما ردش فورًا، ولما اتكلم، كان صوته أهدى:
— لأنه مهم.
بعدها قفلنا، وأنا فضلت واقفة في المطبخ. ماما كانت بتبص لي، قالت:
— مبسوطة؟
بصيت لها. المرة دي ما احتجتش أفكر.
— آه.
وساعتها فهمت إن في فرق كبير بين إني أقول «آه» علشان الناس مستنية أقولها... وبين إني أقولها علشان أنا فعلًا حاسة بيها. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن المشكلة الحقيقية كانت لسه جاية. لأن بعد كام يوم، وأنا قاعدة مع أختي، قالت لي جملة واحدة خلتني أفكر في كل حاجة من أولها.
— هو أنتِ عارفة إن كريم كان عايزك من قبل ما يتقدم لكِ؟
بصيت لأختي.
— يعني إيه كان عايزني من قبل ما يتقدم؟
كانت بتاكل عادي جدًا، كأنها قالت جملة ما تستاهلش كل التركيز اللي خدته مني.
— يعني كان بيسأل عنك.
— بيسأل مين؟
— ماما.
حسيت بشيء غريب في صدري.
— إمتى؟
— قبل ما يتقدم بفترة.
— وأنتِ عرفتي منين؟
رفعت كتفها.
— سمعتهم مرة بيتكلموا.
— بيتكلموا عن إيه؟
بصت لي شوية.
— قال إنه شافك قبل كده وعجبتيه.
ضحكت.
— شافني فين؟
— معرفش.
— طب ليه ما قالش؟
— يمكن ما حبش.
سكت. لكن مقدرتيش أوقف التفكير. هو كان عارفني قبل ما أعرفه؟ قعدت أفتكر أول مرة قابلته فيها. المحل، المطعم، الزيارات. كل مرة كنت فاكرة إنها بداية جديدة. هل كانت فعلًا؟ مسكت موبايلي واتصلت به، رد بسرعة.
— ألو؟
— أنت كنت تعرفني قبل ما تتقدم لي؟
سكت. الصمت كان أطول من اللازم.
— مين قال لك؟
— جاوبني.
— أيوة.
قفلت عيني.
— من إمتى؟
— من قبل ما نتكلم بحوالي سنة.
معرفتيش أقول حاجة، قال:
— سارة؟
— أيوة.
— أنتِ زعلانة؟
— مش عارفة.
— طب أقولك الحقيقة؟
ضحكت ضحكة قصيرة.
— هو في حاجة تانية؟
— أنا شفتك في الشغل.
— شفتني؟
— أكتر من مرة.
— وكنت بتسأل عني؟
— آه.
— ليه؟
سكت، وبعدين قال:
— علشان عجبتيني.
الكلمة كان ممكن تفرحني، لكنها ما فرحتنيش.
— طب ليه استنيت سنة؟
— علشان ما كنتش جاهز.
— ولما بقيت جاهز، سألت عني؟
— أيوة.
— ومين قال لك إني هوافق؟
— محدش.
— طب لو كنت رفضت؟
ضحك بخفة.
— كنت هزعل وأمشي.
سكت، قال:
— أنا ما اخترتش واحدة علشان أضمن إنها توافق. أنا اخترتك علشان من البداية كنت شايفك مناسبة ليا.
— مناسبة؟
— آه.
الكلمة ضايقتني.
— يعني إيه مناسبة؟
— يعني هادية، عاقلة، مش بتحبي المشاكل...
قاطعته.
— يعني سهلة؟
سكت. المرة دي عرفت من سكوته إنه فهم.
— لا، ما أقصدش كده.
— بس دي الحقيقة.
— سارة، أنتِ بتكبري الموضوع.
— يمكن.
— أنا حبيتك علشان أنتِ أنتِ.
— بس أنت كنت عارف عني حاجة أنا ما كنتش أعرفها عنك.
— إيه؟
— إنك داخل العلاقة وأنت محدد عني صورة.
سكت، وبعدين قال:
— وأنا كنت غلطان.
الكلمة هدتني شوية، لكن مكنتيش مستعدة أن أنهي الموضوع.
— عايزة أشوفك.
— دلوقت؟
— آه.
— جاي.
قفل. لبست بسرعة ونزلت. لما شفته كان واقف قدام العربية. قرب مني.
— تعالي.
ما تحركتش.
— أنا مش جاية أتعصب.
— عارف.
— بس عايزة أفهم.
— اسألي.
— أنت من الأول كنت شايفني إزاي؟
اتنهد.
— كنت شايفك بنت هادية، محترمة، عندها شغل، قريبة من أهلها، ومش بتحب المشاكل.
— وبعدين؟
— وبعدين عرفت إنك مش كل ده بس.
— إيه كمان؟
ابتسم.
— عنيدة.
ضحكت غصب عني.
— أنا؟
— جدًا.
— أنت بتقول كده علشان تصالحني.
— لا، دي حقيقة اكتشفتها متأخر.
سكتنا، قال:
— أنا كنت فاكر إن الهدوء معناه إن الشخص مش محتاج حاجات كتير، بص لي.
— وده غلط.
— ليه؟
— لأنك ممكن تكوني ساكتة، وجواكي ألف حاجة.
بصيت للأرض، قال:
— وأنا عرفت ده لما بدأتِ تتكلمي.
— طب لو ما اتكلمتش؟
ما ردش. فضلت مستنية، قال أخيرًا:
— كان لازم ألاحظ.
الجملة دي هي اللي وجعتني. مش لأنه اختارني على أساس غلط. لكن لأنه اعترف إني كنت ممكن أكمل حياتي كلها وأنا ساكتة، وهو فاكر إن سكوتي رضا.
رجعت البيت وأنا مش عارفة أنا زعلانة منه ولا من نفسي. تاني يوم، حصلت مشكلة أكبر. أمي كانت بتتكلم مع خالتي في الصالة، وأنا سمعت اسمي. ما كنتش أقصد أسمع، لكن جملة واحدة خلتني أقف مكاني، خالتي قالت:
— هي أصلًا كانت مناسبة له علشان مش بتطلب كتير.
أمي ردت:
— ما هي كده فعلًا.
دخلت عليهم... سكتوا، قلت:
— أنا بطلب.
أمي بصت لي.
— إيه؟
— بطلب حاجات كتير.
خالتي ضحكت:
— يا بنتي محدش قال حاجة.
— لا، اتقال.
أمي قامت.
— سارة، إحنا بنتكلم عادي.
— وأنا كمان بتكلم عادي.
بصيت لأمي.
— أنا مش عايزة أبقى «مناسبة» علشان مش بطلب.
سكتت.
— أنا عايزة أبقى مناسبة علشان أنا أنا.
أمي اتعصبت لأول مرة.
— وإحنا عملنا لكِ إيه؟
— مفيش.
— أمال بتتكلمي كده ليه؟
— علشان أنا تعبت من إن كل حاجة في حياتي بتتقال كأنها ميزة إني مش بطلب.
صوتي بدأ يعلى.
— أنا لما ما بطلبش، مش معنى كده إني مش محتاجة.
أمي سكتت... أنا كمان سكت، ولأول مرة شفت في عينيها حاجة شبه الوجع، قالت:
— أنتِ فاكرة إننا كنا بنهملك؟
هزيت راسي بسرعة.
— لا.
— طب ليه بتتكلمي كأننا أذيناكِ؟
ما عرفتش أرد، لأن الحقيقة كانت أصعب. هم ما أذونيش. هم ربوني بالطريقة اللي اتربوا بيها. علّموني إن البنت الشاطرة هي اللي تستحمل، وأنا صدقت.
المشكلة إنني لما كبرت، نسيت إن التحمل فضيلة في بعض الأوقات، وممكن يكون ظلمًا للنفس في أوقات تانية. دخلت أوضتي وقفلت الباب. بعد حوالي ساعة، كريم اتصل.
— مامتك كلمتني.
— قالت لك إيه؟
— إنك زعلانة.
— أنا مش زعلانة.
ضحك.
— بدأتِ ترجعي.
ضحكت، قال:
— سارة، أنا عايز أسألك حاجة.
— اسأل.
— لو أنا من الأول كنت شايفك ضعيفة، كنتِ هتكملي معايا؟
السؤال وقفني.
— لأ.
— ولو أنا كنت فاكر إنك هتوافقي على كل حاجة؟
— برضه لأ.
— طب قوليلي حاجة.
— إيه؟
— أنتِ عايزة تتجوزيني؟
سكت. المرة دي مهربتيش، قلت:
— آه.
— متأكدة؟
— آه.
— ليه؟
ابتسمت.
— علشان أنت الشخص الوحيد اللي لما بدأت أقول «لأ» قدامك، ما خفتش مني.
سكت، وبعدين قال:
— وأنا عايز أتجوز البنت اللي بتقول لأ دي.
ضحكت.
— مش البنت الهادية؟
— لأ.
— مش البنت اللي مش بتطلب؟
— دي اتلغت.
— طب تحبني إزاي؟
قالها ببساطة:
— زي ما أنتِ، حتى لما تكوني صعبة.
ضحكت.
— أنا صعبة؟
— جدًا.
— خلاص، مش هتجوزك.
— لا، دي مش مناقشة.
— ليه؟
— علشان أنا أخيرًا عرفت إنك لما بتقولي لأ، مش معناها إنك مش بتحبيني.
سكت.
— معناها إنك بقيتي واثقة إنك تقدري تقوليها.
وقتها فهمت إن المشكلة مش إن كريم اختارني غلط. المشكلة إنني كنت طول الوقت خايفة أن الناس تحبني بشرط أن أبقى سهلة، لكن لأول مرة بدأت أصدق أن الشخص المناسب مش هو اللي يحب النسخة المريحة منك. هو اللي يفضل يحبك لما تظهري له النسخة الحقيقية، ومع ذلك، كنت لسه فاكرة إن أصعب حاجة عدت. ما كنتش أعرف إن بعد أسبوع واحد، كريم نفسه هيطلب مني حاجة، ولأول مرة هكون مضطرة أختار بين الحب اللي عايزاه، والشيء اللي طول عمري كنت بخاف أطلبه.
