رواية النغم الحزين الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم فاطيما يوسف


 رواية النغم الحزين الفصل السابع والثلاثون 

أَمَا كَانَ يَوْمُ حُبِّكِ إِلا بَدَايَةً لِعُمْرٍ جَدِيدٍ يَسْرِي فِي وَجْدَانِي، فَأَنْتِ الجَمَالُ الَّذِي جَعَلَكِ القَلْبَ النَّابِضَ بِالحَيَاةِ بَيْنَ أَضْلُعِي، وَمَا زَالَتِ الدُّنْيَا تُمْطِرُنَا بِالعَوَاصِفِ لَكِنَّ قُرْبَكِ هُوَ المَلْجَأُ وَالأَمَانُ، فَيَا لَهَفِي مَا هَذَا العِشْقُ الَّذِي يَجْرُفُ كُلَّ كِبْرِيَائِي وَيُسَيْطِرُ عَلَى كَيَانِي، وَمَا هَذِهِ الحَيْرَةُ الَّتِي تَعْصِفُ بِي كُلَّمَا وَقَفْتُ بَيْنَ الشَّوْقِ وَكَلَامِ النَّاسِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي صَمْتِ اللَّيْلِ أَجِبْنِي يَا قَلْبِي كَيْفَ لِي أَنْ أَتَخَلَّى عَنْ بَهْجَةِ عُمْرِي، فَنَادَيْتُ السَّمَاءَ أَيُّهَا القَمَرُ المُنِيرُ اشْهَدْ أَنَّنِي صِرْتُ بِعِشْقِهَا سَنَدًا لا يَمِيلُ.

لقاهم واقفين متنحين وبيصوا لبعض فزعق بصوت عالي رعبهم:
ـ يالاااااااا منك ليها...
اترعبوا من زعيقه وطلعوا على شقتهم، أما هو قعد ماسك دماغه ومش عارف يعمل إيه في حياته معاهم ولا عارف يعمل حاجة في تصميم "دعاء"، سمع أبوه بينادي عليه، فقام دخله:

ـ حاضر يا أبوي جاي أهه.

أول ما دخل بدل وشه الحزين لمبتسم وشاور له أبوه إنه يقعد جنبه وسأله بحنين:

ـ مالك يا ولدي إيه اللي محيرك، سامع صوتك عالي احكي لي يا ولدي وخرج الهم اللي على صدرك؟

حط وشه بين إيديه وجاوب أبوه بأسى:

ـ "دعاء" عايزة تطلق يا أبوي وأني معايزش الموضوع دي يُحصُل ولا حابب أشتت ولادي بعد ما تعبت سنين وأني بربيهم على الصُح وبلمهم حوالي، وهي مصممة على اللي في رأسها بسبب كلام الناس.

اتنهد أبوه بوجع على حالة ابنه وطلب منه بعزم:

ـ ارفع راسك يا ولدي من بين يدك انت "سند الناجي" مينفعش تضعف ولا تبين ضعفك قدام حريمك ولا ينفع يشوفوا حيرتك أبداً، الاتنين ولاد حلال والاتنين ربنا يبارك لك فيهم، اتعامل مع المشاكل بحزم وياهم، عودهم إن رأيك هو اللي يمشي وبلاش طلاق ولادك هيضيعوا وهيتشتتوا يا ولدي، خلي ولادك في أمان واطلع اتحدت ويا أمهم وعقلها يا إما تنده لها وأني أتحدت وياها.

طمن أبوه بثقة:

ـ متقلقش علي يا أبوي اطمن إني ما هنفذلهاش اللي هي رايداه هتكلم وياها وهشوف إيه اللي مخوفها بعيد عن كلام الناس وإن شاء الله ما فيش طلاق عاد.

نصحه أبوه وهو بيطبطب على ظهره لأنه عارف "سند" ما بيحبش يشيل حد همه:

ـ أني خابرك زين راجل وجدع وهتداري وجعك وما هتحبش تشيل حد همك بس اني أبوك وقت ما الدنيا تضيق بيك يا ولدي تعالى اترمي على صدري، أينعم إني مملكش حاجة غير كلمتين ههديك بيهم بس أهو هخفف عنك شوي.

اتعدل "سند" في قعدته ووطى على إيد أبوه باسها ورأسه:

ـ والله يا أبوي حسك بالدنيا أحسن حاجة ولدك "سند" ممكن يملكها دي وجودك جاري رحمة ليا من عند ربنا سبحانه وتعالى، ربنا ما يحرمنيش منك ولا من قعدتك ولا كلامك الزين يا أبوي.

خلص كلامه وطبطب على ضهر أبوه وسابه وخرج بعد ما ودعه وقرر يطلع عند "دعاء" علشان لازم ينهي الموضوع ده معاها نهائي، أول ما طلع كان ولاده كل واحد دخل الاوضة بتاعته و"دعاء" كمان فنادى عليهم كلهم علشان يكون الكلام قصادهم وكمان هم ما بقوش صغيرين والموضوع ده عائلي كان لازم يكونوا كلهم مشتركين فيه، "دعاء" كانت رافضة وجود ولادها لكن هو صمم إنه يكون موجود لأنها هي اللي عرفتهم من البداية اللي هي عايزاه، أول ما قعد بص لولاده وعرفهم:

ـ شوفوا يا ولاد إن شاء الله مش هيحصل طلاق ما بيني وما بين أمكم لأني إني ما هقدرش أستغنى عنها ولا عن وجودها في حياتي لأنها شيء مهم جدا ومن واجبكم إنكم لما تسمعوا رغبتها في حاجة كيف داي ما تقولوش نشجعها علشان داي راحتها، راحتها لما نكون كلنا أسرة واحدة متجمعين مع بعضنا وهي موجودة وسطنا ولا إيه يا "سما"؟

"سما" ابتسمت ابتسامة عريضة زينت ملامحها وقامت جري حضنت أبوها وهي بتشدد على احتضانه وعبرت له عن سعادتها بقراره وتمسكه بوالدتها:

ـ إني هحبك قوي يا أبوي كد الدنيا وما فيها وبزيادة كمان شوي، وكمان اني مع قرارك يا أبوي وهشجعك فيه كمان، اني ما رايداش أمي تبعد عنينا ولا رايداكم تتفارقوا عن بعضكم واصل.

وبصت على مامتها وهي بتكمل كلامها بملامح حزينة وبتحاول تؤثر عليها:

ـ بصراحة يا ماما بابا عِنده حق يا ريت تفكري في الموضوع دي تاني اني والله ما رايداش أغصبك على حاجة، بس  برده هحب إن أمي وأبوي يفضلوا ويا بعض هحس بارتياح أكتر.

ورد "مازن" وكان قراره نفس قرار أبوه و"سما" وبعد كده طلب منهم إنهم يدخلوا أوضهم ومد إيده لـ"دعاء" وأخدها ودخلوا الاوضة بتاعتهم وسألها عن رأيها للمرة العاشرة:

ـ ها يا "دعاء" دلوك إني والعيال مرايدينش موضوع الطلاق دي نهائي نفسي أفهم إيه اللي مخليكي مصممة على الطلاق غير كلام الناس؟

بصت له "دعاء" بحيرة من جواها لسه مصممة على قرارها وحاسة إن اكده الأحسن والأفضل ليهم وردت عليه باللي جوه قلبها:

ـ ما هكذبش عليك يا "سند" حاجات كَتير مخلياني واخدة القرار داي وما عايزاش أرجع فيه تاني وأولهم كان كلام الناس اللي ما هينتهيش واصل بس برده دي مش السبب الأساسي.

وبعدت عيونها بعيد عنه واديته ضهرها وهي بتفرك في إيديها بتوتر وكملت كلامها:

ـ قبل ما أروح العمرة وأزور بيت ربنا كان في حاجات كَتيرة غايبة عني وأولهم إني كنت ههمل في حقك وما هديكش حقك الشرعي كراجل وعرفت عن حرمانية الموضوع دي كتير، وربنا سبحانه وتعالى قال إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان واني ما عارفاش أكون متمسكة بيك بالمعروف اللي ربنا أمرني بيه، بزياداني ذنوب وتأنيب ضمير وياك، حياتنا لو استمرت أكتر من اكده ما هبقاش مرتاحة نفسيا.

قرب منها وابتسم لها بكل هدوء:

ـ ما انتي في يدك الحل إنك تتعالجي وتُبقي طبيعية جدا كيف أي ست يا "دعاء" وانتي اللي رافضة؟

رفعت إيديها باستسلام وقالت له:

ـ اني معنديش طاقة للعمليات ولا فيا طاقة للعلاجات كفاية علاج الضغط والسكر اللي أني باخدهم، بزياداني مرمطة لنفسي يا "سند" بلاش تتحدت وياي في الموضوع دي تاني من الأول ومن سنين ومن قبل جوازك من "نغم" واني هقول لك روح اتجوَز وانت اللي ما كنتش رايد.

وكملت وهي حاسة بزهق وضغط على أعصابها فوق ما هي ضاغطة نفسها بسبب إنها مشيلة نفسها الذنب:

ـ وهو دي السبب الأساسي إني طلبت الطلاق بزياداني ذنوب ربنا هيكتبها علي ليل ونهار بسبب وجودي على ذمتك يا "سند".

ضرب "سند" كف على كف وهو بيلف يرد عليها:

ـ طب هو اني طلبت منك حاجة ولا غصبتك على حاجة في علاقتي وياكي يا بت الناس؟

نفخت بضيق وجاوبته:

ـ ما هو علشان انت فقدت الأمل مني لكن ربنا سبحانه وتعالى ما هيسامحنيش وهفضل شايلة الذنب وخصوصا موضوع العلاج دي واني اللي رافضاه.

مسح على وشه بكف إيده وشدها من إيديها وقعدها على السرير وبدأ يتكلم معاها بهدوء:

ـ شوفي طلاق مهيحصُلش واصل يا "دعاء" علشان انتي حداكي عيال متعلقين بوجودنا سوا، عِندك بنتة عروسة كلاتها سنة وهتدخل الجامعة وسنة وتنين وهتلاقي العرسان هيتقدموا لها وإني ما هحبش بتي تكون قليلة في نظر حد ولا حد يتنمر على إن أبوها وأمها مطلقين ولا جوزها في يوم من الأيام في أي مشكلة بيناتهم الشيطان يتدخل يقول لها أمك وأبوك مطلقين ودي سبب أساسي، وكمان اني ما هحبش أبعد عن ولادي وما هحبش حد يجيب سيرتك لما يلاقوني داخل عليكي علشان أبيت ويا ولادي حتى لو هتروحي تباتي عند أمك في اللي هيشوفك وانتي هتعملي اكده وفي اللي ما هيشوفكيش وكلاتها شبهات وإحنا عايشين في قرية مش في مدينة.

وكمل كلامه باللي صدمها وهو بيدور وشه بعيد عنها:

ـ إلا إذا سبتي الولاد اتخليتي عنهم وبقوا تحت مسؤوليتي مسؤولية تامة وقتها انت هتكوني شفتي حالك بَعيد عننا وإحنا كمان نعيش مستقرين لا يصح إلا الصحيح، هتقدري تستغني عن ولادك يا "دعاء"؟

اتصدمت من كلامه وهي بتبرق له بذهول وكأنها فقدت النطق ودموعها نزلت من عيونها رد على كلامه لحد ما قال باختناق:

ـ يادي العياط وسنينه ما اعرفش أتحدت وياكي من غير عياط واصل وما اعرفش أعمل معاكي إيه تاني غلبت معاكي يا "دعاء"، اني راجل متعلق بوجود ولادي في حياتي وما هقدرش أعيش من غير ما أشوفهم كل يوم وما هقدرش على كسرة نفسهم وقلت لك إني ما هحملكيش ذنبي وهتبرى من ذنبك قدام ربنا، أعمل إيه تاني علشان تشيلي الموضوع دي من دماغك؟

حاولت تهدي نفسها وهي بتسأله بلوم شديد:

ـ انت عايز تاخد ولادي مني يا "سند" بعد دي كلاته رايد تحرمني من ولادي وتبعدني عنهم؟

نفخ بضيق وهو بيمسح على شعره بزهق شديد:

ـ هو دي كل اللي فهمتيه من كلامي يا "دعاء" اني زهقت من الحوار وياكي وما اعرفش أجيبها لك كيف، خلاص شيلي حوار الذنب دي من دماغك،  وانتي مفكرة إنك لما تطلقي من جوزك أبو عيالك الناس هتبطل كلام عنك ومش هيجيبوا في سيرتك ليل ونهار؟

وكمل كلامه بنبرة ساخرة:

ـ لااااه يا "دعاء" الناس لسانها مبرد ما هيفوتش أي حد في حاله وهيفضلوا متابعينك وراكي اطلقتي أو ما تطلقتيش فضلتي على ذمة جوزك أو ما فضلتيش، بل بالعكس لما يحصل الطلاق هيركزوا وياكي أكتر، خرجت راحت فين جات منين، واني اهنه ما هقولش إن كل ست مطلقة هتعيش حياتها في اختناق لأن كل واحدة ظروفها تفترق عن التانية، وانتي لما تكوني في حمى جوزك أبو عيالك محدش هيقدر ياجي ناحيتك وحوار الضرة هيتحدتوا فيه يومين شهرين سنتين هيزهقوا وهيسكتوا لحالهم، يا ريت تفكري زين في الموضوع دي لأن الطلاق مش في مُصلحة ولادنا اللي انتي متعلقة بيهم وهتحبيهم زين إحنا هنفكر فيهم قبل ما نفكِر في حالنا ركزي في كلامي زين، أني ماشي.

وسابها وخرج علشان يروح لـ"نغم" اللي زهقته هي كمان بكلامها وكمان علشان يسيب لها فرصة تفكر براحتها في الموضوع وتوزنه.

                       ******
ـ تعالي يا أم "سمير" رايداكي في حاجة مهمة لازماً تعرفيها قبل الجواز والدخلة على ولدك "سمير" من بتي إن شاء الله، علشان نكون على نور من البداية وما يُحصلش أي مشاكل.

ردت "رابحة" وهي بتبتسم لها بترحاب شديد:

ـ مشاكل إيه لا سمح الله هو في زي "نورة" وجمالها وهدوءها تبارك الله دي البنية من كتر خجلها ما هتتكلمش كلمتين على بعضهم ولا هترفع راسها من الارض عاد وإن شاء الله الفرح من غير شر هيتم.

ابتسمت أم "نورة" وردت عليها اللي هي عايزة تعرفه لها كويس قوي:

ـ "نورة" بتي مخبيش عليك كان معمول لها عمل من سلفتها في جوازتها الأولى اللي ما قعدتش شهر وبسببها بتي اتطلقت وفضلنا نجري بيها على المشايخ لحد ما عالجناها بصعوبة خفت وصرفنا عليها ألافات ملهاش أول من أخر، وبقت ماشية على شريط حبوب هيهديها كل ما هتفتكر الأيام السودا اللي كانت هتجيلها أو تحلم حلم وحش يخليها تقوم من النوم مكبوسة.

وكملت كلامها اللي مترتب زيادة عن اللزوم وهي بتداري عيونها بعيد عنها:

ـ يعلم ربنا إن جالها عرسان كَتير من الناحية حدانا اهنه واني وأبوها وأخوها رفضنا ولا ياجي ميت عريس كيف ما شفتي هي زينة وجميلة وعينيها ملونة وبياضها كيف بياض التلج مجرد ما هتخرج من عتبة الدار هتجيب عريس وتنين وراها، بس اني قلت ما هجوزهاش في الناحية حدانا اهنه واصل حتى لو كان ابن العمدة ذات نفسه علشان ما يجيلهاش عقدة من المكان ومن الناحية كلاتها، ولما "سمير" ولدك اتقدَم سألنا على الحاج "سليمان" وعلى ولدك "سند" وعرفنا إنهم ناس كمل وأول ما سمعنا عن سيرتهم ما سألناش عن "سمير" وأخدنا الجواب من عنوانه، الحبوب داي بتي هتمشي عليها ومحدش يعرف عن الكلام دي حاجة غيرك ويا ريت ما تقوليش لجوزها علشان لو حُصلت خناقة بينهم ولا حاجة لا سمح الله ما يعايرهاش إنها تعبانة ولا فيها حاجة شينة واني بتي غالية عِندي ما هتحملش فيها حاجة واصل وكمان هي نفسيتها عزيزة عليها قوي.

طبعاً "رابحة" اشترت كلامها وهودتها ومسكت شريط الحبوب وحطيته في صدرها وردت عليها بترحاب:

ـ سرك في بير يا أم "نورة" والحبوب داي هجيب لها منيها بدل العلبة عشرة ما تقلقيش بتك هتُبقى كيف بتي وأكتر كمان اطمَني عليها وما حدش هيعرِف حاجة عن الموضوع دي غيري اني وأنتي.

ابتسمت أم "نورة" بارتياح وطلبت منها:

ـ وكمان ما عايزاش الليلة تُبقى كَبيرة قوي لو عايزين تفرحوا بولدكم افرحوا بس بتي ما هتقعدش في كوشة وسط حريم لأنها هتستحي جامد وهتُبقى ساكتة طول الوقت وعينيها في الأرض أصلها متربية زين قوي وهتستحي من خيالها يا أم "سمير".

انبسطت "رابحة" من اللي سمعته ومن جواها بقت عايزة تقوم تحضن العروسة وأمها على كلامها عن "نورة" وأدبها وخجلها وكمان استريحت لأنهم ما سألوش عن "سمير" سألوا عن جوزها وابنها "سند" بس:

ـ وماله تقعد مستحية علشان يعرفوا إن "سمير الناجي" ما هيتجوزش أي بنتة واصل، داي فيها كل الصفات الحلوة بت الحسب والنسب والجمال وكمان هتستحي من خيالها تقعد وسط الحريم وتفرح وما تقلقيش أني هبقى جارها وانتي كمان.

خلصوا كلامهم واتفقوا على كل حاجة وأخدت منها شريط الحبوب وكمان عرفتها إنها تقول لـ"سمير" كل حاجة عن بنتها وعن الحبوب كمان علشان ما يتفاجئش وطمنتها جامد من ناحية "سمير" وإنه لازم يعرف وخلاص اتفقوا إن الفرح هيبقى في ميعاده.

                      *******
كانت قاعدة في البرندة كالمعتاد قدامها سبرتاية القهوة واللاب توب وكتابها اللي اشترته جديد وحضناه وكأنها اشترت كنز وبدأت تصور الفيديو اللي بتبعته لـ"علي" كل يوم من وقت ما "مهرة" قالت لها على نصيحتها وهي بتعملها وحست بتجاوب من "علي" وخصوصاً في أخر فيديوهين لما بعت لها إيموشن ابتسامة وقلب على كلامها، أما هو كان قاعد في البرندة زيها بالظبط على الكرسي المتحرك وقدامه نفس السبرتاية بيعمل عليها قهوته زي ما "شيماء" بتعمل وقالت له الفكرة دي وكمان عرضت عليه إنه يقرأ ويستمتع بيومه ووقته وهو شكل ما يكون مجذوب بينفذ كلامها وأول ما سمع صوت رسالتها مد إيده بلهفة شكل ما يكون مستني الفيديو بتاعها اللي بيجي له كل يوم وشكل ما يكون بقى ترياق وكانت بتعرفه يومها ماشي إزاي وقالت له وهي بتوري له الكتاب اللي اشترته:

ـ الكتاب دي رواية لـ"فاطيما يوسف" أول مرة تنزل رواية ورقية ليها وحبيت أقرأها سمعت عنيها كتير، ما عايزاش أقول لك يا "علي" اتخطـ.ــفت قد إيه واني هقرأها خلصتها في ليلة كاملة وما نمتش إلا بعد صلاة الفجر ما قدرتوش أفوتها من يدي معايزش تعرِف الرواية هتتحدت عن إيه لو رايد اسألني واني هجاوبك بصدر رحب وهبقى كمان مبسوطة علشان هرغي وياك، وكمان في حاجة مهمة في الرسالة ما فهمهاش وما حدش غيرك هيعرف يوصل لي المعلومة لأني بستوعب منك قوي أي معلومة هتقولها لي، اه وما تنساش تأخد دواك زين في ميعاده الله يرضى عنيك.

كانت ممكن تقول له عن محتوى الرواية على طول لكن هي فضلت إنها ترمي له السؤال والطلب اللي طلبته منه في الفيديو علشان يرد عليها وتلاقي منه كلام واستجابة وقد كان قعد يعيد الفيديو بتاعها مرة ورا مرة وهو مبتسم كالعادة، والفضول منه خلاه يسألها عن محتوى الرواية وبدأ يتجاوب معاها لما بعت لها:

ـ طيب إيه محتوى الرواية اللي مفرحاكي قوي اكده يا دَكتورة ومنكم نستفيد؟

أول ما شافت رسالته ما صدقتش إن هو أخيراً رد عليها بالكلام وحضنت موبايلها وهي حاسة بالارتياح الشديد لتجاوبه معاها وردت عليه فوراً بفويس كان محتواه:

ـ الرواية اسمها 'عطر على صراط الألم' بتتكلم عن بنت يتيمة اتعرضت للظلم الشديد واتسجنت والظابط اللي كان بيحقق في قضيتها ما كانش مصدق إنها متهمة وفضل يبحث ورا الجاني الحقيقي علشان يعرف الحقيقة وكان دايماً عامل زي الفارس اللي بيحميها من أي حاجة تقع فيها حتى الظلم اللي بتتعرض له في التحقيقات واللي بتتعرض له في الحبس وكان فيها حاجة مختلفة بتشدوا ناحيتها قوي عطرها لحد ما عرف قصة العطر وقصتها ووقع الفارس في حب سجينته وأثبت براءتها ووقف جنبها لحد ما جمع القدر ما بينهم واتجوزوا، ده غير طبعا وصف الكاتبة لأجواء الحارة وأهلها اللي وقفوا جنب بنتهم وساعدوها تحس كأنك بتقرأ رواية في ليالي الحلمية أو الحسين، كنت بقرأ الرواية واني مبسوطة قوي، إيه رأيك أطلب لك نسخة منها تقرأها وتقول لي رأيك فيها؟

رد عليها بتشجيع وهو موافق جداً على كلامها:

ـ ياه قصة جميلة قوي تحسي إنها فيها أجواء مفتقدينها من زمان خلاص اطلبي لي نسخة منها وهقرأها وهقول لك رأيي فيها، قولي لي بقى إيه الجزئية اللي مش فاهمة واني هفهمها لك؟

عضـ.ــت على شفايفها بانبساط وهي بتكور إيديها الاتنين ومنبهرة بنفسها إن هي قدرت تخليه يتجاوب معاها وردت على رسالته بمشاغبة:

ـ طب هتفهم تلميذتك كيف يا دكتور وانت ما هتردش على مكالماتي وكل أما أرن عليك تكنسل في وشي، هتفهمني بالذكاء الاصطناعي مثلاً؟

ابتسم "علي" على طريقتها في الحوار ولقى نفسه هو اللي بيرن عليها وأول ما سمعت صوته حست إن قلبها بيدق جوه ضلوعها ومش مصدقة أخيراً إنها قدرت توصل لقلبه وعقله وأنه يكلمها ويفتح لها قلبه من تاني:

ـ ياه أخيراً سمعت صوتك واطمَنت عليك ما هتصدقنيش لو هقول لك كل كلامك وياي واحشني قوي يا "علي" طمني عليك.

هو كمان حالته ما تتغيرش عن حالتها كان قلبه بيدق وحس كأنه رجع مراهق من أول وجديد وخصوصاً لما سمع نبرة صوتها بشجن اتأثر بيه جامد لكن حاول يبان إنه صلب وقوي قدامها وهو بيطلب منها بجدية تامة:

ـ قولي لي يا دَكتورة إيه اللي ما فهماهوش في رسالتك علشان أفهمه لك بدون دخول في أي مواضيع وتفاصيل تانية؟

"شيماء" ما قدرتش إنها ترد عليه غير باللي في قلبها:

ـ أظن انت عرضت عليا طلب الجواز مرة واتنين وتلاتة واني دلوك هقول لك إني موافقة يا "علي" وبلاش عنادك دي، اني ما عايزاش غيرك صدقني يا "علي".

غمض عيونه وهو حاسس بالوجع الشديد نفسه إنه يوافق على كلامها ويدخلها دنيته ويدخل دنيتها، نفسه إنه يقول لها إن هي بالنسبة له روحه اللي ما يقدرش يعيش من غيرها عمره اللي راح وعمره اللي جاي وأنه من غيرها بيتعذب أكتر من مرضه نفسه لكن حاول يجاوبها بنفس الصلابة والجدية لأنه حتى لو إحساسها صحيح ومش شفقة ما يرضلهاش إنها تتجوز واحد على كرسي متحرك:

ـ يا ريت يا دكتورة كلامنا مع بعض لو رايداني أرد عليكي وتسأليني عن حاجة في رسالتك وحابة إني أساعدك فيها يُبقى ما تجيبيش سيرة أي حاجة خاصة بيناتنا وخصوصاً إن الموضوع دي اني قفلته وما رايدش أفتحه تاني.

مطت شفايفها بحزن شديد وقلبها موجوع لوجعه وسألته بمرارة:

ـ ليه يا "علي" ليه ترفض إني أكون معاك وأشاركك مشوار علاجك وخصوصاً إني هحبك بجد لا هي شفقة ولا هو حوار تأنيب ضمير صدقني يا "علي" انت خابرني زين ما هتلككش وأقول أي كلام.

اتنهد بأنفاس عالية وبيحاول يكون هادي وهو بيجاوبها:

ـ حتى ولو ما فيش شفقة ولا تأنيب ضمير اني مرضلكيش تتجوَزي واحد زيي، ما رضلكيش إنك تدفني شبابك مع واحد عاجز الموضوع دي منتهي يا "شيماء" ويا ريت ما نتحدتش فيه تاني واصل.

نفخت بضيق من إصراره واعترفت له بدون خجل:

ـ اني هحبك انت يا "علي" هحب روحك وكلامك ومحاوطتك ليا، هحب مشاعرك اللي كانت دايماً هتخليني أميل ليك في كل مكان كنت هتطلع لي منه، اني قلبي اتولد على يدك يعني انت بالنسبة لمشاعري وعواطفي ولحبي الأول كيف الأب الروحي اللي من غيره هتطلع روحي يا "علي".

دق قلبه بوتيرة سريعة من كلامها وما بقاش عارف يرد عليها بإيه لكن كل اللي في دماغه إن عمره ما يرضى لها واحد زيه ومصمم على قراره:

ـ برده يا "شيماء" مصممة إنك ما تتحدتيش وياي غير في الأمور دي عموماً هرد عليكي، انتي شايفه اكده علشان اني كنت قدام عيونك على طول هشاغلك بكلامي وبنظراتي، غصب عنك ما كنتيش هتقدري تقاومي وخصوصاً إني أول واحد يخوض وياكي تجربة مراهقتك داي، صدقيني لما تبعدي عني وتبطلي تفكري فيا وكمان ما فيش محاولات مني إني أقربك ليا أو أحسسك بمشاعري وبقلبي انتي لوحدك هتنسيني، اني خابر اكده زين وعارف هقول لك إيه يا ريت تفكري في كلامي كويس عاد وتوزني الأمور بنصابها الصحيح.

سألته بحزن شديد:

ـ بعيداً عن كل الكلام اللي انت قلته وإني ما مقتنعاش بيه لأني عارفة مشاعري زين ومش صغيرة حتى لو انت كنت أول تجربة ليا، ممكن أعرف إيه هو ميزان الأمور اللي في نصابها الصحيح من وجهة نظرك؟

جاوبها بثقة وتأكيد:

ـ إنك لسه صغيرة وتعبتي كَتير في حياتك وتمرمطي بسبب ظروف أهلك هتحتاجي راجل يحسسك بأي حاجة انتي مفقودة منها، يوريكي الدنيا اللي عمرك ما شفتيهاش، محتاجة راجل عنده قوة ومقاومة وقوامة إنه يسعدك، محتاجة واحد يختار معاكي كل تفاصيل حياتك وكل تفاصيل حياتكم كمان وكل تفاصيل قربكم واني ما هملكش دلوك حاجة من الحاجات داي غير لسان هيقدر يتكلم ويعبر عن اللي جواه، لكن فعل لااه يا "شيماء".

عيونها دمعت من كلامه ومن حزنه وحتى وهو في عز تعبه بيفكر في سعادتها ما كانش أناني معاها:

ـ مين قال إنك ما هتقدرش تحسسني بكل الحاجات داي يا "علي"؟! مين قال لك اني وانت  ما هنعيشش التفاصيل داي وأكتر كمان؟ يعني يا "علي" الدنيا اتقدمت دلوك والطب اتقدم وخصوصاً لما يكون عِندك أمل إنك ترجع تخف وتقف على رجليك تاني، واني عايزة أخوض معاك تجربة علاجك وأكون جارك،  حتى ياسيدي أكون دافعة أمل ليك، صدقني يا "علي" ما حدش هيحبك في الدنيا دي كحبيبة وونيسة كدي، اني هسيبك تفكر في كلامي زين علشان ما عايزاش أضغط عليك بس برده هطلب منك إني لما أرن عليك ترد علي أرجوك يا "علي".

بقى بيتنفس أنفاس سريعة وصدره في صعود وهبوط في نفس اللحظة من كلامها وتأثيرها ونبرة الشجن اللي بتتكلم بيها ورد عليها:

ـ اللي عايزه ربنا هو اللي هيكون مع السلامة.

ردت عليه بصوت حنين وهادي ورقيق يشبه ملامحها:

ـ مع السلامة يا "علي".

خلصوا كلامهم الاتنين وقفلت معاه وهي حاسة بالإحباط وكان كل محاولة منها بدل ما تقربه ليها ميل بتبعدها عنه أميال وأميال أما هو كان حاضن الموبايل بين ضلوعه كأنه حاضن صوتها وصورتها وبيفكر في كل كلمة قالتها وبدأ يدرسها كويس جوه قلبه وعقله وشكل ما يكون وصل لأول الطريق في مشاعره وفي قراره معاها لكن قرر يعيد التفكير كتير وكتير.

                     ******

ندهت على ابنها "سمير" وهي بتبص حواليها يمين وشمال علشان ما حدش يسمعهم هيقولوا إيه وأخدته على جنب وهو بيسألها باستغراب:

ـ مالك يا حاجة هتشديني اكده ليه شكل ما يكون هتقولي لي سر عاد؟

قعدته على الكنبة جنبه وقفلت الباب كويس وقعدت قدامه وقالت له على كل اللي حصل بين أم "نورة" اللي هتبقى حماته وهو بيبص لأمه باستغراب وبيقول لها:

ـ انتي رايداني أتجوَز واحدة ملبوسة، هو اني ناقص جتتي تتلبش حرام عليكي يا حاجة عاد؟

خبطته على كتفه وهي بترد عليه:

ـ اسكت يا واد انت هتصدق كلام أمها دي، اني حاسة إنها عرفت حاجة عن حواراتك وحابة تخلص من الجوازة داي بأي كلام أصل ما فيش واحدة هتقول على بتها إنها ملبوسة ولا معمول لها عمل وخصوصي إن بتها بنتة جميلة وزينة وهتملى العين والنظر ولا معمول لها عمل ولا نيلة.

رد على أمه بسخرية شديدة:

ـ إيييييهه ولما هي بنتة جميلة وزينة وهتملى العين والنظر كيف ما هتقولي ليه اتطلقت وبقت من المطلقين بعد شهرين من جوازها يا حاجة، إذا كان اللي بيتكلم مجنون فاللي هيستمع عاقل؟

ابتسمت له بوجاهة وهي بترد عليه:

ـ بس يا واد ما انت كمان مطلق هي أي واحدة مطلقة من جوزها تكون فيها عيب ولا حاجة لا سمح الله؟
ما هو ممكن يكون هو اللي طهقها في عيشتها أو ليها حمى طهقتها في عيشتها، أو كيف ما أمها بتقول عِملت لها عمل وممكن يطلع كلامها مظبوط كمان ليه تخسر جوازتك من بنته كيف القمر علشان التخاريف اللي في رأسك داي.

ابتسم بنفس السخرية على رد أمه:

ـ ماشي يا حاجة أدينا ورا الكذاب لحد باب الدار، هنشوف إذا كانت ملبوسة ولا أمها هتقول أي كلام وخلاص فأنتي رايدة مني إيه دلوك؟

طمنته باللي هي عرفته وكانت ناوية تخبيه:

ـ علشان تعرِف إن أمها عايزة تفشكل الجوازة وخلاص اني رحت لشيخ وسألته عنيها وكنت واخدة معاي قطرها اللي لقطته واني خارجة عنديهم وما حدش دري بيا والشيخ قال لي إنها مش ممسوكة ولا فيها حاجة ودي اللي خلانا أتوكد إن أمها عايزة تطفش الجوازة واني وكدت لها إننا شاريين وراضيين وما هنشتكيش كمان.

ضحك "سمير" وهو بيضرب كف على كف ولأنه فاهم المواضيع دي كويس جداً عشان أكتر وقته في الشارع ومصاحب ناس كتير من النوعية دي ما وراهاش غير الجري ورا الدجل والأعمال:

ـ أه أمال إيه فما عرفتش تأخد معاكي حق ولا باطل وهتمشي الجوازة اللي كانت عايزة تطفشها، عموماً ياما بكرة المستور ينكشف ونعرِف كل حاجة لما أبقى اني وهي في أوضة واحدة ويتقفل علينا باب واحد.

نصحته بشدة وهي بتأكد عليه كلامها:

ـ شوف يا "سمير" اني عايزاك تعامل مرتك زين وتحن عليها وما تخليهاش تكش ولا تخاف منك، ما عايزاش فضايح من أول يوم واللي كنت هتعمله في "نغم" من ضرب وإهانة وبهدلة ما تعملهوش ويا دي، "نغم" ما كانش ليها أب ولا أخ يقف قصادك واني كنت دايماً هقف جارك أما داي ليها بدل الأخ تلاتة وليها أب له شنة ورنة في حتتهم يعني ما هتعرفش تاخد وياهم حق ولا باطل، وكمان سمعت إن أبوها وخواتها شداد قوي وما يقبلوش عليها الهوا وعِندهم استعداد يطخوك بالنار ولا إنك تقرب ناحية بتهم.

احمرت عينيه بعصبية لما سمع كلام أمه وعرق الإجرام اللي جوه ظهر:

ـ يعني إيه يا حاجة ما هعرفش أحكم على مرتي بكلمة ولا هعرف أخد راحتي وياها بقى دي الأصول ودي الجواز وعلى أخر الزمن "سمير الناجي" مرته ما هتمشيش تحت طوعه وهيخاف من أبوها وخواتها يبقى بلاها الجوازة داي، اني راجل دمي حر وهحب أحكم على مرتي وأعمل فيها ما بدالي وما حدش يتدخل بيناتنا واصل.

ضربت على رجليها بحسرة من كلام "سمير" وخافت من نظرته ولهجته وقعدت تأنب نفسها:

ـ يا مرك يا "رابحة" يا حزنك يا "رابحة" في ولدك اللي ما هيفهمش كلامك عاد، بالطريقة دي ما هتلاقيش مرة تعيش وياك وهنلمك كل شوية من الكباريهات ومسيرك هتقع في يوم من الأيام تحت يد الحكومة مع بت من بنات الليل اللي هتروح لهم كل عشية، اني عايزة أعفك يا ولدي وأشدك من الحرام والوحل اللي هتعيش فيه وبصراحة اكده ما هيليقش علينا واصل.

رفع شفايفه باستنكار ورد عليها وهو بيتهرب من اتهامتها ليه:

ـ وحل... وحل إيه اللي هتتحدتي عنيه دي يا أم "سمير" ما تكبريش المواضيع وقولي عايزة إيه مني إيه من الأخر وإني هعمل اللي أنت رايداه بالحرف الواحد معايزش ندب من أولها.

كررت نصايحها تاني بتأكيد:

ـ تعمل اللي هقول لك عليه واصل؛ تعامل مرتك بما يرضي الله وتسيبك من عرق الإجرام اللي جواك دي ما عايزاش أسمع عنك انت ومرتك إلا كل سمع خير شوف أخوك "سند" هيعامل حريمه كيف والإتنين ضراير وهيخليهم يحبوا بعض وهيحضروا مناسبات لبعض وانت ما هتعرفش تعيش مرة على ذمتك يا "سمير" اتظبط يا ولدي انت ما عدتش صغير عاد وأني مهعيشلكش طول العمر علشان ألم وراك.
                    ******
أخيراً بعد ساعات انتظار طويلة جداً راح لها، كانت مستنياه وهي في كمال جمالها غير العادي، كانت لابسة روب لونه كناري تحفة جداً عليها مع بطنها البارزة مديها هيئة تسحر القلوب والعيون، أول ما دخل كان شكله غريب بينفخ، ومبصش عليها ورمى عبايته وشاله ومبصش عليها، وهي من غير ما يتكلم عرفت سبب تغير ملامحه وقلبها دق بخوف، جريت عليه وقعدت قدامه ولسه هتمد إيديها وتمسك إيديه وتتكلم بعدها عنه وهو بيقول لها بزهق:

ـ بعدي عني مطايقش حتى أبص لك ولا طايق الدنيا باللي فيها، وإنتي بالذات مرايدش أتحدت وياكي واصل.

قربت منه وهي بتحاول تشرح له موقفها وبتحاول تلمس إيده:

ـ افهمني بس يا "سند" انت خابر زين موقفي ومشاعري ناحيتك كيف، بس أني مهحبش خراب بيتك وعيالك يتشتتوا والناس تقول إني السبب وإن أني اللي فرقتك عن عيالك، والله نيتي كانت صافية ومريداش "دعاء" تنفذ اللي في رأسها.

كان من جواه موجوع منها ومن تنازلها عنه بالسهولة دي وقدام "دعاء" كمان:

ـ يعني هو كلام الليل مدهون يصبح عليه النهار يسيح يا "نغم" هانم؟ يعني لو كانت "دعاء" وافقت كنتي هتتنازلي عني بسهولة اكده؟
أني نفسي أفهم اني مليش قيمة ولا لازمة عِندك للدرجة داي؟

وكمل بوجع وخذلان منها:

ـ نفسي مرة ألاقيكي دمك حامي وست كيف أي ست هتحب جوزها وتدافع عن وجوده في حياتها بالفم المليان، إنتي كل مرة بتديني درس في الخذلان منك ميتنسيش واصل وهيفضل معلم في القلب، امبارح طلعتيني وياكي في التليفون لسابع سما والنهاردة لما العيون اتقابلت خذلتيني قدامها ونزلتيني لسابع أرض، تُبقي غلطانة ولا مش غلطانة وما رايدنيش أزعل كمان؟

ملامح وشها بقت حزينة من عتابه ومطت على شفايفها بحزن وهي بتبص للأرض وحاسة بالخجل من نفسها واعترفت له:

ـ غلطانة يا "سند" ما تزعلش مني والله ربنا الأعلم بالنوايا، خلاص بقى بزيادانا زعل ونكد عاد.

وقربت منه وهي بترتمي في حضنه وبتشدد عليه جامد:

ـ اني اتوحشتك قوي قوي يا "سند"، وحشني حضنك وضمتك ليا، وحشني دفا أنفاسك عاد، بقالك شهور بعيد عني وهتعاقبني واني خلاص جبت أخري ومهتحملش أكتر من اكده واصل.

غمض عيونه في قربها، كان بيستمتع بضمتها ليه، هي كمان وحشاه جامد، حضنها وريحتها وقربها وكلامها وكل حاجة فيها، رفع إيده باستسلام وشدد على حضنها جامد واتجاوب معاها:

ـ وأني كمان اتوحشتك قوي يا قلب "سند"، بس أني معذور بردو العتاب على كد المحبة، وإنتي مش بس حبيبة "سند" إنتي روحي وصدره الحنين اللي هيتمنى يترمي جواه كل ليلة علشان ينسى جواه ومعاكي أيامه الصعبة.

وكمل كلامه وهو بيخرجها من حضنه وبيحضن وشها بين كفوف إيديه:

ـ بس رايدك تكبري عقلك الصغير دي إنتي خلاص كبرتي وبقيتي أم ومسؤولة وزوجة كمان لازمن تُبقي قوية وتكبشي من الزمن والأيام حقك وتتمسكي فيهم بيدك وسنانك.

ابتسمت ابتسامة واسعة وعيونها أخيراً لمعت بالفرحة وردت بمرح وشقاوة:

ـ لااه متقلقش علي أني خلاص بقيت بسبع ألسن، بقى اللي يغلط فيا أدي له على دماغه علطول بس ببقى رد فعل مش فعل للغلط أبداً.

ابتسم على طريقتها وكلامها الطريف وشدها من إيديها وقعدوا الاتنين على طرف السرير وهو بيرجع خصلات شعرها لورا وبيسألها بحماس:

ـ وإيه تاني يا ست "نغم" اشجيني، الظاهر إحنا بقينا أشقيا قوي وما هنعرفش نتحدت وياكي تاني واصل.

ضحكت على كلامه ومسكت إيديه وهي بتحكي له:

ـ اه أمال إيه ماني رباية "سند الناجي" عاد يعني لازمن أكون تلميذة شاطرة وأتعلم منه الرد بفن وأتعلم منه ما أسيبش حقي واصل وما أتنازلش عنه أبداً مهما حصل، لدرجة إنك ما عرفتش إن في واحدة كانت هتلقح علي في السوق من الحريمات اللي ما وراهمش غير الكلام والحديت عمال على بطال واني بقى أخدت حقي تالت ومتلت.

برق عينه وطبعاً عمل نفسه ما يعرفش لكن هو عارف كل حاجة من "جليلة":

ـ بقيتي من الحريم اللي هتتخانق في الأسواق وتصد وترد قولي كلام غير دي عاد؟

حركت راسها بحماس وهي بتبتسم وفخورة بنفسها وهي بتحكي له:

ـ أرد إيه عاد انت مفكرني اني هقف قصاد واحدة كيف داي وأعلي صوتي في السوق وأفرج الناس علي؟ لااااه مش دي اللي انت علمته لي واصل ، انت علمتني ان أخد الحق حرفة، 
بقيت بتدلع قصاد "جليلة" وأتكلم عنك إنك جوزي وحبيبي وأبو ابني اللي في بطني وإنك جبت لي حقي قصاد السوق كلاته قبل سابق ومستعد تهد الدنيا كلاتها علشان خاطري لو عرفت بس إن حد زعلني أو جاب سيرتي، وأول ما سمعت الكلمتين الأُخار دول وإنها ممكن تقف تعتذر لي عن غلطها قدام الناس كلاتهم جريت من قدامي وخافت على روحها من الكاسفة ومن جوزها واللي هيعملوا فيها لما يعرِف واني و"جليلة" فضلنا نضحك عليها وهي هتفط فط من قدامنا وترمح كيف القط الهربان.

رفع حاجبه باستمتاع لحواديتها اللي طبعاً عارفها كويس وبقى مبسوط من رد فعلها ونظرات القوة اللي بتتكلم بيها ورد عليها باستحسان:

ـ عال عال بقيتي يتخاف منك يا "نغم الناجي" ومكرك كمان بقى في ليفل عالي، بس اوعاكي تستخدميه وياي حكم أني كاشفك ومربيكي على يدي.

قربت منه أكتر ونامت على صدره وهي بترد عليه بحنين ولهفة:

ـ شوف يا "سند" انت في كفة والدنيا كلاتها في كفة تانية، انت ما تعرفش انت بالنسبة لي إيه والله لحد دلوك ما هتتخيلش اني شايفاك كيف، انت بالنسبة لي روحي اللي بمشي بيها على الارض،و كرامتي اللي محفوظة على اسمك، كبريائي اللي الناس بتعمل لهم ألف حساب علشان اني على ذمتك، وفوق كل دي هعشقك كد روحي وعمري وعدد أنفاسي كمان.

شدد على أحضانها جامد ورد بنبرة خشنة مبحوحة وصوت أجش من فرط إحساسه بيها:

ـ ولكي بالمثل ويزيد كمان.

وهمس لها جنب أذنها برغبة:

ـ وحشتيني قوي قوي، وحشتيني لدرجة إني خايف عليكي مني، ضميني قوي يا "نغم".

شددت على ضمته جامد وما كان منه إلا إنه قرب منها ينهل من نعيمه وحلاله في قربها، النعيم اللي انحرم منه شهور علشان بس لما يقرب منه ويقطفه يحس فعلاً إنه خارج من روحها وقلبها ومن كل أعماقها، نعيم اختيار مش إجبار، ودخلت "نغم" سندها لعالمها الخاص الرقيق الناعم، بمشاعر متوصفهاش الكلمات ولا حتى دفاتر ألف ليلة وليلة، وفي أخر ليلتهم طلع لها الهدايا اللي جابها لها من العمرة هي وابنه اللي في بطنها وبقت فرحانة بيهم جداً وخصوصاً السلسلة المصحف اللي هو مختارها لها مخصوص وكمان كل حاجة جابها لها كانت بتعبر عن مدى حبه ليها وبالنسبة لها كانوا كأنهم كنوز الأرض وشكرته بطريقتها الخاصة الرقيقة وهو كان خير مرحب بها وبدلالها ورقتها.

                   ******* 

وأخيراً جه اليوم المنتظر لـ"رابحة" و"سمير" دخول "سمير" على "نورة" وكانت عاملة لهم ليلة عازمة فيها ناس كتير والطبل البلدي والمزمار وعملت أكل وعزايم تكفي أهل العزبة كلها وكأنها بتجوزه لأول مرة وكأنه ما عندهوش عيال وما دخلش دنيا قبل كده بس كل ده بتعمله في وجهة نظرها علشان تغيظ "نغم" وتعرفها أنها جوزت "سمير" ست الستات وطبعاً كل ده و"نغم" مش شايفاه لأنها قررت أنها ما تنزلش خالص ولا تحضر أي حاجة تخص "سمير" وده طبعاً قرار "سند" قبل قرارها، كانت قاعدة "نورة" في الفرح وسط الستات عينيها مسهمة وباصة في الأرض ومشبكة إيديها في بعضهم وما بتتكلمش خالص ولا حتى بتحرك وشها يمين ولا شمال فقربت "رابحة" منها وحاولت تمسك إيديها بحنية لكن اتفاجأت من "نورة" بتغرز ضوافرها في إيد "رابحة" فانصدمت من حركتها لدرجة إن إيديها طلعت دم وفكيتها منها بالعافية وهي بتسألها برعب:

ـ مالك يا بتي فيكي حاجة أو تعبانة؟

هنا جت أم "نورة" وراها وهي بتقرب منها وبتطبطب على بنتها وبتبص لها جامد وردت على "رابحة" لما شافت أثر الدم على إيديها:

ـ ما تخافيش يا أم "سمير" هي زينة هي أعصابها متوترة علشان دخلتها النهاردة وانتي واعية لها البنتة اللي هتستحي ما بتبقاش دريانة بحالها كيف.

"رابحة" ابتسمت لها بوش باهت وسابتها وبعدت عنها دخلت الحمام غسلت إيديها وطهرت الجرح مكان غرز ضوافرها ومن جواها حاسة إن في حاجة غريبة ومش مطمنة لكن قررت إنها تعدي الليلة وبكرة كل شيء ينكشف ويبان، بعد ما خلص الفرح طلعت أم "نورة" مع بنتها وهي بتقول لها بتحذير وقسوة:

ـ يمين بالله يا "نورة" إن ما لمتيش روحك وهديتي من الجنونة بتاعتك داي لاهشيع لك أخوكي "كرم" يشوف صرفه وياكي وانتي خابرة زين "كرم" هيعمل فيكي إيه؟ نفذي اللي قلت لك عليه بالحرف الواحد وافتحي بقك خدي الحباية داي.

حركت "نورة" راسها بجنون وهي بترد على أمها:

ـ لااه حباية لا ياما و"كرم" لااه حرام عليكي إلا "كرم"، و"سمير" دي إني هخاف منه هيبص لي برعب هشوفه شيطان ياما.

طلعت أمها التليفون وهي بتمثل قدامها إنها ترن على "كرم" علشان تزود تخويفها:

ـ شوفي يا بت اني ما صدقت إنك اتجوَزتي وخلصت منك ومن قرفك هرن على أخوكي طالما ما عايزاش تسمعي الكلام.

قامت "نورة" تلف في الأوضة زي المجنونة وهي بتحاول تمسك التليفون من أمها لكن أمها مسكت ذراعها ولوته ورا ظهرها وهمست في ودانها بفحيح:

ـ هتسمعي الكلام ولا لااه جبر يلم العفش، يمين بالله يا "نورة" لو ما أخدتي الحباية دلوك لأهنادي لـ"كرم" وكل خواتك كمان.

حركت "نورة" راسها وعيونها مبرقة بخوف ورعب وأخدت الحباية وما فيش عشر دقائق لقيت نفسها جسمها مخدل تماماً وعينيها بتبص حواليها في الأوضة وشايفة كل حاجة لكن فاقدة إحساس بكل اللي حواليها ومجبرة إنها تكمل ليلتها زي ما القدر هيوديها ليها بدون أي تحكم في مشاعرها ولا إحساسها ولا جسمها لحد ما دخل "سمير" لقاها لابسة روب أبيض أمها لبسته لها وقرب منها وهو بيبص لها باشتهاء ورغبة لأنها فعلاً جميلة جداً في الشكل وتخلي أي راجل ينبهر بيها وبجمالها وبطبيعتها، ما عارضتهوش في لمساته وبدأ يقرب منها وهي مستسلمة تماماً بجسمها ليه وطبعاً "سمير" في أي علاقة ما بينه وما بين ست بيتعامل بكل إجرام بدون ما يراعي مشاعر الوجع ولا يراعي حلال ربنا وحرامه وبدأ يمارس معاها العلاقة بأبشع الطرق وهي تتوجع من غير ما قادرة تحرك جسمها ولا تدافع عن نفسها بسبب الحباية اللي أمها إدتها لها، وفضل لنص الليل يأخد منها حقه كراجل لكن مش بالحق أبداً وهو بيبص لملامحها كأنها "نغم" اللي قدامه مستسلمة تماماً للوجع لحد ما جسمها كله بقى معلم بآثار عنـ.ــفه عليها ونام هو من التعب وهي ما بقاش فيها حتة سليمة من النـ.ــار اللي قايدة في جسمها كله لحد ما أثر الحباية بدأ يروح وافتكرت كل اللي عمله فيها وقامت زي المجنونة جابت حبل وهو نايم غايب عن الوعي من الشرب والسكر وتعب جسمه وياها وبدأت تربط فيه من كل حتة وهي بتبتسم بجنون وكأنها بتـ.ــنتقم لحقها من اللي عمله فيها طول الليل وراحت على التسريحة بصت عليها بعيون مبتسمة بشر وجابت المبرد بتاع الضوافر وبصت على كل حتة في جسمها معلم فيها بضوافرها وبسنانه وعملت نفس اللي عمله فيها لحد ما فاق وصحي من الوجع لقى نفسه متربط وهي ماسكة المبرد في إيديها وبتبص له بصات جنونية فسألها باستغراب وخوف شديد:

ـ مالك يا بت المجانين إنتي هتعملي فيا إيه عاد فكيني يا واكلة ناسك فكيني يا إما هقـ.ــتلك بيدي وأرميكي للكلاب السكك يا بت الجزم إنتي.

كانت قاعدة فوقه بنفس طريقته وهو فوقها وهي ماسكة المبرد في إيديها وبتحركه قدام عينيه يمين وشمال وبتبص له بنظرات جنونية وقربت منه لحد ما....

                  ********

تعليقات