رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثالث 3 بقلم جمانة جي


 رواية عندما يستيقظ الامس الفصل الثالث 

{قبل سبع سنوات}

-لم يكن اسمه " زياد " بل كان " ماجد " وكان يؤمن بسذاجة العشاق وربما بثقتهم المفرطة أن الحياة مهما قست لا يمكن أن تنتزع من الإنسان كل شيء دفعة واحدة.

-فقد كان شابًا في منتصف العشرينات يملك موهبة نادرة في الطهو و يعمل داخل مطبخ صغير في أحد مطاعم الإسكندرية  ويقضي ساعات طويلة بين اللهب والتوابل والأطباق التي يعاملها كما لو كانت أعمالًا فنية لا وجبات عابرة أما " مُنى"  فلم تكن تشبه الفتيات اللواتي عرفهن فقد 
كانت فنانة تشكيلية، تسكن العالم بطريقتها الخاصة ترسم أكثر مما تتكلم، وتؤمن أن للألوان أرواحًا لا يراها الجميع
وكان لقاؤهما أشبه بمصادفة قررت ألا تبقى مصادفة فـ
يومها دخلت " منى "  المطعم هاربة من المطر و كانت تحمل لوحة ملفوفة بورق سميك، وشعرها مبتلًا على كتفيها.

- جلسَت قرب النافذة، وطلبت قهوة فقط فـ استغرب " ماجد " فالمكان مطعم لا مقهى .

- ترك ما بيده ثم اقترب منها و سألها :
حضرتك مش هتطلبي أكل؟

- رفعت عينيها إليه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة و أخبرته :
بصراحة؟ مش معايا غير تمن القهوة.

- أرتبك من صراحتها و نظر إلى اللوحة بجانبها ثم سألها :
انتِ رسامة ؟
- هزت رأسها و قالت : 
بحاول.
- ابتسم إليها وغادر من أمامها ثم عاد بعدها بدقائق واضعًا أمامها طبقًا ساخنًا  فـ اتسعت عيناها و أخبرته : 
أنا ماطلبتش ده.

- مسح يديه في المريلة الخاص به ثم أخبرها: 
وأنا ماحسبتوش.

- رفعت حاجبها و سألته : 
ليه؟
فأجابها قائلا : 
عشان مافيش حد يهرب من المطر ويستاهل يفضل جعان.
-ضحكت بخفوت  وكانت تلك الضحكة بداية كل شيء و 
توالت اللقاءات بعدها بصورة لم يخططا لها فـ 
أحيانًا تأتي لترسم البحر القريب من المطعم وأحيانًا يدعوها " ماجد "  لتذوق وصفة جديدة يريد رأيًا صادقًا فيها 
وكان رأي " مُنى" دائمًا صادقًا حد الإزعاج.

وذات مساء وضعت الشوكة جانبًا وقالت بجدية:
هي حلوة بس انت مغرور.
- انفجر ضاحكًا و تسائل :
ايه علاقة الأكل بالغرور؟
- أشارت نحوه و قالت : 
واضحة عليك.

_يعني ادوقك وفي الاخر مش عاجب

- ضحكت وهي ترتشف العصير و أخبرته : 
لا بس انت متأكد زيادة عن اللزوم إنك هتبقى حاجة كبيرة.

- اقترب منها مستندًا بيديه علي الطاولة و سألها : 
وأنتِ شايفة إني مش هبقى؟

- تأملته للحظة ثم قالت بهدوء:
شايفة إنك خايف تبقى عادي.
-صمت لأول مرة وشعر أن أحدًا يراه حقًا ومنذ تلك الليلة، صار وجودها عادة لا يريد الفكاك منها و تزوجا بعد عامين و كان زواجًا بسيطًا، بلا بهرجة في شقة صغيرة قرب البحر، وأثاث متواضع، وأحلام أكبر من المساحة نفسها لكن الغريب أن " ماجد " لم يشعر يومًا بالفقر معها فقد كانت "مُنى "  تملأ البيت بطريقة يصعب تفسيرها بالألوان و بالضحك وبالفوضى أحيانًا و كانت تترك فرش الرسم فوق الطاولة، وتنسى أكواب القهوة في أماكن عشوائية، بينما يطاردها هو متذمرًا طوال الوقت.

- وفي احدى الليالي ، وقف داخل المطبخ يعد العشاء، بينما كانت " مُنى"  تجلس فوق الرخامة تراقبه.

_ انزلي يا مُنى ، هتقعي. فقال دون أن يلتفت لها فأرجحت قدميها ببراءة و أخبرته :
مش هقع.

_كل مرة تقولي كده.
= عشان كل مرة بيبقى عندي ملاك بينقذني.
التفت إليها وهو يبتسم  و سألها : 
ملاك؟ ده اللي هو أنا؟
- هزت رأسها بثقة و أجابت بتأكيد : ايوه.

- اقترب منها وهو يحمل ملعقة خشبية ويلوح بها و أخبرها : 
طب الملاك ده جعان، ينفع يشتغل؟
-ضحكت ثم جذبته من مريلة الطهو فجأة و اردفت إليه :
سيب الأكل دقيقة.
- رفع حاجبه وسألها: ليه؟

-وضعت يده فوق بطنها برفق وعيناها تلمعان بشيء غريب و أخبرته : عندي خبر 
- تجمدت أنفاسه نظر إلى يده ثم إلى وجهها 
وهمس بنبرة متسائلة : بجد؟
-ابتسمت ببطء و هزت راسها ودمعت عيناها بسعادة و أخبرته: هنبقى تلاتة 

-ظل يحدق فيها لحظة طويلة وكأن الكلمات تحتاج وقتًا حتى تصل إلى قلبه ثم ضحك ضحكة خرجت من روحه كلها ورفعها عن الرخامة يدور بها داخل المطبخ وهو يُقول : 
مُنى والله كنت حاسس 

- صرخت وهي تضحك وأخبرته :
نزّلني يا مجنون. لكنه لم ينزلها وظل يحتضنها كأنه يخشى أن تختفي و انزلها اخيرا و حاوط وجهها بكفيه و التهم شفتيها بقبلة جنونية .

- وفي تلك الليلة لم يناما كثيرًا بقيا يتحدثان عن الاسم والغرفة والملامح والأحلام الصغيرة التي تصنعها الأبوة قبل أن تصنع الطفل وحين جاء " تَيم " تغير كل شيء و 
دخل الطفل حياتهما كضوء لا يشبه شيئًا آخر فقد 
ولد بعينين واسعتين وشعر بُني كثيف يشبه أباه، بينما ابتسامته الصغيرة كانت نسخة مصغرة من " مُنى "وأصبح البيت الذي كان يسكنه زوجان عاشقان يسكنه كون كامل .

- كان " ماجد " يلتقط له الصور باستمرار و يرفض النوم إن لم يحمله دقائق قبل الليل ويعود من العمل محملًا بالألعاب الرخيصة والهدايا الصغيرة أما " مُنى  " فكانت تراقبهما أحيانًا من بعيد وتشعر أن قلبها ممتلئ بصورة تخيفها من شدّة جمالها.

- ذات مساء كان " تَيم"  في الخامسة تقريبًا، يجلس فوق كتفي أبيه داخل المطبخ والدقيق يملأ وجهه الصغير فـ
ضحكت " مُنى " وهي تدخل حاملة لوحتها.

_يا خراب بيتك انتوا عملتوا حرب هنا؟

-ضحك " تَيم " و أخبرها :
أنا مساعد بابا 

- رفع " ماجد "  رأسه بفخر مصطنع و قال : ده الشيف المساعد بتاعي .

- اقتربت " مُنى "  وصورت المشهد بهاتفها و كانت الصورة عبارة عن أب يحمل ابنه وسط فوضى المطبخ والدقيق فوق شعرهما والضحكات تملأ المكان.

- تأملتهما لحظة طويلة ثم قالت بهدوء يشبه الدعاء:
ربنا مايحرمنا من اللحظة دي أبدًا.
- لم يعرف أحد منهم أن بعض الدعوات، حين تُقال من قلب خائف تكون أقرب إلى الرجاء منها إلى اليقين.

- وفي زاوية الغرفة ظلّت الصورة محفوظة داخل الهاتف.
صورة لعائلة كاملة قبل أن يأتي اليوم الذي يبتلع كل شيء.


تعليقات