رواية طيور تهوى الخداع الفصل الثاني
[ متاهة ]
ماتَ الهوى فتعالَ نقسِمُ إرثَهُ
بيني وبينكَ والدموعُ شهودُ
خُذْ أنتَ مني ذِكرياتك كُلّها
وأنا سأحمــلُ خيبتي وأعودُ
_ جمعة جارد _
------------------------------------------------------------
إن البشر لا يتوقفون أبدًا عن إدهاش بعضهم بعضًا؛ ففي كل يوم، يكتشف أحدهم في الآخر وجهًا لم يخطر بباله يومًا أنه موجود، وجهًا يتجاوز أسوأ ما نسجه الخيال، ويتخطى أكثر الكوابيس قسوة.
كانت "سهر" تظن أنها تعرف "طارق" حق المعرفة، توقعت أن يثور فور علمه بأنها ذهبت إلى "نوارة" وأخبرتها بزواجهما، لكنها كانت واثقة أن غضبه سيخبو ما إن يعلم بحملها إلا أن ما حدث جاء على النقيض تمامًا.
عاد "طارق" إلى المنزل بينما كانت "سهر" تقف على مقربة من الباب تستعد للمغادرة، بعد أن أنهت كل ما أرادت قوله لـ"نوارة".
وما إن وقع بصر "بلال" على والده حتى اندفع إليه، وعيناه تستغيثان:
بابا هو أنت متجوزها؟
طالعت "سهر" "طارق" بقلق، مترقبة أي رد فعل على خبر زواجهما الذي انكشف للتو، لكن ملامحه ظلت جامدة، وكأن ما يدور حوله لا يعنيه، وفي تلك الأثناء، ازداد بكاء الصغيرة "إيمان" إلا أن ذلك لم يثن "بلال" عن أن يهتف بإلحاح:
رد عليا يا بابا، الست دي قالت كلام كله كذب لماما، قالت إن أنت جوزها
_ وإني حامل يا "بلال".
قاطعته "سهر" وهي لا ترفع عينيها عن "طارق"، انتظرت أن ينعكس الخبر على ملامحه؛ دهشة، فرحة، حتى صدمة لكنه لم يُبد أي رد فعل.
ابتسمت بهدوء وقالت:
نسيت تقول لبابا الخبر السعيد ده
ثم أضافت وهي لا تزال تحدق فيه:
مفيش مبروك يا "طارق" ولا إيه؟
لم يرد "طارق" على شيء مما قيل، وكأن كل الأصوات من حوله قد تلاشت.
اتجه مباشرةً نحو "نوارة"، التي منذ أن وطأت قدماه المنزل لم تحد بنظرها عنه.
كانت تحدق فيه بالنظرة ذاتها، نظرة أثقلها الخذلان حتى غدت أبلغ من أي عتاب.
لم يستطع احتمالها، فجثا أمامها على ركبتيه، وقال بصوتٍ خرج متهدجًا:
"نوارة" أنا هفهمك.
تحركت "سهر" خلفه، غير مصدقة ما يفعله، أرادت أن تعرف إلى أين سيصل، ومتى سينتبه إليها، وكيف سيبرر كل ما حدث.
ولم تجبه "نوارة"، بل انتبهت إلى "بلال" الذي غرق وجهه في خيبة موجعة بعد صمت والده، فلم تحتمل أن تراه هكذا
ابتسمت له ابتسامةً واهنة، كأن شيئًا لم يكن، وقالت:
ممكن يا "بلال" تاخد "إيمان" وتروح عند طنط "أمل"؟
كانت تقصد جارتهما التي اعتاد أطفالها التردد عليها، حتى صار "بلال" صديقًا لهم.
لكن "بلال" هز رأسه رافضًا، وقد امتلأت عيناه بالدموع، مزق ذلك قلب "نوارة"، فرفعت بصرها إلى "طارق".
لم تحتج إلى عتاب، كانت عيناها تحملان اتهامًا صامتًا، يخبره بأنه المسؤول الأول عن حالة ابنه الآن، فقط نطقت:
شوف "بلال".
أفاق "طارق" أخيرًا على وقع كلماتها، وأدرك أن ابنه لا ينبغي أن يشهد كل هذا.
استدار إليه، فاستقبله "بلال" بالنظرة نفسها التي كانت تملأ عيني "نوارة"، نظرة لم يجد فيها سوى النفور والخذلان.
انقبض قلبه، وأسرع يتقدم نحوه محاولًا استمالته:
"بلال" أنت صاحبي وأنا هفهمك كل حاجه، أوعدك يا حبيبي هنقعد ونتكلم بس دلوقتي روح عند طنط "أمل".
لم يزده "بلال" إلا صمتًا فأغمض "طارق" عينيه بإرهاق متمنيًا لو أن كل ما يحدث ليس سوى كابوس، وسيستيقظ منه بعد قليل
ثم وقع بصره على "إيمان" التي لم تتوقف عن البكاء، فتذكر تعلق "بلال" بها، فقال برفق:
شايف أختك بتعيط ازاي وعماله تبصلك، خدها يلا يا "بلال" واسمع كلام ماما.
ثم انتزع ابتسامةً شاحبة، وأضاف:
وأنا هخلص وأنزل أجيبك ونتكلم.
انتقلت نظرات "بلال" بين أبيه و"سهر" الواقفة خلفه
كانت تطالعه بعينيها الخضراوين في هدوءٍ أثار اضطرابه، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الحق يقف في صفها هي.
ثم التفت إلى "نوارة"، فرأى في عينيها رجاءً صامتًا بأن يغادر.
زفر باستسلام، وتوجه إلى "إيمان"، أمسك بكفها الصغير، ثم مضى بها خارج المنزل.
كان رحيل "بلال" بمثابة الإذن الذي انتظره "طارق"، استدار نحو "سهر" التي كانت تراقبه في ترقب، ثم اندفع إليها، وقبض على مرفقها بعنف وهو يهدر:
أنتِ لسه واقفة عندك بتعملي إيه؟
واصل دفعها نحو الباب، عازمًا على طردها، لكنها انتزعت ذراعها من قبضته بصعوبة، وصاحت:
سيب إيدي يا "طارق".
ثم واجهته بغضب لا يقل عن غضبه، وقالت:
هي دي مبروك على خبر حملي؟
واستدارت تشير إلى "نوارة"، التي كانت تتابعهما في صمت، وأضافت:
هي دي شكرا بتاعتك على إني استحملت أفضل في السر علشان خاطرها؟
ابتسمت "نوارة" بسخريةٍ مُرّة، قبل أن تقول بنبرة يقطر منها القهر:
لا...كتر خيركم والله.
ولم تمهل "سهر" أحدًا فرصة للرد، وكأن كلمات "نوارة" كانت موجهة إليها وحدها، فالتمعت الدموع في عينيها وهي تقول:
اه كتر خيري يا "نوارة"، أنا مراته زيي زيك، ورغم كده قبلت أعيش معاه بالشكل ده علشان متتجرحيش
واسترسلت، وكأن ما كتمته طوال الأشهر الماضية وجد أخيرًا طريقه إلى للخروج:
بس عارفه بقى أنا كام مره اتجرحت وهو بيهملني علشانك؟، عارفة كان إحساسي إيه وهو مانعني من الخلفة علشانك؟
_ اخرسي بقى
صاح بها "طارق"، وهو يجذبها بعيدًا عن "نوارة"، محاولًا إسكاتها، لكنها لم تستجب، وأكملت دون أن تعبأ:
طب بلاش كل ده ...عارفة كام مره وعدني إنه هيحاول يصارحك أو حتى يمهدلك، وفي كل مره كان بيرجع في كلامه؟
لم يحتمل "طارق" الانتظار أكثر، فأسرع إلى "نوارة"، وأمسك بكفيها، متوسلًا أن تنظر إليه:
"نوارة" أنا كنت متلغبط، وفاة إيمان وأحمد، وبعدها اللي حصلك، كل ده خلاني مش عارف أنا بعمل إيه
نزعت "نوارة" كفيها من بين يديه بهدوء، وقالت، وقد أنهكها سماع الأعذار:
لا يا طارق...أنت كنت عارف كويس أنت بتعمل إيه.
ثم التفتت إلى "سهر"، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، وأضافت:
زي ما "سهر" كانت عارفة هي بتعمل إيه وعايزه إيه
عاد يمسك بكفيها من جديد، لكنها انتزعتهما منه بنفور، غير قادرة على احتمال لمسته، بينما قال بصوت أثقله الندم:
حتى لو كنت عارف أنا بعمل إيه، كان لازم أصارحك يا "نوارة"، كان لازم أقعد معاكي وأقولك على كل حاجه قبل أي خطوة.
_ يعني أنت ندمان يا "طارق"؟...جوازك من "سهر" كان غلطة؟
وقبل أن يجد "طارق" جوابًا، لم تحتمل "سهر" أكثر، فتقدمت نحوها، وردت عنه بغضب:
لا هو مش ندمان، ولا جوازنا كان غلطة، احنا معملناش حاجه حرام علشان يندم ولا يعتبر اللي بيننا غلطة.
أكملت غير عابئة بنظرات "نوارة" التي امتلأت كرهًا لها:
أنا مراته وحامل منه وجيت وعرفتك وأنتِ قولتي موافقة، إيه بقى لزوم التحقيق اللي معمول دلوقتي ده؟
لم ترد "نوارة" عليها، واكتفت بأن أعادت نظرها إلى "طارق"، وقالت بهدوء:
رد على سؤالي يا "طارق".
قرأت في عينيه العجز، كان يريد كل شيء... يريدها، ويريد "سهر" التي تحمل بين أحشائها طفله.
لم تتوقع أن ينطق، لكنه فعل:
ندمان يا "نوارة".
بهت وجه "سهر"، وحدقت فيه غير مصدقة ما سمعت
هل يتخلى عنها الآن من أجل "نوارة"؟ وماذا لو طلبت منه أن ينهي زواجهما؟
جثت أمامه، واستوقفت عينيه بعينيها، وهمست بصوتٍ مرتجف:
ندمان على جوازك مني؟...أنا أستاهل منك كده يا طارق؟
وأشارت إلى "نوارة"، وقد أيقظ اعتراف "طارق" بالندم بداخلها أسوأ مخاوفها:
يعني لو قالتلك تطلقني دلوقتي ممكن تعملها عادي!
ردت "نوارة" بدلا عنه بنبرة هادئة:
لا متقلقيش هو مش هيطلقك خصوصا دلوقتي بعد ما بقيتي حامل، جايز قبل ده كان ممكن
ثم حولت بصرها إلى "طارق"، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتة، حملت وجعًا عجزت عن إخفائه، ثم قالت:
ولأن حتى لو طلقك مش هيفرق معايا كتير.
هز "طارق" رأسه نافيًا، كان هذا آخر ما يتمناه؛ أن يصبح لا شيء في قلب "نوارة".
وللمرة الثالثة، حاول أن يمسك بكفيها، لكنها سحبتهما منه، وأغمضت عينيها بإرهاق، بعدما أنهكها كل ما حدث
عندها لم تعد "سهر" تحتمل أكثر، انحنت تلتقط حقيبتها من الأرض بعصبية، ثم هتفت:
خلاص يا "طارق" أنا هروح أنزل اللي في بطني علشان تقدر تطلقني عادي.
وقبل أن يستوعب صدمته مما قالت، أعادت عليه كلماته التي مزقت فؤادها:
ومتندمش الندم ده كله على الجوازة دي.
هرولت إلى الخارج، غير عابئة بنداء "طارق".
كان يعلم جيدًا اندفاعها، وخشي أن تنفذ ما هددت به
وقبل أن يندفع خلف "سهر"، التفت إلى "نوارة" بدا وكأنه ينتظر منها كلمة، أو حتى إشارة تسمح له بالرحيل، لكنها أشاحت بنظرها عنه معلنة بصمت أن ما سيفعله لم يعد يعنيها.
وما إن خلا المنزل منهما بعد خروجه خلف "سهر" حتى ارتسمت على شفتي "نوارة" ابتسامةٌ ساخرة، كانت على يقين أن "سهر" لن تفرط في جنينها، ولن تخسر "طارق" بعد كل ما فعلته لتصل إليه.
ثم انطفأت تلك الابتسامة سريعًا
لم تكن تصدق حتى هذه اللحظة أن بيتها قد هُدم، وأن أول ضحايا هذا الخراب هي وبلال
عندها فقط...بكت.
__________________________________________
أتت "أميرة" لزيارة شقيقتها، فمنذ الحادث لم تنقطع عن المجيء يوميًا، حتى أقنعتها "نوارة" بعد عناء، أن تكف عن ذلك عندما علمت برفض زوج "أميرة" لهذه الزيارات.
دخلت العمارة، وما إن بدأت تصعد الدرج حتى استوقفها صوت بكاء "إيمان" يتسلل من شقة جارة شقيقتها في الطابق السفلي.
ترددت للحظة؛ هل تطرق الباب أم تواصل صعودها؟ لكنها حسمت أمرها أخيرًا وطرقت.
فتحت لها صاحبة المنزل، فتنحنحت "أميرة" بحرج قبل أن تبتسم قائلة:
ازيك يا ست أمل، هي إيمان عندك ولا إيه؟
رحبت بها "أمل"، وأفسحت لها الطريق للدخول وهي تقول بقلق:
أيوه عندي هي و"بلال" بس مش مبطلة عياط، و"بلال" معرفش ماله، أنا قولت أستنى شوية وأطلع لـ "نوارة".
ما إن وقع بصر "أميرة" على ابن شقيقتها حتى استرعى حاله انتباهها، كان جالسًا في صمتٍ مريب، كأن ما يدور حوله لا يعنيه، وعيناه خاويتان من أي حياة، فأسرعت نحوه وهي تهتف بقلق:
مالك يا "بلال"؟
أمسكت بكفه، فانتفضت ما إن شعرت ببرودته، وهتفت بذعر:
يالهوي الواد ماله متلج كده ليه؟
لم تكن "أمل" تعلم سبب حالته، ولولا أنه أخبرها بوجود ضيفة لديهم، وأن والدته هي من طلبت منه النزول، لصعدت إليها من فورها.
بدأ "بلال" يستجيب لمحاولات خالته التي راحت تربت على وجنتيه برفق حتى ينتبه لها، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى تشبث بها ودفن وجهه بين ذراعيها، فتضاعف خوفها عليه.
استدارت نحو "أمل" قائلة:
معلش تجيبي شوية ماية بسكر، ولا كوباية ليمون أسقيهاله.
_ من عينيا حاضر.
قالتها "أمل"، ثم أمسكت بيد "إيمان" واصطحبتها إلى المطبخ، واعدةً إياها بإحضار بعض الحلوى لعلها تهدأ.
أما "أميرة" فظلت تحتضن "بلال"، لكنها شعرت بجسده يرتجف بين ذراعيها، فربتت على ظهره وسألته برفق:
مالك يا حبيبي بس، اسم الله عليك يا "بلال".
نطق أخيرًا وقد بان الرجاء في عينيه وهو يطلب:
أنا عايز أطلع لماما يا خالتو.
_ هي أمك فيها حاجه؟
سألته وقد هوى فؤادها أرضًا، ثم أتبعت سؤالها بآخر على عجل:
"نوارة" عارفة إنك هنا؟
هز رأسه مجيبًا بعينين دامعتين:
هي اللي قالتلي أنزل لما طنط "سهر" جت.
لم تطق "أميرة" سماع اسمها، وأرادت أن تعرف سبب وجودها لدى شقيقتها، فسألته:
"سهر" اللي بتشتغل مع أبوك؟...ودي عايزه من أمك إيه؟
وجدته يجهش بالبكاء، أغمض عينيه، وانهمرت دموعه، وكل ما يراه أمامه هو الانكسار الذي ملأ عيني أمه حين علمت بالخبر.
زاد ذلك من قلق خالته، فهزته برفق وهي تقول بحزم:
بصلي كده وقولي في إيه يا "بلال".
صمت لثوانٍ، وكأن الكلمات تأبى الخروج من بين شفتيه قبل أن يهمس:
بابا اتجوز طنط "سهر".
حدقت "أميرة" في ابن شقيقتها بذهول، عاجزة عن استيعاب ما سمعته للتو، ثم لطمت على صدرها وهتفت:
إيه؟
ولم تنتظر ثانية واحدة، بل هرولت نحو الدرج تصعد إلى "نوارة"، وهي تتمتم بوعيد:
ده نهار أبوه مش فايت النهارده.
لم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة حتى وصلت "أميرة" إلى باب شقة "نوارة"، كان مواربًا منذ أن غادر "طارق"، فدفعته ودخلت.
لم تجد في الردهة سوى شقيقتها، جالسة تغالب دموعها التي لم تتوقف، فاشتعل الغضب في صدرها، وتمنت لو وجدت "سهر" أمامها لتفتك بها، أو حتى "طارق"، لكنها كتمت ثورتها وتقدمت نحو "نوارة"، ثم جلست أمامها وهي تقول بصوتٍ يقطر حزنًا:
متعمليش في نفسك كده يا "نوارة".
أدركت "نوارة" من نظرة شقيقتها أنها علمت بما حدث، وقبل أن تتكلم، باغتتها "أميرة" بسؤال غاضب:
هي فين خرابة البيوت، والـ *** جوزك.
لقد استنزفها ما مرت به حتى أصبح مجرد الإنصات لحديث شقيقتها مجهودًا شاقًا عليها، ومع ذلك قالت بصوتٍ واهن:
"أميرة" لو سمحتي بلاش الكلام ده.
لم ترضخ "أميرة"، بل واصلت هجومها على زوج شقيقتها:
هو إيه اللي بلاش؟ هو نسي الواطي حفي قد إيه علشان يتجوزك؟
أغمضت "نوارة" عينيها بإرهاق وهي تسمع بقية حديث أختها:
ناقصه إيه، عنده كل حاجه، وطول عمرك شايلاه وصايناه
هزت "أميرة" رأسها في عدم تصديق، ثم أردفت بمرارة:
ده بدل ما يشيلك في تعبك رايح يقهرك ويجيبلك ضرة.
_ بالله عليكي يا "أميرة" كفاية، والله ما قادره أسمع حاجه.
رجتها "نوارة" أن تكف، فما كان من "أميرة" إلا أن احتضنتها في شفقة، وربتت على ظهرها وهي تقول:
حاضر يا حبيبتي هسكت.
ثم أضافت بغيظٍ مكتوم:
بس لازم حد يقفله يا "نوارة"، طلاق الحية اللي اتجوزها دي هيبقى على إيدي النهارده.
ابتسمت "نوارة" بسخرية مريرة قبل أن تسألها:
أنتِ عارفة هي كانت جيالي هنا ليه يا "أميرة"؟
_ علشان تعرفك بعملتهم وتحرق دمك اللي إلهي يتحرق دمها وما يصفى أبدًا.
أجابت "أميرة" بغضب، لتفاجئها "نوارة" بقولها:
جت علشان تقولي إنها حامل منه.
شهقت "أميرة"، وقد تجاوز الأمر كل ما توقعته، ثم نطقت بصدمة:
القادر اللي مطمرش فيه.
ثم وجهت لومها إلى "نوارة":
ياما قولتلك الحمار لما يشبع بيبعزق عليقه.
هزت "أميرة" رأسها في حسرة، وهي تتذكر كل مرة حذرت فيها شقيقتها، ثم أكملت بعتاب:
قولتلك يا "نوارة" تشطبيه أول بأول ومتديهوش فرصة يفكر في أي حاجه غير بيته وابنه.
وتأملت وجه "نوارة" المنهك لحظة ثم قالت:
وأنتِ العبيطة اللي كنتي بتتكسفي تطلبي حاجه لنفسك، وعماله توفريله لحد ما عمل اللي عمله.
أنصفته "نوارة" رغم جرحها منه بقولها:
هو عمره ما بخل عليا ولا على بيته يا أميرة.
_ أيوه يا ختي هو ده اللي باخذه منك.
قالتها "أميرة" معترضة على دفاع شقيقتها عنه، ثم أردفت بحزم:
اقعدي بقى على جنب، وسيبيني أنا أتصرف معاه.
بمجرد أن أنهت جملتها، فوجئت بـ"طارق" يدخل من باب الشقة، بدا الإرهاق واضحًا على وجهه، وكان آخر ما توقعه أن يجد "أميرة" في انتظاره.
_أهلا أهلا يا "طارق".
لم تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه بل تابعت بسخرية:
والنبي يا أخويا أول ما سمعت تحت من ابنك اللي الدم مخطوف من وشه إنك اتجوزت كان نفسي أرقعلك زغروطة في مدخل العمارة.
أغمض عينيه يستدعي كل ذرة ثبات لديه حتى لا يشتبك معها، ثم قال في النهاية:
لو سمحتي يا "أميرة" ده موضوع بيني وبين "نوارة"، وأنا وهي هنتفاهم فيه.
لم يزدها رده إلا غضبًا فقالت:
بتقولي بالمحسوس يعني أطلع منها، عايزني أسكتلك وأنت جايب لـ أختي ضرة، وياريتها أي واحدة.
استدارت "نوارة" بكرسيها المتحرك، ثم دفعت عجلاته بيديها متجهةً نحو غرفتها، تحت نظرات "طارق" الذي لم يحد ببصره عنها منذ دخل.
حاول تخطي "أميرة" وهو يقول بنفاد صبر:
طب وسعي يا "أميرة" دلوقتي علشان محتاج أتكلم مع "نوارة".
_ أنا مش عايزه أتكلم.
قالتها "نوارة" بهدوء، وما إن وصلت إلى غرفتها حتى مدت يدها، ودفعت الباب ليُغلق في وجهه.
طالعته "أميرة" بنظرة ساخرة، وهي ترى الخيبة التي ملأت عينيه بعد فعل "نوارة"، وقبل أن تنطق بأي شيء اندفع يقول بحدة:
لو مش هتحلي يا "أميرة" يبقى تروحي بيتك.
وكأنها لم تستمع إلى ما قاله، رمقته باحتقار قبل أن تلقي على مسامعه:
عارف يا "طارق" أمي الله يرحمها كانت طول عمرها تقول جوز الاتنين يا قادر يا فاجر.
لم تمنحه فرصة للرد، حيث استرسلت:
نفسي أعرف بقى أوي كانت هتقول إيه عن جوز الاتنين اللي مجابش التانية غير لما مراته اللي شايلاه تعبت، ومش بس كده...دي التانية كمان كانت صاحبتها
رأت الغضب يرتسم على ملامحه، لكنها لم تتراجع، بل ابتسمت ابتسامة صغيرة وأضافت:
تفتكر يا جوز الاتنين...
ثم تداركت نفسها باستخفاف:
قصدي يا "طارق"، أمي كانت هتقول عليك إيه؟
مسح على وجهه بغيظ، قبل أن يرد عليها بابتسامة ساخرة لم تخف ضيقه:
كانت هتقولك متسيبيش بيت أختك يخرب يا "أميرة".
تخطاها مقررًا الدخول إلى "نوارة"، حتى وإن كان ذلك عكس رغبتها، ثم ألقى أمره إلى الواقفة:
انزلي هاتي العيال من تحت.
علقت "أميرة" وهي تتابع ابتعاده:
مش بقولك قادر.
ولكنه لم يستجب لها، دخل إلى حيث توجهت "نوارة"، وأغلق الباب خلفه.
وجد زوجته أمامه شاحبة، تجلس على مقعدها بصمت، وتطالعه بنظرة تمنى لو غاب عن الحياة قبل أن يراها في عينيها، بدت هادئة تمامًا، وكأنها كانت تعلم أنه سيدخل رغم اعتراضها.
جلس على الفراش في مرمى بصرها، كان يظن أن كلماته ستسعفه، لكنه الآن لم يجد ما يقوله، حاول الحديث:
"نوارة" أنا...
تنهد وهو يغمض عينيه بضيق قبل أن يكمل:
أنا عارف إن مهما قولت مفيش حاجه تبرر اللي عملته.
رأى في عينيها أنها تنتظر بقية حديثه، تنتظر تفسيرًا لما حدث، لكنه لم يستطع إلا أن ينطق:
كان غصب عني صدقيني.
ضحكت "نوارة" بهدوء قبل أن تسأله:
يعني إيه غصب عنك؟...هي ضربتك على إيدك يا "طارق"؟
ثم أشاحت بعينيها عنه وهي تتابع:
أنت راجل مسؤول، وعندك بيت وابن، فبلاش تقولي غصب عني.
ترك مكانه واتجه ليجلس أمامها، أصبح قريبًا منها، وأمسك بكفيها، وهذه المرة لم يدعها تفلت كفيها من بين يديه، ثم نطق برجاء:
أنا مش عايز أخسرك، أنا بحبك يا "نوارة" وبحب بيتنا وحياتنا، ومش هتخلى عنك ولا عنهم.
ابتلعت غصةً مريرة قبل أن تنظر إلى عينيه وتقول:
متقولش بس بحبك...بقت وحشة أوي يا "طارق"، بقت تقيلة، وبتحسسني قد إيه أنا كنت مغفلة.
هز رأسه نافيًا، لكنه عجز عن الدفاع حين سألته:
عارف ليه؟
ثم أردفت بصوتٍ خافت:
علشان بعد كل السنين دي اكتشفت بس النهارده إنك مبتحبنيش.
ضحكت بسخرية مريرة من نفسها، ثم أضافت:
مع إني كان المفروض أخد بالي من ده بدري عن كده.
لم يتحمل أن تُكذب مشاعره ناحيتها فاعترض:
لا يا "نوارة" أنتِ كده بتظلميني.
_ أنا اللي بظلمك؟
سألته بمرارة
دافع عن نفسه قائلا:
اه بتظلميني، لما تنكري كل حاجه بينا وتقولي إني عمري ما حبيتك يبقى بتظلميني.
وتضاعف ألمه وهو يسألها:
يعني معقول مفيش حاجه واحده في كل السنين اللي بتقولي عليها تأكدلك إني بحبك؟
تنهدت بثقل قبل أن تجيبه:
حتى لو كان فيه فأنت مسحت كل حاجه باللي عملته.
واسترسلت والدموع تملأ عينيها:
جرحك ليا أكبر بكتير أوي من اللي بينا، ودموع "بلال" أكبر من حبك اللي بتتكلم عنه، أنا مش هنسى يا "طارق"، عمري ما هقدر أنسى.
وواجهته بالحقيقة التي ظل يهرب منها حتى هذه اللحظة:
أصل أنا عارفة إن "سهر" مفيهاش حاجه زيادة عني، يمكن بعد تعبي اه...لكن قبله لا
وصمتت لحظة، كأنها تمنح نفسها القوة لتقول ما يؤلمها أكثر، ثم أردفت بثبات:
وأنت كنت عايزها من زمان، ولما جت الفرصة مشيت ورا قلبك، ومفكرتش في أي حاجه.
وبحسرة لم تستطع إخفاءها قالت:
وسيبت العقل لنوارة علشان قلبك مبقاش فيه مكان ليها.
شد على كفيها اللذين بين يديه، كأنهما آخر ما تبقى له، ثم قال برجاء:
لا يا "نوارة"، أنا قلبي علطول معاكي
_ ومعاها
قالتها بهدوء موجع، ثم أضافت:
يمكن كان قبل كده ليا لوحدي بس دلوقتي لا.
واجهته بحقيقة موافقتها قبل قليل، حين نطقت:
موافقتي اللي أنا قولتها قبل شوية دي مش علشان أنا باقية عليك، ولا علشان مصدقة إنك بتحبني زي ما بتقول
ابتسمت رغم قهرها، ثم تابعت:
الموافقة دي يا "طارق" علشان دلوقتي مش هقدر أخد ابني وأمشي زي زمان، مش هقدر أعافر وأنا تعبانة، ولا هعرف أبهدل "بلال"...الموافقة دي علشان بيتي أولى بيا دلوقتي، ومليش مكان غيره أروحه
كانت تعرف طباع زوج شقيقتها جيدًا؛ لن يتحمل استضافتها طويلًا، ولم تكن تريد أن تضع أختها في مواجهة معه أو تجعل بيتها ساحة لخلاف جديد، لذلك أكملت:
الموافقة دي علشان كل حاجه تفضل زي ما هي بالعقل... البيت يفضل ماشي، ومصاريفه حاضرة، وأنت تفضل في الصورة علشان خاطر ابنك.
نظرت إليه للحظة قبل أن تكمل بحسم:
لكن اللي بيني وبينك خلص لحد هنا.
_ مش هيحصل يا "نوارة".
قالها بنبرة لا تقبل النقاش، رافضًا مجرد الحديث عن أن يصبح ما بينهما لا شيء
كانت "نوارة" على يقين من رده هذا فقالت:
ما أنا عارفة إنك هتقول كده، عارفة إنك هتعاند وتتمسك علشان عايز كل حاجة.
تريثت لحظة، ثم أكملت بنبرة أكثر هدوءًا:
لو كنت واثقة إنك هتتعامل بعقل لو قولتلك تطلقني وهتسيبني في بيتي أربي ابننا من غير مشاكل، والدنيا تمشي بينا بالاحترام...كنت طلبت منك الطلاق.
تنهدت بثقل، وواصلت حديثها:
لكن أنت هتحاول بكل الطرق اللي تنفع واللي متنفعش تمنع ده، وأنا زي ما قولتلك معنديش حاليًا طاقة نقف قصاد بعض، ولا هقدر أتحمل مصاريف حياة لوحدي.
وأخبرته بالحل الوحيد الذي قبلت به، ولم ترَ غيره مناسبًا في هذه المرحلة:
فأنا بقصر عليك المسافات، وبعفيك من كلمة الطلاق اللي أنا عارفة هي قد إيه تقيلة عليك.
_ بتعفيني منها بس بتحرميني منك بطريقة تانية... بتحوليني من جوزك وحبيبك لمجرد صورة بتحافظي عليها علشان "بلال".
قالها وعيناه تلمعان بالدموع، ثم هز رأسه رافضًا ذلك المصير قبل أن يضيف:
لا يا "نوارة" مش هقدر، أنتِ هتفضلي مراتي، ولحد ما أموت هيفضل اللي بينا.
وشد على كفيها اللذين بين يديه حتى آلمها، ثم تابع بإصرار:
اللي بتقوليه ده مش هيحصل.
رفعت إليه عينيها، وفيهما قسوة لم يرها منهما يومًا، ثم ردت:
اللي بينا هو "بلال" يا "طارق"، أي حاجه تانيه أنت خسرتها خلاص ومهما عملت مش هترجع.
_ أنا هسيبك تهدي علشان أنا عارف إن أي كلام بتقوليه دلوقتي هتفكري فيه تاني بعدين.
تعلق بهذا الأمل، لكنها سرعان ما بددته حين قالت بابتسامة باهتة:
صدقني وقت التفكير خلص خلاص، وده أخر كلام عندي.
أخيرًا أرخى قبضته عن كفيها، كانت تعرف جيدًا ما ستكون عليه ردة فعله، سيثور ويتمسك بما يريده.
استقام واقفًا، وقد حسم أمره، ثم قال:
وأنا مش هقبل بالوضع ده يا "نوارة"، ومش هسمحلك تمسحي كل حاجه كويسه عملتها، مهما حصل مش هقبل.
وأشار بسبابته إلى جانب رأسها، وقد مال عليها، مكملًا:
حطي الكلام ده في دماغك، وخدي وقتك علشان تقبلي وتسامحي، وأنا مستعد لأي ترضية في مقابل ده.
تلاقت أعينهما، ولم يجد منها سوى ابتسامة ساخرة قابلت بها كل ما قاله.
عندها ابتعد عنها بانفعال، فقد أدرك أن البقاء لن يزيد الأمر إلا سوءًا، واتجه إلى الخارج.
كانت "أميرة" تجلس في الردهة على الأريكة، تمسح على رأس "بلال" الذي غلبه النوم ورأسه مستند إلى قدمها، وتداعب "إيمان"، وما إن وقع بصرها عليه حتى سألته باستهزاء:
سبع ولا ضبع يا أخويا؟..وشك ولا اللي طالع من المولد بلا حمص.
نفد صبره من سخريتها، فرد بحدة:
عقلي أختك يا "أميرة"، وبطلي كلام فاضي.
وقبل أن ترد، لجأ إلى الورقة التي يعلم أنها الأقرب لإقناع "أميرة"، فهو يعرف أنها ترى الأمان المادي الضمان الحقيقي لشقيقتها:
قوليلها إني هكتبلها الشقة دي وهعملها كل اللي هي عايزاه.
_ شقة؟
سألتْه باستخفاف، رغم أنها أدركت قيمة ما عرضه، فرد وهو يشدد على كل كلمة حتى تستوعب جديته:
قولتلك هعملها كل اللي هي عايزاه، بس اتكلمي معاها.
ثم أضاف:
وباتي هنا النهارده.
لم ينطق بحرف آخر، تركها واتجه إلى الباب ليغادر المنزل، وبقي عرضه يتردد في ذهنها؛ فهي لا تستطيع إنكار أنه قد يمنح شقيقتها استقرارًا تحتاجه، لكن ذلك لم يطفئ غضبها منه، فهتفت من خلفه:
حسبي الله ونعم الوكيل في الظالم، المفتري.
توقف للحظة عند الباب، وقد أعادت كلماتها إليه شعورًا حاول الهروب منه، ثم أغلقه خلفه بقوة، وغادر دون أن يلتفت إليها.
_____________________________________
جلست "سهر" إلى جوار شقيقتها "غادة" في صالةٍ فسيحة، غطى الرخام اللامع أرضيتها، وتوزعت في أركانها أرائك فاخرة من الجلد الطبيعي، تتوسطها طاولة رخامية ضخمة تعلوها مزهرية كبيرة، وتزينت الجدران بلوحات فنية أصلية، بينما انتشرت التحف الأنيقة في زوايا المكان، لتكشف تفاصيل المنزل عن ثراء أصحابه وذوقهم الرفيع.
بدت "غادة" قريبة في العمر من "سهر"، لا يفصلهما سوى بضع سنوات، كانت امرأةً فاتنة، ذات عينين واسعتين تضفيان على ملامحها هدوءًا وجاذبية، وشعر بني مموج ينسدل حتى كتفيها، وقوام ممشوق زاد من أناقتها، وقد اعتنت بمظهرها عناية واضحة، حتى بدا كل شيء فيها يعكس الحياة المترفة التي تحياها.
صبت "غادة" لشقيقتها مشروبًا من الأعشاب حتى تهدأ أعصابها، وخاطبتها برفق:
طيب ممكن يا "سهر" تهدي.
ردت عليها "سهر" باستنكار، وهي تتناول الكوب من يدها:
أهدى بعد كل اللي حكتهولك؟، بقولك قال لـ "نوارة" إنه ندمان على جوازه مني.
تنهدت "غادة" قبل أن تقول بهدوء:
وقالك برضو لما نزل وراكي إن ده رد فعل طبيعي على اللي عملتيه، يبقى هو بيحاول يعاقبك بكلامه مش أكتر.
_ حتى لو يا "غادة"، مهما حصل مينفعش يقول كده.
قالتها "سهر" بانفعال، لكن حديثها انقطع حين اقتربت منها ابنة شقيقتها، طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها، تشبه أمها إلى حدٍ كبير، بعينين واسعتين تفيض منهما البراءة، وشعر بني ناعم يحيط بوجهها الصغير، ثم قالت برجاءٍ انتزع ابتسامة من "سهر" رغم ما يعتصرها:
خالتو ممكن تخلي ماما توافق على رحلة المدرسة؟
وقطعت "غادة" طريق الرد أمام شقيقتها حين قالت:
لا، ماما مش هتوافق علشان أنتِ طلعتي رحلات كتير السنادي يا "سما".
ثم أشارت لها نحو غرفتها، وأضافت بحزم رغم تأفف ابنتها:
ويلا على أوضتك علشان بتكلم أنا وخالتو.
اتجهت "سما" إلى غرفتها بخطوات متذمرة، بينما اكتفت "سهر" بمتابعتها في صمت؛ فلم تكن حالتها تسمح لها بالتدخل أو التعليق.
انتظرت "غادة" حتى أغلقت "سما" باب غرفتها، ثم التفتت إلى شقيقتها وقالت:
متعمليش في نفسك كده بقى، وبعدين يا "سهر" أنا من البداية حذرتك من الموضوع ده.
قطبت "سهر" حاجبيها، وسألتها بضيق:
مش فاهمة قصدك.
أجابتها "غادة" وهي تذكرها بتحذيرها السابق:
قولتلك إنه متجوز وأكيد هتواجهي مشاكل مع مراته حتى لو بيحبك خصوصا إنه متمسك ببيته
ولم تكتف "غادة" بذلك، بل تابعت بعتاب هادئ:
وكمان مكانش ينفع أبدًا تروحي تقوليلها كل حاجه من غير ما تتفقي معاه، وتورطي نفسك في كذبة الحمل دي.
دافعت "سهر" عن نفسها بانزعاج:
وهو كان رضي يتفق، ده أنا كل ما كنت أجيب سيرة إنه يقولها كان يتقلب عليا.
وانخفض صوتها وهي تتابع بنبرة باكية:
وياريت حتى كان بيحاول يرضيني ده أنا كنت بشوفه سرقة، وكله كوم وموضوع إنه رافض إني أخلف علشانها ده كوم تاني.
ثم أضافت وهي تبرر فعلتها:
اضطريت أحطه قدام الأمر الواقع حتى لو بالكذب.
_ للأسف يا "سهر" غلط، وجوازك منه وهي لسه على ذمته أكبر غلط.
استرسلت "غادة":
مش يمكن بدل الجوازة دي كان "خالد" رشحك لحد من أصحابه
أطلقت "سهر" ضحكة ساخرة قبل أن تقول:
"خالد" جوزك اللي مبيخدمش حد مش كده؟.. يا شيخه ده حتى الشغل "طارق" اللي ساعدني أشتغل.
رفعت "غادة" حاجبها وهي تسألها:
دلوقتي بقى جوزي وحش، و"طارق" اللي عامل فيكي كل ده هو اللي حلو؟
استفزتها نبرة "غادة"، فلم تتردد في الرد بما تعلم أنه سيجرحها:
والله أنا لا قولت وحش ولا حلو، وبعدين ريحي نفسك أنا كده كده مكنتش هتجوز حد غير طارق
وأكملت بابتسامة واثقة:
لإني بحبه ده أولا، ثانيا "طارق" مستواه المادي ممتاز فأنا مش محتاجه أسيب اللي بحبه علشان واحد تاني مستواه أحسن.
طالعتها "غادة" بصمت طويل، بينما تجاهلت "سهر" نظراتها تمامًا، وبعد لحظات قطعت "غادة" الصمت قائلة بلهجة جافة:
أنا هقوم أشوف "سما"، وهعتبر نفسي مسمعتش اللي قولتيه علشان مزعلش منك.
غادرت "غادة" الصالة تاركة "سهر" وحدها، فألقت الأخيرة رأسها إلى الخلف، وأطلقت زفرة طويلة، وقد شعرت أن الحديث مع شقيقتها لم يزدها إلا ضيقًا.
________________________________________
استيقظت "أميرة" في الصباح الباكر، واطمأنت بعدما عرف النوم طريقه أخيرًا إلى شقيقتها.
قررت ألا توقظها، ثم التفتت إلى "بلال" الذي كان لا يزال مستيقظًا، وقالت وهي ترتدي حجابها على عجل:
بلال أنا هروح أبص على "مالك" وجاية علطول مش هتأخر.
هز رأسه موافقًا، فقالت له برفق بعدما لاحظت أنه لم ينل إلا قسطًا قليلًا من النوم:
نام أنت شوية وأنا هجيبه معايا وأنا راجعة ونفطر سوا.
_ ماشي يا خالتو.
ابتسمت، وربتت على رأسه، ثم قبلت وجنته قبل أن تغادر. استقلت أول وسيلة مواصلات صادفتها، وظلت تتنقل من وسيلة إلى أخرى حتى وصلت أخيرًا إلى حيث تسكن.
أول ما وقعت عيناها عليه كان ابنها "مالك"، الذي يكبر "بلال" بعام، يلعب الكرة برفقة صديقه "علي"، وأثناء تبادلهما التمريرات، مرت "رنا" ابنة زوج "أميرة" برفقة خالتها، فالتقت عيناها بـ "علي"، وتبادلا ابتسامة خاطفة قبل أن تواصل طريقها، ولم ينتبه "علي" إلى الكرة مجددًا إلا بعدما ناداه "مالك".
نطقت "أميرة" بتذمر وهي تتجه نحو مدخل بيتها:
فايقين على الصبح كده للكورة، والدب منك ليه.
ثم التفتت إلى ابنها، وأشارت إليه قائلة:
خلص وتعالى علشان تغير وتيجي معايا عند خالتك.
_ مش عايز.
قالها دون أن يرفع عينيه عن الكرة، لانشغاله باللعب مع صديقه، فتوعدته وهي تدلف إلى الداخل:
طب ابقى متجيش.
لم يستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة، أعدت الإفطار لزوجها، لكن عقلها ظل مشغولًا بشقيقتها، وبينما تتحرك داخل منزلها وقعت عيناها على الشقوق التي امتدت في الجدران، والأثاث البسيط الذي طالته آثار الزمن، فتسلل إليها ذلك الشعور الذي حاولت مقاومته؛ فامتلاك شقيقتها بيتًا يضمن لها المستقبل ليس بالأمر الهين.
أيقظت زوجها، الذي لم يكن راضيًا منذ الليلة الماضية حين أخبرته بأنها ستبيت عند شقيقتها، وما إن جلس إلى مائدة الإفطار حتى انهالت عليه "أميرة" بكل ما حدث، ولا تكاد تنهي جملة إلا وأتبعتها بسبّة في "طارق"، حتى قاطعها زوجها قائلًا بعدم رضا:
حيلك حيلك... مالك جاية على الراجل كده ليه؟
_ قصدك إيه بـ جاية عليه دي يعني؟
سألته "أميرة" بانفعال، أما هو فاكتفى بهزة كتف، والتقط عودًا من الجرجير، وقضمه في هدوء مستفز قبل أن يجيب:
قصدي إنه من حقه يتجوز، والمفروض أختك تشكره وتبوس إيدها وش وضهر، ده الراجل شايلها من يوم ما تعبت ومنطقش ومتحمل في بيته عيله مش بنته.
ثم غمس قطعة من الخبز في طبق الفول أمامه، ومضغها قبل أن يكمل:
عايزاه يعملك إيه تاني أنتِ والسنيورة أختك علشان يرضيكم؟...ده لو عايز التالتة والرابعة كمان حقه.
كانت تنتظر أن ينتهي من حديثه على أحرّ من الجمر، وما إن لفظ كلماته الأخيرة حتى سحبت طبق الفول من أمامه في حركة مباغتة، وهتفت بغضب:
قوم مش هتاكل
رمقها بنظرة مستفزة، وصاح بتبجح:
لمي الدور يا "أميرة" على الصبح، ولا هي كلمة الحق بتزعل يعني؟
اشتعلت عيناها غيظًا، وارتفعت نبرتها وهي ترد عليه:
جك كسر حُقك أنت وهو، ومعاكم أي راجل يقول اللي أنت قولته.
أراد أن يرد ولكنها منعته من ذلك حين أردفت:
وبعدين ما أنا شيلاك أنت وعيالك من المرحومة وعمري ما نطقت، مبشوفش منك حقوق ليه؟
وتابعت وقد بلغ بها الغضب منتهاه:
ولم أنت دورك معايا بقى، بدل ما والله أوريك النجوم في عز الضهر، وأعرفك التانية والتالتة بيجوا ازاي.
استقام واقفًا وهو ينفض يديه، وقال بانزعاج:
لا وعلى إيه؟، أنا هقوم أشوف أشغالي أحسن ومش طافح...ولما أرجع هيبقالي رد على اللي عملتيه ده يا بنت الأصول.
ولم يكد يخطو نحو غرفته ليبدل ملابسه، حتى لحقته صرختها:
هو أنتوا تعرفوا الأصول دي أصلا، ولا شميتوا ريحتها، روح حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا عبد الكريم وفيه.
هز رأسه ساخطًا، ثم أغلق باب الغرفة خلفه بعنف، أما "أميرة" فاستدارت نحو المائدة، وأخذت ترفع الأطباق بعنف، مفرغة فيها ما لو أخرجته فيه، لانتهى الصباح بجناية كان هو ضحيتها.
________________________________________
غاب عنها يومين كاملين، حتى العمل لم يعد يأتي إليه علمت أنه طلب إجازة وحصل عليها، لكنها لم تجرؤ على الذهاب إلى بيته مرة أخرى؛ فآخر مواجهة بينهما انتهت بشجارٍ حاد، واتهمها فيه بأنها تعمدت إفساد كل شيء.
جلست أمام المرآة تمشط خصلات شعرها بعينين أنهكهما الانتظار، داخل الشقة التي استأجرها لها، ولم تكد تنتهي حتى انتفضت على صوت الباب يُفتح.
هرولت إلى الخارج، وما إن وقع بصرها عليه حتى تنهدت براحة، ثم حدثته بعتاب:
أخيرًا افتكرت إن في واحده مستنياك هنا يا "طارق".
لم يجبها، واكتفى بنظرة صامتة، ثم اتجه إلى الأريكة وألقى بجسده عليها، فسألته باستنكار:
أنت كمان اللي زعلان؟
ظل صامتًا لثوان، ثم قال دون أن ينظر إليها:
اجهزي علشان هنروح للدكتور.
تجمدت الدماء في عروقها، وسألته بارتباك حاولت إخفاءه:
دكتور إيه؟
ثبت عينيه عليها، فشعرت أن كذبتها أوشكت على الانكشاف، قبل أن يردف:
أنتِ مش بتقولي إنك حامل؟
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تقول:
ما أنا روحت للدكتورة بتاعتي.
ترك مكانه، واستقام واقفًا، ثم اقترب حتى وقف أمامها مباشرة، ولأول مرة شعرت أنها تخشاه، خاصة حين قال بهدوء أربكها:
عارفة يا "سهر"..اليومين اللي فاتوا قعدت مع نفسي كده وقولت ليه "سهر" متكونش بتكذب علشان تحقق اللي هي عايزاه؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة لم تطمئنها، قبل أن يضيف:
من ناحية "نوارة" تعرف بجوازنا، ومن ناحية تانية أنا مقدرش أتكلم ولا حتى أفكر في الطلاق علشان اللي في بطنك، لحد ما تشوفي خطوتك الجاية إيه.
ورغم التوتر الذي يعصف بها، والخوف الذي تسلل إليها منه، قالت بصراحة لم تحاول تجميلها:
اه يا "طارق" أنا عملت كده.
نظر إلى عينيها الخضراوين، اللتين طالما أحب التطلع إليهما، فلم ير هذه المرة سوى إصرار عنيد، وهي تقول:
أنا مش حامل، وعملت كده علشان أنت حقي زيي زيها بالظبط.
لم تكد تنهي جملتها حتى هوت كفه على وجهها بصفعةٍ قوية، أطاحت برأسها إلى الجانب، وقبل أن تستوعب ما حدث، سمعته يقول بحدة:
أنتِ حتى متجيش ضفر "نوارة".
اعتدلت تنظر إليه بذهول، وقد وضعت يدها فوق موضع الصفعة، وكأنها لا تستوعب ما فعله، ثم قالت بغضب رافقه ألمها منه:
بتمد إيدك عليا يا "طارق" أنت اتجننت
واستطردت وهي تواجهه بعينيها:
ولما أنا مجيش ضفر "نوارة" اتجوزتني ليه؟
لم تحتمل أكثر، فانهالت عليه بالصراخ، وضربت على صدره بكفيها وهي تهتف:
رد عليا اتجوزتني ليه، قولتلي إنك بتحبني ليه؟
نزلت دموعها، ورأت في نظراته قسوة حاول أن يتشبث بها، لكنها لم تستطع أن تخفي ذلك الارتباك الذي مر في عينيه للحظة.
خرجت كلماتها مكسورة، يختلط فيها القهر بالخذلان:
أنت متستاهلش حبي ليك.
وأشارت إليه بيدٍ مرتجفة، وهي تتابع بوجع:
الحب اللي ممكن يخليني أسامحك حتى لو اتجوزت عليا، لكن "نوارة" اللي بتقول إنها أحسن مني عمرها ما هتسامحك.
خانتها ساقاها، فجلست على الأريكة، وابتلعت غصة مريرة قبل أن تقول بصوت متهدج:
علشان عمرها ما حبتك قدي يا "طارق".
تحرك ناحيتها بخطوات حذرة، فقد رق قلبه لحالتها رغم كل ما حدث، طالعته والدموع تنساب من عينيها، ثم أوقفته قائلة:
متقربش، أنا مش عايزه أتكلم معاك ولا أشوفك.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة وهي تقول:
ولو عايز تطلقني دلوقتي يا "طارق" طلقني.
كانت على يقين من أنه لن يفعلها، فقد رأت في عينيه أثر كلماتها؛ تأثره بحالتها، وارتباكه أمام اعترافها بأنها أحبته أكثر مما أحبته "نوارة"، وإصرارها أنها كانت مستعدة للتسامح معه.
كل ذلك تركه عالقًا بين غضبه منها، وتأثره بألمها، وتأنيب ضميره تجاه زوجته، ولذلك لم ينطق بحرف واحد، فقط ابتعد عنها، وغادر المنزل بأكمله، وبقيت هي وحدها، ولأول مرة تجد نفسها عاجزة عن توقع ما سيحدث بعد الآن.
_________________________________________
جاهدت "نوارة" كثيرًا حتى يغلبها النوم، لكنها لم تستطع، حالتها أسوء من أن تصفها، حمدت الله أنه بعيد عن المنزل هذه الأيام، وأن شقيقتها تحمل عنها عناية "بلال" و"إيمان".
انفتح باب غرفتها، فتوقف قلبها للحظة حين شعرت أنه "طارق"، ولم يخذلها حدسها؛ فقد اقترب منها وجلس على طرف الفراش، ثم مرر يده على خصلات شعرها قائلًا بنبرة حانية:
نوارة.
فتحت عينيها، وأبعدت يده عنها في صمت، لكنه بقي مكانه، ثم استلقى إلى جوارها، وكانت نظراته تسبق كلماته:
أنا محتاجلك يا "نوارة".
تعلم طرقه هذه جيدًا للتأثير عليها، لوأد رغبتها في الابتعاد ولكنها نطقت حين حاوطها بذراعه:
ابعد يا "طارق".
_ مش هقدر.
قالها بصراحة وهو يطالع وجهها، ويمسح على تفاصيله بأنامله، فانكمشت ملامحها بضيق، وكررت بوضوح:
وأنا بقولك ابعد يا "طارق".
وكأنه لم يسمعها، مال يقبلها، فحاولت إبعاده عنها، وخرجت منها صرخة مكتومة جعلته يتراجع فورًا.
خاب ظنه في أنها لن تقاومه، فلأول مرة يشعر منها بهذا النفور، نفورًا أوصله إلى إحساس قاس بأنها لم تعد تحتمل قربه وأنفاسه.
في التوقيت نفسه، كان "بلال" في الأسفل يبتاع لخالته ما طلبته، وأثناء عودته، لفت انتباهه سيارة يعرف صاحبها جيدًا وما إن رآه حتى ناداه:
"بلال".
نظر إليه، فوجد عمه يطل من نافذة السيارة الواقفة، ويقول له بابتسامة:
ازيك يا حبيبي.
ابتسم "بلال" فور رؤيته، ورد عليه:
الله يسلمك يا عمو.
_ بابا فوق ولا إيه؟...روحتله الشغل قالوا إنه في أجازة هو تعبان ولا حاجه؟
لم يكن "بلال" يعلم بعودة والده فرد وقد بان الضيق على ملامحه:
بابا مش في البيت.
استفسر منه عمه باستغراب:
طيب هو فين؟
هز "بلال" رأسه نافيًا معرفته بمكان والده، لكن ملامحه أخبرت عمه أن هناك شيئًا لا يريد قوله، لذلك طلب منه:
طب اركب يا بلال.
تردد "بلال" قليلًا قبل أن يقول:
طيب هستأذن ماما الأول.
ضحك عمه وقال مازحًا:
وهي ماما هتقولك متركبش معايا؟...تعالى وأنا هتصل بيهم.
وافق "بلال" وصعد إلى السيارة، وبمجرد أن أدار عمه المحرك وتحركت السيارة تذكر "بلال" فجأة ما كان يحمله لخالته، فقال بارتباك:
أنا نسيت أطلع لخالتو الحاجات دي يا عمو "شهاب".
مسح "شهاب" على رأسه بحنان، وقال مطمئنًا:
مش مهم يا حبيبي، تبقى تنزل هي تجيب.
ثم التفت إليه قليلًا قبل أن يعيد نظره للطريق:
المهم أعرف دلوقتي أنت زعلان ليه علشان وشك بيقول إنك متضايق أوي.
ابتسم "بلال" لعمه، ثم فكر للحظات أن يخبره بكل ما يؤرقه، لعل ما يدور في رأسه يهدأ.
ولم تبقَ من تلك اللحظة سوى ذكرى عابرة ضمن عشرات الذكريات التي امتلأ بها منزل "شهاب".
كبر ذلك الطفل، وتبدلت ملامحه الصغيرة بملامح شاب في العشرينات؛ يجلس الآن أمام البيانو في منزل "شهاب" الفخم، وأصابعه تتحرك فوق مفاتيحه بانسجام.
كانت الصور المعلقة في أرجاء المكان شاهدة على سنوات عمره، تجمعه بعمه في مراحل مختلفة؛ من طفولته حتى شبابه.
اقترب منه "شهاب" بينما كان يعزف، وظل يستمع حتى انتهت النغمات، ثم قال بابتسامة:
فنان.
ابتسم "بلال" بثقة وقال مازحًا:
طبعا ومش أي فنان كمان... ده بيتهوفن كان هيصبح من المعجبين والله لو موجود.
ترك "بلال" مقعده، واتجه إلى عمه يحتضنه بقوة
ابتسم "شهاب" وهو يبادله العناق بعد عودته من سفر أبعده عنه لأيام، وعندها فقط شعر أن عودته إلى المنزل قد اكتملت، فهو لا يعرف للبيت معنى دون "بلال"، وربما يكون أبلغ ما يصف حالته حين غيابه قول "أبي تمام":
لا أَنتَ أَنتَ وَلا الدِيارُ دِيارُ.
