رواية طيور تهوى الخداع الفصل الثالث
(مراهق)
بسم الله الرحمن الرحيم
"من صميم الرغبات العميقة تنبثق عادة الكراهية القاتلة"
- سقراط -
______________________________________
في بعض الأحيان، حتى الأصوات المزعجة التي لطالما تذمرنا منها تكون أمانًا لنا من مخاوفنا، ومن أفكارنا، ومن الأشباح التي تطاردنا.
كانت "نوارة" تبكي بشدة بعدما أخبرها "طارق" باحتياجه إليها وحاول الاقتراب منها، لكنها لم تحتمل قربه، ولم تحتمل أكثر محاولاته لتهدئتها، فصرخت فيه بغضب لم تعهد نفسها عليه من قبل:
بقولك ابعد عني، مش عايزاك تقرب مني، مش عايزاك تهديني، سيبني في حالي.
وقبل أن يرد عليها، استمعا إلى صوت صراخ "إيمان" في الخارج، بينما كانت "أميرة" تسعى لتهدئتها:
يا حبيبتي اسكتي بقى تعبتيني.
أرادت "نوارة" أن تمنع شقيقتها من إسكات الصغيرة، فصوت "إيمان" كان أمانها في هذه اللحظة، وبكاؤها الذي لا يتوقف أعاد إليها أنفاسها التي سرقها حضور "طارق" وتذكر طعنته.
أكملت "أميرة" بقلق وهي تضع حجابها على رأسها، وتحمل "إيمان":
تعالي لما ننزل نشوف "بلال" اتأخر كده ليه تحت.
_ بلال فين؟
قالتها "نوارة" بقلق حقيقي، وهي تتحاشى النظر إلى الجالس جوارها.
تنهد "طارق" بتعب، قبل أن يستقيم واقفًا ويرد:
تقريبًا "أميرة" نزلته يجيب لها حاجه، هقوم أشوفه
تحرك، وحين وصل إلى الباب، ذكرته "نوارة" بوعده لابنه يوم علم بزواجه من "سهر":
اتكلم مع "بلال"، هو مستنيك زي ما وعدته
استدار إليها يطالعها بحزن، لكنها لم ترَ حتى نظراته هذه، أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى ظهر الفراش، في محاولة لإخماد الحرب التي لا تتوقف في رأسها.
________________________________________
لم تصدق "أميرة" اختفاء الفتى، أخبرها البائع بأنه أخذ منه ما طلبته، فأين هو؟...ومرّ والده على جميع أصدقائه دون استثناء، وكلهم أكدوا أنه لم يأت إليهم، حتى بواب العقار لم يره إلا أثناء خروجه منه.
مرّر "طارق" يده فوق رأسه بانفعال، وقد تلفت أعصابه تمامًا، ونظر إلى "أميرة" التي راحت تسأل عنه أمام المنزل هنا وهناك بوجه مذعور، وما إن أتت إليه حتى قال:
عاجبك كده؟...مش قادرة تنزلي تجيبي حاجتك، ومنزله "بلال" يجيبها؟
لم تكن في حالة تسمح لها بسماع شيء، فردت بغضب:
بقولك إيه أنا مش ناقصاك وعلى أخري، سيبني في حالي وخلينا ندور على الواد بدل كلامك السم ده.
سألها باستنكار شديد:
أنتِ كمان لسه بتقاوحي؟
لم ترد عليه بل وضعت "إيمان" التي نامت بين يديه، وانتبهت إلى الصغير، ابن حارس العقار الذي عاد للتو، فأمسكته وسألته بلهفة:
بقولك إيه يا حبيبي مشوفتش "بلال"؟
أجابها الواقف أمامها بما جعل "طارق" يتجمد في مكانه:
شوفته وأنا بلعب كورة، وقالي إنه هيجي يلعب معانا بس هيطلع حاجات معاه الأول، وبعدها وقف مع واحد بعربية وركب معاه.
شهقت "أميرة" بذعر، وانقبض قلبها وهي تسأله:
عربية إيه، وركب مع مين؟
هزَّ الصغير كتفيه دلالةً على عدم معرفته، فشعر "طارق" بأن ساقيه لم تعودا تقويان على حمله، وكأنهما على وشك أن تخذلاه فيسقط أرضًا، حتى إن الصغيرة التي يحملها بين ذراعيه غدت عبئًا عليه.
طالعت "أميرة" زوج شقيقتها بعجز، تبحث في ذهنها عن أي حل، لكنها لم تجد شيئًا، فعادت إلى الصغير تسأله:
طب هو ركب بمزاجه يعني؟
_ أيوه ركب عادي.
وأمام إجابته قالت "أميرة" بغير تصديق:
إزاي بس، ده مبيتحركش من مكانه إلا لما يقول لنوارة.
وما إن أنهت جملتها حتى جاءهما صوت الجارة "أمل"، التي طلبا منها البقاء مع "نوارة"، تناديهما من الأعلى بصوت مطمئن:
يا أستاذ "طارق" عم "بلال" اتصل وبيقول إنه معاه.
عادت الدمـ.اء إلى وجه "طارق" أخيرًا، بينما شعرت "أميرة" للمرة الأولى منذ اختفاء الصغير أنها قادرة على التقاط أنفاسها بصورة طبيعية. ثم التفتت إلى "طارق" وهتفت:
أهو كله طلع من ورا أهلك يا أُس المصايب.
لم يستمع حتى إليها، أسرع إلى الأعلى، فهرولت هي خلفه، أراد أن يلحق بذلك الذي أخذ ابنه دون إذنه، لكنه ما إن وصل حتى علم أنه قال ما عنده وأغلق المكالمة دون انتظار.
وضعت "أميرة" الصغيرة على الأريكة، ثم هرعت إلى "نوارة" التي كانت تبكي بانهيار شديد، واحتضنت رأسها بين ذراعيها قائلة برفق:
خلاص يا حبيبتي اهدي هو عند عمه أهو.
_ أنا اللي غلطانة، أنا اللي بقالي يومين مش واخدة بالي منه.
قالتها "نوارة" بنحيب، فلم تحتمل "أميرة" أن تراها تلوم نفسها، فسارعت تقول لها بحنان:
لا حقك عليا أنا، الغلط عندي يا "نوارة".
كرر "طارق" الاتصال به عدة مرات، لكن لم يتلقَّ ردًا، فالتفت إلى زوجته وشقيقتها وقال بحسم:
أنا رايحله.
أمسكت "نوارة" بكف "أميرة"، وهمست لها برجاء:
روحي معاه.
رأت "أميرة" في عينيها أنها تخشى ألا يعود "طارق" بـ"بلال"، وتخاف أن يستخدمه ورقة ضغط عليها حتى ترضخ، فهزت رأسها واستوقفته:
استنى أنا جاية معاك.
استدار يطالعهما، وما إن لمح نظرات الشك في عيني زوجته حتى قطّب جبينه بضيق، وقال بانفعال:
هو أنتِ بجد بعتاها معايا علشان خايفة مني مرجعهوش.
علمت أنه انتبه لحديثهما، لكنها لم تحاول الدفاع عن نفسها، حتى لو كانت على يقين من أنه لن يفعلها...الآن، تخشى كل شيء، ولا تريد سوى الاطمئنان.
ردت "أميرة" بدلًا عنها:
لا أنا جاية معاك علشان أنا عايزه كده، وعلشان أشوف أخوك ده ازاي ياخد الواد من غير ما يقول.
فقط طالعهما بنظرات غير راضية، ثم غادر دون رد، ولحقت به "أميرة"، عازمة على ألا تجعله يخطو خطوة واحدة دونها.
______________________________________
لم يطمئن "بلال" إلا حين تيقن أن "شهاب" أبلغ والدته بتواجده معه، جلس على أريكة في منزل عمه، وأخذ يتأمل أرجاءه التي لفتت انتباهه فخامتها، بينما أحضرت له الخادمة كوبًا من العصير.
جلس "شهاب" أمامه، وسأله بابتسامة:
قولي بقى يا حبيبي عامل إيه؟
هزَّ الصغير رأسه في إشارة إلى أنه بخير، لكن قلقه لم يخف عن "شهاب"، فطمأنه قائلًا:
أنت لسه قلقان ولا إيه؟ مش أنا كلمتهم قدامك وقولتلهم.
_ أيوه بس أنا خايف ماما تزعل.
هكذا رد ببساطة، فقال له "شهاب":
مش هتزعل طبعًا أنت عند عمك.
وقبل أن يسأله "شهاب" عن أي شيء، أشار "بلال" إلى البيانو الموضوع في إحدى الزوايا، واستأذن:
هو أنا ممكن أشوفه؟
رد عليه بترحاب:
طبعًا يا حبيبي ممكن، ومن غير ما تستأذن كمان.
ابتسم "بلال"، ثم تحرك بشغف ناحية البيانو، بينما بقي "شهاب" في مكانه يتأمله بصمت، كان ابن أخيه هذا يمنحه شعورًا غريبًا بأنه يعوض ولو قليلًا ذلك العجز عن إنجاب طفل لطالما تمناه.
ورغم خلافاته الأخيرة مع "طارق"، لم يستطع أن يمنع قلبه من التعلق بـ"بلال"، ولا أن يتجاهل الحقد الذي تركته كلمات شقيقه في نفسه، حين أخبره في آخر شجار بينهما دون رحمة:
أنا دلوقتي بس عرفت ربنا حرمك من الخلفة ليه، واحد مهمل ومبيهتمش بحد غير نفسه مينفعش يبقى أب.
كان الخلاف هذه المرة بسبب مشاكل شقيقتهم "نجوى" مع زوجها "غانم"، والذي كان صديقًا لـ "طارق"، وفي آخر خلاف بينهما انحاز "طارق" إليه، ورأى أن تعود أخته وابناها إلى منزل زوجها، بينما لم يرَ "شهاب" الأمر بهذه البساطة، خاصة بعدما علم أن زوج شقيقته تطاول عليها بالضـ.ـرب.
رفض "شهاب" حضور أي جلسة للصلح، حتى تلك التي ألح "طارق" عليه أن يحضرها، وهو يقول له:
تعالى بقى وخلينا نخلص الموضوع ده، "غانم" عياله وحشوه وأختك منشفة دماغها وأنت عارفها، وبتقول مش هتقعد معاه ولا تتكلم إلا في حضورك.
كان قد قرر في النهاية الرضوخ ووعد بالذهاب، لكنه انشغل يومها بكارثة في مصنعه، فغفل عن الأمر تمامًا، ونتيجة لذلك نال من "طارق"، الذي ظل ينتظره، ما بقي أثره عالقًا في نفسه حتى الآن.
_ عمو هو أنت ممكن تعلمني عليه؟
كان سؤال "بلال" كفيلًا بأن ينتشل عمه من شروده، ترك مكانه واتجه نحوه وهو يقول:
ده أنا مش بس أعلمك، ده أنا أخليك أحسن مني كمان.
اتسعت ابتسامة "بلال"، وأخذ يتابع عمه وهو يحرك أصابعه فوق مفاتيح البيانو، قبل أن يسأله فجأة:
هو أنت ليه يا عمو بقالك كتير مش بتيجي عندنا؟
_ قولت لازم أوحش "بلال" ويجيلي هو بس الظاهر كده موحشتكش.
وأمام هذا الرد أسرع "بلال" يدافع:
لا طبعا وحشتني لكن أنا معرفش أجي لوحدي، وكمان بابا كان بيقولي بعدين.
وما إن ذكر "طارق" حتى انتبه "شهاب" مجددًا إلى الحزن الذي لم يستطع الصغير إخفاءه، فسأله باهتمام:
أنت بابا مزعلك؟...قولي بس وأنا هتصرف معاه.
ولم يستطع "بلال" أن يكتم ما بداخله أكثر، رغم كل تحذيرات أمه له بألا يخبر أحدًا بما يدور في المنزل، فقال:
بابا مزعل ماما أوي ومزعلني أنا كمان.
سأله "شهاب" بنظراته عن السبب، فأكمل "بلال":
علشان هو اتجوز طنط "سهر" رغم إنها السبب في إنه هو وماما علطول يتخانقوا.
لم يصدق "شهاب" ما يسمعه، فلم يكن يتوقع أن يتزوج "طارق" على "نوارة"، وتحديدًا من "سهر"، التي يعلم أنها كانت سببًا في مشاكل سابقة بين شقيقه وزوجته.
وقبل أن يستفسر عن أي شيء، قطعت جلستهما دقات عنيفة على باب المنزل، فتوقع "شهاب" صاحبها، وحين رأى الفزع على وجه "بلال" أسرع يطمئنه برفق:
متتخضش كده مفيش حاجه.
أشار له ناحية إحدى الغرف، وتابع:
ادخل هنا وأنا هشوف مين وجايلك.
استجاب له "بلال"، ولم يتحرك "شهاب" من مكانه حتى تيقن من دخوله، ثم اتجه إلى الباب وفتحه بهدوء، ليجد "طارق" و"أميرة"، شقيقة "نوارة" أمامه.
كانت الشياطين تتراقص في عيني "طارق"، والغضب واضحًا على ملامحه، بينما بادرت "أميرة" بالحديث بانفعال:
هو أنت يا أستاذ يا محترم مش قبل ما تاخد عيل المفروض تبلغ أمه ولا أبوه؟
وبدلًا من الرد على سؤالها، أفسح لهما الطريق للدخول، وقال بابتسامة:
أهلا يا مدام "أميرة"، أهلا يا "طارق"، اتفضلوا.
_ ابني فين يا "شهاب"؟
سأل "طارق" دون أن يخطو خطوة واحدة من مكانه، فأشار "شهاب" ناحية الغرفة التي أدخل إليها الصغير، ثم التفت إلى "أميرة" وقال:
طيب يا مدام "أميرة" هو بلال موجود هنا تقدري تدخلي تقعدي معاه لحد ما أنا و"طارق" نتكلم.
طالعت "أميرة" كليهما بنظرات متوجسة، ثم اتجهت إلى الغرفة التي أخبرها "شهاب" بوجود ابن أختها فيها.
تيقن "شهاب" من دخولها وحينها قال لـ "طارق":
أكيد مش هنتكلم على الباب.
تجاهل "طارق" ما قاله، وحدث أخيه بنبرة بان فيها ضيقه:
قولي سبب واحد يخليك تاخد "بلال" من غير ما تسألني.
رد "شهاب" ببساطة، وعلى شفتيه ابتسامة:
إنه وحشني مثلا.
ثم أردف بملامح ادّعى فيها العتاب:
وبالمناسبة هو زعلان أوي منك.
لم يخف على "طارق" ما حملته عينا أخيه من شماتة وهو يتابع مستغلًا ما أخبره به "بلال":
وعايز برضو يعرف سبب واحد يخليك تتجوز طنط "سهر" اللي دايما بتتخانق مع أمه بسببها.
كاد "طارق" أن يتطاول عليه لولا يد "شهاب" التي أمسكت بذراعه، وهو يقول بابتسامة:
حاسب يا "طارق" هتمد إيدك على أخوك الكبير ولا إيه؟
_ أنا عارفك وفاهمك كويس أوي يا "شهاب".
نطق بها "طارق" ثم تابع متحدثًا بحدة عن نوايا شقيقه:
أنت لسه واجعك الكلمتين اللي قولتهم ليك من كام شهر وقاطعتني علشانهم.
أشار "طارق" ناحية الغرفة حيث يوجد "بلال"، ثم تابع بلهجة حملت اتهامًا واضحًا:
خدت ابني من ورايا علشان تخليني ألف حوالين نفسي، وأجيلك لحد هنا وعيني مكسورة وأنا حاسس إني أهملت فيه.
ارتسم الاستهزاء على ملامح "شهاب" قبل أن يعلّق:
إيه نظرية المؤامرة اللي أنت عايش فيها دي؟
ثم أضاف بما كان صادقًا فيه:
تقدر تعمل مكالمة لشغلك وهما هيبلغوك إني روحتلك هناك.
رفع كتفيه، مستكملًا حديثه ببساطة:
عرفت إنك أجازة وكنت جايلك البيت فقابلت بلال، وقالي إنك مش هناك.
وأردف مبررًا أخذه معه:
وعلشان هو واحشني وعايز أقعد معاه، وعلشان أنا عارف برضو إني لو كنت استنيتك ترجع كان وارد نتخانق وملحقش أقعد خدته معايا على هنا وأول ما وصلت بلغتكم.
هتف "شهاب" وهو يبتسم لشقيقه:
يعني أنا كنت جاي وناوي خير، ومش عايز خلافنا يطول
ثم اختفت ابتسامته، وأشار إلى أخيه غامزًا بعينه، واسترسل:
لكن أنت فكرت إني بعاقبك على الكلمتين إياهم في أخر خناقة، وعايز أحسسك بالإهمال فده علشان أنت من جواك حاسس بيه.
_ زي كل مره بالظبط، زي كل مره بتكون عايز تطلع فيها نفسك الوحيد اللي صح، والباقي كلهم غلط.
قالها "طارق" ضاحكًا بسخرية قبل أن يسأل:
طلعت أنا اللي حاسس بالإهمال من جوايا علشان شكيت فيك لما خدت ابني؟
ازداد التهكم وضوحًا في نبرته وهو يقول:
إيه رأيك تجرب تفكر إنك أنت الغلطان مثلا؟
هز "طارق" رأسه نافيًا، وكأنه تراجع عن اقتراحه في اللحظة ذاتها:
ولا ازاي أصلا أنا بطلب منك تطلع نفسك غلطان؟...هو معقول "شهاب" بيغلط!
ثم انفلت ما ظل طويلا حبيسًا في صدره، وتوالت كلماته دون أن يمنح نفسه فرصة للتراجع:
طول عمرك يا "شهاب" شايف نفسك تستاهل كل حاجه، والباقيين دول جنبك صفر على الشمال، وأنا كنت بسكت وأعدي.
وأخذ يسرد له ما مرره طوال السنوات الماضية، مرة بعد أخرى:
سكتت على تفضيل أبونا ليك وقولت معلش ما هو أكتر واحد بيساعده في الشغل وتحت رجليه، وسكتت برضو لما المصنع طلع برا الورث وبقى ليك، وأقنعت "نجوى" تاخد نصيبها فلوس معايا ومتفتحش بوقها
لم يغب عن "طارق" ما ارتسم في عيني "شهاب" من استخفافٍ بكلامه، لكنه لم يتوقف، بل واصل إخراج ما تراكم داخله:
سكتت على كل مره بتعترض على حاجه في حياتي وبتتكلم وكإن مفيش حد بيفهم غيرك، وقولت لنفسي معلش أخوك الكبير، ده أنت يوم ما روحت تتجوز هو اللي راح لـ أهل "نوارة" معاك.
توقف "شهاب" عند كلماته الأخيرة، فقد لفتت انتباهه وسط كل ما ساقه "طارق" من عتاب:
طب كويس والله إنك فاكر وشايل الجميل.
ثم أكمل مذكّرًا إياه بما قدّمه هو أيضًا:
بس ياريت كمان تفتكر إن لولا تعبي وشقايا مكانش بقى في مصنع، يعني لما أنت و"نجوى" خدتوا فلوس بدل نصيبكم فيه ده مكانش فضل منكم ده كرم مني أنا
ضحك "طارق"، لكن "شهاب" لم يلتفت إلى ضحكته، واسترسل في تبرير ما فعله:
علشان مش المفروض أسيب المكان اللي تعبت فيه سنين يتقسم وكل واحد ياخد حته، والله أعلم كمان لو اللي هياخدها هيحافظ عليها ولا لا.
أما ما يخص والدهما، فلم يترك "شهاب" الأمر يمر دون رد، وقال:
وبالنسبة بقى لحب أبوك فأنا ممنعتكش تبقى تحت رجليه وتساعده في الشغل علشان يحبك أكتر مني.
ثم ذكره بموقفه القديم مع والده:
ولا نسيت لما رفض جوازك من "نوارة" وكان عايزك تتجوز بنت مختار، وأنت قولت لا أنا بحب "نوارة"، ومش هاخد غيرها.
وارتسمت على شفتيه ضحكة ساخرة قبل أن ينطق:
وأخرة الحب أهو، روحت شوفت مزاجك واتجوزت.
تابع حديثه قائلا:
لكن مكنتش أعرف إنك شايل مني أوي كده، وده خلاني دلوقتي أفتكر كل مره كدبت فيها نفسي لما حسيت إنك فرحان فيا علشان موضوع الخلفة.
وهذه المره لم يستطع أن يقنع نفسه بعكس ما رأى:
كنت أقول لا، طارق ميعملهاش...بس شكلي كده طلعت غلطان.
انفلت غضب "طارق" وهو يرد عليه:
لما تستكتر عليا الحاجة الوحيدة اللي عندي وناقصاك اه هفرح فيك...مستني مني إيه وأنا شايفك مستخسر فيا ابني؟
وذكّره بكل ما ظلّ عالقًا في نفسه من كلامه:
تصدق إني مرتاحتش غير الشوية اللي قاطعتني فيهم، أخيرًا خلصت من كلامك عن إني بربي ابني غلط، ومبقعدش معاه كفاية، ومهما عملت عمري ما هبقى أب كويس ليه.
ضربه "طارق" بخفة على صدره، وأكمل غير عابئ بنظراته التي بدأت تفقد هدوءها:
لو أنت حسيت لحظة إني فرحان فيك علشان مش هتخلف، أعرف إنك قصادها حسستني برضو إني منفعش أب.
وارتسمت على شفتيه ابتسامة انتصار وهو يقول:
لكن أنا أنفع يا "شهاب"، علشان هي الحياة كده.
وتسارعت أنفاس "شهاب"، بينما تابع أخوه:
"بلال" اللي قلبك متعلق بيه من يوم ما اتولد ده ابني أنا، ارضى بقى باللي عندك علشان محدش بياخد كل حاجه.
ثم أطلق ضحكة ساخرة وقال:
وأنت خدت كتير أوي، وأظن كفاية عليك.
انتظر "طارق" رد أخيه على أحر من الجمر، متوقعًا ثورته، ومستعدًا لسماع الكثير، لكنه فوجئ بـ"شهاب" يقول بوجه مقتضب:
عندك حق يا "طارق"، بلال ابنك أنت، ومكانش ينفع أتدخل زيادة عن اللازم لدرجة تحسسك باللي وصلك.
طالعه "طارق" غير مصدق، بينما تابع "شهاب":
أنت أدرى واحد بالطريقة اللي ينفع تتعامل بيها مع ابنك، وأنا دوري في حياته مش أكتر من عمه.
ثم أنهى حديثه قائلًا:
وبعتذر لو اتخطيت الدور ده.
_ تعرف إن أنا نفسي أعرف أنت بتفكر في إيه دلوقتي؟
كان سؤال "طارق" الذي لم ينتظر إجابته، بل أتبعَه بنفسه:
بس أنا متأكد إني عمري ما هعرف أتوقع.
ابتسم "شهاب" بهدوء، ولم يطل وقوف "طارق" أمامه فتخطاه، ونادى على ابنه وشقيقة زوجته، وما هي إلا لحظات حتى خرجا إليه.
ارتاب "بلال" من ملامح والده الغاضبة، ومن نبرته الجامدة وهو يسحبه من يد "أميرة":
يلا علشان نروح.
اعترضت "أميرة" على غلظته:
براحه على الواد.
حدجها "طارق" بنظرة نفد صبر صاحبها، ثم مضى بابنه. وحين بلغ الموضع الذي يقف فيه "شهاب"، رفع "بلال" عينيه إليه وقال:
مع السلامة يا عمو.
ابتسم "شهاب"، ثم مال حتى صار في مستواه وقال:
مع السلامة يا حبيبي، ومتزعلش لو معرفناش نقعد كفاية علشان أعلمك على البيانو.
_ لا أنا مش زعلان منك، بس عايزك تبقى تيجي عندنا.
قالها الصغير، فمرر "شهاب" يده على رأسه برفق وهتف:
هجيلكم طبعًا.
سأله "بلال" بحماس:
ينفع أنا كمان أجيلك وأجيب معايا "إيمان" علشان تعلمنا على البيانو؟
ضحك "شهاب"، ثم رفع عينيه إلى أخيه، فوجده متجهمًا، فعاد إلى الصغير قائلًا:
من الناحية دي متقلقش...بابا هيجيبك هنا بنفسه.
شعرت "أميرة" بتأزم الأجواء بين الأخوين، ولا سيما حين التفت "بلال" إلى والده مستفسرًا:
بجد يا بابا؟
لكن "طارق" لم يجبه، واكتفى بأن جذبه معه قائلًا بحدة:
يلا اتأخرنا.
لحقت بهما "أميرة"، بينما ظل "شهاب" يتابعهما بعينيه، قبل أن يهتف:
نورتي يا مدام أميرة، وأتمنى أشوفك مره تانية.
_ شكرا.
قالتها وهي تتابع رحيلها معهما، وبقي "شهاب" مكانه، يراقب ابتعاد شقيقه وابنه حتى غابا عن عينيه.
وما إن خرجوا، حتى استوقف "طارق" ابنه قبل أن يبلغ سيارته، وتحدث إليه بنبرة لم يألفها "بلال" منه من قبل:
أنت قليل الأدب، وأنا قصرت في تربيتك.
ولم يمنحه فرصة لاستيعاب كلماته، بل تابع توبيخه:
يعني مش كفاية مشيت من غير إذن حد؟
اشتدت قبضته على ذراع ابنه وهو يردف:
كمان ماشي تشتكيني، وتقول للي نعرفه واللي منعرفوش أنا زعلان من بابا علشان اتجوز.
رأت "أميرة" الصدمة ترتسم على وجه "بلال"، وصمته ونظرته إلى والده، كأنه يراه للمرة الأولى، فاندفعت محاولةً انتزاع ذراعه من قبضة "طارق"، وحدجته بحدة:
ابعد عنه، وإياك تزعق كده تاني...
على الأقل يا شيخ استنى لما تروح
صرخ في وجهها غاضبًا:
ملكيش دعوة يا "أميرة" أزعقله ولا حتى أكسر عضمه، ده ابني وأنا حر.
تجمعت الدموع في عيني "بلال"، فانقبض قلب "طارق" ما إن لمحها، وفي اللحظة ذاتها تراخت قبضته عن ذراع ابنه، بينما جذبت "أميرة" يد "بلال" بعيدًا عنه، وهي تتوعده:
أقسم بالله يا "طارق" لو ما لميت الليلة دي، وروحتنا وأنت ساكت، لـ هبطح نفسي وأروح القسم ألبسك مصيبة.
توجهت بنظرها إلى "بلال"، وقالت له برفق:
روح يا حبيبي اركب العربية واحنا جايين.
هز رأسه صامتًا، وانصرف من أمامهما بعينين غارقتين في الدموع، وما إن تأكدت "أميرة" من ابتعاده حتى التفتت إلى "طارق" وهتفت:
هو أنت اتخانقت مع أخوك وجاي تطلعه على الواد؟
وقبل أن يندفع في الرد عليها بضجر، كانت أسرع منه وقالت:
بتزعقله على إيه يا حبيبي؟...إلا تكون مفكر "بلال" ده بيرضع لسه ومش دريان بالدنيا.
ثم أردفت ساخرة:
ابنك كبير يا جوز أختي، وعملتك السودة مخلية الواد من يومها مطفي يا عين أمه.
وواصلت هجومها مستنكرة:
وبعدين غريب مين اللي قاله؟
ده قال لعمه
كان طارق على وشك أن يتركها في الشارع، بينما واصلت هي جلده بكلماتها:
فكر يا عيني إنه لما يقوله هيعرف يصلح له اللي أبوه خربه.
_ لو قولتي كلمة كمان يا "أميرة" هفتح دماغك أنا بنفسي، وأدخل فيكي الحبس عادي.
ثم دفعها من أمامه، وقد طفح به الكيل:
ووسعي من سكتي كده.
اتجه إلى سيارته، وكانت قد لحقت به قبل أن يبلغها، حينها علقت على تهديده:
أنا هسكت ومش هرد عليك علشان ابنك اللي في العربية ده...لولاه أقسم بالله كنت وريتك.
لم يجبها بل دخل السيارة وصفق بابها خلفه، فركبت هي الأخرى، وانطلقت السيارة، فيما آثرا الصمت من أجل "بلال" وحده.
______________________________________
لم تصدق "نوارة" أنها تضم ابنها إلى صدرها الآن، أدخلته "أميرة" إلى غرفتها ثم خرجت تاركةً لهما بعض الوقت وحدهما.
كانت "نوارة" تبكي بشدة وهي تحتضنه، قبل أن تسأله بعينين دامعتين لم يخفِ ما فيهما من عتاب:
كده يا "بلال"، من غير ما تقولي؟
_ ما هو عمو قالي يا ماما إنه هيكلمكم.
جاء تبريره سريعًا، لكنها اعترضت عليه:
حتى لو، تقوله لا معلش استنى هبلغ ماما
وبنبرة أرهقها القلق، سألته:
أنت عارف أنا قلبي وجعني ازاي لما عرفت إنك مرجعتش ومش عارفين أنت فين؟
رأت "نوارة" الندم واضحًا في عيني ابنها، الذي اعتذر لها وهو يربت على كفها:
أنا أسف يا ماما.
هزت رأسها موافقة، ثم احتضنته من جديد، تستنشق رائحته وتتيقن من وجوده بين ذراعيها، وتطمئن أخيرًا إلى أنه هنا، بجوارها.
رفعت وجهه لتنظر إليه، ثم سألته:
عمك كان عايز إيه؟
أجابها بابتسامة:
قالي إني وحشته وعايز يقعد معايا شوية.
لم يُرِد أن يخبرها بما حدث بينه وبين والده، لكنه لم يستطع أن يخفي أثره عن وجهه، فظنت "نوارة" أنها السبب، وقالت:
أنا عارفة إني بقالي شوية مش كويسة، بس أنا مش عايزاك تزعل، وأوعدك إني من بكرا هبقى أحسن.
وبنبرة حانية أسرت فؤادها قال:
أنا عمري ما أزعل منك يا ماما.
أمسكت بكفه، ثم مالت تقبّل رأسه، ولم يقطع تلك اللحظة بينهما سوى طرق "طارق" الباب، ثم دخوله بعدما أذنت له "نوارة".
ألقى نظرة صامتة عليهما لبضع ثوانٍ، قبل أن يقول:
تعالى يا "بلال" علشان عايزك.
لم يرغب الصغير في الذهاب، وفضحت نظراته الرافضة ذلك، لكن أمه حثته:
يلا يا حبيبي روح مع بابا.
هز رأسه موافقًا، ثم تبع "طارق"، وما إن خرجا حتى دخلت "أميرة" برفقة "إيمان".
أحضرت للصغيرة مجموعة من الألعاب، ورتبتها على الأرض، ثم أجلست "إيمان" إلى جوارهم لتلعب، واتجهت بعدها إلى "نوارة" وجلست أمامها على الفراش.
ظلت "أميرة" صامتة في البداية، فخمنت "نوارة" أن لديها ما تريد قوله، وسألتها:
في إيه يا "أميرة"؟
أمسكت أختها بكفها وقالت برجاء:
عايزه أقولك كلمتين بس لو ليا غلاوة عندك متزعليش.
_ يبقى أنتِ عارفة إن كلامك هيزعلني.
قالتها "نوارة"، فترددت "أميرة" للحظة أمام نظراتها، لكنها حسمت أمرها وقالت:
أسمعي مني ولو معجبكيش ولا كإن اتقال حاجة.
أنصتت لها "نوارة" فبدأت أختها حديثها:
دلوقتي يا "نوارة" اللي حصل حصل وبقى أمر واقع، واحنا مضطرين نتعامل معاه.
ظلت "نوارة" صامتة، فاستطردت "أميرة":
وعلشان بس متفكريش إني بدافع لـ "طارق" أنا والله ما بتكلم إلا علشانك أنتِ و"بلال".
كانت "أميرة" شديدة الحزن على حال شقيقتها؛ تعرف كم أثقلها ما حدث، وتحاول بكل ما تستطيع أن تجد لها مخرجًا مما هي فيه.
تغلبت على ترددها ونطقت:
"طارق" هيكتبلك الشقة دي يا "نوارة"، وأيـ....
لم تكمل، إذ قاطعتها أختها مستنكرة:
ده ليه؟...هي دي بقى الترضية اللي قالي إنه مستعد ليها علشان نرجع زي ما كنا؟
ابتلعت "نوارة" غصتها، وسألت أختها بمرارة:
الشقة هتنسيني اللي عمله فيا؟...هتبعد عني كسرة النفس اللي ملزماني من يوم ما "سهر" جت لحد بيتي وقالتلي أنا حامل من جوزك؟
ربتت "أميرة" على كتفها برفق، وقالت:
اهدي واسمعيني، الشقة دي مش هتعمل أي حاجه من اللي قولتي عليه يا "نوارة"
ثم أخذت تعرض عليها الأمر من وجهة نظرها:
لكن هتأمنك، وهتأمن مستقبل "بلال"...ومتقوليش ليا أنا مش عايزه حاجه منه، لا أنتِ محتاجه وابنك محتاج، وده أقل واجب بعد اللي عمله.
وبانت الحسرة في نبرتها وهي تستطرد:
ولا عايزه تبقي زي أختك، أظن أنتِ عارفة الشقة اللي أنا قاعدة فيها عاملة ازاي، ده كتر خيرها أوي إنها موقعتش عليا.
ثم ألقت أمامها ما تخشاه من الغد:
الحياة مش سهلة يا "نوارة" وعايزه اللي ياخد منها، وأنا مش حابة نفضل قاعدين لحد ما نلاقي الحرباية اللي اتجوزها مكوشة على كل حاجه.
لمعت الدموع في عيني "أميرة" حزنًا على حال شقيقتها، التي التزمت الصمت تمامًا وظلت تحدق فيها بنظرة خاوية.
ومع ذلك، لم تتراجع عن محاولة إقناعها:
البيت ده حلو وفي حته حلوه وأنا وأنتِ عارفين إن تمنه مش قليل، لما يبقى باسمك النهارده ضهرك هيتصلب، وإن شاء الله تقومي على رجلك وساعتها اعملي مع "طارق" اللي يعجبك.
نبهتها إلى ضرورة التعامل بذكاء خلال هذه الفترة:
أنتِ كده كده مش ناوية تطلقي فخلينا بقى نتصرف صح، البت دي هتحاول هتسحبه بكل الطرق وتقطع رجله عن هنا
وبمقت شديد تجاه "سهر" هتفت:
اومال أنتِ فاكرة هي جت عرفتك ليه، اللي زي "سهر" دي ماية من تحت تبن.
مسحت "نوارة" على وجهها بتعب، ثم سألت بابتسامة ساخرة:
والمفروض بقى أدخل معاها في منافسة على "طارق"، وأحاول أرضيه بكل الطرق علشان أقطع أنا رجله من عندها؟
_ متعمليش كده طالما مش هيريحك بس اسمعي كلامي.
قالت "أميرة" ذلك، ثم أوضحت لها خطتها:
أنا هقوله "نوارة" عايزه وقت علشان تروق بس قبل أي حاجه يكتبلك الشقة، وبعد ما يكتبها أعملي اللي أنتِ عايزاه
وأشارت إلى نفسها وهي تنصحها:
بس لو هتاخدي من أختك فعشميه ومتطوليهوش، أنتِ مفكرة البت دي جابته على وشه ازاي؟..ما هو كده.
ثم تابعت بما بدت واثقة منه:
طول ما هو متعشم ومش طايل هتفضلي في باله، ومش هيبقى فايقلها...الكلمة القليلة منك هتبقى عنده بكل اللي هي بتعمله معاه.
_ بس هيزهق، والمتعشم ده هيجيله وقت ولو مطالش هيعمل كتير أوي، وأنا عارفة طارق كويس.
قالت "نوارة" ذلك، ثم تنهدت بعمق قبل أن تضيف:
الكلمة القليلة اللي بتقولي أديهاله دي مبقاش فيا حيل ليها، أنا حتى البصة في وشه مبقتش قادرة عليها علشان بتفكرني باللي أنا فيه.
أنهت حديثها، واتجهت بنظرها إلى "إيمان"، قبل أن تشعر بيد "أميرة" تربت على كتفها برفق، فعادت تنظر إليها وقالت:
خليه يكتب الشقة، ومتقوليش ليه كلمة زيادة، ولا تديله وعود بأي حاجه.
_ ما هو كده هيفتكر إنك سامحتي.
قالتها "أميرة" بحيرة، فردت أختها:
لا هو مش عبيط، "طارق" بيعمل كده وهو عارف إني مش مسامحة، محاولة ضغط مش أكتر.
فكرت "أميرة" للحظة في كلامها، ثم هتفت:
خلاص يبقى سيبيه يعملها، وبعدها يحلها ربنا، المهم دلوقتي الشقة تبقى باسمك.
لم ترد "نوارة"، واختارت الصمت. فقالت لها "أميرة":
أنا هقوم أعملك كوباية ليمون تروق دمك، خلي بس بالك من إيمان لحد ما أرجعلك.
هزت "نوارة" رأسها موافقة، وظلت تطالع الصغيرة بعد مغادرة شقيقتها، شاردةً في كل ما حدث، وكل ما تتمناه أن تكون هذه الأحداث مجرد كابوس مزعج، ستفيق منه الآن لتجد كل شيء على ما يرام، وأن هذه المآسي لم تكن إلا في مخيلتها فقط.
_________________________________________
جلس "طارق" في غرفة ابنه على أحد المقاعد المجاورة لفراشه، بينما ظل "بلال" أمامه صامتًا، حتى سأله والده بعتاب:
مش عايز تبصلي برضو يا "بلال"؟
رفع "بلال" عينيه إليه بحزن، ذلك الحزن الذي لم يفارقه منذ عرف بزواج أبيه من "سهر"، فطلب منه "طارق":
طب اتكلم وأنا هشوف إيه مزعلك ونحله.
وكأنما ضغط على زرٍ فتح له الكلام، اندفع ابنه يقول:
أنا زعلان منك علشان زعقتلي جامد بعد ما خرجنا من عند عمو "شهاب"، وحضرتك يا بابا عمرك ما زعقتلي.
_ أول حاجه أنا أسف إني عليت صوتي عليك في الشارع، مكانش ينفع أعمل كده مهما حصل، بس مش أنت عملت حاجه غلط؟...يعني ينفع تمشي كده وتقلقني وتقلق ماما عليك يا "بلال"؟
وأعاد عليه بلال" المبررات نفسها التي قالها لأمه، ثم أضاف:
وأنا أسف علشان أنا غلطت، وأسف علشان قولت لعمو "شهاب" حاجه أنت مكنتش عايزني أقولها.
انكسر صوت ابنه، وهو ينهى اعتذاره بسؤال خرج منه بحزن:
بس ليه يا بابا أنت اتجوزت طنط "سهر"؟
ولم يمهله "بلال" فرصة للرد، بل تابع يسأله:
أنت وماما علطول كنتوا بتتخانقوا بسببها، ليه تزعل ماما كده وحضرتك عارف إنها تعبانة وكنت بتقولي مينفعش نزعلها خالص؟
آلمه حديث ابنه، فأغمض عينيه بإرهاق، يبحث عن إجابة يستطيع أن يقدمها له، لكنه لم يعرف من أين يبدأ.
ظل صامتًا للحظات، ثم قال:
أنا عايز أفهمك حاجه يا "بلال"
أنصت له "بلال" باهتمام، فقال "طارق":
أنا بحب ماما أوي، وبحبك أنت كمان ونفسي أعملكم أي حاجه علشان تكونوا مرتاحين.
ظل "بلال" غير مقتنع تمامًا بكلام والده، لكن "طارق" أسرع يقول:
ومش معنى جوازي أبدًا إن الحب ده اختفى، أنا لسه زي ما أنا.
ثم حاول أن يوضح له:
وعايز أقولك يا "بلال" إن جوازي من حد تاني غير ماما ده مش حرام، وصـ...
_ بس كنت المفروض تقول لماما.
قاطعه ابنه، فلم يجادل "طارق"، بل أقر بندم:
عندك حق، مكانش ينفع إني أخبي عن ماما...أنا غلطت، وكان لازم أقولها قبل أي حاجة.
وربت على كف "بلال" وهو يتابع:
لكن عايزك برضو تعرف إن اللي بيني وبين ماما ملوش دعوه بيك، أنت ابني يا "بلال" وأنا عمري أبدًا ما هحب حد قدك.
وأوضح له بابتسامة:
وطنط "سهر" مش جاية علشان تاخد مكان ماما، محدش أصلا يقدر ياخد مكان ماما في قلبي ولا في البيت ده، ماما هتفضل أهم واحده هنا.
ثم احتضن بنظراته عيني ابنه الحزينتين، وقال:
جوازي ده قرار خاص بيا أنا، لكن عمره ما هيغير حبي أنا وماما ليك، ولا هيخلي مكانتك أنت وهي تقل عندي لحظة يا "بلال".
وتابع وهو يمسح على كفه برفق:
وأنا عارف إنك زعلان علشان شايف ماما زعلانة، وعلى فكرة ده كبرك في نظري أوي علشان بتهتم بيها وعايزك علطول تفضل تعمل كده ومتسيبش ماما أبدا.
ابتسم "بلال" عند ذكر اهتمامه بوالدته، وبعدها سمع وعد "طارق":
وأنا أوعدك إن أي خلاف بيني وبين ماما هنحله سوا، أحنا كبار كفاية علشان نعرف نحله، وأنت ملكش دعوة بأي حاجه تزعلك علشان مهما حصل أنت أهم حاجه عندنا احنا الاتنين.
هز "بلال" رأسه موافقًا، وحينها سأله "طارق" بابتسامة:
عايز حاجه تاني؟
_ عايز أروح أنا وإيمان عند عمو "شهاب" علشان يعلمني بيانو.
عند هذا الطلب، كاد "طارق" أن يرفض فورًا، لكنه قال بدلًا من ذلك:
أنا هشتريلك بيانو، وهشوف حد يعلمك عليه هنا في البيت.
سأله ابنه بعينين حائرتين:
وليه ميكونش عمو شهاب، أنا بحبه، وكمان هو أخوك، ولو حضرتك يا بابا زعلان منه علشان كده مش عايز نروح عنده فالمفروض زي ما أنت علطول تقولي إن الأخوات ميزعلوش من بعض كتير.
عجز "طارق" عن الرد، طالع ابنه بحب، ومسح على رأسه، ثم اضطر في النهاية إلى الرضوخ:
هخليك تروح عند عمو "شهاب"، وأنا وهو على فكرة مش زعلانين، هو بس أغلب الوقت مشغول ومش علطول هيكون فاضي يعلمك.
_ هو قالي إنه موافق.
ذكر "بلال" وعد عمه، فقال "طارق":
خلاص أنا هشوف الموضوع ده.
ثم سأله:
ممكن بقى أبات معاك النهارده؟...علشان أنا تعبان ومحتاج أنام جدًا وسريرك مغري بصراحه.
ضحك "بلال"، فتمدد "طارق" على الفراش، ومد ذراعه لابنه قائلًا:
تعالى في حضن بابا.
استجاب له "بلال"، وتمدد جواره، مسندًا رأسه إلى ذراع والده. فوجه "طارق" إليه نظراته وسأله:
بتحب بابا؟
هز الصغير رأسه مؤكدًا حبه له، فاحتضنه "طارق" وأغمض عينيه، متمنيًا ألا يخسر ابنه أبدًا، وأن يظل حتى آخر عمره مطمئنًا إلى وجوده إلى جواره.
غلبه النوم، ورافقه أخيرًا شيء من الراحة بعد أيام عجاف، ولم يوقظه إلا رنين هاتف المنزل قبل الفجر بقليل.
ترك "طارق" مكانه على الفراش، وأسرع إلى الهاتف قبل أن يستيقظ أحد.
رفع السماعة، فأتاه صوت "غادة"، شقيقة زوجته، غاضبًا:
"سهر" في المستشفى وبتروح مني، فياريت تكلف خاطرك وتيجي لمراتك يا أستاذ.
_ مستشفى إيه، وإيه اللي حصل أصلا؟
سألها بانفعال، ولم ينتبه إلى ابنه الذي استيقظ بمجرد ابتعاده عنه، ووقف عند باب غرفته يراقبه.
لم يكن "بلال" يريد أن يتركه والده، لكنه سمعه يقول:
أنا جاي حالا مش هتأخر.
عاد "بلال" إلى فراشه بخيبة، وتمدد عليه وأغمض عينيه متصنعًا النوم، ظل ساكنًا وصامتًا حتى سمع بعد دقائق صوت باب المنزل يُغلق معلنًا مغادرة والده...حينها فقط، انحدرت دموعه.
مرت تلك الليلة، وتبعتها ليالٍ كثيرة، حملت معها من الأحداث ما غيّر حياة الجميع، وتحديدًا "بلال".
بعد سنوات، بلغ "بلال" الثامنة عشرة، وكان قد جاء اليوم إلى منزل خالته لتناول الغداء.
وقف برفقة "مالك"، ابن خالته، يراقبان الطريق في انتظار صديقهما "علي".
كان "علي" يقف على مقربة من طريق جانبي بعد مدرسة الفتيات، ينتظر "رنا"، ابنة "عبد الكريم"، زوج "أميرة".
لمحها تقترب من بعيد، وكانت تسير بمفردها.
لوّح لها، ولم يطمئن إلا حين لمحها تتجه نحوه...ألقت نظرة حولها قبل أن تسرع الخطى إليه، وما إن وصلت حتى قال لها بابتسامة واسعة:
وحشتيني يا "رنا".
سعدت بتصريحه لكنها تصنعت الضيق وهي تسأله:
واقف هنا كده ليه؟
_ عايز أشوفك بقالي أربع أيام مش عارف حتى ألمحك.
قالها بضجر فأجابته:
أخويا قافل عليا خالص، وحالف إنه لو شافني بكلمك أو حتى بسلم عليك وأنت عند خالتي "أميرة" هيقطـ.ـع رقبتي.
ضحك باستهزاء وقال:
ولا تخافي منه ميقدرش يعمل حاجه، وبعدين ما أنا قولت لـ أبوكي إني عايز أخطبك وهو مرضيش.
بدت الحسرة في عينيها وهي تقول:
أبويا بيقول إنك صغير ولسه بدري.
_ ولو جالك الصبح واحد معاه قرشين حلوين هيقول ده وقته المناسب.
اعترض بذلك على موقف والدها وشقيقها "راضي"، فرفضت أن تتركه يتمادى:
متغلطش يا "علي" بدل ما أسيبك وأمشي.
زفر بانفعال، ثم استعاد هدوءه وقال بابتسامة:
خلاص حقك عليا.
وأشار إلى وجهها وهو يرجوها:
متكشريش بقى ده هما خمس دقايق اللي هشوفك فيهم، وعامل علشانهم اللي ميتعملش.
ابتسمت ثم حذرته:
لو حد قال لـ "راضي" إنه شافك واقف معايا مش هيسيبك سليم.
ضحك، ولم يبد عليه اكتراث:
مش مهم، المهم أشوفك.
أخرج من جيبه علبة صغيرة وفتحها أمامها، فظهر بداخلها خاتم من الفضة، جاء في صفين من أغصان الشجر المتلاحمة.
لمعت الدهشة في عينيها، وتناولته منه وهي تقول:
ده حلو أوي يا "علي".
_ عملت شغلانة كده مع عم إبراهيم وجبتهولك بفلوسها.
طالعته بحنان، ثم ضاعت ابتسامتها وهي تقول:
بس أنا مش هينفع أخده، خسارة فلوسك...أصلا مش هعرف ألبسه علشان هيسألوني ده منين.
بان حبه في عينيه وهو يجيبها:
الغالي يرخصلك، وإن شاء الله ربنا يكرمني ونبقى سوا، وهجيبلك أحسن حاجه في الدنيا.
ثم أوصاها:
خليه معاكي، وألبسيه وأنتِ برا.
هزت رأسها موافقة، وعادت تتأمل الخاتم بسعادة، بينما ظل هو يتأملها بشغف.
وفي الجهة الأخرى، تأفف "بلال" وهو ينظر إلى ساعته:
هما دول الخمس دقايق اللي قال عليهم؟ ده بقاله أكتر من ربع ساعه.
ضحك "مالك" وشاركه التذمر:
وبيقعد يقولي أنا مش فارق معايا "راضي"، طيب ذنبنا إيه إحنا يلبسنا معاه.
_ الحقيقة "راضي" وعبد الكريم دول صعبين أوي مش عارف أصلا أنت وخالتو عايشين معاهم ازاي.
قال "بلال" رأيه فيهما، وفي اللحظة نفسها ظهر "راضي" أمامهما، فتمتم "مالك":
أهو جه لحد عندنا.
وقف "راضي" أمامهما وسأل:
واقف كده ليه أنت وهو ؟
رد عليه "مالك" بالطريقة نفسها:
واقفين عادي أنت مالك؟
_ واقفين عادي، ولا بتداروا على صاحبكم يا ابن أمك.
قالها "راضي" بحدة، وكاد يدفع "مالك"، لولا أن "بلال" وقف أمام ابن خالته وقال:
أنت قليل الأدب على فكرة
وأشار برأسه إلى ابن خالته، وأردف:
علشان أمه دي سابت اللي وراها واللي قدامها وكانت قعدالك أنت وأختك.
_ ملكش دعوه يا "بلال" ووسع من سكتي.
وسأله "بلال" بابتسامة متحدية:
ولو موسعتش هتعمل إيه؟
لم يجبه "راضي"، بل لطمه على وجهه، ثم دفعه بغلظة، فأسرع "مالك" إلى الإمساك به قبل أن يسقط، بينما قال "راضي" بشماتة:
كفاية عليك كده علشان أنت لسه صغير.
لكن "بلال" لم ينتظر ثانية أخرى. انحنى والتقط قطعة من الطوب عن الأرض، ثم اندفع خلف "راضي" وضـ.ـربه بها بقوة على رأسه، رغم محاولات "مالك" منعه.
تعالى صياح "راضي" متألمًا، والدمـ.اء تنساب من رأسه، فبلغ صوته مسامع "رنا"، فما كان منها إلا أن هرولت، تاركةً "علي" خلفها.
وقف "بلال" مكانه، يطالع "راضي" بنظرات متشفية، وما إن لمح "مالك" تأهبه واتجاهه نحو ابن خالته حتى علا صوته مناديًا "عبد الكريم"، الذي تقع ورشته بالقرب منهم؛ فقد أدرك من خطوات "راضي" أنه عازم على ألا تنتهي هذه الليلة إلا بعدما ينال من "بلال".
