رواية عودة بلا استئذان الفصل الثاني
بصلي بتركيز وقعد قدامي رجع بضهره لورا وهو بيسند إيديه على الترابيزة وعينيه لمعت بتحدي ..ونبرة صوته كانت أهدى من هدوء الليل..
_ وهي النص ساعة دي هتلحق تخليني أقول كل اللي جوايا يا ثيرا؟!!
جملته ونبرة صوته كانت مصممة تزلزل شوية الثبات اللي رسماهم قدامه .. حاولت اتكلم بصوت هادي ..
_ أعتقد مفيش بينا كلام غير عن الشغل وبس ..ياريت بسرعة مش عاوزة اتأخر عن كده .
بصلي بتركيز كأنه بيكتشفني من أول وجديد عينيه كانت بتقول مش دي ثيرا اللي عرفتها ..كأني واحدة تانية غريبة عنه..
ابتسم بهدوء وطلبلي قهوة ..وسألني بفضول ..
_ ليه سادة ؟! مكانتش شيء مفضل بالنسبة لك .
ابتسمت بسخرية وحركت فنجان القهوة بين إيديا، الصوت الصادر عن خبطته الخفيفة بالطبق كان هو الحاجز الوحيد بيني وبين عينيه اللي كانت بتحاول تقرأ كل تفصيلة فيا.
_ الأشخاص بتتغير، فالطبيعي الذوق هو كمان بيتغير.. ولا إنت فاكر إن الزمان بيقف عند لحظة واحدة .
كملت ببرود وأنا ببص في ساعتي..
_ القهوة وصلت، والنص ساعة بدأت.. ياريت تدخل في موضوع الشغل على طول عشان وقتي محدد.
نظراته كانت محاولة لاختراق الهدوء الظاهري اللي فرضته على نفسي ..بس في ثواني البرود اتحول لابتسامة هادية
= زي ما تحبي ..أكيد محبش أعطلك..
بدأنا في الشغل وعرضت كذا فكرة كانت عندي على اللاب..وعجبته واحدة منهم وبدأنا ننفذها..اندمجنا في تفاصيل التنفيذ بالنسبة كان الشغل أرحم من إني اتكلم معاه في أي شي تاني ممكن يدغدغ ثباتي.
كان شاطر مهتم بالتفاصيل..مش عاوز أي غلطة ..تركيزه كله ازاي يطلع شغل مميز ..مبيحبش التقليدية ..
وبما إني شبه حافظة تفكيره ..كنت مجهزة ده وماشية عليه .
اللي يشوفنا من بعيد يقول اتنين متفاهمين ..!
بس في الحقيقة إحنا كنا بنتحدى بعض ..كل واحد فينا بيحاول يبين للتاني قد اي لسه فاكره .!
وأخيرا..
بعد ساعات اتفك الحظر ..ورجع بضهره لورا بإرهاق ...
_ أظن الشغل ده هيكسر الدنيا ..فكرته جديدة ومحدش عملها قبل كده ..برافو عليكي.
لميت حاجتي بسرعة ..وقولتله وأنا بقوم ..
_ مش حاجة جديدة عليا يا بشمهندس أنا شغلي كله ناجح وجديد ..عن إذنك .
وقف قدامي بسرعة ..
_ استني أوصلك الوقت اتأخر..
اتخطيته بسرعة..
= لا شكرًا.
وقبل ما ألحق أخد خطوة واحدة ناحية الباب، لقيت إيده بتتحرك بتلقائية ومسك طرف الجاكيت بتاعي بشويش.. مش عشان يعطلني، بس كأنه خايف يلمس إيدي فأتراجع أو أصده..
وقف قصادي تماماً، والمرة دي اختفت ابتسامة التحدي وظهرت مكانها ملامح بدر الهادية اللي كانت بتطمني .. صوته نزل لطبقة هادية جداً، بس كل كلمة فيه كانت طالعة منه كانت شايلة حزن ..
_ خمس سنين يا أثير.. خمس سنين وأنا بتعلم إزاي أتنفس وأنتي مش معايا.. فاكرة إن السفر كان اختيار سهل؟ أنا سافرت وأنا مفيش في جيبي غير حلم إني أرجع شخص يستاهل يرفع راسك يا ثيرا، شخص يقدر يقدم لك الحياة اللي تستحقيها ومش يطلب منك تضحي بشيء..
تجمعت الدموع في عيني ..
_ ومين قالك إني مكنش عندي استعداد أعمل أي حاجة بس عشان علاقتنا تكمل يا بدر ..بس أنت اختارت الحل السهل وهو الهروب .
رد بحدة مفاجأة..
_ أنا مهربتش..أنا مهربتش يا ثيرا أنا حاولت كتير وإنتي أكتر واحدة عارفة كده كويس .
التفت حواليا ..ورجعت بصيتله..واتكلمت بصوت واطي ..
_ متعليش صوتك إحنا في مكان عام ..وأصلا الكلام دلوقتي معدش يفيد كل حاجة انتهت خلاص.
زفر أنفاسه بتعب ورد بهدوء وهو بيحرك رأسه بنفي ..
_ منتهتش يا ثيرا ..ولو انتهت زي ما بتقولي ..عندي استعداد أخلق بداية جديدة بيني وبينك من تاني .
قرب شوية ونزل لمستوايا..
_ أنا خسرتك زمان .. ومعنديش استعداد أخسرك تاني يا أثير .
خلص كلامه وسيبته وخرجت من الكافيه...وأنا بحس بالهوا البارد بيضرب وشي وبيفوقني من السحر اللي كان هيحبسني تاني..معرفتش أرد عليه كلامه كان فيه إصرار أكبر من مشاعري ..اختارت أهرب أنا من المكان.
________________//_____________//_______________
وصلت البيت بصعوبة، فتحت الباب ودخلت أوضتي على طول من غير ما أكلم حد.. رميت الشنطة والجاكيت وقعدت على طرف السرير، مسكت فوني وكنت بشوف المسجات، لقيت مسج من رقم مش متسجل عندي..
"عارف إنك هربتي، وعارف إن الكلام تقيل على قلبك.. بس المرة دي أنا مش همشي يا ثيرا، حتى لو اضطريت أبدأ معاكي من الصفر كل يوم."
قفلت الشاشة وحطيت الفون على الكرسي. غمضت عيني وأنا بحاول أستوعب إن القصة اللي افتكرت إنها اتقفلت رجعت تفتح ورقها من جديد ..كلامه كان بيتردد جوا دماغي..
" أنا خسرتك زمان ..ومعنديش استعداد أخسرك تاني يا أثير "
غمضت عيني بإرهاق اليوم كان تقيل عليا بشكل يخنق ..قطع دوشتي..خبط الباب وكانت ماما ..
_ أي يا أثير مش هتتعشي معانا يا حبيبتي..؟
ابتسمت بإرهاق..
_ لا يا ماما مش جعانة ..كلي إنتي أنا عندي شغل هخلصه وأنام.
دخلت بصتلي بشك ..
_ شكلك بيقول إنك مضايقة حصل حاجة في الشغل ؟
ابتسمت بتمثيل محترف وأنا بحاول أداري لمعة الدموع اللي في عيني، وهزيت رأسي بنفي سريع عشان أقطع أي شك عندها..
_ لا يا حبيبتي، مفيش حاجة خالص.. ده مجرد ضغط شغل ومشروع جديد كبير ماسكاه، والتفاصيل فيه كتير شوية.
قربت مني، وقعدت على طرف السرير جنب المكان اللي قاعدة فيه.. حطت إيدها الدافية على كتفي وبصتلي بالنظرة الحنونة اللي دايماً بتكشفني من غير ما أتكلم..
_ أنتي عارفة إنك مابتعرفيش تخبي عليا يا أثير.. عينيكي دي أنا حفظاها لما تكون شايلة هم.. بس لو مش حابة تتكلمي دلوقتي براحتك، المهم متجيش على صحتك ولا تحملي نفسك فوق طاقتك.
بوست إيدها بهدوء وقولت بصوت مبحوح..
= حاضر يا ماما.. أوعدك هخلص التقارير وأنام على طول.
سابتني وخرجت وقفلت الباب وراها بهدوء..رجعت ضهري لورا وسندت رأسي على الخشب.. الأوضة كانت ساكتة تماماً، بس صوت دقات قلبي كان هو الصوت المسموع في الأوضة.
مسكت فوني تاني وبصيت للمسدج.. السطور كانت بتلمع في الضلمة زي الشرر.. كلامه بيبتز كل نقطة ضعف جوايا، بيلعب على العشم القديم وهو عارف إن قلبي مهما كابر بيضعف قدام حنيته.
قمت وقفلت النور..وقفت عند الشباك وبصيت للسما.. النجوم كانت طالعة صافية والهدوء محاوط المنطقة كلها.. إلا دماغي اللي كانت بتغلي.
_ خمس سنين يا بدر؟ جاي بعد خمس سنين تقولي تبدأ من الصفر؟ وهي الخمس سنين دي كانت شوية وقت بنمسحهم باستيكة؟!
افتكرت ليلة سفره.. لما استنيت منه تليفون..رسالة..حتى لو سلام خاطف يطمني..استنيت يوم ورا يوم، شهر ورا شهر، لحد ما السنة بقت اتنين والتلاتة بقوا خمسة.. وفي الآخر جيت تعيد تشغيل الشريط وكأن مفيش حاجة اتكسرت..؟!!
صوت المنبه أعلن عن بداية يوم جديد..
وكأن الصبح بيستعجلني عشان أروح للمواجهة التانية..!
نزلت الشركة وأنا واخدة قرار إن الرقة اللي ظهرت مني امبارح مش هتتكرر.. دخلت مكتبي وقبل ما أقعد.. الباب اتفتح ودخلت زينة وفي إيدها باقة ورد أبيض ومعاها كباية القهوة السادة.
زينة بابتسامة عريضة وغامزة..
_ يا بخت اللي عنده عميل بيقدر الجمال ..الورد ده وصل مكتبي وقالوا يتبعت للبشمهندسة أثير فوراً.
مسكت الكارت كان مكتوب عليه بخط إيده المألوف ..
"القهوة السادة بتصلح المود.. بس الورد الأبيض بيصالح القلوب.. صباح الخير يا ثيرا."
قلبي دق دقة بعنف..بس قومت بسرعة وحطيت الورد على جنب من غير ما أظهر أي تأثر..وبصيت لزينة بجمود..
_ رجعي الورد ده لمكتبه يا زينة، وقوليله إن أثير مش بتقبل الهدايا.
زينة شهقت باستغراب..
_ أثير! أنتي بتهزري؟! بدر عامل كل ده عشان يصالحك أنتي ليه قاسية كده إديله فرصة..؟!
رديت بنبرة حادة..
_ أنا مش قاسية يا زينة.. أنا بس مش عبيطة عشان أقع في نفس الغلط مرتين.
وقبل ما زينة ترد.. سمعنا صوت خبط هادي على الباب.. واتفتح الباب وظهر بدر ..وقف وبص للورد اللي في إيد زينة وبعدين بصلي بثبات وهو بيعدل ساعته..
= صباح الخير يا بشمهندسة أثير.. جاهزة لاجتماع النهاردة ؟!
زينة اتوترت وانسحبت بسرعة من الأوضة.. وحطت بوكيه الورد على طرف المكتب وقبل ما تقفل الباب وراها بصتلي نظرة رجاء كأنها بتقولي .." أعقلي وبطلي تهور "
فضلت واقفة مكاني..ساندة إيدي على المكتب ومثبتة عيني في عينيه، الجمود اللي كنت رسمته على وشي كان بيحارب نبضات قلبي اللي فضحتني أول ما دخل.
_ صباح النور يا بشمهندس .. أنا جاهزة للاجتماع في أي وقت، لكن يظهر إن حضرتك اللي وقتك فاضي شوية وعندك طاقة لتصرفات مش مكانها الشركة خالص.
بص للورد الأبيض اللي على المكتب وبعدين اتنقلت نظراته لوشي، ابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيمشي بخطوات هادية ناحيتي لحد ما بقى بيني وبينه مسافة خطوة واحدة بس.
= الهدايا مش تجاوز يا أثير.. الهدايا اعتذار، ومحاولة لطيفة عشان نبدأ الصفحة الجديدة اللي قلتلك عليها.
رفعت راسي بصعوبة عشان أواجه طوله وهيبته، وقولت بنبرة حادة..
— والصفحة الجديدة دي مش مطروحة أصلاً يا بدر! وأنا مش بقبل بتجاوزات في الشركة ..اللي بينا شغل وبس وياريت تلتزم بده .
خلصت كلامي واتنفست بضيق لكنه خطى خطوة لورا.. وفتح الملف اللي كان في إيده، ورجع نبرته العملية المتصنعة تماماً وهو بيشاور على الأوراق..
= تمام يا أثير يلا بينا على قاعة الاجتماعات.. مستر أنس والفريق مستنينا، ولا حابة تتأخري على مواعيدك ؟؟
مشيت جنبه وقلبي بيتنفض.. البرود اللي بيتعامل بيه، والتنقل بين "بدر اللي بيحارب عشان يرجعني" و"بدر رجل الأعمال المغرور"، كان بيلعب على أعصابي بشكل يجنن.
وأخيرًا انتهى يومي وروحت بيتي ..
عقلي مشتت
قررت اقعد مع ماما وأحكيلها هي الوحيدة اللي بتسمعني
حتى سمعتني زمان على عكس بابا ..وطبعا مازن أخويا الكبير ..!
سندت رأسي على كتفها.. نفس الكتف اللي كان دايماً ملجئي زمان ودلوقتي..هي الوحيدة اللي كانت بتسمعني بجد وتفهمني من غير ما تحكم عليا، حتى في الأوقات اللي بابا الله يرحمه كان بيشوف فيها الأمور بعصبية أو بحدة، كانت هي بتلين الأمور شوية .
اتنفست بتعب وقلت بصوت واطي ومبحوح..
_ بدر رجع يا ماما..! ظهر فجأة في الشركة، وبقى هو العميل الأساسي اللي أنا ماسكة ملفه.
إيد ماما اللي كانت بتطبطب على شعري وقفت ثانية واحدة، وهزت رأسها ببطء كأنها كانت متوقعة أو خايفة من اللحظة دي..
_ بدر؟ بعد الخمس سنين دول كلهم يا أثير؟!
دمعة مهزومة نزلت من عيني..
_ وراجع فاكر إن كل حاجة ممكن ترجع زي زمان ببساطة.. جايب ورد، وبيناديني بدلعنا، ومصمم يفتح صفحة جديدة.. وأنا تعبت يا ماما.. تعبت وأنا بقاوم نفسي وبمثل البرود قدامه، وأنا من جوايا خايفة أضعف ويرجع يكسرني تاني.
ماما مسكت وشي بين إيديها الدافية.. وبصت في عيني بهدوء شديد وقالت..
_ السؤال مش هو عاوز إيه.. السؤال أنتي قلبك عايز إيه؟! مستعدة تسامحيه وتسمعي منه ولا قلبك رافض ده ؟؟
سكتّ ثواني...ودماغي كانت بتلف في دايرة مفيش منها خروج
بصيت في عينيها وقولت بصوت بيترعش..
_ مش عارفة يا ماما.. والله ما عارفة! جزء جوايا نفسه يصرخ ويسأله عن كل ليلة عشتها في حيرة، ونفسه يصدق إن الخمس سنين دول كانوا عذاب عليه زي ما كانوا عليا.. والجزء التاني مرعوب! مرعوب أفتح الباب اللي ما صدقت قفلته، فيرجع يكسرني ويمشي تاني وتضيع كل القوة اللي بنيتها.
ماما طبطبت على إيدي بحنان وقالت بنبرة هادية ..
_ اللي اختار يمشي زمان بدون ما يفسر، لازم يديكي الحق إنك ترفضي ترجعي بدون ما تبرري.. بس أنتِ يا أثير مش هترتاحي إلا لو عرفتي الحقيقة، مش عشان ترجعي له، عشان قلبك يهدى من الحيرة دي..أنا عرفاكي كويس .
قبل ما أرد على كلام ماما سمعت صوت أنا عرفاه كويس
كان مازن ..
_ إنتي أكيد مجنونة يا أثير أنتي بتفكري في الموضوع ..نسيتي كلام بابا عنه وطلع عنده حق ..لما جاتله فرصة سابك إنتي وضحى بيكي ومشي.. عاوزة تسمعي منه إي ؟؟
ماما قامت بتوتر وقفت قدامه..
مازن اهدى ياحبيبي..اتكلم مع أختك بالراحة الامور دي مش بتتاخد بعصبية.
مازن بصلي وعينيه غرقانة غضب وعتاب.. وقال بصوت حاد وزعق..
_ اهدى إيه يا أمي؟! حضرتك ناسية اللي حصل؟ ناسية إنه اختفى ومسابش حتى أسباب.. بابا الله يرحمه قالها من أول ما جالنا عشان عاوز يتجوزها..قالها بدر مستحيل يبقى قد المسؤولية..وبدر ثبت للكل إن بابا كان صح!
جاي دلوقتي يظهر بعد ما بنى نفسه وجاي يلعب بمشاعرها؟!
وقفت قصاده وحاولت أثبت بصوتي على قد ما أقدر..
_ مازن.. محدش قال إني هرجعله، وبرضو محدش قال إني نسيت! أنا بتكلم عن الشغل، هو عميل في الشركة وأنا المسؤولة عن شغله.. مش بإيدي أهرب!
قرب مني خطوة وبصلي بتحدي..
_ شغلك ده يتقفل يا أثير! أو يتنقل لأي مهندس تاني في الشركة فوراً.. أنا مش هسمح لشخص زي ده يدخل حياتك تاني حتى لو من باب الشغل!
ماما اتدخلت بصوت هادي بس صارم..
_ مازن! أختك كبرت وبقت مهندسة ناجحة وبتعرف تدير أمورها كويس.. نقل الشغل مش بالبساطة دي، وبلاش تضغط عليها أكتر من كده!
مازن زفر بضيق شديد ومسك تليفونه ومفاتيحه وهو باصصلي بنظرة أمل أخيرة..
_ أنا مش بضغط عليكي يا أثير.. أنا بخاف عليكي من الكسرة اللي عشتيها زمان.. ويا ريت تفتكري كويس هو عمل إيه قبل ما تدي له أي فرصة حتى إنه ينطق كلمة واحدة..!
سابنا ودخل أوضته وقفل الباب بحدة.. الأوضة رجعت هديت بس جوايا قلبي كان في بركان شغال بين كلام مازن المنطقي، وبين نبرة بدر ..
"أنا خسرتك زمان.. ومعنديش استعداد أخسرك تاني يا أثير".
______________//_______________//_______________
_ مستر أنس.. أنا بعتذر بس أنا مش هقدر أكمل في شغل شركة البشمهندس بدر.. وأتمنى حضرتك تنقل الملف لأي مهندس تاني في الفريق.
مستر أنس اتعدل في قعدته واندهش، وشبك صوابعه ببعض وهو يبصلي باستغراب شديد.
_ مش قادرة تكملي؟! أثير أنتي أشطر مهندسة عندنا وبدر نفسه هو اللي طلبك بالاسم عشان كفاءتك..! أسبابك إيه يا بشمهندس عشان ترفضي مشروع بالحجم ده؟!
رديت بثبات وحرص إني ما أدخلش في تفاصيل..
_ لأسباب شخصية يا فندم، وأعتقد ده حق يعفيني من الشغل على المشروع عشان ميأثرش على جودة النتائج.. الشركة فيها كفاءات كتير وتقدر تشيل الملف بكفاءة عالية.
لسه مستر أنس هيعترض.. الباب اتفتح بهدوء، ودخل بدر!
كان واقف بصلابته وهيبته وعينيه وقعت على طول الملف اللي على ترابيزة مستر أنس.. وبعدين اتنقلت لوشي..وكانت عينيه مليانة اندهاش مخلوط بوجع مكتوم..
قال بجدية..
_ سيب كل واحد على راحته يا أستاذ أنس..أنا أهم حاجة عندي شغلي يطلع مظبوط ومش بحب الغلطات..
لو المهندسة أثير مش قادرة تكمل الشغل أنا موافق تسيبه.!
خرجت من المكتب بخطوات سريعة ومشدودة..وخطوات بدر ورايا كانت ثقيلة وهادية.. أول ما دخلنا مكتبي، قفلت الباب وعطيت ضهري ليه وأنا بفتح اللابتوب وبطلع الملفات بنفسي..
وقف ورايا بمسافة قريبة ونبرته الحادة والباردة اختفت تماماً وحل مكانها صوت هادي ومجروح..
_ للدرجة دي مش قادرة تقفي في نفس المكان معايا يا ثيرا..؟ للدرجة دي وجودي بيخوفك؟!
لفيت ليه وأنا ماسكة الفلاشة في إيدي وبصيت في عينيه مباشرة..
_ أنا مفيش حاجة بتخوفني.. أنا بس بحمي نفسي وبحترم شغلي، والشخص اللي سابني زمان من غير سبب، ملوش مكان في حياتي دلوقتي ولا حتى في مساحة شغلي.
قرب خطوة وأخد الفلاشة من إيدي، عينيه كانت بتترجاني أصدقه لما قال بحدة..
_ أنا مسيبتكيش من غير سبب.. وأقسملك إني عمري ما بعتك.. السفر كان الشوك اللي دست عليه عشان أرجعلك شخص يملى عين الكل، شخص يقدر يقف قدام باباكي ومازن ويقولهم أنا أستاهلها.
دمعة محبوسة لمعت في عيني بس مسكت نفسي بالعافية..
_ المتأخر ملوش قيمة يا بدر.. وأنا مش هستنى لما تهد السور اللي بنيته حولين قلبي طول الخمس سنين دول.. اتفضل شوف شغلك، وعن إذنك المهندس الجديد هيتواصل معاك.
مشيت وسبته واقف في نص المكتب، ماسك الفلاشة وعينيه متعلقة بيا بقلة حيلة، وأنا طالعة بحاول أتنفس وكأن الهواء اللي في المكان خلص كله.
_ مكانش ليكي حق يا أثير.. ليه عملتي كده؟!
اتنهدت بتعب وسندت راسي على المخدة..
_ معرفش يا زينة.. أنا لقيت نفسي صحيت الصبح، روحت قولت لمستر أنس مش عاوزة أكمل.
سكتت زينة ثواني كأنها بتمتص الصدمة..وبعدين سألتني بفضول..
_ طيب وبدر عمل إيه؟!
ابتسمت بسخرية ووجع مكتوم وقولت..
_ مش هتتوقعي.. وافق، وبسرعة كمان!
ردت باستغراب شديد ونبرة اندهاش..
_ غريبة!.. متمسكش بيكي؟
_ لا.
_ طيب أنتِ كويسة؟
مسحت دمعة هربت من عيني وجمعت كل القوة اللي فاضلة في صوتي عشان أبان متماسكة..
_ جداااا يا زينة.. المهم دلوقتي هقفل عشان أنام، متنسيش تمضي مستر أنس على طلب الإجازة، مش هعرف أجي الأيام دي.
زينة اتنفست بصدمة وزفرت بتعب..
_ إجازة؟! يا أثير أنتي بتهربي! أسبوع إجازة مش هيحل المشكلة، ده غير إن مستر أنس هيضايق جداً إنك بتسيبينا في الوقت ده ..!
رديت بصوت مبحوح ومجهد..
_ أنا محتاجة أبعد وأفصل، مخي هيقف من التفكير! ومستر أنس وافق خلاص على نقل الملف، الشغل مش هيقف عليا يعني يا زينة .
زينة سكتت شوية ونبرتها هديت خالص وبقت مليانة حنية
_ ماشي يا أثير.. هعملك اللي أنتي عايزاه وهخليه يوقعلك طلب الإجازة.. بس المهم إنك ترتاحي يا حبيبتي.
_ شكراً يا زينة.. تصبحي على خير.
قفلت المكالمة وحطيت التليفون جمبي الأوضة رجعت ضلمة وساكتة، بس صوت أفكاري كان عالي جداً.
"ليه وافق بسرعة كده؟ ليه متمسكش بيا قدام مستر أنس زي ما كان بيقول في الكافيه والمسدجات؟! ولا كلامه كان مجرد شعارات وما صدق لقي مخرج؟؟
عدى يومين وأنا محبوسة في أوضتي..
وفي اليوم التالت الباب كان بيخبط وروحت أشوف .. أول ما فتحت كانت الصدمة بالنسبة لي..
_ بدر؟؟
قبل ما ينطق بكلمة، وقبل ما أحاول أستوعب إنه قدامي ..
ظهر مازن أخويا ورايا.. أول ما شافه عصبية الدنيا كلها اتجمعت فيه ..
صرخت برعب وأنا بحاول أقف في النص بينهم..
_ لا مازن استنى!
