رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثالث
وقفت الكلمة في حلق «غَالِيَة» كأنها شفرة موس... اتجمّدت عيونها الخضرا المكسورة على الباب اللي اتفتح فجأة، وظهر على عتبته «يُونُس» بطوله المديد.
كان ماسك أكياس العلاج في إيده، وعيونه السودة مثبتة عليها بنظرة غريبة، مشروخة بين الوجع والشهامة...
بقلمي نسرين نادر
سمع كل حرف؟
سمع إنها بتطفي نار قلبها، وبتقنع نفسها إنه مش شايفها أكتر من مجرد بنت اتربت في دار أبوه؟
وقبل ما ينطق حرف واحد، شق سكون الدوار صوت «رَجَب» وهو طالع بغل، بيزعق في صالة الدوار قدام الكل:
— «كيف يطلع بنفسه ويشيل البت قدام الخدامين وإحنا كلنا؟! وكيف يدخل بيها جناحه الخاص ويحطها على سريره المخصوص؟! لو ناس البلد برّه وشهبندر التجار سمعوا بالحكي ده، هيقولوا إيه عن دوار العمدة؟! إحنا كده سيرتنا بقت على كل لسان بسبب بت خدامة!»
ردت أمه «وَصَال» وهي بتهز دراعها وبنزق في الكلام:
— «ولدي عنده ألف حق يا حاج نعمان! بقت بت حتة خدامة لا راحت ولا جادت تنام في جناح بن العمدة وتتنعّم في سريره، ورجب ولدي يتعيّب عليه ويطلع هو الظالم؟! دي سيرة الدوار بقت على كل لسان!»
اتدخل «عبد الرحيم» وهو بيعدل شاله، ورمى كلمته المسمومة في النص:
— «والله يا جماعة رجب ما قالش زور... الأصول أصول برضه، ويونس كبر وبقى بن العمدة، وما يصحش حركة كيف دي تصدر منه قدام الغريب واللقريب!»
انتهزت «سَمَر» و«رَاوِيَة» الفرصة، وقربوا من «صفية» يغزوها بالكلام:
— «وبعدين يا خالة صفية... البت غالية مش سهلة، وعارفين كيف تتمسكن وتستغل مرضها وتعمل الحيلة دي عشان تطمع في يونس وتلفت نظره ليها، وهتطلعنا إحنا اللي شياطين في الآخر!»
انتفضت «صفية» من مكانها وردت بحسم يخرس الكل:
— «اخرس منك ليها! واقفين تتحدثوا وتتبلوا على البنية وأنتوا عارفين إنها كانت بين الحياة والموت؟! يونس ولدي سيد الرجالة، واللي عمله ده عشان ما يسيبش بنية اتربت في بيتنا تموت في البرد ولا يدخل في عرضها واصل! إياك حد فيكم يتجرأ وينطق اسمه بنص كلمة!»
وانطلق صوت الحاج «نُعْمَان» يرجّ الدوار:
— «إيه الكلام اللي بتقولوه عن البنية ده؟! اقفل خشمك منك ليها ومسمعش صوت واصل! بتنا كانت بتموت، وجايين تتحدثوا في العرض والكرامة؟! نسيتوا عملتكم البارحة؟ إنتِ وولدك يا وصال، لما قعدتوا تكسروا في البنية وتتعبوها لحد ما كانت هتروح فيها؟! جايين دلوك تعملوا عليا أوصيا؟!»
اتقدم «مَنْصُور» خطوة ودخل في النص بصوت حاسم:
— «عيب يا جماعة الكلام ده! الحكي في عرض البت حرام وما يصحش واصل! غالية كانت بتموت بين الشوالات، واللي عمله يونس ده من دافع شهامة طول عمرنا عارفينها فيه... يونس طول عمره راجل وجدع، وما يرضاش بالظلم!»
فوق العتبة، كان «يُونُس» سامع كل كلمة بتتقال تحت في حقه وحق غالية. اتنفخت عروق رقبته من الغضب، والتفت لغالية، ومشى ناحيتها بخطوات سريعة، ودب أكياس الدوا في إيد «زينب» بجمود:
— «خدي الدوا ده يا زينب... شربيها العلاج واهتمي بيها زين. ورايا شغلة تحت لازم تتقفل دلوك.»
ولف بضهره في لمح البصر، ونزل السلم بخطوات سريعة ترجّ المكان.
جوة الجناح، انخرعت «غالية» وحطت إيدها على قلبها اللي كان بيلطم في صدرها، وغطت وشها برعب، ودموعها نزلت من غير توقف:
— «يا مري يا مري على الكلام اللي بيقولوه! يابوي على الشغلة... هيبهدلوا سيرة سي يونس بسببي!»
وقامت بالعافية تحاول تلم جسمها عشان تمشي من الأوضة، لكن «زينب» مسكتها فورًا وردتها مكانها:
— «بتعملي إيه إنتِ يا غالية؟! اقعدي مكانك الله يبارك لك! الدوار شايط كله تحت، وأخوي يونس لو شافك اتحركتِ ولا نزلتي، هتقوم وهتزيد النار زيادة! اقعدي، إنتِ تعبانة وما فيكيش حمل حركة واصل!»
قربت «كريمة» وقالت بهدوء وهي بتطمنها:
— «ريحي نفسك إنتِ يا غالية، وأنا هنزل على الهادي أشوف إيه اللي بيحصل تحت... بس إنتِ يا زينب، اديها دواها وخليها تاكل زين لحد ما أرجع لك.»
سابقتهم كريمة وخرجت تتسحب على السلم، بينما قعدت زينب جنب غالية على طرف السرير.
بصت لها غالية بعيون مرعوبة:
— «تفتكري... تفتكري يونس سمعني يا زينب وأنا بتحدث مع نفسي؟!»
تنهدت زينب بقلق:
— «والله ما أنا عارفة يا غالية... يمكن سمع ويمكن لأ. باله كان مشغول بالزعيق اللي تحت، فما ركزناش. اللي فيه الخير يقدمه ربنا.»
بقلمي نسرين نادر
حطت غالية وشها بين إيديها وبكت بقهر:
— «كل اللي بيحصل في الدوار الليلة دي كله بسببي... يا رب كان يكرمني وأموت ويتطفي سري، ولا أكون سبب في المشاكل دي كلها!»
زغدتها زينب في كتفها بنهرة جدعة:
— «فوقي لكلامك يا بت إنتِ! استغفري ربنا وما تدعيش على روحك واصل! قسمة ربنا ومكتوبة، ويونس أخوي راجل وما يسيبش حقه ولا حق حد دخل في حمايته
شق «يُونُس» درجات السلم زي الصقر اللي نازل على فريسته، وكان صوت رزة جزمته على الخشب بيهز المكان ويخرس كل السكاكين اللي كانت شغالة قطع في العرض!
أول ما رجله وطت الرخام، اتلفتت العيون كلها عليه. الهيبة والشرار اللي طالعين من عيونه خلوا «وصال» ترجع خطوة لورا، و«سمر» و«راوية» يبلعوا لسانهم في ثانية.
وقف يونس في النص، بطوله المهيب، وعيونه مثبتة على «رجب» اللي بيحاول يسند طوله ويتظاهر بالشجاعة، لكن ركبه كانت بتخبط في بعضيها.
قرب يونس منه بخطوات بطيئة، وصوته خرج حاد يقطع السكوت:
— «عِد كلامك يا رجب... وقفه في زورك قبل ما تطلعه، عشان اللي هيطلع من خشمك دلوك مش هتحاسب عليه بالحكي... هتحاسب عليه بدمك!»
طفر رجب بغل، وهو بيحاول يقوي قلبه قدام أبوه وأمه:
— «إيه يا يونس؟! جلت إيه عاد غلط؟! الدار كلياتها بتتحدث، وجاي تعمل عليا رجولة؟! كيف شايل بت خدامة وطالع بيها جناحك وتنوّمها في سريرك؟! إحنا رجال ولينا كلمة، وما نرضاش العار!»
في أقل من لمح البصر، اتمدت إيد يونس وقبضت على زمارة رقبة رجب بعنف هز جسمه كله. رفعه لفوق، وعيونه بتطلع نار، وصرخ بصوت زلزل المكان:
— «العار يا فافي هو اللي عملته إنت وأمك لما رميتوا بنية مريضة في الممر والبرد لحد ما كانت هتموت! العار هو اللي واقف ينهش في عرض بنية اتربت في بيت العمدة وهي بين الحياة والموت! غالية في حمايتي... واللي ينطق اسمها بكلمة ناقصة، أقطع لسانه وأرميه للكلاب قدام الباب!»
بقلمي نسرين نادر
وفي وسط معمعة الصراخ والشرار المشتعل، كانت «نِعمة» قاعدة في ركن عتمة على الكنبة، حاطة إيدها تحت خدها، وعيونها اللامعة بالشر بتتبع كل حركة ونظرة بين يونس ورجب والعيلة. كانت بتراقب بخبث وشماتة، وبترصد اللحظة اللي النار هتاكل فيها الحطب كله. ومن غير ما تنطق بحرف، كانت ابتسامة مسمومة بتترسم على وشها.
صرخت «وصال» وهي بتلطم على صدرها:
— «الحقنا يا عبد الرحيم! الحق ولدك يا حاج نعمان! هيقتله!»
زعق العمدة «نعمان» وهو بيمسك عكازه ويدب بيه في الأرض:
— «سيبه يا يونس! سيبه وما تتوسخش بيه!»
اتخشّب «عبد الرحيم» وما قدرش ينطق بحرف، وتراجعوا «سمر» و«راوية» لورا وهما مرعوبين.
رمى يونس رجب على الأرض بكل قوته، لدرجة إن رجب اتكفى على وشه واتأوه بوجع.
قرب «مَنْصُور» وحط إيده على كتف يونس يهديه:
— «حقك علينا يا يونس... حصل خير، ورجب أخد جزاه وزيادة قدام الكل.»
نفض يونس إيد منصور بهدوء، ونظر لرجب اللي قاعد بيمسح الدم اللي نزل من شفته، وقال بصوت واطي لكنه مزلزل:
— «غالية تقعد في الجناح، وتتعالج، وتتخدم كيف الهوانم... واللي مش عاجبه، الباب مفتوح يفوت جمل!»
كانت «كريمة» واقفة على رؤوس السلم، إيديها على صدرها وجسمها كله بيتراعد. أول ما لف يونس ضهره، اترعبت وراحت متسحبة بخطوات سريعة وراء الحيطة.
وعقلها بيلف:
(يا بوي على يونس... ده خلّى اللي ما يشتري يتفرج على رجب! ده غالية عنده بالدنيا وما فيها!)
جريت كريمة على أطراف صوابعها، ودفعت باب الجناح ببطء.
بقلمي نسرين نادر
جوة، كانت «غالية» قاعدة على حافة السرير، إيديها المرتعشة ماسكة في أطراف الملاية، وعيونها المليانة دموع متعلقة بالباب. جنبها كانت «زينب» رايحة جاية في الأوضة من القلق.
أول ما الباب اتفتح ودخلت كريمة، نطت زينب عليها وقبضت على دراعها:
— «جِري إيه تحت يا كريمة؟! انطقي يا بت! يونس عمل إيه مع رجب والعيلة؟!»
قعدت كريمة وهي بتحط إيدها على قلبها، وبصت لغالية بعيون كلها ذهول:
— «يا مري يا زينب... أخوك يونس نزل تحت زي قضاء ربنا اللي ما يتردش! والله ما خلّى حد فيهم يفتح خُشمه بكلمة!»
حطت غالية إيدها على فمها، وصوتها خرج مخنوق:
— «عمل إيه يا كريمة؟... قولي لي والنبي. مسكوا في بعض بسببي وبسبب سمعتي اللي اتمرمطت تحت؟!»
ردت كريمة بتأثر:
— «اتمرمطت إيه يا غالية؟! ده يونس جاب حقك وزيادة من نفوخ رجب! مسكه من زمارة رقبته قدام العمدة وأبوي عبد الرحيم والحريم كلياتهم، ورفعه لفوق وقال له: "غالية في حمايتي... واللي ينطق اسمها بكلمة ناقصة أقطع لسانه وأرميه للكلاب قدام الباب"! رمى رجب على الأرض وخلى الدم يشر من شفته!»
اتسمرت غالية مكانها، وعيونها اتسعت بذهول وصدمة. حبست أنفاسها وهي مش مصدقة.
(يونس عمل كل ده عشان يرفع شأنها ويحميها؟!)
كملت كريمة:
— «خلّى مرت عمك وصال تتخرس وما تعرفش تنطق، وسمر وراوية رجعوا لورا مرعوبين... وقال لهم بملء خُشمه: "غالية تقعد في الجناح، وتتعالج، وتتخدم كيف الهوانم... واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل"!»
بقلمي نسرين نادر
ضربت زينب كف بكف وابتسمت بفخر:
— «أخوي يونس طول عمره راجل وسيد الرجالة... ما يرضاش بالظلم ولا يسيب حقه ولا حق اللي دخل في حمايته واصل!»
لكن غالية نزلت دموعها بسخونة على خدودها، وغطت وشها بإيديها المرتعشتين وبكت بصوت واطي.
قربت زينب منها وحطت إيدها على كتفها تهديها:
— «ما تبكيش يا غالية... ده حقك وهيرجع لك، ويونس أخويا قفل الخشم اللي اتجرأ ونطق اسمك!»
رفعت غالية وشها المبلول بالدموع، وبصت لزينب بعيون مكسورة:
— «أنا مش ببكي عشان حق رجع يا زينب... أنا ببكي عشان خايفة. يونس فتح على روحه نار مش هتنطفي بسهولة... وصال ورجب وسمر وراوية مش هيسكتوا، والغل هيزيد في قلوبهم. غير إن... كيف هبص في وشه بعد اللي حصل ده كله؟! إكده الباقيين هيقولوا كلام أكبر وأعرّ!»
وقبل ما تخلص غالية كلامها، سمعوا صوت خطوات ثقيلة وبطيئة جاية في الممر، وقفت فجأة قدام الباب. السكوت خيِّم تمامًا على الأوضة.
كريمة وزينب اتجمدوا، وغالية رفعت راسها، ونبضات قلبها بقت تدق في ودانها زي الطبول.
الباب اتزق ببطء...
وظهر «يُونُس» على العتبة.
نقل يونس نظره بين البنات، وقال بصوت جاف وحاسم ما يقبلش النقاش:
— «سيبوا الدوا يا زينب... وانزلي إنتِ وكريمة تحت. ورايا حديث مع غالية.»
تبادلت زينب وكريمة النظرات بسرعة، وحطت زينب أكياس العلاج على الترابيزة جنب السرير، وانسحبوا الاتنين على أطراف صوابعهم وخرجوا وقفلوا الباب وراهم ببطء.
بقيت «غالية» وحدها قصاده. كانت قاعدة على طرف السرير، لامة جسمها ومكفية وشها في الأرض، وإيديها المرتعشة ماسكة في الملاية بعنف.
نبضات قلبها كانت بتدق في ودانها زي الطبول، وكل ما خطوة من جزمته تقرب منها على الرخام، جسمها يتراعد أكتر.
بقلمي نسرين نادر
وقف يونس قصادها، وحط إيديه ورا ضهره، وبص لها بجمود ظاهري يداري بيه النار اللي بتاكل في صدره.
رفعت غالية راسها بالعافية، وعيونها الخضرا المكسورة والمبلولة بالدموع جت في عيونه. نطق لسانها بصوت مرتعش ومخنوق:
— «ليه عملت إكده يا سي يونس؟... ليه نزلت لهم وفتحت على روحك باب نار بسببي؟ كده... كده كلامهم وزعيقهم هيزيد، وهيركبونا الكلام أكتر ويقولوا البت اتسحبت للدوار عشان...»
قاطعها يونس بنبرة حادة قطعت كلامها:
— «اقفلي خشمك يا غالية... ومسمعش منك الحديث ده واصل!»
ثبت عيونه في عيونها، وكمل بكبرياء ورجولة، وقسوة مصطنعة عشان يقطع عليها أي أوهام:
— «إنتِ فاكرة بن العمدة بيعمل إكده عشان كلام الحريم واللغد اللي تحت؟! ولا فاكرة إني نسيت الأصول؟ إنتِ كيفك كيف زينب وكريمة عندي... بنية اتربت في بيت أبوي، ولما تقع في محنة ولا يمسها الموت، يبقى واجبي ونخوتي يوقفوني في وش الكل لحمايتها. أنا رديت الجميل يا غالية... نسيتي زمان لما كنتِ بتداري عليّ وإنتِ صغيرة من قسوة أبوي في المزرعة، وتجيبي لي المية والواكل في السر؟ بن العمدة ما ينكرش المعروف، ولا يسيب أخته تتمرمط سمعتها قدام الخلق!»
وقع الكلام على قلب غالية زي الصخر. اتسعت عيونها بوجع، وسرت برودة ثلج في عروقها.
أخته؟ ورد جميل؟!
في السكتة اللي خيّمت على الأوضة، ترادفت في ذهن غالية الحيرة والكسرة، واسترجعت بالنص كلام الحاجة صفية اللي قالته لها:
(«يونس ولد اللي جابك هنية يا غالية وكان قلقان عليكِ قوي... الله يصلح حاله ويحميه ويدوم عمره، عنده نخوة وبيعتبرك زي زينب وكريمة أخواته بالظبط، ما يرضاش بالظلم لأي حد كبر في دار أبوه... ده حتى نزل من البندر المرة دي عشان خلاص كبر، وأنا وأبوه ناويين ننقي له العروسة بالأصول ونفرحوا بيه!»)
غمضت غالية عيونها بسخونة، ودمعة مكتومة نزلت على خدها الصافي. صدقت إن كل اللي بيعمله مجرد نخوة وواجب.
وردت بابتسامة مكسورة ونبرة مليانة انكسار:
— «حقك عليّ يا سي يونس... تسلم نخوتك وشهمتك، وعمر غالية ما هتنسى إنك وقفت في وش أهلك عشان تنقذ روح أختك.»
هز يونس راسه بجفاف هادي:
— «تاخدي دواكِ وترتاحي... وما أسمعش رجلك وطت رخام الصالة تحت لحد ما تطمني خالص.»
لف يونس ضهره وخرج، وقفل الباب وراه ببطء.
أول ما رجله وطت الممر العتمة برّه الجناح، وقف يونس وسند ضهره على الحيطة اللي وراه. غمض عيونه بعنف، وأخد نفس طويل ومكتوم كان هيشق صدره نصين. قبض على إيده بقوة لدرجة إن أظافره غرزت في لحم كفه.
كان زعلان ومكوي في سره إنها صدقت كلامه بسهولة، وافتكرت إنه فعلًا بيعتبرها أخت ومش في باله واصل!
افتكر زمان... من يوم ما كانت طفلة لسه بضفاير، وصورتها مش بتفارق باله ولا قلبه. افتكر لما كبروا، وسرقوا أوقات صغيرة في السر من ورا أبوه، لما كان يطالع في عيونها الخضرا ويحلف لها بصوت واطي إنه عمره ما هيتجوز غيرها، ولا هتملا عينه ست تانية في الدنيا. افتكر كيف كانت هي الوحيدة اللي بتهوّن عليه المُر كلياته، وما كانش بيرتاح ولا يهون عليه التعب والشغل اللي شايله فوق كتافه غير لما يشوف ضحكتها وابتسامتها اللي بترد فيه الروح.
عصر يونس قلبه بلوعة وعشق دفين، وقال في سره بوجع ورجولة:
(«أختي؟! كلمة أختي دي شقت قلبي قبل ما تشق قلبك يا غالية... بقى هان عليكِ تصدقي إنك كيف زينب وكريمة في قلبي؟! والله لو أطول ألمّك في حضني دلوك، وأشيلك من وسطهم كلياتهم وأكون لك الأهل والناس والسند لأعملها... بس العيون تحت، مبقاش ليها شغلانة غيرنا، وكبرياء بن العمدة والخوف على سمعتك هما اللي كاتفين لساني... بس معلش، الصبر حلو... وكله بأوانه يا غالية. والله ما هتكوني لغيري!»)
مسح يونس وشه بإيده بغضب ورجولة، وعدل شاله على كتفه، ومشى بخطوات ثقيلة في الممر، والنار جواه بتاكل الأخضر واليابس.
