رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث والثلاثون
حلم الثوب الأبيض يتخطى كونه مجرد قماش، بل هو تجسيد لليلة تضاء بها القلوب، فمن هنا تبدأ حكايتنا الحقيقة لأجمل فصول العمر، ليلة تحقيق الأماني وإستجابة الدعاء الخفي، كلها إجتمعت بثوب العروس الأبيض.
لكن ثمة خيط وهمي بين ثوبان كلاهما أبيض ثوب يفرض على الجسد حين تُسلب منه إرادة الإختيار كالكفن، وثوب آخر كلؤلؤ يضيء ظلمة الأيام كتحقيق وعد كتب بأصابع من ضياء، وشتان بين الأبيضين.
اليوم أنا العروس التي تقف على البرزخ الفاصل بين الكمال والتلاشي، أسمع تلك الزغاريد من حولي ولا أدري هل هي صوت سعادتي أم تغطية لصوت إنكساري!!
طالما حلمت بتلك اللحظة، حلم كل فتاة تخبأ بزاوية صغيرة من قلبها ، حلم إنتظار نهارها الأبيض، ليلة تُرسم به فرحتها بلون السحاب وإبتسامة تملأ ضياء الكون، أن تنتظر بداية جديدة كبزوغ الفجر.
ترى هل اليوم هو فجري الجديد؟ أم قبر يخنق روحي ؟ أتسائل بصمت، كيف سيكون ثوبي الأبيض ؟ هل هو ثوب زفافي، أم كفن أغطى به؟
لكنني أعلم أن المشيئة ليست بيد من علق الزينات، فالأقدار قد تُبنى وتهدم برمشة عين وهي وحدها من تسطر النهاية، فهل ستقرع الطبول أم سيكون للقدر رأي آخر.
لا يغرنك كثرة نعم الظالم، فالله يمهل لحكمة، فما يراه البشر بطء بالعدالة الإلهية ما هو إلا ليكون السقوط أبلغ ، قد يظن المسيء أنه قد تخطى عقاب الله، فكان يتوجب عليه أن يعلم أن الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأن العقاب آت لا محالة.
رشا رومیه
صباح يوم الخميس....
بإنهاك شديد وضعت "فردوس" آخر طبق فوق الطاولة قبل أن تتأمل الفراغ من حولها، فالصغيرات لم يستيقظن بعد، و "محمود" أصبح ينزوي عنهم بشكل كبير منذ زيارتها لبيت والد "زهرة"، لا تعلم هل يعاقبها أم يعاقب نفسه بهذا السجن الإختياري.
دق صوت هاتف زوجها منذ قليل لتنتظر قليلا حتى ينتهي من مكالمته ثم تدعوه لتناول الإفطار قبل ذهابهم للمتجر، لكنها تفاجئت بزوجها يسارع بخطواته المتمايلة لثقل وزنه ويبدو على ملامحه الضيق والصدمة.
تقدم نحوها ضاربًا كفيه ببعضهما البعض قائلا:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
توجست "فردوس" لمظهر زوجها، فيبدو أن أمرًا عظيمًا قد حدث لتهتف به بتساؤل
- خير يا حاج مالك كفى الله الشر؟
أكمل حديثه وهو يتحرك نحو باب الشقة :
- مصيبه يا "أم محمود"، مصيبه.
دون أن يوضح لها الأمر إستطاع أن يجعلها تضطرب من هيئته وكلماته المقتضبة، لتحاول فهم ما حدث بإستفسارها المتخوف
- اعوذ بالله، أستر يا رب، إيه إللي حصل بس؟!
ليجيبها وقد خرج بالفعل من باب الشقة
طالبني في النيابه، عمارة السكة الحديد وقعت مصيبه ووقعت على دماغنا ، أنا رايح النيابه، وخلي
"محمود" لما يقوم يحصلني على هناك.
شهقت فردوس" بعدم تصديق معقبة:
- ربنا يستر يا حاج، إحنا مالناش ذنب، إحنا اصحاب العماره أه، بس مالناش ذنب.
لم يطيل بالحديث ليغادر مباشرة بينما طالبها بالدعاء:
- إدعي ربنا ينجينا منها ، دي مصيبه ووقعت على دماغنا.
- ربنا ينجينا منها يا رب.
بقلم رشا روميه
دلفت "فردوس" على الفور لغرفة ولدها "محمود" لتخبره بالأمر، لكنها وجدته صامت حزين كل نظرة من عيناه تؤلم بحسرة على حياته الباهتة لتزفر بشفقة قائلة :
- وبعدين يا "محمود"، انت حتفضل قاعد متضايق على طول كده يا وده ينفع برضه، خلاص يا إبني إللي حصل حصل كل شيء قسمه ونصيب.
يا ريت كان بإيدي يا أمي.
وقفت قباله وهي تقلب عينيها بضيق بالغ، فقد تلاشت جميع الضحكات بهذا البيت وإمتلأ بالضيق والحزن زفرت بقوة فربما قد تزيح هذا الحزن عن قلبها
- أنا مش عارفه حنلاقيها منين ولا منين مش عارفين نفرح، ويا دوب الدنيا تمشي نقع في مصيبه جديده.
تطلع "محمود" نحوها بعدم فهم متسائلا:
- مصيبه إيه تاني ؟! هو فيه حاجه حصلت؟
- عمارة السكه الحديد، وقعت، وأبوك راح النيابه من شويه وعايزك تحصله.
إنتفض "محمود" واقفًا وقد إتسعت عيناه بصدمة هاتفا :
- إيه ؟!! دي كارثه أنا رايح النيابه على طول، ده ممكن نروح فيها كلنا العماره كلها سكان !!!!
ربنا يستر، روح يا إبني وإبقى طمني الله يسترك، أنا قلبي مش مستحمل القلق كمان.
أبدل "محمود" ملابسه بعجالة ليلحق بوالده بقسم الشرطة يدعو من داخله بأن الأمر يكون أبسط مما يبدو، وإلا سيعاقبوا جميعًا على ما حدث.
بقلم رشا روميه
-*-*-*
بيت خليل زيدان
للحرام بريق يغشي الأبصار، يزيد من طمع صاحبه للمزيد بتعطش، يسعد بنشوة كاذبة، لا يستفيق منها إلا بصوت إنكساره الأبدي.
رشا رومیه
وقفت "سمية" بالشرفة تضم أصابع كفها بعضهم البعض قبل أن تشير لأحدهم للإنتظار قليلا، دلفت نحو الداخل لتجد "خليل" يجلس بغرفة المعيشة لتهمس بصوت منخفض حتى لا تنتبه "زهرة" لحديثهم:
- "أبو الوفا واقف تحت البيت، أنا نازله له، وحقوله زي ما إتفقنا ماشي ؟
تطلع بها "خليل" بوجه ممتعض ثم أردف بتخوف
- ما بلاش يا "سمية"، إنت كده حتديله كل إللي حيلتنا !!!!
حدجته "سمية" بنظراتها المغتاظة لتنهره بقوة لكنها ظلت متمسكة بنبرتها المنخفضة
الراجل جاي لحد عندنا، حياخد الفلوس، شهر شهرين، ويديهم لنا الطاق ثلاثه، نقوله لأ، ما كل الناس حاطه فلوسها معاه، ده غير فلوس "أبو نصار"، لو حطيناها كلها مسافة كام شهر ، ويبقى معانا ألوفات وشويه شويه، يبقوا ملايين، إسمع الكلام ومتبقاش فقري.
زاغت عيناه بضعف ليرضخ بالنهاية لأفكارها:
- خلاص اللي تشوفيه.
نظرت نحو غرفة "زهرة" المغلقة قائلة:
- أنا حاخد الفلوس وأنزل أديهاله، قبل ما بنتك تاخد بالها وتعمل فيلم.
أومأ "خليل" بخفة موافقًا، لتتجه "سمية" لغرفتها تسحب الحقيبة الصغيرة التي وضعت بها كل ما تملك هي وزوجها، ثم خرجت من الشقة لتقابل "محروس أبو الوفا"، مصدر الثراء القادم، الذي يجمع الأموال ويقوم بإستثمارها بمشروعات مضمونة، تدر أرباحًا عالية ستقذف بهم نحو عالم الثراء بدون جهد.
بقلم رشا روميه
وبراحة تامة عادت "سمية " لشقتها مرة أخري تحلم بالثراء السريع الذي ستحققه قريبًا، فها هو حلمها سيتحقق بالتأكيد، وتحيا حياة رغدة بعد عناء سنوات مع هذا الكهل الغبي وحياتها معه.
بقلم رشا روميه
ألمانيا...
هو من ظن ألا وجود للعشق هل هو يغرق ببحور آلامه لم يشعر بمرارة الفراق من قبل، لكنه اليوم يقر ويعترف بأن للهوى سلطان، والإشتياق له لهيب يحرق النفوس.
وقف بشرفة شقته ينظر نحو شرفتها بالدور العلوي يتمنى أن تعود لتطل منها كنجمة تتلألأ بسمائه الحالكة غابت وغاب معها كل شيء آخر، أصبح وحيدًا تعيسا بدونها.
دق هاتفه ليسرع بإجابة المتصل، أمل بزغ بقلبه سرعان ما إنطفئ حين رأى إسم "كريم"، لكنه أجاب بهدوء حتى لا يفسد سعادته بهذا اليوم المميز
- صباح الخير يا "كريم".
- صباحك حلويات، أخبارك يا أبو شعلة"، ها، مستعد؟ إوعى تخلى بيا النهاردة مستنيك
أجابه "نور" باقتضاب رغما عنه:
- جاي متقلقش.
عقب "كريم" ببعض الضيق
- روق یا "نور"، هي مش طفله ، أكيد عارفه بتعمل إيه، بس لو تقولي إيه إللي حصل بينكم وزعلها أوي كده؟
- للأسف، "نسرين" كلمتها، قالتلها إننا كنا متفقين سوا نضحك عليها عشان ناخد منها فلوس الورث ونتجوز هي لما عرفت كده إتضايقت أوي ومشيت كنت فاكرها حتهدا شويه وترجع بس مرجعتش
مط "كريم" شفتيه بتفكير
طيب محاولتش ليه توضح لها إللي حصل؟ إنت على طول متأخر كده!!
-حاولت يا "كريم"، بس هي مرضيتش تسمعني وبعدين لقيتها مشيت وسابت البيت عمومًا مش وقته الكلام ده خلينا في خطوبتك إنت بجد فاجئتني وإمتى حصل ده كله ؟
ما أنا شايف اللخبطه اللي انت فيها، عشان كده مرضتش أشغل بالك ما هو موضوع خطوبتي أنا و "لالي" ده كمان شغلني عنك شويه.
ارتباط غريب لكنه يناسب شخصية "كريم" الغير إعتيادية، حاول "نور" أن يبتهج قليلا لأجل صديقه ليتسائل ببعض اللطف
- أعرفها ؟ -
- لأ، ما أظنش، بقولك إيه، حضر نفسك بقى النهارده، أنا حعدي عليك عشان تيجي معايا، ده إنت عيلتي النهارده.
بنبرة مبتهجة حتى لو كانت رغمًا عنه، فلابد أن يسعد لسعادة صديقه، وأن يسانده بليلة عرسه، وأن يكون عائلة له أمام العروس
متقلقش يا عريس في إنتظارك.
بقلم رشا روميه
مرت ساعات اليوم الطويلة حتى حل المساء، مساء يوم ليس عادي، ليعلن بداية ليل تأهبت به القلوب الطريق جديد، يوم تفتح الدنيا ذراعيها أو تغلق بابها الوحيد إنه اليوم المنتظر.
شقة خليل زيدان....
كيف تعلق الزينات بيوم سيدفن به قلبها للأبد، ليس كل أبيض فستان زفاف بل هو كفن تضيق به الروح، ليتها تشعر بفرحة عروس تساق لطريق حياتها الجديدة ليتها تغتنم من تلك الدنيا ساعة ترسم بها ضحكة حقيقية فوق شفاهها ولو لمرة واحدة.
تعالت الأصوات المبتهجة وفتحت الأبواب، فاليوم عقد قرآن "زهرة"، أطفال وسيدات يتصنعون الفرحة بوجوه بعضهم البعض، بينما يتغامزون ويتلامزون بالخفاء، فما طاقت الزهرة على الصبر، وحين أتمت عدتها تزوجت مرة ثانية، ألا يبصرون من السبب بتلك الزيجة ؟
التفت خبيرة التجميل بامتعاض ترمم أعمالها التي تفسدها كل مرة تلك الدمعة الهاربة من عيونها السوداء المحتقنة، لتعيد وضع مساحيق التجميل مرة أخرى فقد أوشك العريس المنتظر على الوصول وهي لم تنتهي بعد.
بقلم رشا روميه
ورغم امتعاضها المتكرر، حاولت خبيرة التجميل أن تنهرها بلطف وهي ترسم إبتسامة متضايقة فوق شفتيها
- خلاص بقى يا عروسه مش كل شويه نحط مكياج عشان الدمعتين الحلوين دول !!!
لملمت "زهرة" فمها بغصة تحاول السيطرة على حزنها ودموعها، لتردف ببعض اللباقة
- خلاص أهو تعبتك معايا.
- يا سلام، ده أنت تؤمري.
أنهت خبيرة التجميل عملها بعجالة حتى لا تضطر لإعادة وضع مساحيقها مرة أخرى، لتغادر على الفور تاركة "زهرة" بغرفتها وحيدة تناظر إنعكاس صورتها بالمرآة.
طلة بهية بفستان زفاف أبيض رقیق تناثرت به ورود وردية رقيقة بشكل إنسيابي جعلها تشع بهاء وسحر آخاذ، رقيقة ناعمة كزهرة ندية قطفت من بستانها لتلقى بسلة مهملات.
روح حزينة وعيون ممتلئة بالدموع، وقلب مزخم بالألم كيف يسمون اليوم فرحة العمر، بل إنها من تلك اللحظة تعلنها أن لا فرحة ولا سعادة، ولا إحساس، لقد إندثرت بها كل المشاعر، فبعد قليل ستعلن زوجة رغما عنها لتعيش بقية حياتها أسيرة سجينة بلا روح أو حياة
إتسعت عيناها بقوة وهي تستمع للصوت المنادي من الخارج
- العريس جه ومعاه المأذون.
تعالت الزغاريد التي إخترقت آذانها كصياح حزين يعلن موتها الذي ستزف إليه.
بقلم رشا روميه
-*-*-*
تمر أوقات الطمأنينة كنسيم خاطف، بينما القلق يبني من كل لحظة سجن وخوف، فحين يسكن القلق القلوب تعجز الساعة عن الركض، وتصبح اللحظة الواحدة كدهر طويل الأمد ثقيل الأحمال.
رشا رومیه
بيت عائلة مكاوي....
منذ أن غادر كلا من "زاهر" و "محمود"، بقيت "فردوس" تنتظر بقلق، فلا خبر وصلها منذ الصباح، حاولت كثيرا الإتصال بهما لكن هواتفهم مغلقة، أمر زاد من قلقها ومن ساعات الإنتظار.
صدقًا من يقول أن ساعات الإنتظار تحرق بلهيبها من ينتظر، حاولت إشغال نفسها طيلة الوقت، لكن زادت بداخلها الهواجس، وأصبح الإنتظار قاتل لا يطاق.
تارة تظن أنه قد وجهت إليهم المسؤولية عن إنهيار تلك البناية، وتارة تتخيل أنه تم القبض عليهم بالفعل، لعب الشيطان بثباتها وحرقت أعصابها من شدة الخوف والقلق عليهما.
دبيب من الراحة زار قلبها وهي تستمع لوقع خطوات تصعد السلم بعد غياب كل تلك الساعات، همت "فردوس" مسرعة تستقبل من أتى بقلب متلهف لتهتف بنبرة أنهكها القلق:
- يا الله حمد الله على السلامه يا حاج قلقتوني عليكم، ده أنا مش عارفه حتى أكلمكم في التليفون، ولا إنت ولا "محمود"، طمني الله لا يسيئك.
دلف "زاهر" بخطوات متعبة نحو الأريكة القريبة ليلقي جسده الثقيل عليها وهو يردد بأنفاس متلاحقة إثر صعود السلم:
السلام عليكم الأول يا "فردوس"، إستني عليا أخد نفسي.
ترقبت بأعصاب مرتجفة تنتظر بوجه معقوص فلم تعد تقوى على الإنتظار، لتردد بعد لحظات بتلهف لمعرفة الأمر:
ها، أخدت نفسك ؟ يلا بقى طمني، ده الواحد حيموت من الصبح وأطمن عليكم، وبعدين اااااا تطلعت حولها بقلق لمجيئة بمفرده، ثم عادت لتسأله إنت جيت لوحدك ليه، فين "محمود"؟!!!!!
قالتها وقد إتسعت عيناها بهلع، فيبدو أن ولد إتهم بمسؤوليته عن العقار، لتشهق بقوة قائلة بفزع
- لا يكون ااااااا...!!!!
تنهد "زاهر" ليجيب بضيق نفس
- قدر الله وما شاء فعل الحكايه صعبه وكبيره يا "فردوس".
!!!!!محمود"؟" -
أغمض عيناه بضيق لوهلة ثم أجابها:
المشكله مش في "محمود"، المشكله في "جميلة".
ضيقت "فردوس" حاجبيها بدون فهم
- "جميلة " ؟!!! مالها "جميلة " ؟
- ما هم قبضوا على "جميلة".
ضربت "فردوس" صدرها بكفها من هول المفاجأة:
- يا لهووي، "جميلة"، ليه ؟!!
امتعض "زاهر" بضيق من تصرفات "جميلة" التي تسببت بتلك الكارثة
- حنقول إيه بس ما هي جميلة" وهي بتوضب المخزن اللي تحت العماره كانت بتكسر في عمدان الأساسات العماره مستحملتش ووقعت، و "جميلة" كمان كانت ماضيه تعهد للمهندس انها مسؤوله عن كل إللي هي بتعمله ده لما رفضت تسمع كلامه.
كل يلاقي سوء فعله، فلو كانت تخلت عن عنادها وتركت أولي الأمر يباشرون أعمالهم، لما وقعت بتلك الكارثة بقدميها، حتى "محمود" و "زاهر"، كانا ربما وقعا بنفس الأزمة لولا إصرار المهندس على أن توقع "جميلة" إقرار بمسؤوليتها الكاملة عن هدمها للأعمدة خاصة وقد سجل زاهر" المخزن بإسمها من قبل لإرضائها.
مصمصت "فردوس" شفتيها بإستياء
- لا حول ولا قوة إلا بالله طيب وبعدين، حيعملوا فيها إيه ؟
بقلب أب رغم كل مساوئها إلا أنها مازالت إبنة أخيه، فلا موضع للشماتة الآن، فالله مقلب الأحوال ولا تبدل إلا بإذنه، أكمل "زاهر" بضيق:
- إتحبست إحتياطي لحد ما يكملوا التحقيقات، بس سألت المحامي، قال لي إن موقفها وحش أوي خصوصًا إن فيه وفيات.
بالطبع لا شماتة لكن الله يمهل ولا يهمل، ومن أخطأ فيأتيه العقاب عاجل أو آجل ولو بعد حين تنهدت "فردوس" بشفقة على حالها
- لا حول ولا قوة إلا بالله، صحيح يمهل ولا يهمل، إحنا مكناش عايزين نأذيها بعد إللي عملته مع "زهرة" وكانت حتموتها، بس سبحان الله جاب لها حقها وأكثر، بس هي زى بنتك يا حاج خليك معاها وقوم لها محامي كويس دي كانت مرات إبنك برضه.
- طبعا يا أم محمود"، هي غلطت اه بس لازم نقف معاها دي أمانة أخويا برضه.
رغم ما قصه لها إلا أنه لم يريح قلبها ويطمئنها عن غياب ولدها حتى الآن، لتعيد سؤاله عنه:
- أمال "محمود" فين؟ ما تطمني يا حاج، هو مرجعش معاك ليه ؟
- أصل أنا تعبت في القسم، وكنا خلاص خلصوا التحقيق معانا، فهو قال لي أروح البيت، وهو حيكمل هناك في النيابه مع المحامي وبعدين ييجي.
أومأت "فردوس" ببعض الراحة، لتجلس في إنتظار عودة ولدها كما تأمل، لكن الإنتظار هذه المرة لن يكون بمثل القسوة التي مرت عليها خلال يومها الطويل.
بقلم رشا روميه
تتأنق لمقابلة الحياة بروح منطلقة، فالليلة تحقق الأماني، فحين تتوهج القلوب بلمسة اللؤلؤ التي تضيء عتمة النفوس، علينا أن نتذكر أن هذا الضياء ينبع من أنفسنا وقلوبنا الصافية.
بأحد القاعات الراقية المخصصة لإقامة حفلات الزفاف وقفت "فرح" تتخيل فستانها الأبيض المرصع بالآلئ وهي تقف إلى جوار "سامح" بليلة زفافهم المرتقبة بهذه القاعة الراقية، هام خيالها بوجود الكثير من المدعوين يبتهجون لسعادتهم اليوم، فيا له من حلم سعيد تتمنى أن يتحقق بوقت قريب.
بقلم رشا روميه
رفعت عينيها تناظر العناقيد المتدلية من السقف على هيئة ورود كريستالية، ينعكس ضيائها مع المصابيحالبيضاء كقطع من الألماس، محاطة بورود بيضاء جعلت قلبها يتراقص بسعادة لترقب هذا اليوم.
عادت تطالع الجدران التي زينت بتصاميم عصرية ممزوجة باللونين الأسود والذهبي بشكل يوحي بالفخامة والرقي، كذلك تلك الكراسي الذهبية المغلفة بالورود البيضاء تدور حول مناضد زجاجية كالبلور وصولا لأريكة بصفاء قلوبهم بنهاية القاعة محاطة بباقات من نفس الورود البيضاء، تلك المنصة التي حلمت بها منذ أن كانت طفلة، كما لو كان حلم الزفاف هو غاية السعادة التي تحلم بها كل فتاة.
ورغم إنبهارها الشديد بالمكان وتفاصيلة المبدعة، إلا أنها شعرت ببعض التخوف، لتميل تجاه أذن "سامح" قائلة بهمس حتى لا يستمع إليها متعهد القاعة الواقف أمامهم، فاليوم عليهم إختيار القاعة وتحديد موعد زفافهم
- "سامح"، بقولك إيه، القاعه دي شكلها غاليه أوي، خلينا نشوف حاجه معقوله شويه.
بالطبع تتمنى أن تحظى بليلة عمرها بهذا المكان الأنيق لكنها حرصًا على ما إدخره من مال فضلت أن تتنازل عن بعض من حلمها لأجله، فيكفيها أنها ستكون معه.
تطلع بها "سامح" بإبتسامة سعيدة لإيثارها له وحرصها على ماله، قناعتها كانت سببًا بأن يبذل كل ما يقدر عليه ليرى تلك البهجة بعينيها فقط، فلو إستطاع أن يقدم لها نجمة من السماء لما تأخر، لكنه همس بمحبة: - بس مفيش حاجه تغلى عليك.
كلمة جعلت قلبها ينتفض فرحًا وتتعالى دقاته بقوة فإن كانت المحبة الحقيقة تظهر بالأفعال، فلوقع الكلمات أثر ساحر بالقلوب، ومن الحظ السعيد أن يجتمع كلاهما بشخص محب، يبذل كل ما بوسعه بالفعل لإسعادها، وينطق كلمات المحبة الصادقة، حتى ولو كانت خجولة.
لملمت شفتيها اللاتي إتسعتا عن آخرهما وهي ترفض عرضه ولكن بطريقة مازحة
- لا بقولك إيه من أولها كده حتبدأ تبعزق في الفلوس يمين وشمال ، إحنا أولى، وأنا كفايه عليا إني معاك، نعمل فرح على الضيق كده وحنبقى مبسوطين برضه.
ليهمس بصوت منخفض حتى لا ينتبه له متعهد القاعة الذي أخذ يحضر بعض المقاطع القصيرة التي تخص القاعة وتنظيمها لعرضها عليهما:
- أولا مش عايز اعتراض، لأن أنا شوفت لمعة عيونك من أول ما دخلنا القاعه هنا ، ودي لوحدها كفايه بالنسبه لي، ثانيا بقى مش عايزك تقلقي على الفلوس، لأن عمي مصر يهاديني بمساهمته معايا في تمنها، عشان عارف إن أنا وحيد وببني حياتي بنفسي.
إعتدلت "فرح" تعدل من فستانها ذو الورود الزرقاء بعنجهية زائفة وهي تستكمل بشقاوتها اللطيفة
- يا حبيبي يا عمو مش عايزين نتقل عليه بقى، يلا خليه يزود لي شوية ورد هنا وهنا، طالما على حساب عمو بقى، وعلى فكره قوله مش بطاله القاعه، حتنازل وأعمل فيها فرحي عشان خاطركم بس.
ضحك "سامح" بقوة رغم محاولته بالتزام الهدوء
بقى كده معلش إتنازلي عشان خاطرنا المره دي.
إبتسمت "فرح" بخجل، فهي بالفعل تشعر بطوفان من السعادة تجتاح نفسها الآن، فكم يبعث هذا المكان بها إبتهاج لا حدود له، إلتف "سامح" تجاه المتعهد قائلا:
- خلاص تمام، إيه الأيام الفاضيه إللي ممكن نحجزها ؟
ثواني أشوف لحضرتك الأيام المتاحه ( نظر بدفتره عن أيام الحجز الشاغرة بالفترة المقبلة ثم أجابه فيه آخر الشهرده، وبدايه الشهر إللي جاي.
أسرعت "فرح" بالرد بتلهف:
- يبقى أول الشهر إللي جاي عشان ده يوم عيد ميلادي.
ثم همست بالقرب من "سامح" مرة أخرى بنبرة تملؤها المحبة :
- عشان يبقى كأني بتولد من أول وجديد في اليوم ده
لو كانت للعيون أيدي تربت بحنو وتحيط بها بعشق لكانت نظرات "سامح" العاشقة صرخت بذلك نظرة دامت للحظات ما بين عيونهما، ثم عاد ليؤكد الحجز قائلا للمتعهد:
- خلاص يا فندم أول الشهر اللي جاي إن شاء الله.
تمام يا فندم يعني كمان ثلاث أسابيع.
- مظبوط.
لملم المتعهد أوراقه قائلا أثناء إنصرافه بجملة معتادة:
- ألف مبروك.
كلمة تقال بكثرة، لكنها كانت كحلم جميل لكلاهما، تمنا فقط أن تمر الأيام ليجتمعا معًا، بعد أن كان كل منهما بطريق، فيبدو أن القدر أن أن يجمعهما معًا بالنهاية.
بقلم رشا روميه
ألمانيا - شقة نور....
وقف "نور" يناظر إنعكاس صورته بالمرآة وهو يرتدي تلك الحالة السوداء الذي ظن أنه سيرتديها بزفافه هو، لكن القدر كان له ترتيب آخر، فاليوم حفل خطبة صديقه، وعليه أن يكون بأبهى صورة لمشاركته تلك الفرحة.
بقلم رشا روميه
بسمة حزينة إحتلت ثغره وهو يتخيل ذهابه لتلك الخطبة برفقة "ليلى"، بالفعل لكانت سعادته وقتها لا يمكن وصفها، سعيدًا بقربها ومشاركتها له كل الأوقات سعيدا بصديقه الذي يخطو خطوة جديدة بطريق حياته المستقر، لكن ظنونه ما هي إلا أحلام بخياله فأين هي الآن، وماذا تفعل بدونه.
دق هاتفه برقم "كريم" يخبره بأنه ينتظره أسفل البناية، تحرك "نور" للمغادرة على الفور، إتجه نحو سيارة "كريم" التي تصف أمام البناية وهو يبتسم ليظهر سعادة لا يشعر بها سعادة يستطيع من يتعمق بعينيه ليدرك أنه يخفي حزن وإنكسار بداخلهما، لكنه أظهر قناع السعادة لأجل "كريم" اليوم.
تأنق "كريم" بحلة بيضاء مميزة، وربطة عنق باللون الأحمر المتوهج، كان وسيمًا ملفتا للنظر، خاصة بملامحه اللطيفة ولحيته القصيرة المنمقة، لكن ما زاده وسامة هي تلك الإبتسامة السعيدة والتوهج بعينيه الغير معتادين، نعم كثير المزاح، لكن ليس سعيد بصدق، واليوم فقط يشعر بأنه سعيد من داخله.
لقد عانى الكثير بحياته حتى يتمم تعليمه ويتخذ خطوة السفر ليقتصر مسافات طويلة بطريق حياته المتعثر، قابل الدنيا وأزماتها بضحكة قوية وسخرية لا حدود لها، تخبط كثيرًا وظهر بهيئة الشاب الهوائي الغير مكترث، فتلك طريقته لتخطي العقبات ليس بمواجهتها، ولكن بالسخرية منها.
والآن بعد الكثير من العناء منحه القدر مكافأة على صبره ومعاناته، لقد جمعه بفتاة طالما تمنى العثور عليها، لتقتسم معه حياته وترسم لمحة من السعادة بطريق يجمعهما معًا.
هتف به "نور" بغبطة:
- مبروك يا "كيمو"، أنا مش مصدق والله إن فيه واحده عجبتك أخيرًا.
ليجيبه "كريم" بمشاعر صادقة للغاية، دون مزاح أو
سخرية، فقط كان يطلق كلماته بإحساس عميق للغاية شعر به "نور":
- ولا أنا والله ، عارف أنا من ساعة ما شوفتها، وهي بقت كل حاجه بتمناها في الدنيا، أنا حبيتها بجد يا "نور".
نظر "نور" نحو "كريم" بإستغراب شديد، كما لو أنه تبدل بآخر، أكثر رزانة وعمقًا:
معقول إللي بسمعه ده ؟!!! حصل إمتى ده كله، كنت فين أنا ؟!!
- ما انت مشغول في إللي انت فيه ولا دريان بحد.
تذكر "ليلى" وغيابها ليردف "نور" بحزن:
وهي فين إللي شغلت قلبي ما هي ضاعت مني خلاص !!!
مسيرك حتلاقيها حتكون راحت فين بس وبعدين بقولك إيه، مش ناقصه نكد النهارده خالص
- ماشي يا "كيمو" حعديها عشان خطوبتك النهارده، يلا بينا، ولا حنفضل واقفين تحت البيت.
ضحك "كريم" ليدير محرك السيارة متجها نحو القاعة التي سيقام بها الحفل وهو متحمس للغاية لطريق جديد سيبدأه اليوم.
بقلم رشا روميه
عدالة الحياة حتى لو تأخرت، لا تخطئ طريقها أبدا، فالظلم دين معلق، يوفى مهما طال الزمن، فالحساب لا ينسى ولكن قد يمهل.
رشا رومیه
قسم الشرطة...
فتحت أبواب غرفة الإحتجاز لتزج "جميلة" نحو الداخل، وقفت بغصة لا تستوعب بعد ما حدث لها اليوم.
دارت بقوة حين سمعت صوت إحكام غلق الباب الحديدي لتلك الغرفة الخانقة، صوت يعلن نهاية الحرية والراحة، حدقت بقوة لفترة من الوقت نحو الباب المغلق قبل أن تبتلع ريقها المتحجر وهي تلتفت تتطلع نحو الغرفة وروادها.
غرفة ضيقة رطبة مخيفة بشكل يؤذي النفس، نور باهت يتدلى من السقف ليظهر وجوه غريبة تتفحصها بغرابة، عيون قاسية عنيفة، هي تدرك ذلك دون نطق أصاحبها دي بقلبها الهلع وهي تتطلع بكل منهن على حدة.
بقلم رشا روميه
ضحكات مستهزئة بها لفرض القوة والسيطرة، تماما كصاحب عمل يريد كسر أنف العاملين ليطيعوه لقوته وسيطرته، دفعتها إحداهن وهي تستهزأ بها تجاه الداخل قائلة:
وارد جديد يا معلمة.
تعثرت "جميلة" ببضع خطوات لتقف أمام تلك المرأة الممتلئة مخيفة الظهر، والتي حدثتها بنبرة صوت خشنة كالرجال
- جايه في إيه يا بت؟
حاولت "جميلة" ألا ترضح لهؤلاء المجرمات عليها أن تفرض قوتها، فهي قوية حادة ولن ترضخ لهن، لترفع رأسها بإستنكار:
لاااا، بقولكوا إيه، كل واحده تلم نفسها أحسن لكم، اله إنتوا متعرفونيش...
إمتلأت الغرفة بضحكات صاخبة مستهزأة من "جميلة" وغرورها، لتمسكها إحداهن من الخلف منكسة رقبتها أمام المرأة القوية (المعلمة ) لتجبرها على الخضوع:
- بس یا *** *** إنت فاكره نفسك فين في الشيراتون.
نظرت المعلمة تجاه بعض السيدات لتأشر لهم برأسها
لتلقين تلك المتطاولة درسا لن تنساه
- عرفوها هي مين، وأنا أبقى مين.
جلست المعلمة تشاهد إنقضاضهن عليها بالسباب والضرب المهين باستماع لترفع ساقها فوق الأخرى وهي تنفث دخان لفافتها بضحكة ساخرة مستهزئة، كانت تقوم بها "جميلة" طيلة الوقت.
كسرت أنف من يعمل تحت إمرتها، فكسر أنفها أمام المعلمة ورفيقاتها، سخرت بتهكم من "زهرة" وغيرها، فها هي ترى ذات النظرة بعيون من حولها.
إهانات وضربات موجعة تلقتها لم تنتهي إلا بصوت الحارس من الخارج يطالبهم بالهدوء
- بس منك ليها.
إنفضت السيدات من حولها لتبقى "جميلة" متكورة على نفسها أرضًا تتأوه بآلام بجميع أنحاء جسدها، بينما حركت المعلمة رأسها بإشمئزاز - عرفت بقى أنا مين!!! أنا المعلمه "دوشة" يا عنيا قومي إتلحقي على أي جنب، وإبعدي وشك العكر ده عني.
بالكاد إستطاعت "جميلة" جرجرة ساقيها لتجلس بأحد الزوايا ذات الرائحة الكريهة ، أسندت ظهرها المتألم للحائط وهي تتذكر كيف تم القبض عليها اليوم بتهمة التسبب بإنهيار بناية السكة الحديد ووفاة بعض من سكانها، لمحات من رفض "محمود" لأفعالها وإصرارها على هدم الأعمدة، طردها للمهندس وإصرارها على تنفيذ ما تراه صواب.
لم تكن على صواب، بل ظنت بعنادها أنها تقدر على تنفيذ مشروعها بذكاء، لكن ليس ذلك السبب وحده، بل ما فعلته بـ "زهرة" ومحاولاتها العديدة بالتخلص منها لقد ظنت أن لا أحد يدرك تخطيطها ونسيت أن الله يراها، وشاهد على أخطائها ومكرها، ستعاقب بإهدار حياة آخرين كما كانت ستهدر حياة "زهرة"، لقد تأجل العقاب لكنه لم ينمحي.
أخذت تشاهق بالبكاء حسرة على حالها وحياتها التي خسرتها، وندما على ما فعلته، فقد أمهلها الله الكثير لتعود لطريق الصواب، لكنها لم تتعظ وتطلب الغفران بل أخذت تبحث بكل السبل عن طريقة تتخلص بها من "زهرة".
فما قيمة البكاء بوقت لا ينفع به الندم، فقد كان الجزاء من جنس العمل.
بقلم رشا روميه
بيت خليل زيدان...
رفعت الرايات البيضاء بحياتي للعديد من المرات، لم أرد فيها سوى السلام، لكنني كنت أفقده بإستسلامي إن شجاعة كلمة "لا" أقوى من كلمة "نعم" مزيفة، اليوم سأرفع الراية البيضاء ، لكن لنفسي، علي أن أستسلم لإرادتي وما أريد، عليّ أن أقبل بتحقيق رغباتي وأكون الأولوية بحياتي أن أطوى صفحة التنازلات بلا رجعة.
رشا رومیه
دلفت "سمية" لغرفة "زهرة" تطالبها بالخروج من الغرفة لعقد قرآنها
- يلا يا "زهرة"، المأذون جه بره.
كغريق يبحث عن طوق نجاة، يتخبط بالصخور كحلاوة روح، وقفت "زهرة" تحرك رأسها بالنفي، فلم تعد تقوى على أن يتحكم الجميع بما تريد، إنها حياة واحدة ورغما عنها تسلب منها تساقطت دموعها المرتجفة فوق وجنتيها رافضة إستكمال تلك الزيجة
- لأ، لأ، مش قادره يا "سمية"، مش قادره کفایه کده
إحتدت نظرات "سمية نحوها، فلن تخسر مالها بسببها لتصرخ بها بحدة
- هو إيه إللي لا!!!! هو لعب عيال ؟!!!! حتصغري أبوك قدام الناس، والراجل اللي قاعد بره، يلا، إتحرك قدامي.
تشبثت "زهرة" بموضعها، فبقائها يعني الحياة
- لأ مش متحركه من هنا، أنا بقولك أهو.
حاولت "سمية " الإلتفاف من خلف "زهرة" تدفعها بالقوة نحو الخارج بقسوة
- حتتحرك غصب عنك، يلا قدامي.
دفعتها "سمية " لبضع خطوات لثقل جسدها وقوتها التي تفوق "زهرة"، لكن الأخيرة أخذت تتشبث بكل ما تتمسك به يدها لتمنع نفسها من الإندفاع بفعل دفع "سمية " لها.
بقلم رشا روميه
كحرب يفوز بها الأكثر ثباتًا وقوة، فلن تساق كالنعاج مرة أخرى لزواج يكفن روحها إلى الأبد، لكن الطعنة تأتي ممن هم أقرب، فمع محاربة "زهرة" لـ"سمية" بدأت تسمع صوت عقد قرآنها المقام بالخارج، كما لو أن وجودها وغيابها سواء، وأنها سوف تلقى بالجحيم مرة أخرى.
إتسعت عيناها بذهول لسماعها صوت المأذون لتترك جسدها الذي تدفعه "سمية" بقوة متخلية عن تشبثها، لتخرج بأعين مصدومة لتلحق بهم قبل أن يسلبونها روحها بإنهاء عقد القرآن.
وضع خليل" كفه بكف "أبو نصار"، ثم تغطى كفوفهم بمنديل حريري أبيض اللون، بينما بدأ الشيخ بخطبته القصيرة قبل عقد القرآن. - بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً).
ثم نظر بإتجاه "خليل" قائلا:
قول ورايا كده يا أستاذ خليل"، زوجتك إبنتي.
لم ينهي "خليل" كلمته ليصمت تماما متوقفا عن الإستكمال، فقد تفاجئ الجميع بأحدهم يندفع بقوة ساحبًا المنديل الحريري بقوة ليلقي به بعيدًا قائلا بإنفعال صارخ
مش حيحصل الجوازه دي لا يمكن تتم.
وقفت "زهرة" التي بالكاد ثارت على وضعها، ليتمم الله عليها قوتها حين بدأت بالدفاع عن حقها بالحياة، لتنظر نحو فارسها الوحيد بعيون أنهكها الصبر، بوقت بدأت به تساند روحها الضعيفة بقوة أتتها متأخرة، أرسل الله لها الدعم والقوة، هو فقط من إنتظرت قدومه لتهمس
براحة ممزوجة بإشتياق
محمود!!!
حدقت العيون بصاحب الصوت الحازم بإندهاش، قوة أنت حينما توجب عليها الإختيار ألا يترك الأمر للصدفة أو لشتات عن ترتيب القدر، فلا يضيع حق وراءه مطالب، وهذا حقه وعليه الدفاع عنه، حقه بحياة سعيدة مع من أحبها قلبه حقه بأن يغتنم فرصة قد إستعدت للرحيل قبل فقدانها فرصة لعودة الروح.
لم يكتفي بكلمة قوية، بل إلتف نحو هذا الكهل المتصابي بزمجرة قوية وهو يدفع به من كتفه بجسارة، فلن يتخلى عنها الآن حتى لو هي أرادت ذلك، وبنبرة غاضبة صرخ بـ "أبو نصار":
قوم إتكل على الله يا عم الحاج ملكش عندنا عرايس.
وقف "أبو نصار" تحتد نظراته قوة، ليهتف بغضب:
انت مين انت وبتقول إيه ؟!!!
ثم إلتف "أبو نصار" بإتجاه "خليل" وقد إعتلى الغضب وجهه ينتظر مناصرة صهره وإتمام تلك الزيجة مین ده یا "خليل"؟!!!! وإيه إللي مدخله علينا بالشكل !!ده؟
شهقت "سمية" تخوفًا من أن يحاول "محمود" إفساد مخططها بزواج "زهرة"، لتسرع هي بالرد فزوجها أضعف من أن يأخذ موقفا قويا تجاهه
- فيه إيه يا أستاذ "محمود"!!! انت مالك ومالنا، مش خلاص خلصنا ؟!
لم يكترث "محمود" لأي منهم، بل تسلطت عيناه عمن يبحث عنها وسط الجموع، ولم تكن بعيدة أو مختفية بل كانت كالشمس ساطعة ومشرقة، ثوب زفافها الأبيض ذو الورود الوردية، وسحر عينيها القاتلتان جعلته يقف أسير حُسنها الذي خطف قلبه من أول وهلة، لا يريد سواها وسيصرخ بها أمام العالم أجمع، فقط تقول "نعم".
تسارعت دقات قلبه بشوق لها ولن تكذب عيناه، لقد رأى بخاصتيها أمل وشوق ولهفة لا يمكن إخفاؤها، أراد لو توافقه هذه المرة وتمنحه الفرصة للقرب هل ستسمح بالتغاضي والنسيان وترك القدر يسير بهما الطريق يجمعهما معًا ؟
بسط يده تجاهها يدعوها للتقدم والإمساك بيده، رجاء يأمل بأن تستجيب له وهو يقولها بنبرة آسرة وعيون يملؤها العشق والتوسل
- تعالي معايا، أرجوك تعالي معايا وإسمعيني!!
إبتلعت ريقها وقد إضطرب أنفسها بقوة لتسارع ضربات قلبها التي أجابته قبل لسانها بالموافقة، بينما أجابته بتردد
بس یا "محمود" ..ااا.
تقدم "محمود "خطوة تجاهها يلومها بشوق، فلم يعد يقوى على البعد عنها :
- دوختيني وراك، كفايه بقى ما عدتش قادر أبعد عنك، إسمعيني وإديني فرصه أقولك إن كل إللي كان واقف ما بينا خلص، ومعادش له وجود "زهرة"، أنا و"جميلة" خلاص إتطلقنا، ومن فتره طويله كمان، أظن كدة خلاص مفيش حاجه تبعدك عني دلوقت.
إندهشت "زهرة" بتفاجئ:
طلقتها !!!!!
أخفض صوته فلا داعي للحديث الآن عليه أن يأخذها ويقصيها عن كل هؤلاء الغشاشين الطامعين بها عليه أن يخرجها من هذا المكان بأي صورة أولا:
- أشش حفهمك كل حاجه بعدين ها، حتيجي معايا؟
قالها وهو يتعمق بسوداوتيها يتمنى أن تتجاوب معه ولو لمرة واحدة، أطال من يده الممدودة ليعيد دعوته لها.
أرخت عينيها عن خاصتيه لتنظر لكفه الممدود لها كملاذ آمن وطوق نجاتها من كل ضيق حل بها وحزن عاشته تعلقت بكفه ووضعت كفها بين راحته ليقبض عليها بقوة حانية، تماما كما لو أنه ضمها بين ضلوعه يحميها من كل هؤلاء الإنتهازين، ويعيد الروح لحياتها مرة أخرى.
كانت النظرات الغاضبة تحيط بهم بجميع العيون التي تراقبهم نظرات موجعة صامتة، لم يهتم لها "محمود"، بل أوقفها خلف ظهره وهو يتشبث بكفها دون أن يفلته.
وقف "محمود" أمام "خليل" قائلا:
- عم "خليل"، أنا طالب منك إيد "زهرة" وهي كمان موافقه.
ثم أمال رأسه يهمس بأذنه:
- مهر "زهرة" وإللي انت عايزه كله، وأكثر بكتير أوي من إللي كان حيديهولك الراجل ده أنا حديهولك، "زهرة" تستاهل تقلها ذهب.
إبتسم "خليل" بطمع خاصة وهو يرى الرضا بعيني زوجته حين سمعت همس "محمود"، لينظر "خليل" على الفور تجاه أبو نصار"، فهو بكل الأحوال سيكون رابحًا، ليردف بقوة وثقة
- خلاص بقى يا حاج كل شئ قسمه ونصيب.
إنتفض "أبو نصار" غاضبًا، فليس هو من يلعب به مثل تلك اللعبة، ولن يخسر ماله الذي أعطاه لهؤلاء الطامعين، ليصرخ غاضبًا مهددًا "خليل" و"سمية": - إيه !!!! طب وديني لأعرفكم مقامكم، صغير أنا عشان تلعبوا بيا، أنا عايز كل مليم دفعتهولكم، ودلوقت حالا
ماشى يا أخويا ، بكره أجيبلك الفلوس، يلا مع السلامه.
قالها "خليل" بعنجهية، فهو يدرك أن "محمود" سيدفع له المال، بل وأكثر مما كان سيتخيل. بقلم رشا روميه
غادر "أبو نصار" ينفث غضبًا، بينما دنا "خليل" من "محمود" ليدفع به نحو الشيخ حتى يجبره على الزواج من "زهرة"، ولا يتراجع عن طلبه بعد طرد "أبو نصار": - أقعد يا عريس، إكتب يا مولانا
جلس "محمود" ليضع يده بيد "خليل" ليتم عقد قرآنهما ومازال لم يفلت يد "زهرة" من يده، لتبكي "زهرة" بتأثر شديد، ليس حزنًا هذه المرة، بل بكت من فرط فرحتها، فلم تكن تتوقع أن القدر سيجمعهما بمثل هذه الطريقة المؤثرة أبدا...
تم عقد القرآن ليعلن زواجهما وتتعالى أصوات المباركات للعروسين، وما أن تم عقد القرآن ومال "محمود" بذكاء تاجر يستطيع الكسب بمهارة على أذن "خليل" مرة أخرى هامسا
- تعيش وتاخد غيرها، أنا لا عايز أشوف وشك ولا وش المدام تاني، ولا يكون ليك دعوه بـ "زهرة" نهاااائي فاهم يااا.. عمي!!!
أنهى جملته بتهكم لينظر نحوه بحدة وقوة أخافت "خليل" لينكمش بمقعده من نظرات "محمود" المخيفة أخذ يومئ بالموافقة وعيناه مثبتتان بعينا "محمود" فهذه آخر فرصة للإستفادة من وجود "زهرة" فلن يستطيع أن يفعل أي شئ آخر الآن، فقد أصبحت "زهرة" زوجته ولن يستطيع المماطلة بعد الآن.
خرجا "محمود" و "زهرة" تحت أعين "خليل" المتحسرة، ليتركا البيت بلا رجعة، فيما إقتربت "سمية " بإبتسامة منتصرة متسائلة:
- كان بيقولك إيه بعد كتب الكتاب؟
نظر نحوها "خليل" بتحسر متخوف من ردة فعلها حين تعلم ليردد بصوت مرتجف
مفيش فلوس يا "سمية"، خدها ومشي، ومش حيجيب حاجه.
على الفور فقدت "سمية الوعي من هول الصدمة ليغادر بعدها المدعوون ويبقى كلاهما يبكيان على اللبن المسكوب.
بقلم رشا روميه
-*-*-*
ألمانيا - قاعة الإحتفال....
بقاعة صغيرة بأحد الضواحي مخصصة لهذا النوع من الإحتفالات، زينت بورود حمراء مبهجة للعين لون صاخب يناسب أصحاب هذا العرس.
دلف الصديقان لداخل القاعة ليتطلع "كريم" بـ"نور" قائلا:
- حطلع أنا أجيب العروسه خليك هنا، إنت شايف ماليش غيرك.
إبتسم "نور" بلطف:
عيب عليك، وأنا روحت فين، إطلع إنت وأنا مستنيكم هنا.
تركه "كريم" ليصعد على سلم بمنتصف القاعة مزين بورود حمراء على الجانبين، بينما أخذ "نور" يتفقد الأجواء الهادئة بين القليل من المدعوين، فيبدو أن إحتفالات الزواج هنا قليلة الصخب مقارنة بما يعرفها.
إبتسم رغما عنه ليردد محدثًا نفسه
- بس إيه الهدوء ده أنا بحب الدوشه، إن شاء الله فرحي أنا و"ليلى" نعمله زي ما بنعمل في مصر. بقلم رشا روميه
تقدم الساقيين يمرون بكؤؤس العصائر المختلفة أمسك "نور" أحد الكؤوس يرتشف منها بالقرب من إحدى الطاولات الزجاجية، ليتفاجئ بصوت تصفيق من الحاضرين، فيبدو أن تلك تحية لوصول العروسين.
وضع "نور" كأسه ليرفع كفيه مصفقًا كتحية لهما، كان يرى جانب "كريم" فوق السلم الملتف دون أن يراه بوضوح بعد، إبتسم بسعادة فاليوم تتوج فرحة صديق عمره بيوم إنتظره ثلاثتهم، وتعاهدوا أن يكونوا جنبًا إلى جنب.
كم كان سعيدا مبتسمًا بصورة استثنائية لم يره بها من قبل، ليتابع تحركهم هبوطا فوق درجات السلم، بدأت العروس تظهر بفستان أحمر صارخ متلألي، مبهر للعيون بشكل غريب، فقد إختارت لونًا صريحًا قويا لتجذب الأنظار إليها بالفعل.
فإختيار فستان للخطبة بهذا اللون اهو إختيار ذكي لمن يريد لفت الإنتباه، وهو ما حدث بالفعل، تحرك خطواتها الرشيقة فوق درجات السلم وهي توزع إبتساماتها المجاملة هنا وهناك كانت سارقة للأعين خاطفة الأنفاس.
حتى أن "نور" فغر فاه بقوة وهو يطالع العروس التي تعلق كفها بذراع صديقه المقرب، شعر ببرودة قوية تسري بجسده كاملًا، فهل توقف قلبه عن العمل، هل تلك الآلام هي خروج الروح من الجسد، إرتجف جسده بقوة وهو يطالع وجهها المحفور بداخل قلبه، هي من قتلته دون دماء، لقد إستطاعت طعن روحه بالفعل إن كان ذلك إنتقامها.
بالكاد حاول إخراج همسة متألمة من حلقه قائلا:
!!!!!" ليلى" ... -
لتكون أولى كلماته التي تبعتها صرخة قوية منه: !!!!ليه!!!!! ليه
