رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم رشا رومية


 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الواحد والثلاثون 

«صفعة القدر»

جميلة هي الأحلام وخيالها، فهي الخريطة التي ترسمها اليوم لتعيشها غدًا، هي الأمل الذي يجعلنا نتقبل الواقع بما فيه، لكن ليس عليك الهروب من الواقع والعيش بدنيا الأحلام حتى لا تنكسر.

قد تسرقك أضواء الخيال، وتزيد آمالك حتى تعيش بالأوهام، ليأتي القدر بصفعة قوية لتستفيق من حُلم إستمر أكثر مما ينبغي، صفعة تأتي، لا لتُبكيك ولكن لتبقى حذر حتى من نفسك.

هناك صفعة تجعلك تتجرد من أوهامك حين تظن أنك قد نجوت، فتكسبك شجاعة لم تمتلكها من قبل، ورغم كونها صفعة مؤلمة قاسية، لكنها تكون رحيمة لو أدركت ذلك.

لكنها ببعض الأحيان تترك أثرًا، ليست كصفعة الوجوه، بل تترك ندبات بالقلب وجراح بالروح، صفعة تأتيك لتعيد تشكيل الحقيقة بداخلك، وتتركك صامتًا أمام ذهول الخديعة، أن تدرك متاخرًا أن تلك اليد التي إمتدت لإنتشالك كانت هي ذاتها من دفعتك نحو الهاوية.

أن تأتيك صفعة القدر ولو متأخرة أرحم من أن تظل تهيم بأوهامك، وقتها سوف تستفيق بقوة لتعيد رسم الحدود بينك وبين العالم، وأن تبني جدار حصينًا حول نفسك يحميك من غدر المجهول.
رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بيت عائلة مكاوي...
صدمة الحقيقة تمامًا كمن تلقى صفعة قوية بشكل مفاجئ، صفعة وحتى إن كانت متوقعة إلا أنها مؤلمة للغاية، لكن بداخل كل ألم حياة.
رشا روميه 

إتجه "محمود" بنظراته نحو والديه ومازالت تلك النظرة المندهشة تعتلي عيناه المتسعتان، صدمة كتلقي صفعة قوية فوق وجهه لتفيقه من غفلة دامت لسنوات رضخ فيها طلبًا لرضا والديه.

تهدج صدره بأنفاس متلاحقة وهو يمد كفيه بعدم تحمل، ثم أشار نحو الغرفة التي ولجت إليها "إسراء" من قليل:
- أهو.

كلمة واحدة قالها ليأشر لهما بأن الطفلة البريئة لا تكذب، أمر جعل الحقيقة ظاهرة للعيان، خط أبيض لا يختلف على رؤيته إثنان، لتردف "فردوس" بنبرة منخفضة لكنها كانت مسموعة بشكل واضح لهما:
- يبقى "جميلة" هي اللي حطت السم لـ"زهرة" في الأكل!!!!!

لم يكن للأمر معنى آخر، فالصغيرة قالتها دون إدراك، أظهرت بعفويتها خبث الكبار دون أن تقصد، قطب "زاهر" جبهته بقوة، فقد صُدم تمامًا بنوايا "جميلة"، لكثير من الوقت كان يراها تحب المال وتسعى إليه، خاصة بعد تيقنها من عدم قدرتها على الإنجاب بعد مرضها الأخير، لكنه لم يتخيل أن الأمر وصل بها لهذا القدر من الحقد والشر، ليردف بذهول تام:
- أنا مش مصدق وداني، بقى "جميلة" تعمل كده!!! طب ليه؟!!

أحمال لم يعد هناك قدرة على تحملها، وأقنعة أتعبت صاحبها من التظاهر بغير ما يشعر، لينتفض "محمود" متخليًا عن كل ما كان يتحصن به من حواجز حتى لا يظهر إحساسه الدفين بالقهر، تحمل بإسم الإيثار والطاعة لم يعد بإمكانه إستكمال التظاهر بهم.
بقلم رشا روميه 

وقف يهتف بإنفعال يحمل أسى مرير لسنوات وسنوات من الصبر، نبرته القوية رغم الغصة التي غلفت كلماته كانت كأسهم مغموسة بالسموم تخترق مسامعهم وقلوبهم:
- قولت لك يا حاج، قولت لك!!!! وإنت مصدقتنيش وصدقتها!!! دي إنسانه كدابه، حاولت كتير تأذي "زهرة"، وآخرهم كانت عايزة تموتها يوم الغاز، حاولت أقولك وأفهمك إنها إنسانه خبيثه متتعاشرش، عرفتها على حقيقتها وإستحملتها وسكت عشانك (ثم أكمل بشعور الخزلان من إصراره على أن يسامحها ويكمل حياته معها إرضاء لهم وتحكمه به لا أكثر)، بس إنت صدقت كذبها، صدقت إنها بريئه وأنا بقيت الجبار إللي متجني عليها، شوفت، أهو ربنا ظهرها على حقيقتها قدامك، دي إنسانه حقوده ممكن تعمل أي حاجه عشان تشيل أي حد من طريقها، مش عايزه غير مصلحتها والفلوس، ولا البنات ولا أنا في دماغها أساسًا، مش عايزه غير الفلوس، الفلوس وبس!!!!

طأطأ "زاهر" عيناه بخزي من نفسه ومازال لا يقدر على تصديق ذلك بعد، لا يدري كيف إنخدع بكذب "جميلة" طيلة هذا الوقت الطويل، وهو من المفترض كونه رجل حكيم ذو خبرة واسعة:
- لحد دلوقتِ مش قادر أصدق والله، بقى بنت أخويا أنا تعمل فينا كده؟!!

زفر "محمود" بقوة وهو يشير بكلتا يديه تجاه غرفة البنات قائلًا بإنفعال مستمر:
- ما هي راميه البنات زياده عن أسبوع أهو ولا سألت فيهم، دي بني آدمه معندناش لا قلب ولا رحمه، أنا خلاص مبقتش طايقها، مش عاوزها.

قالها بقدر كبير من الإختناق ليوضح أن تحمله لها وصل غايته، وأنه لا يقدر على أن تبقى على ذمته كزوجة وأم، لتوافقه "فردوس" على ذلك:
- ليك حق يا ابني، واحده زي دي حتربي عيالك إزاي؟!!

ليس العيب أن يخطئ المرء، بل العيب أن يتمادى بأخطائه، وكونه رجل حكيم فعليه ألا يتردد بتصحيح خطأه وترميم ما كسره دون قصد، ليومئ "زاهر" بخفة وهو يردف بضيق بالغ:
- حقك عليا يا ابني، أنا السبب في الجوازه دي، وضيقتك لحد دلوقتِ!!!

كسرت الأغلال التي تقيده بكلمة واحدة من أبيه، فرصة متأخرة للتحرر، لكنها أفضل من ألا تأتي مطلقًا، ليهتف بإصرار:
- أنا خلاص مش عاوزها، معدتش طايقها.

بمحاولة أخيرة ل"زاهر" لإظهار كونه لم يفكر سوى ما كان يراه لمصلحته، أن يبرر سبب إجباره على ألا يترك "جميلة" ويهدم أسرته، فربما يندم على ذلك:
- أنا كنت عارف إن فيها عيوب، وكنت بقول معلش بكره حالها ينصلح، كنت خايف تهد بيتك بإيدك، أنا كنت عاوز مصلحتك يا إبني (ثم أكمل بإعطاء له كامل الحرية للتصرف بعد ذلك)، لكن توصل لدرجة القتل والعياذ بالله، لاااا،خلاص يا ابني، إللي يريحك إعمله.

تنفس "محمود" الصعداء أخيرًا، فبعد صفعة القدر التي جعلتهم يدركون الحقيقة ورؤية "جميلة" على حق، وأنها لم تكن سوى ماكرة لوجه الشر الذي تخفيه خلف قناع المحبة الزائفة، فاليوم لن يقف والده بطريقه مرة أخرى، وسيعلن إنفصاله عن تلك الخبيثة التي لا تستحق أي فرصة أو شفقة للتراجع عن قراره بالإنفصال.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

في صباح اليوم التالي...

لقد إستنزف الصبر بأكمله، حتى اللحظات أصبحت أثقل من أن تُحمل، ليل طويل بالكاد يمر لكن إنتظار الشروق سيزيد التحمل، فما بين الظُلمة والنور ما بقي سوى خطوة.

بهذا الصباح الباكر، غادر"محمود" بيت عائلته وإتجه مباشرة لبيت عمه، فما عاد يطيق الإنتظار لأكثر من ذلك لمواجهة "جميلة" بأفعالها النكراء.
بقلم رشا روميه 

وقف أمام باب شقتهم بهدوء تام على خلاف تلك النيران المتأججة بداخله، طرق الباب بنفس الهدوء فهو قد إعتاد ذلك ولم يكن الأمر بالصعوبة لإظهار عكس ما يشعر به، فتحت والدة "جميلة" الباب لتنظر بإستغراب شديد تجاه "محمود"، قطبت حاجبيها بقوة لتصبح صورة طبق الأصل من إبنتها، أو بالأدق، "جميلة" نسخة أقل عمرًا من والدتها التي تحمل نفس الملامح وطريقة التعبير، حتى الصوت كانتا قريبتان للغاية من بعضهما البعض.

بإمتعاض شديد نظرت له والدتها قائلة بإندهاش متعجبة من تلك الزيارة المبكرة للغاية:
- "محمود"!!!  خير يا "محمود" إيه إللي جايبك من بدرى كده؟!

قابلها ببرود شديد ليجيبها دون إظهار أي إنفعال على ملامحه:
- عايز "جميلة" يا مرات عمي.

لوت تلك السيدة فمها بطريقة جانبية، تمامًا لو كان يرى إبنتها تقوم بنفس الفعل، ثم أجابته بتملل وهي تتراجع نحو الداخل دون إكتراث حتى لدعوته بطريقة مُرحبة:
- أهي عندك جوه أدخل لها قبل ما تنزل شغلها.

حتى الملامة والعتاب لهم أُناس يستحقونها، لهذا لم يعطي بالًا لطريقتها الجافة بإستقباله، فتلك طريقتها والتي أنشأت عليها إبنتها أيضًا، دلف للداخل نحو غرفة "جميلة" ليجدها متأهبة للخروج فهذا موعد ذهابها للمخزن ككل يوم.

فور أن رأته "جميلة" وهي تتطلع لهيئتها بالمرآة، إستدارت بشكل مفاجئ وقد إتسعت عيناها بدهشة لمجيئة، لتهتف بتفاجئ:
- "محمود"!!!!! غريبه، خير على الصبح، إيه الزياره دي؟!

ظنت لوهلة أنه قد شعر بأهمية وجودها، وقد آتى ليرجوها للعودة، لتقف بخيلاء تلملم إبتسامة نصر كادت تنفرج فوق ثغرها المائل، لكن "محمود" فاجئها بقربه نحوها وعيناه تومض بغضب شديد، بينما كز بقوة على أسنانه بغيظ من أفعالها الدنئية.

إحتدت نظراته الغاضبة نحوها وهو يتحدث ببعض الهدوء لكن بنبرة قوية صارمة، يتهمها بشكل مباشر بما فعلت:
- بقى إنتِ!!! حطيتي السم لـ"زهرة"، إنتِ إيه، للدرجه دى معندكيش قلب ولا دين، مفيش خوف من ربنا؟!!

إتهام معتاد لن يتخطى كونه كذلك، فلم تعد تبالي بإنفعاله وغضبه، فبكلمة منها تشكوه بقلة حيلتها لعمها سيعود الأمر كما كان، فلا شئ لا تقدر عليه.
بقلم رشا روميه 

زفرت بتملل وإشمئزاز من لومه المتزايد تلك الفترة، لتهتف به بإحتقار وتملل:
- أوووف، "زهرة"، "زهرة"، "زهرة"!!!! هو أنتوا إيه؟! مفيش في حياتكم غير "زهرة"؟!!!!! جاتلنا منين المصيبه دي ولزقت فينا كده!!!

يقال من أمن العقاب فقد أساء الأدب، وقد أمنت "جميلة" بكل شئ وليس العقاب فقط، أمنت غضبهم وتوهمت ضعفهم، فحين تمهل المخطئ وتتغاضى عن أفعاله يظن أنه قد إنتصر، وربما يتباهي بإنتصاره ويحق اللوم عليك، فلا يمتن لتلك الفرصة التي منحت له، كما لو أن ذلك هو حقه المكتسب، لكن لا تأمن الهدوء، فمن خلف سكون البحر تأتي العواصف.

لم يعد للهدوء محل بينهما ليزداد إنفعال "محمود" الغاضب:
- "زهرة" مش موضوعنا يا "جميلة"، وإنتِ فاهمه كويس بتكلم على إيه!! إنتِ إللي إنسانه حقيره، وأنا مقدرش أكمل معاها حياتي، ولا أآمن عليها تربي بناتي.

عقصت جانب أنفها بتهكم لتعلي من صوتها بحدة:
- بس بس، حيلك حيلك، مالك داخل عليا بالصوت كده، لا يا بابـــــا، فُوُق.

تلاشى الصبر والحلم بتلك اللحظة، فما عاد لضبط النفس وجود، فها هي تخرجه عن شعوره، وعليها التحمل، إحتد غضبه ليمسكها بعنف من ذراعها، قوة نبعت من غضب مكتوم منذ أمد طويل، مخزون من الغضب باء بالإنفجار:
- إنتِ باين عليكِ نسيتي نفسك، وإفتكرتي عشان سكت لك إني مقدرش أوقفك عند حدك، أنا بعاملك بأخلاق، ودي حاجه إنتِ متعرفيهاش، وبقولك أهو، لمي نفسك ولمي لسانك، ولآخر  مره بقولها لك أهو.

إنكمشت "جميلة" بفزع من ثورته وصوته الجهور الذي كان يصارخ به، حتى نظرات عينيه كانت مختلفة، كلها مخيفة مفزعة، فيبدو أنها أثارت حنقه وغضبه بشكل كبير، تخوفت من رد فعله، وظنت أنه ربما سيضربها، أو يؤذيها.

إرتجف صوتها المتحشرج فهي ليست بالقوة التي تدعيها، بل إعتمدت على ضعف الآخرين، صمتهم جعلها تشعر بالقوة وليس لأنها قادرة على المواجهة، فحين شعرت بصدق غضبه تراجعت على الفور، لتلين من صوتها المهتز قائلة بنبرة منخفضة تتساقط قوتها أمام عنفوانه:
- يا "محمود" مش قصدي، أنا بس مش عاوزاك كل شويه تحملني ذنب أنا معملتوش!!!

ضحك "محمود" بإستهزاء من كذبها الذي لا ينتهي، ثم ألقى بكلماته التي كانت كصفعة قوية للقدر فوق وجنتها، فهي لم تحسب لذلك حسابًا:
- ذنب معملتيهوش!!!!! يا هانم، بنتك "إسراء" هي إللي شافتك وإنتِ بتحطي السم في الأكل، حتقولي إيه أكتر من أن بنتك هي إللي شهدت عليكِ!!!

فغرت "جميلة" فاها بصدمة، فتلك الصفعة لم تكن هينة، لقد خططت لكل شئ، لكنها لم تحسب حساب لكلمة طفلة لا تعي من الدنيا شئ، حاولت تبرير ذلك بكلمات مبعثرة دون ثبات، فقد تلقت ضربة لا يمكنها الفرار منها:
- إيه "إسراء"!!!! لأ لأ، هي أكيد فهمت غلط، دي عيله، أنا... اا..

تخبطها وإرتباكها كان أمر متوقع، بل هو لم يكن ينتظر منها تبرير أو إيضاح، لم يأتي إلى هنا لمعاتبة أو لوم، بل جاء ليكشف سترها وألاعيبها التي ظنت أنها إستطاعت خداعهم بها، لكنها تناست أن الله يرى أفعالها وإن أحكمت خططها المشينة، وأن الله أمهلها الكثير من الفرص، لكنها تمادت بأفعالها.

رفع "محمود" من هامته يناظرها بدونية، ليقطع حديثها المتخبط بهدوء تام:
- خلاص معادش له لزوم الكلام ده، أنا خلاص ولا عدت طايقك ولا عايزك في حياتي، ومن النهارده، البنات مالكيش دعوه بيهم نهاااااائي فاهمه؟

حركت رأسها بعدم فهم، أو ربما لا تريد أن تفهم ما يريد قوله، لتردف بصدمة:
- قصدك إيه؟؟!

نفض يده عن ذراعها بقوة وهو يدفعها بعيدًا عنه، كما لو كانت نكرة لا ترتقي لأن تكون بقربه، قبل أن يردف ببرود قاتل:
- إنتِ ... طالق.

هوت "جميلة" فوق المقعد من خلفها بصدمة لم تتوقعها من "محمود"، فهي تعلم جيدًا أن والده يجبره على التغاضي عن أي مشكلة بينهم لأجل بقاء إستقرار أسرتهم، لتبتلع ريقها بصعوبة وهي تردد برجفة:
- إيه!!!!!!!! على فكره  عمي مش حيرضى بالــ....

أكمل بما يهدم كل آمالها تمامًا بأن ما حدث اليوم سيمر كما مر سواه من قبل، ليستكمل بثقة ونفور من تلك المخلوقة التي لا تستحق هذا الإسم بالمرة:
- أبويا عارف كل حاجه، وموافق، متتعبيش نفسك، كدبك مبقاش ينفع خلاص، وعلى الله أشوف وشك أو أسمع عنك حاجه تاني، ولو عرفت بس إنك قربتي من أبويا وأمي أو البنات حتشوفي إللي عمرك ما شوفتيه، فاهمه؟ ولا لأ ؟؟؟ مش عايز يبقى ليكِ علاقه بيهم نهاااائي، أنا مينفعش واحده زيك بتفكيرها الأسود الشيطاني ده تربى بناتي، ولا حتى تقرب منهم.

لم ينتظر منها رد على حديثه، بل كان حضوره ليبلغها قراره، ويطلق سراح نفسه من هذا الإرتباط الذي أطبق الخناق حول رقبته وكاد يقتله.

خرج على الفور من بين عمه تاركًا "جميلة" تجلس بذهول غير مصدقه لما حدث، دلفت والدتها التي كانت تصتنت من خلف الباب لحديثهم لتنظر "جميلة" إليها بأعين متسعة من الصدمة:
- يعنى إيه؟!! أنا خسرت كل حاجه، كل حاجه!!!
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

لم يمر يومًا واحدًا بل تعاقبت الأيام بمسيرتها دون إيقاف، بعضها روتينية يتمنى أصحابها قضائها بأي صورة، وبعضها ثقيلة قاسي على القلوب، وبعضها تجرى كالرياح دون الشعور بها، كما لو أن الزمن يسير بخطواته كما نتوقع منه، لكنه يمر على كل حال.

شهور مضت دون أي تغيير يذكر، فمازال القدر يقف حائلًا بين الكثير، يصفع البعض ويربت على الآخرين.

زهرة...
كل يوم يمر كانت تتجنب به أي صدام مع "سمية"، يكفيها ما تشعر به فلن تزيده بشجار أو تطاول معها، بينما كانت الأخيرة تتربص بأي شئ سيفسد مخططها وتمحيه تمامًا من الوجود، فمكسبها من زيجة "زهرة" بـ"أبو نصار" سيفوق مكسبها من زيجتها من "خليل" بشكل لم تكن تتخيله، ولن تتنازل عن ذلك، لهذا عندما لاحظت أن "زهرة" تحتفظ بهاتفها بشكل خاص، وربما هذا سيسبب تهديدًا لم تفكر به، خاصة وإن قررت الرحيل أو البحث عن مساعدة وربما تبحث عن عمل، لهذا دفعت "خليل" لأن يأخذ هاتف "زهرة" منها حتى لا يتسنى لها التحرك بدونهم.

بالبداية لم تكترث "زهرة" لأمر الهاتف، لكن مع مرور الأيام شعرت أنها منعزلة تمامًا عن الجميع، وذلك زاد من إحساسها بالوحدة والغربة بداخلها.

كانت "زهرة" تنظر بشكل يومي لتاريخ اليوم ليس حرصًا على نهاية عدتها، بل خوفًا من أن تنتهى، كانت تتمنى لو أن الأيام لا تمر، لكنها كانت كالسراب تسللت من بين يديها ودون أن تدري لم يعد يتبقى سوى أيام قليلة وتنتهى شهور العدة كاملة.

❈-❈-❈ــ

محمود...
بعد طلاقه من "جميلة" شعر كطائر حر يرفرف بجناحيه بالهواء، بدون محبس أو قضبان، وأخيرًا أصبحت فرصته سانحة للقُرب من "زهرة" فلم يعد هناك ما يعوق ذلك، فما كانت تخشاه لم يعد له وجود، وها هو القدر يبتسم له ويسمح له بأن ينال سعادته.

لكن ذلك كان مجرد أحلام تتطاير بالهواء، فحين حاول أن يخبرها بما حدث لم يستطع التوصل إليها فهاتفها مغلق دائمًا، ولعدة مرات طلب من والدها اللقاء بها، لكن بالطبع "خليل" تخوف من أن يحاول "محمود" إقناع "زهرة" برفض هذا العريس الثري إن علم بذلك كما أخبرته زوجته، لهذا كان دائم التهرب منه ورفض بشكل قاطع أن يزورهم أو يتحدث مع "زهرة"، خاصة وقد كان حقد "سمية" يفوق الحد بتلك العائلة التي لم تعطيهم إلا الفتات، وإستحوذوا على بقية ميراث "زهرة" لأنفسهم.

فرغم مرور الأيام إلا أن "محمود" فشل بالتواصل مع "زهرة" ومازالت لا تعلم بعد أنه قد إنفصل من زواجه بـ"جميلة".
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليلى ونور...
ما كان من الأيام الماضية إلا بحسنة وحيدة، وهي أن تعتاد "ليلى" على حياة جديدة ليس بها والدها، تخطى الأمر لم يكن بتلك السهولة، وبالطبع لن تنساه، لكن عملها بالمستشفى كان يملأ الفراغ من حولها، ويجبرها الروتين اليومي على مرور الوقت.

بعد وفاة "عزت" فكرت "ليلى" بالعودة وترك البعثة، لكنها تراجعت عن ذلك، فمن لها لتعود إليه، يكفيها على الأقل وجود "نور" إلى جوارها، فقد كان نعم السند بمحنتها، ولم لا تحاول البحث عن سعادتها هنا برفقته، لم لا تبتسم للقدر الذي ربما يقدم لها تلك الفرصة ليسعد قلبها الحزين.

تعامل "نور" مع "ليلى" بحرص شديد، كما لو أن بوفاة والدها أصبح هناك أمر آخر يربطهما بخلاف تلك المشاعر الرقيقة بينهما، إنه الشعور بالمسؤولية، كان يساعدها ويهتم لها ويحرص على أمنها ورضاها، أن يطمئن عليها طيلة الوقت، فيبدو أن هناك مشاعر أخرى ستربط بينهما أقوى من الحب، وبالفعل هو سعيد لذلك.

ورغم تواجدهم ببلد غريب إلا أن تعودهم على وجودهم وتعاملهم مع الغرباء أصبح أمر يسير للغاية، ولم يكن "نور" بحاجة لـ"كريم" لمساعدته على التأقلم بألمانيا بعد الآن.
بقلم رشا روميه 

أوشك "كريم" على نهاية رحلته الطبية برفقة هذا الطبيب المشهور، وإقترب موعد عودته لممارسة عمله بالمستشفى التي يعمل بها، ويعود لقربه مع صديقه "نور"، خاصة بعد ظروف وفاة هذا الرجل المصاحب له وتحمل مسؤولية إبنته بمفرده.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

فرح...
خلال تلك الشهور القليلة وبعد زيارتها لبيتها القديم بالسويس، أصبحت تتوالى على ذاكرتها بعض الذكريات من حياتها الماضية بشكل متقطع، بعض الأحيان تأتي على هيئة حُلم، وبعضها تتذكرها بشكل تلقائي.

مر بذاكرتها مواقف تجمع بينها وبين والدتها وحياتها، حزنت بالفعل لفقدانها لكن يبدو أن تهيئة حزنها بشكل مسبق لعدم تذكرها لوالدتها خفف من ألم الفقد، فقد تذكرت كم كانت ترتبط بها بقوة، وربما إن كانت تدرك ذلك بوقت الحادث ربما لم تكن لتتحمل هذا الحزن.

ما تذكرته بشكل مفصل وسبب لها ضيق بالغ هو "هاني" وما فعله معها، لكنها شعرت بالإمتنان للحادث ونسيانها إياه، فلولا ذلك ما كانت سمحت لـ"سامح" بقربه منها، وإلا لكانت تجربتها القاسية مع "هاني" تحجب رؤيتها لـ"سامح" وشخصيته الرائعة ومحبته التي ولدت بقلبها، فقد كان فقدانها للذاكرة فرصة عظيمة لميلاد حبها القوي تجاه "سامح".
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بصباح يوم جديد...

عندما يغلق بوجهك باب، لا تقف أمامه طويلًا، أنظر حولك لعلك ترى أبواب أخرى قد فتحت لك، عليك البحث بذكاء، فبالتأكيد إكتسبت مهارة أثناء الفقد.
رشا روميه 

نسرين الحناوي...
تلك التجربة المريرة التي مرت بها جعلتها منغلقة على نفسها، رفضت الخروج ومواجهة الأمر، لم تستطع نسيان ما حدث وبالتأكيد شعورها بالخزي من والدتها وإخوانها زادها تعاسة.

لقد أحبت "خالد" أو كما علمت إسمه الحقيقي "منصور"، لكن خديعتها به جعلتها تشعر بالتخبط، حين يراودها مجرد ذكرى بالأمر وتخيلها ماذا كان يمكن أن يصيبها إن لم يتم القبض عليه تشعر بالإنهيار.

ألهذه الدرجة كانت غبية ساذجة؟! إستطاع بسهولة خداعها لأجل أغراضه التى بالكاد أُنقذت منها!!!
بقلم رشا روميه 

طوال تلك الفترة الطويلة كانت تفكر بالأمر بشكل مختلف، لقد بحثت عن الحب بالطريق الخاطئ، كانت تتمنى أن تجد من يقدرها ويحبها كما كانت تتمنى، لكنها تلقت صفعة القدر لتجد نفسها منبوذة مخطئة، أصابتها لعنة لا يمكنها زجها عن نفسها، لقد حطت من قدرها بأعين الناس وعائلتها، لكنها لم تخطئ، لقد كانت فقط تبحث عن الحب.

ربما بحثت بإسلوب خاطئ، لكنها بحثت عمن يحبها بالفعل، لتأتي بأفكارها مقارنة كانت دائمًا ما تفعلها بشكل معكوس، لقد كانت ترى "خالد" بأنه الأفضل بكل شئ، هو من يحبها ويدللها، و"نور" كان هو القاسي الغير متقبل لها، دائمًا ما كانت تفتعل معه المشاكل، ليتضح لها بالنهاية أنها خسرت بالفعل إنسان لا يمكنها تعويضه، لقد كانت والدتها محقة بالفعل، فـ خسارتها لـ"نور" كانت كبيرة للغاية.

بعد تفكر طويل لم تجد سوى أمر واحد عليها فعله، أن تعيد علاقتها معه من جديد، عليها أن تعتذر منه وتطلب مسامحته، حتى يعودان لبعضهما البعض، ولم لا، لقد كان متمسكًا بها لآخر وقت، فما المانع من أن تعود المياة لمجاريها، وتصلح علاقتها به.

أبدلت ملابسها وإتجهت نحو شقة "نور" ووالدته لمقابلته هناك، لكن والدتها أخبرتها بأمر سفره للبعثة منذ بضعة أشهر، ولإصرارها التام للوصول إليه، إتجهت دون تأخير صوب المستشفى للسؤال عن تلك البعثة وتفاصيلها، حتى تصل إليه وتحاول الإتصال به.

تفاجئت "نسرين" بأن "ليلى" قد سافرت بنفس البعثة برفقة "نور"، أمر أثار ضغينة "نسرين" مرة أخرى من "ليلى" بعد أن كادت تنسى وجودها، لتحدث نفسها بغيظ شديد، مغمغمة بسخط:
- (بقى كده!!!!! وبعدين بقى!!! هو إنتِ ورايا ورايا!!!!! حتى "نور" حتاخديه مني زي ما أخدتي كل حاجه تانيه!!!!

ليس الخطأ بأن نسقط ونتعثر، بل أن نقع بنفس الحجر مرتين، كما لو أننا لم نتعلم شيئًا، أن تعود نفس الأفعال ليس فرصة ثانية، بل إعادة لنفس المأساة لكن بصورة مختلفة، تمامًا كنقطة الصفر.

أخذت "نسرين" تبحث بين أروقة المستشفى عن معلومة خاصة بـ"ليلى" حتى وجدت "نهى" إحدى صديقاتها، بعد أن أخبرتها إحدى الممرضات بأن "نهى" هي أقربهم لـ"ليلى"، لم تتوانى "نسرين" عن الذهاب إليها بغرفة التمريض.

بإبتسامة واسعة وملامح لطيفة أقبلت "نسرين" تجاه تلك الجالسة بالغرفة قائلة:
- صباح الخير، إنتِ "نهى" صح؟ قالوا لي إنك صاحبة "ليلى"؟

نهضت "نهى" ترحب بالزائرة الغريبة:
- أيوه، مضبوط، أنا "نهى"، مين حضرتك؟

مازال المكر يعبث بعقلها الصغير لتردف "نسرين" بكذبة جديدة لتصل لغايتها:
- أنا أبقى بنت عم "ليلى"، كنت بدور عليها كتير أوي، وعرفت إنها بتشتغل هنا، لما جيت أشوفها قالوا لي إنها سافرت، فكنت بس كنت عايزه أسألك، لو معاكِ رقم تليفونها في ألمانيا، ممكن؟

دون إعتراض أسرعت "نهى" بإخراج هاتفها من جيب زيها الخاص بالتمريض:
- أه طبعًا، معايا الرقم، أهو..

دونته "نهى" بورقة صغيرة لتعطيه لـ"نسرين" التي حملت الورقة بين أصابعها قبل أن تشكر "نهى" على مساعدتها، ثم غادرت المستشفى على الفور وهو تلوح بقصاصة الورق بمكر شديد فقد حصلت على مبتغاها أخيرًا.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

بين أحلام وصفعات نتلقاها، نقف دائمًا بأعتاب المحاولة، فليست المحاولات هي الهدف، بل هي الخطوة الأولى لرفض الإستسلام 

بيت خليل زيدان...
توقف "محمود" بسيارته أمام البيت الذي تسكن به "زهرة" مع والدها، وقد أصابه يأس شديد من كل تلك المحاولات الفاشلة للوصول لـ"زهرة"، ليزفر بقوة قبل أن يردف بإحباط:
- حتقدري تقابليها وتتكلمي معاها يا أمي؟

رغم أن هذا الوقت غير مناسب تمامًا لأي زيارة، خاصة عندما تكون بدون موعد، لكن "فردوس" أشفقت على حال ولدها، ومحاولاته العديدة للوصول لـ"زهرة" التي يمنعها والدها وزوجته من رؤيته لها أو حتى التحدث معها عبر الهاتف، لتفكر "فردوس" بتلك الزيارة المفاجئة للقاء "زهرة" حتى ينعم ولدها ببعض الراحة:
- أنا وعدتك يا ابني، وهي بتعزني، وإن شاء الله تسمعني، وتفهم أن الأمور كلها إنحلت خلاص، و أفرح بيكم أنتوا الإتنين.

إمتعض وجهه قليلًا رغم تمنيه بأن يتم هذا اللقاء المتأخر:
- يا ريــــــــت، أنا مش عارف أشوفها ولا أقابلها، من يوم ما طلقت "جميلة" ومش عارف أوصل لها، ودايمًا تليفونها مقفول من يوم ما رجعت عند أبوها، أنا لولا منتظر العده تخلص كنت جبتك من زمان، بس مكنش ينفع نتكلم في حاجه إلا لما العده تخلص الأول، وخلاص أهو ده إللي باقي مجرد أيام.

- إن شاء الله أقابلها النهارده، وأفهمها كل حاجه.

أومأ "محمود" بخفة ينتظر أن يتم هذا اللقاء ويريح قلبه المنهك ببعد "زهرة" عنه، ترجلت "فردوس" من السيارة لتلج لداخل البيت بخطواتها البطيئة، بينما تعلقت أنظار "محمود" بشقة "خليل" في إنتظار عودة والدته بعد لقائها بـ"زهرة".
بقلم رشا روميه 

طرقت الباب بهدوء لتقابلها "سمية" على الفور، فهي من تستقبل أي طارق وزائر يدق بابها، والتي منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناها على "فردوس" وقد إمتعض وجهها بقوة، بينما حاولت "فردوس" التحية بلباقة:
- صباح الخير، إزيك يا ست "سمية".

زمت "سمية" شفتيها بإزدراء ثم أجابت بتملل:
- أهلًا يا ست "أم محمود"، إتفضلي.

- يزيد فضلك.

تقدمت "فردوس" تلتقط أنفاسها المتلاحقة إثر صعودها هذا السلم المرهق، جلست بأحد المقاعد لتلحقها "سمية" تجلس إلى قربها تنتظر معرفة سبب تلك الزيارة الغريبة بهذا الصباح.

دارت "فردوس" بعينيها تبحث عن "زهرة":
- أمال فين "زهرة"؟

لم تخفي "سمية" إمتعاضها بل أظهرت ضيقها من وجودها، لتهتف بها بضيق ونبرة متعجرفة وهي تعقد ملامحها بنفور:
- نايمه، خير يا ست "أم محمود"؟ إيه إللي جابك، مش خلاص المولد إنفض!!

إبتلعت "فردوس" طريقتها الغير ودودة لتستكمل بإبتسامة زائفة فوق ثغرها:
- مفيش، لو ممكن تناديها عايزه أشوفها وأتكلم معاها، أصل أنا كنت عايزاها في موضوع ضرويى بس.

إعتدلت "سمية" بجلستها بحافة المقعد وهي تلتف نحو "فردوس" بتأهب، قبل أن تطلق سوط لسانها الحاد:
- أنتِ عايزاها في موضوع!!! وإبنك عازوها في موضوع!!! هي إيه الحكايه بالضبط؟!! دي حتى"زهرة" مبقتش طايقه تشوف وشكم!!! أنا عارفه كويس أنتوا بتلفوا وتدوروا على إيه، أنتوا صعبان عليكم الفلوس، عايزين تلهفوا منها الورث وتضحكوا عليها ومتدوهاش حاجه!! لكن دة بُعدكم.

إندهشت "فردوس" من هذا الإتهام لتردف نافية عنهم ذلك:
- ورث إيه وفلوس إيه؟! أنا عايزة أقول حاجه لـ"زهرة" حتفرق معاها أوي.

لن تتركها "سمية" تقابل "زهرة" وتفسد مخططها لهذا عليها التعامل معها بحدة، لن تترك لها فرصة للحديث أو حتى للعودة، يجب أن تنهي هذا الأمر الآن، خاصة و"زهرة" لا تعلم بوجودها:
- ولا حتفرق ولا متفرقش، بصي يا ست "أم محمود"، أنا حجيبهالك من الآخر، إبعدوا عن "زهرة" عشان متعملولهاش مشاكل، خلاص "زهرة" كلها أسبوع وتخلص عدتها وينكتب كتابها فيا ريت تورينا طلعتكم البهيه وتغوروا من حياتنا بقى.

ضربت "فردوس" صدرها وهي تشهق بصدمة:
- إيه تتجوز!!! تتجوز مين؟!! لااااااا هاتيهالي، أنا عايزاها ضروري.

وقفت "فردوس" تتجه نحو غرفة "زهرة"، فإن لم تأتي بها الآن، فسوف تذهب إليها بنفسها، إعترضت "سمية" طريقها وهي تتطلع نحو "فردوس" بإشمئزاز، لتخشى أن تنتبه "زهرة" لوجودها، لتهتف بها بحدة وهي تدفعها بالإتجاه المقابل:
- جرى إيه يا ست إنتِ!!!!! إتكلي على الله من هنا، يلا يلا، وملكيش دعوه بـ"زهرة" تاني.

دفعت "سمية" "فردوس" عده مرات نحو الخارج، حتى كادت "فردوس" أن تتعثر وتسقط أرضًا، لكنها بالكاد تماسكت.

فاقتها "سمية" قوة لتدفع بها خارج الشقة ثم صفقت الباب بقوة، لتضطر "فردوس" للمغادرة خالية الوفاض.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

صوت "سمية" الحاد خاصة وقت إنفعالها الأخير والذي كان كدق الناقوس آفاق "زهرة" من نومها، قطبت حاجبيها بتعجب من "سمية"، التي تستيقظ بكل صحوة للمشاجرة، حركت رأسها بإستنكار لتخرج من غرفتها المشتركة تنظر نحو الخارج لعلها ترى من تشاكسه زوجة أبيها منذ الصباح وتذكر إسمها بمشاجرتها معه.

قابلتها "سمية" بهدوء كما لو أنها لم تصارخ منذ قليل، لتسألها "زهرة" بتعجب:
- هو كان فيه حد هنا؟!! مين إللي كنتِ بتتكلمي معاه؟

مطت شفتيها بلا مبالاة ثم اجابتها ببرود:
- ولا حد.
إتسعت عينا "زهرة" بإندهاش:
- ولا حد إزاي، أنا سمعاكِ جايبه سيرتي مع حد وبتقولي إسمي!!!!

شهقت "سمية" ساخرة من "زهرة" تقلل من قدرها بإستهزاء:
- سيرتك!!! ليه يعني، مفيش في الدنيا غيرك، يلا يا أختي حضري نفسك عشان "أبو نصار" جايلك زياره النهارده يحدد يوم كتب الكتاب، مبقاش فاضل على العده إلا كام يوم.

إستطاعت بلحظة أن تكسر أنفها بعدما كانت تسألها ببعض من القوة منذ قليل، وقد قصدت "سمية" ذلك، فهي تتمنى أن تراها تعاني طيلة الوقت، لتجيبها "زهرة" بإنكسار:
-مستعجلين أوي ليه كده!!! سيبوني أرتاح شويه!!!

- لا يا حبيبة أمك، البيت ده مش مستحمل اكتر من كده، كفايه عليا مصاريف أبوكِ والعيال، أنا مش قد مصاريف شحطه زيك، إحمدي ربنا إنك لقيتي حد يرضى بيكِ، ده إيه الهم ده!!!!

ضغطت "زهرة" فوق شفتيها حتى لا تتساقط عبراتها لتردف بإستسلام بنبرتها المحتقنة:
- إللي تشوفوه، هي موته ولا أكتر.

إبتلعت "سمية" إبتسامة نصرها لتستكمل بفرض سيطرتها:
- تاني يوم عدتك ما تخلص نكتب الكتاب وتتكلي على بيت جوزك، فاهمه؟

- فاهمه، فاهمه يا "سمية"، فاهمه.

عادت لغرفتها بإنفعال مكتوم، لم تقوى على أن تظهره أمام "سمية"، فقد تخلت عن كل سعادتها وحياتها، فما الفارق بين حياتها هنا وبأي مكان آخر، إنها صفعة القدر التي ستتلقاها فكل من حولها يريد لها تلك الضربة الموجعة.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

يباغتنا الفراق كـ كف غاضبة من القدر، هل هي غفلة جميلة وصحونا منها؟! أم أنها مشيئة القدر!! 
عجيبة هي مشيئة القدر حين يكتب على كلينا الفراق رغم محبة مازالت تسكن القلوب!!

وقت تأمل به بأن والدته ستأتي بعد قليل لتخبره ماذا حدث بلقائهم، خيال وحلم إجتاحه بأن ما بقى إلا خطوة لتحقيق أمنية قلبه المتلهفة للقائها، حلق خياله لأعلى من أمانيه، فها هي برفقته والسعادة ترسم ضيائها على حياته وحياتها معه، ما كان سبب بفراقهما ها هو إنتهى إلى الأبد، فما سيمنع ذلك الآن.
رشا روميه 

رؤيته لوالدته تخرج من البوابة القديمة إنتفض على الفور يخرج من السيارة متلهفًا مبتسمًا ينتظر أن تزفه بالخبر السعيد، لم يقوى على إنتظار صمتها ليسألها بلهفة حين وصل إليها ليسندها:
- ها عملتي إيه؟ كلمتيها؟

تطلعت بوجهه بتحسر على خيبة رجائه حين يعلم بما حدث، كيف يتقوى على أن تحطم فرحته الزائفة، كيف ستجرؤ على أن تطفئ هذا الوميض بعينيه، والذي جاءه بعد معاناة طويلة.

ورغم إلتزامها الصمت لم يتواني عن لهفته بعد ليكمل وهو يساعدها بالجلوس بمقعد السيارة:
- قابلتيها يا أمي؟ قولتي لها؟؟

نكست رأسها بحزن متهربة من عيناه السعيدة فلا تريد رؤية كسرة قلبه للمرة الثانية:
- خلاص يا "محمود" مفيش نصيب!!!

قُبض قلبه معتصرًا بالألم بداخله، فحتى الكلمات أبت أن تخرج من بين شفتيه، لقد إنتزعت روحه للمرة الثانية بصفعة قوية ساقها القدر إليه، وجد نفسه يهوى جاثيًا فوق ركبتيه خارج السيارة، تهدلت ملامحه بأسى لتخرج كلمة واحدة تفوه بها:
- ليه؟!!!!!!

أجابته والدته دون النظر بعينيه قائلة:
- "زهرة" كتب كتابها الأسبوع الجاي.

حتى بإنهياره لم يستطع الإنحناء وتقبل الأمر بتلك السهولة، لينتفض بإنفعال واقفًا وقد إحتدت عيناه بقوة:
- إيـــــــه؟!! إزاي ده، ومين وإمتى حصل الكلام ده؟؟؟ وهي، هي راضيه ومواقفه؟!! بقى عشان كده قافله تليفونها ومش عايزه تكلم حد!!!!!

- مش عارفه يا إبني، مش عارفه، مرات أبوها هي إللي طلعت لي وقالت لي كده، ست صعبه أوي بصراحه، بس هي يعني حتجيب الكلام ده منين!!!!

ترك "محمود" يد والدته لينظر نحو الأعلى بإتجاه شقة "زهرة" محاولًا منع دمعة حائرة من التساقط، كما لو كان يبعث لها برسالة فحواها [طلِ على قلبي فهواكِ قاتلي].

بعد بضع لحظات تحرك "محمود" نحو مقعده ليحرك السيارة عائدًا إلى البيت ليجلس وحده فقد بائت كل الفرص لأن يجتمعا بالفشل.
بقلم رشا روميه 
❈-❈-❈ــ

أنت حقي ولن أتنازل عنك، فما يضيع حق وخلفه مطالب، سأظل أطرق كل الأبواب حتى أحصل عليك، فأنت حق أصيل في حياتي، فأن أتنازل عنك هو التنازل عن نفسي.
رشا روميه

ألمانيا..
بروتين يومي معتاد بدأت "ليلى" عملها هذا الصباح ما بين عملها بمساعدة "نور"، وبين عملها المباشر بقسم الطوارئ بالمستشفى، خاصة وقت غياب "نور" الذي بدأ بمتابعة بعض الحالات الحرجة بالمستشفى بأوقات مختلفة.

إنتهت "ليلى" للتو من تحضير بعض الأدوية التي طلبها "نور" لأحد المرضى بشكل متلاحق حتى عودته.

دق بهاتفها رقم أعاد لها الحنين لموطنه، فهو رقم من مصر، على الفور تركت ما بيدها وقد إرتسمت على وجهها ملامح السعادة، ربما لا تعرف من هو المتصل، فهو رقم غريب، لكن حنينها للوطن جعلها تشعر بالنشوة حين تستمع أو ترى أي شئ يأتي منه.

أجابت بإبتهاج غريب:
- السلام عليكم.

أجابها صوت أنثوي غريب عنها:
- وعليكم السلام، "ليلى" معايا؟

حين مرت لحظة الحنين تساءلت "ليلى" عن هوية المتصلة، فيبدو أنها لا تعرفها:
- أيوه أنا، مين معايا؟

صمتت للحظة لتجيبها بهدوء مرتب، كما لو أنها تدرك ما تتفوه به تمامًا:
- أنا "نسرين الحناوي"، أنا أبقى بنت عمك "عادل الحناوي". 

لم تصدق "ليلى" أذنيها، هل بتلك السهولة ستحقق رغبة والدها وتنفذ وصيته، أ بعد كل هذا العناء في البحث تصل إليها إبنة عمها بتلك السهولة، تهلل وجه "ليلى" بسعادة قائلة بتفاجئ:
- مش معقول، بجد!!!!! إنتِبنت عمي بجد، أنا مش مصدقه حقيقي!!!

جاءت اللحظة الحاسمة، لحظة الصفعة القوية التي ستُعدل الميزان، وتعيد إليها حقها، تصنعت "نسرين" الإستغراب وهي تلقي قُنبلتها التي تتلذذ بنتيجتها:
- غريبه!!! هو "نور" مقالكيش ولا إيه؟!

تلاشت سعادة "ليلى" لترتاب بالأمر ثم تساءلت بإستغراب:
- "نور"!!! "نور" مين؟

ضحكت "نسرين" بسخرية تؤكد شكوك "ليلى" التي إنتابتها منذ أن نطقت إسم "نور":
- "نور" مين!! دكتور "نور"، خطيبي.

زاغت عينا "ليلى" بتشتت وقد هوى قلبها بقدميها، شعرت كما لو أنها تلقت صفعة مدوية لتدور بها الدنيا بأنفاس بطيئة، كما لو كان الهواء سحب تمامًا من حولها، جلست برفق وهي تبحث عن صوتها المتحشرج لتسأل بنبرة ضعيفة مهتزة:
- خطيبك!!!! خطيبك إزاي يعني؟!! مش فاهمه؟!!!

لن ترحم ولن تتهاون ستأخذ ما تراه من حقها وسلبته منها تلك البغيضة، و"نور" خطيبها ومن حقها، لتستكمل حديثها كضربات محرمة بعد سقوط الضحية، لتكمل ببرود تام:
- غريبه أوي دي!! هو إنتِ متعرفيش إن أنا و"نور" مخطوبين بقالنا أكتر من سنه ونص، وإننا إتفقنا سوا، على إنك عشان تديني نصيبي من ميراث جدي، لازم يجيلك ويمثل عليكٓ الحب، وأول ما تصدقيه وتقعي في غرامه يساومك تديني حقي إللي اكلتوه علينا، ساعتها بس يرجع لي "نور" حبيبي ونتمم جوازنا.
بقلم رشا روميه 

صمتت "ليلى" بصدمة مؤلمة، فقد سدد لها القدر أقوى صفعاته، صفعة مباغتة مؤلمة، كان ضحيتها قلبها الضعيف، لكن هذا ليس وقت ضعفها، بل ستتخذ من صفعتها تلك قوة، لن تضعف بل ستعود قوية كما كانت، لن ترضخ لمؤامرة كانت بينهما.

رفعت "ليلى" رأسها بشموخ لتتماسك بقوة ولا تسمح لدموع عينيها بالإنفلات، لتتحدث كما لو أن هذا الأمر لا يهمها:
- حقك حيوصلك يا "نسرين".

أنهت "ليلى" المكالمة  وسط تعجب "نسرين" من ردها وإنهاء المكالمة بهذه الطريقة القاطعة القوية.

نظرت "ليلى" نحو الأمام بجمود، كما لو كانت تطالع الفراغ دون الإنتباه لما يحدث حولها، فحتى الحزن والصراخ ستعيده لموضعه المظلم بداخلها، ولن تظهر هزيمتها أو ضعفها، بل ستتعلم الدرس جيدًا، لكن أولًا عليها رد إعتبارها.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

خارج مستشفى هايدلبرغ...
وقف "نور" يستكمل مكالمته مع "كريم" قبل أن يعود إلى المستشفى مجددًا:
- أخيرًا يا "كيمو"، طولت أوي يا أخي.

بضحكته الرنانة عقب "كريم":
- عشان تعرف قيمتي بس، بس أوصل النهارده وعايز أشوفك، واحشني بشكل وحش، خلص شغلك وتعالى نتقابل بالليل أكون إرتحت من الطريق.

- خلاص، توصل بالسلامه السكن بتاعك، وبالليل نتقابل.

تذكر "كريم" أمر "ليلى" ليهتف بصديقه يمازحه كعادته:
- أخبار الكريزه بتاعتك إيه؟ مش ناوي تكتب الكتاب وتعلي الجواب ولا أخدت على القعده وحداني.

- "كريــــــم"، مالكش دعوه بيها خالص، خليك في حالك، وبعدين أنا فعلًا قررت أتمم جوازنا، أبوها مات وكان نفسه يطمن عليها، لازمته إيه نفضل كل واحد في جنب كده.

أيد "كريم" حديث "نور" ليحفزه على ذلك:
- ده كلام موزون، وقولت لها كده، ولا قراراتك كلها جواني، ونسيت تقولها برضه.

أنهى عبارته لتعلو صوت ضحكته المقهقهة والتي على إثرها ضحك "نور" قائلًا:
- تصدق لسه مقولتش.

- ومستني إيه، لما حتة الكريز تطير منك، روح بسرعه حالًا قولها، عاوز لما أوصل أكل حتة جاتوه.

قلب صافي وروح مرحة جمعت بين قلبي الصديقين ليستكمل "نور" مكالمته سريعًا فعليه التحدث مع "ليلى" ويخبرها بما يفكر به لإتمام زواجهما.
بقلم رشا روميه 

❈-❈-❈ــ

ليس كل ألم معاناة، بل هناك ألم ينبهك ويعيدك لطريق الصواب، فأحيانًا يوقظنا الألم لنبصر ما كنا نمر عليه عميانًا ونحن في غفلة الراحة.
رشا روميه 

ألمانيا...
لا تعلم "ليلى" كم لبثت على هذا الوضع وهي جالسة شاردة بصمت بعدما أنهت مكالمتها مع "نسرين"، ظنت بالبداية أنها تحلم، لكن الحلم لا يكون بهذا الألم، فالأحلام لا تؤلم بمثل تلك الأوجاع، تخبط وإنهيار لا يشعر به سواها، حتى ضمت شفتيها بقوة كحركة لا إرادية تعلن بها عدم الإنحناء.

إنها قوية، وستظل على ذلك، وإن كانت قد إنساقت خلف قلبها ومشاعرها التي حاولت التحكم بها، فهي قادرة على أن تعود كما كانت، لا تهتم ولا تبالي، فالتظاهر بالقوة أمر إعتادت عليه.

لكنها ضعيفة هشة، كانت بحاجة لحبه وقربه، لقد أحبته بصدق، لكن ذلك لا يمنع أنه خدعها، صفعها بقوة حين منحت قلبها الأمان، لهذا عليها أن ترد إعتبارها وتجعله يندم على خديعته لها.
بقلم رشا روميه 

إتجهت نحو الغرفة الخاصة بالممرصات لتبدل ملابسها لمغادرة المستشفى، خلعت زي الممرضات كما لو كانت تخلع رداء الضعف الذي إحتلها، لتخرج "ليلى" من الغرفة ترفع هامتها بقوة وشموخ، كل تفصيلة بها تحكي قصة تحدي وإقدام، إلا هذا المسكين قلبها الذي عاد لمحبسه كما كان من قبل.

بخطوات شامخة واثقة إتخذت خطواتها لخارج المستشفى، لكن الصدفة لعبت دورًا اساسيًا حين وجدت "نور" يأتي بمقابلها بإبتسامته الودودة كالمعتاد.

ربما حالفها الحظ لتقابله وهي بهذا الإحساس المنفعل، ومن سوء حظه العكس، تقدم كلاهما نحو بعضهما البعض كل يحمل بداخله قرار يسعى لتنفيذه، ليبدأ "نور" حديثه بإبتهاج:
- "ليلى"، بنت حلال، كنت حالًا جايلك، أنا عاوز أتكلم معاكِ في موضوع مهم، إنتِ رايحه فين صحيح دلوقتِ؟!

تطلعت به "ليلى" مطولًا بنظرة جامدة بها حدة واضحة مما أثارت قلق "نور" متسائلًا:
- مالك يا "ليلى"، فيه حاجه؟!

ظلت ترمقه بصمت ومازالت نظرتها القوية تطالعه بقوة ليتسائل مرة أخرى فصمتها زاد من قلقه:
- حاجه ضايقتك؟! فيه حاجه؟! مالك ساكته كدة ليه؟!

أجابته "ليلى" بغموض:
- ولا حاجه، عارف، ولا حاجه.

- مش فاهم!!!

بضحكة قصيرة ساخرة أجابته:
-...................ـ

تعليقات