رواية علي ذمة قلبي الفصل الثالث 3 بقلم داليا سالم

 

 


رواية علي ذمة قلبي الفصل الثالث بقلم داليا سالم


صحيت الصبح على صوت خبط جامد على الباب. فتحت عيني بالعافية. بصيت في الساعة، سبعة ونص. مين اللي بيخبط الساعة سبعة ونص؟! قمت من السرير وأنا متعصبة، وفتحت الباب. لقيت آسر واقف قدامي.

— صباح الخير.

بصيت له بنعاس.

— في إيه؟

— الساعة سبعة ونص.

— عارفة.

— الشغل الساعة تسعة.

— عارفة.

— وإنتِ لسه نايمة.

— عارفة.

سكت لحظة.

— طب هتفضلي واقفة قدامي لحد إمتى؟

بصيت له.

— لحد ما تمشي.

ضحك.

— انتي بتصحّي كده كل يوم؟

— لأ.

— أمال؟

— أنا بصحى بعد ما أصحى.

— منطقي جدًا.

قفلّت الباب في وشه. سمعته بيضحك من الناحية التانية. رجعت للسرير وأنا بتمتم:

— مستفز.

بعد حوالي عشرين دقيقة خرجت. لقيته قاعد على السفرة بيشرب قهوة، بص لي.

— أخيرًا.

— متتكلمش.

— حاضر.

قعدت قدامه. لقيت طبق فطار قدامي، بصيت له.

— ده إيه؟

— فطار.

— عارفة إنه فطار.

— أمال بتسألي ليه؟

— إنتَ اللي عامله؟

— آه.

بصيت له بشك.

— إنتَ بتعرف تطبخ؟

— شوية.

دوقت أول لقمة، وسكت بص لي.

— وحش؟

هزيت راسي.

— لأ.

— حلو؟

— حلو.

ابتسم.

— الحمد لله.

قلت:

— بس مش هقولك.

— ليه؟

— عشان ما تتغرش.

ضحك، بعد الفطار، نزلنا. أنا ركبت عربيتي، وهو ركب عربيته، وقبل ما أمشي، اتصل بيا.

— إنتِ هتروحي من طريق الكورنيش؟

— آه.

— الطريق زحمة.

— عارفة.

— خدي الطريق التاني.

— لأ.

— ليان...

— آسر...

— اسمعي الكلام.

— إنتَ مين؟

سكت.

— جوزك.

ضحكت.

— اتفقنا إنك مش هتتحكم فيا.

— أنا مش بتحكم.

— أمال؟

— خايف عليكي.

الكلمة دي خلتني أسكت. هو نفسه سكت، وبعدين قال:

— خلاص، براحتك.

وقفل. فضلت ماسكة الموبايل ثواني. "خايف عليكي." ليه الكلمة دي أثرت فيا؟ هزيت دماغي.

— لا يا ليان. اهدى.

ووصلت الشغل. اليوم عدى عادي. لحد ما وأنا خارجة من الشركة، لقيت عربية آسر مستنياني. فتحت الشباك.

— إنتَ بتعمل إيه هنا؟

نزل من عربيته.

— هاخدك.

— قولتلك عندي عربية.

— عارف.

— أمال؟

— عربيتي أسهل.

— بالنسبة لمين؟

— ليا.

ضحكت.

— أنتَ مستفز بشكل مش طبيعي.

فتح باب عربيته.

— اركبي.

— لأ.

— ليان.

— مش هركب.

قرب مني وقال:

— لو ركبتي دلوقتي، هعدي على مطعم بتحبيه.

بصيت له.

— إنتَ عرفت منين إني بحب المطعم ده؟

— أختك.

— مريم قالتلك؟

— آه.

— مريم دي هبيعها.

ضحك... ركبت. طول الطريق كنا بنتكلم في حاجات عادية. الشغل، الجامعة، أصحابه، أصحابي. ولأول مرة... حسيت إني بتكلم معاه كأنه شخص عادي. مش الشخص اللي اتجوزته غصب عني، وصلنا المطعم، وأنا باكل، لاحظت إنه ساكت، قلت:

— في إيه؟

— ولا حاجة.

— شكلك مشغول.

— بفكر.

— في إيه؟

بص لي.

— فيكي.

قلبي دق بسرعة. ضحكت عشان أخبي توتري.

— بلاش كلام أفلام.

— أنا بتكلم جد.

— طب بتفكر في إيه؟

سكت، وبعدين قال:

— إنتِ لو عرفتي الحقيقة... ممكن تكرهيني.

وقفت عن الأكل.

— تاني؟

— إيه؟

— كل ما أسألك عن أي حاجة تقول الحقيقة.

— عشان هي موجودة.

— أمال قولها.

بص في عيني.

— مش دلوقتي.

— إمتى؟

— لما أقدر أحميكي منها.

— هو السر بيعض؟

ابتسم.

— أحيانًا.

— إنتَ غريب.

— عارف.

رجعت آكل وأنا متضايقة. لكن عقلي كان في مكان تاني. الحقيقة، أبويا قالها، أمه قالتها، وهو قالها. كلهم خايفين منها. يبقى لازم أعرفها. بعد ما رجعنا البيت، استنيت لحد ما آسر دخل الحمام. طلعت موبايلي، واتصلت بمريم.

— مريم، عايزة منك خدمة.

— لو فلوس، معيش.

— لأ.

— طب قولي.

— إنتِ فاكرة يوم ما بابا اتخانق مع عيلة آسر من كام سنة؟

سكتت.

— أيوه.

— حصل إيه؟

— معرفش.

— إنتِ متأكدة؟

— ليان، أنا كنت صغيرة وقتها.

— بس أكيد سمعتي حاجة.

سكتت شوية، وبعدين قالت:

— فاكرة حاجة واحدة.

— إيه؟

— بابا يومها قال جملة غريبة.

— قال إيه؟

— قال: "أنا دفعت تمن غلطتكم مرة... ومش هدفعه تاني."

سكت.

— غلطتهم إيه؟

— معرفش.

— مريم، فكري.

— والله ما أعرف.

سمعت صوت باب الحمام بيتفتح.

— هكلمك بعدين.

قفلت بسرعة. حطيت الموبايل في جيبي. آسر خرج، بص لي.

— بتكلمي مين؟

— مريم.

— ليه؟

— عادي.

بص لي شوية.

— ليان.

— نعم؟

— إنتِ بتدوري ورا حاجة؟

قلبي دق.

— لأ.

قرب خطوة.

— متكدبيش عليا.

بصيت له.

— وإنتَ متكدبش عليا.

سكت. بقينا واقفين قدام بعض. هو عايز يعرف أنا عرفت إيه، وأنا عايزة أعرف هو مخبي إيه، وبعد لحظة... ابتسم.

— واضح إن جوازنا هيبقى ممتع.

ضحكت رغمًا عني.

— واضح.

لكنه ما كانش عارف... إن في نفس الليلة، وأنا بدور في درج قديم في أوضة بابا، لقيت صورة. صورة قديمة جدًا فيها بابا، وعيلة آسر، وفي النص... طفلة صغيرة. على ضهر الصورة كان مكتوب: "ليان وآسر — قبل ما تعرف الحقيقة." فضلت باصة للصورة، وبعدين قلبتها تاني. لأن التاريخ المكتوب عليها... كان قبل ما آسر يعرفني بسنين طويلة، وساعتها سؤال واحد ضرب في دماغي: إحنا كنا نعرف بعض قبل ما أنا أعرفه؟
 

فضلت باصة للصورة يمكن خمس دقايق. نفس الأشخاص، بابا، كمال، أبو آسر، وست معرفهاش، وطفلين. واحد منهم آسر والبنت... أنا. بس المشكلة إن أنا مش فاكرة اليوم ده، ولا فاكرة الست دي، ولا حتى فاكرة إني كنت أعرف آسر وأنا صغيرة.

قلبت الصورة تاني. كان مكتوب تحت التاريخ: 2008 أنا وقتها كنت سبع سنين. آسر كان 12. يعني فعلًا... إحنا كنا نعرف بعض. سمعت صوت آسر من ورايا:

— بتعملي إيه؟

اتخضيت. الصورة وقعت من إيدي. لفيت بسرعة. كان واقف عند باب الأوضة. بص للصورة على الأرض، وشه اتغير. نزل خدها، بص لها، وبعدين بص لي.

— مين اداكي دي؟

— لقيتها.

— فين؟

— في درج بابا.

— ليه فتحتيه؟

— عشان بدور على إجابة.

سكت.

— وإنتَ عارف الصورة دي؟

— آه.

قلبي دق.

— يعني إحنا كنا نعرف بعض؟

— آه.

— وأنا ليه مش فاكرة؟

سكت شوية.

— لأنك كنتِ صغيرة.

— وأنا كنت صغيرة، مش فاقدة الذاكرة.

بص للصورة.

— في حاجات بتحصل للإنسان وهو صغير، وبيكبر وينساها.

— وأنا نسيتك؟

— تقريبًا.

قربت منه.

— وإنتَ فاكرني؟

رفع عينه لي.

— فاكر.

الكلمة دي هزتني.

— من إمتى؟

— من أول مرة شوفتك فيها.

— طب ليه ما قلتليش؟

— لأنك ما كنتيش محتاجة تعرفي.

— محتاجة أعرف دلوقتي.

— مش دلوقتي.

اتعصبت.

— إنتَ ليه دايمًا بتقرر إمتى أعرف وإمتى ما أعرفش؟

— عشان لو عرفتي كل حاجة مرة واحدة، ممكن تتأذي.

— أنا مش طفلة.

— عارف.

— أمال بتعاملني كده ليه؟

سكت، وبعدين قال:

— عشان أنا وعدت أبوكي.

وقفت.

— وعدته بإيه؟

ما ردش.

— آسر؟

بص لي.

— إني أحميكي.

سكت، وبعدين حط الصورة في جيبه.

— هات الصورة.

— لأ.

— ليان.

— دي بتاعتي.

— لأ.

— ليه؟

— عشان فيها حاجات مش لازم تشوفيها.

ضحكت بسخرية.

— كل حاجة في حياتي "مش لازم أشوفها".

مد إيده.

— هاتيها.

رجعت خطوة.

— مش هديها لك.

بص لي ثواني، وبعدين قال بهدوء:

— خلاص.

استغربت.

— خلاص؟

— آه.

دخل أوضته وقفل الباب.

وقفت مكاني، وبعدين ابتسمت.

— غريبة.

بعدها بدقايق، سمعت صوته من جوه:

— ليان؟

— نعم؟

— الصورة معايا.

— عارفة.

— ومش هترجعي تاخديها؟

— لأ.

سكت.

— ليه؟

— عشان أنا عايزة أشوف هتعمل إيه بيها.

ضحك.

— ذكية.

— عارفة.

— بتقلديني؟

— آه.

فتحت باب أوضته فجأة.

لقيته بيضحك، وقفنا نبص لبعض، ولأول مرة، مفيش خناقة. مفيش سر، مفيش اتفاق. بس لحظة هادية، قال:

— إنتِ بتضحكي أحلى لما ما تكونيش متعصبة.

حسيت وشي سخن.

— وإنتَ بتتكلم كتير.

— ممكن.

خرجت من الأوضة بسرعة. دخلت أوضتي، وقعدت على السرير. حطيت إيدي على قلبي.

— مالك يا ليان؟

ما ردش غير قلبي.

في اليوم اللي بعده، حصلت حاجة ما كنتش متوقعاها. كنت في الشغل، وسمعت زميلتي بتقول:

— ليان، في حد مستنيكي تحت.

نزلت لقيت دانا. أول ما شافتني، ابتسمت.

— إنتِ ليان؟

— أيوه.

— أنا دانا.

سكت.

— آسر حكالك عني؟

بصيت لها.

— لأ.

ابتسامتها كبرت.

— غريبة.

— ليه؟

— كنت فاكرة إنه هيقولك.

— يقول لي إيه؟

قربت مني.

— إننا كنا مخطوبين.

حسيت بحاجة غريبة،. لكن ما بينتش، قلت بهدوء:

— آه.

— آه إيه؟

— يعني عادي.

ضحكت.

— عادي؟

— أيوه.

— إنتِ مش غيرانة؟

— لأ.

— ليه؟

ابتسمت.

— عشان أنا واثقة في جوزي.

سكتت،.واضح إن إجابتي ضايقتها، قالت:

— جوزك؟

— آه.

— إنتِ متأكدة إن آسر شايفك كده؟

بصيت لها.

— قصدك إيه؟

قربت وقالت بصوت واطي:

— اسأليه عن ليلة الحريق.

اتجمدت.

— حريق إيه؟

ابتسمت.

— هو هيعرف.

ومشيت. فضلت واقفة مكاني. ليلة الحريق !! كلمة جديدة، سر جديد، والمرة دي... كان واضح إن دانا عايزة إني أعرفه. رجعت البيت... آسر كان قاعد في الصالة، بص لي.

— مالك؟

وقفت قدامه.

— عايزة أسألك سؤال.

— اتفضلي.

— إيه حكاية ليلة الحريق؟

سكت، وشه فقد لونه، وبص لي كأنه شاف حاجة ما كانش مستعد يشوفها، وبعدين قال:

— دانا كلمتك؟

هزيت راسي.

— آه.

غمض عينه، ولأول مرة... آسر ما حاولش يخبّي الحقيقة، قال:

— يبقى خلاص.

— خلاص إيه؟

بص لي.

— لازم تعرفي كل حاجة.

وقبل ما يكمل... جرس الباب رن، قام يفتح، وكان أبو آسر واقف قدام الباب. بص لي، وبعدين بص لابنه، وقال:

— أنا جيت آخد مراتي.

اتصدمت، آسر بص له.

— إنت بتتكلم عن مين؟

كمال دخل، وبص لي مباشرة.

— عن أمك يا آسر.

سكت. أنا ما فهمتش، لكن آسر فهم، ووشه اتغير. لأن أمه... كانت واقفة فوق في شقة تانية، وهو عارف إن أبوه وأمه منفصلين من سنين. فليه أبوه بيقول: "جيت آخد مراتي"؟


تعليقات